الجمعة , 25 مايو 2018

الإدارة والتنمية المحلية

بقلم

الاستاذ عمار بوحوش، جامعة الجزائر (3)

هناك جدل يدور بين المفكرين والباحثين في علم التنظيم السياسي : هل نعتمد على نظرية التنظيم الجزئي (Micro Theory) أو نظرية التنظيم الشمولي (Macro Theory) وأيهما أحسن واكثر ملاءمة لأي بلد؟ وبعبارة أخرى، هل نشرع في التنظيم من القاعدة ثم ننتقل إلى القمة أو العكس لأن تنظيم المبنى على القيادة هو الذي ينفع البلاد والعباد.

وفي رأي هذا الباحث، أن للتنظيم الفوقي مزايا وعيوب، وللتنظيم القاعدي مزاياه التي لا تعد ولا تحصى. فالتنظيم الجزيء، مثل التنظيم العائلي، هو الأنسب والأحسن للتنمية في الإدارة المحلية.

إنه لمن الواضح أن أساس التنظيم هو خلايا العمل الصغيرة وذلك نظرًا لسهولة التحكم في خلايا العمل وتهيئتها بقصد بناء المؤسسات الصغيرة التي تعتبر هي الركيزة القوية لتشييد بناء متين يصمد في وجه أية عاصفة تهب عليه.

إن هذه المقدمة الصغيرة قد أتينا على ذكرها بقصد إثبات حقيقة أساسية في علم السياسة وهي الترابط المتين بين علم الإدارة (الذي يتعلق أساسًا بالقيادة ودورها في إعداد السياسات العامة للدولة) وكذلك إدارة التنمية المحلية التي تعتبر هي الركيزة الأساسية للإنتاج المحلي ومشاركة المواطنين في بناء بلدياتهم وولاياتهم والتفاخر بهم أمام الآخرين.

 

محاضرة ألقيت في ملتقى: الاصلاح الإداري في التشريعات المغاربية: واقع وآفاق، بجامعة طاهري محمد، بشار، يومي 12-13 أفريل 2017.

وبهذه المناسبة، دعني أوضح أن مشكلة تنمية الإدارة المحلية تنبع من التجاء كبار المسؤولين في الدول العربية إلى اقتباس وتقليد النموذج الفرنسي في شمال إفريقيا وتقليد النموذج الأنجلوسكسوني، بدون مراعاة للبيئة الداخلية. إن نمط الإدارة الذي كان سائدًا قبل الاستقلال يختلف جوهريًا عن نمط الإدارة الحديثة في عهد الاستقلال. فإذا كان النظام السياسي في القديم يسعى للاستئثار بالسلطة والثروة والنفوذ ولا يبالي بالمناطق النائية والبلديات الفقيرة، فإن دور النظام السياسي في عهد الحرية والاستقلال يتعين عليه أن لا ينشغل بحماية كيانه ومصالح المشتغلين به، بل يجب عليه أن يوجه عنايته إلى البلديات الفقيرة وينصفها بالحصول على الأموال اللازمة لتطوير نفسها بنفسها وإعطاء فرص للقادة المحليين أن يشمروا على سواعدهم ويقودون بلدياتهم وقراهم إلى تحسين الأوضاع التعليمية والصحية والخدمية. وكما هو واضح من السياسات العامة للدولة، فإن المشكل فيها يكمن في صعوبة الحصول على الوظائف والرزق في الريف، ومن أراد أن يحصل على عيش رغيد يتعين عليه أن يهجر قريته ويلتحق بالمدن الكبرى التي تتوفر على وسائل هائلة لتقديم خدمات جيدة للمقيمين بها.

مفهوم الإدارة الحديث

إن كلمة ” إدارة ” (Administration) وكلمة (Management) يختلفان باختلاف الوظيفة. فالإدارة تعني، باختصار، الحكومة أو السلطة المسؤولة عن التنفيذ. ولهذا فإن حديثنا عن الإدارة الجزائرية يعني الحكومة الجزائرية التي يترأسها السيد عبد العزيز بوتفليقة وكلامنا عن الإدارة الأمريكية يعني الحكومة الفدرالية الأمريكية التي يرأسها ” ترامب ”. أما كلمة Management فإنها تعني الإدارة التي تختص بدراسة المشاريع وإيجاد الحلول التقنية لها. إنها تقوم على أساس: ما هو المشكل وما هو الحل؟ وباختصار، إنها الإدارة العلمية أو التقنية التي تختص بالاستشارات التقنية وإيجاد الحلول للقضايا الميدانية. إن كلمة Manager تعني المدير المتخصص والمشرف على تطبيق تقنيات العمل في مجال تخصصه.

وفي الحقيقية، يمكننا أن نقول أن مشاكل الدولة في وضع السياسات العامة تكمن في صعوبة التحكم في الديمغرافية أو سياسة الحد من الزيادات الهائلة للسكان، قلة الموارد المالية وخاصة بعد انخفاض أسعار البترول، واستيلاء السلطة التنفيذية على جميع السلطات التي تخص البرلمان والقضاء، وغياب المحاسبة في حالة تجاوز الصلاحيات. لكن المشكل الجوهري يكمن في تسيير أمور الأمة بمراسيم فوقية يصعب تغييرها أو تعديلها أو إثرائها إلّا بالرجوع إلى القيادة السياسية، وهذا يتطلب وقتًا طويلًا وبيروقراطية يصعب دفعها إلى معالجة القضايا بطريقة سريعة وبكفاءة عالية.

المشكل هنا يكمن في نظرة الناس إلى القانون كأنه أداة مقدسة ولا يمكن تغييره إلّا بموافقة من وضعه، أي المؤسسات العليا في الدولة، بينما نحن في علم التنظيم نعتبر القانون وسيلة للعمل وأداة لتحقيق الأهداف المنشودة. فما الفائدة من قدوم أي موظف إلى مكتبه كل صباح ولا ينصرف إلّا في المساء وذلك باحترام القانون لكنه يمضي وقته في قراءة الجرائد ولا يقوم بواجباته بكفاءة عالية؟ إن القانون في هذه الحالة يحمي الكسالى والمتحايلين عليه، والحل الصحيح لهذه المعضلة هو السماح للمؤسسات أن تسير نفسها بنفسها وتضع القوانين والاجراءات الداخلية التي تنطبق على عمالها. وبعبارة أخرى، ينبغي تسيير المؤسسات بالقوانين الداخلية Rules وليس القوانين الفوقية الملزمة (المراسيم). فالقوانين الداخلية التي تنبع من المؤسسة يمكن تغييرها وتعديلها وإثرائها إذا اقتضى الأمر بدون الرجوع إلى السلطة العليا لتغييرها، سواء كانت المراسيم صادرة عن السلطة التنفيذية أو التشريعية.

 

التنمية المحلية هي ركيزة انتعاش السياسات العامة

عند تدريسنا للعلوم السياسية نحرص على توضيح حقيقة جوهرية لطلبتنا وهي أن الحكومة الواعية والرزينة، هي التي تركز بنسبة 90% على صياغة سياسات وطنية متماسكة وهادفة إلى تحقيق التقدم والرفاهية لشعبها، والعبرة نأخذها من الدول المتقدمة. ففي الحملات الانتخابية بالولايات المتحدة الأمريكية لا تحظى السياسة الخارجية إلّا بنسبة 5% والمواطنون الأمريكيون يصوتون بنسبة 95% على برامج التنمية المحلية. الحزب الذي يقدم برامج تنمية محلية هو الذي يحظى بالفوز في أية انتخابات وطنية أو محلية.

العبرة من هذه الفكرة أن المساهمة الشعبية في أعمال ونشاطات الجماعات المحلية، لها أهمية كبيرة لأنها تنبع من اعتبارها مساهمة للإبداع والقيام بمبادرات والاعتماد على النفس. فالبرامج التي تقدمها الأحزاب تهدف إلى غرس الثقة في نفوس المواطنين. كما أن المساهمة الشعبية تعتبر وسيلة تحفيز للطبقات الفقيرة في المجتمع المحلي لجعلهم منتجين للخدمات التي يحتاجون إليها بدلًا من اعتبارهم مستهلكين للخدمات التي ينتجها غيرهم.

وبهذا الصدد دعنا نتذكر بعض التجارب التي حاول بعض قادة الدولة الجزائرية أن يقوموا بها بقصد تقوية النظام السياسي وخلق الاستقرار في البلاد. ففي عهد الرئيس هواري بومدين برزت إلى الوجود فكرة بناء 1000 قرية لتجميع السكان في أماكن محددة وتوفير الماء والكهرباء والطرقات لهم حتى يتمكن سكان كل قرية من تنظيم أنفسهم وبناء مجتمع محلي قوي، مكتفيًا ذاتيًا وقادرًا تحديد مشكلاته بنفسه وحلها على مستواه. وقد كانت البداية بقرية الجرف عين نحالة في عام 1971حيث أظهر الرئيس بومدين عزمه على توحيد أبناء المجتمع المحلي إلى درجة أن يصبح من الصعب تهميشه أو تجاهل حاجاته. إنه كان يرمي من وراء ذلك إلى تقوية التعاون بين سكان كل قرية وتمكينهم من القضاء على الفقر والجوع والعزلة. إن دور الدولة في هذا المجال، هو خلق عدالة اجتماعية في كل قرية، وتوفير الدعم لمن يشتغل وينتج بحيث يفيد ويستفيد. غير أن هذه التجربة باءت بالفشل، شأنها في ذلك شأنها في ذلك شأن التعاونيات الزراعية، لأن التنمية المحلية لم تقترن بوجود إرادة سياسية.

ونفس الشيء يمكن أن يقال عن توجه الرئيس هواري بومدين لبناء دار ثقافة في كل ولاية من ولايات الجزائر. فقد كانت خطته تقوم على أساس استثمار الدولة في بناء مؤسسات لنشر العلم والثقافة والتخلص من الجهل والانطواء على النفس. إن وجود مؤسسات ثقافية تتمتع بهياكل قانونية وشرعية، تحصل على ميزانيات مالية ومسؤولين محليين يتحملون الأعباء الملقاة على عاتقهم، أعطى فرصة لسكان الولايات المعزولة والمحرومة فرص كثيرة لغلق الثغرات الموجودة بين المدن الكبرى وبين مدن الريف الجزائري. غير أن الدولة سرعان ما تخلت عن الدعم المالي وأغلقت تلك المراكز الثقافية أبوابها ولم يكن في إمكانها تحقيق الأهداف المسطرة من طرف القيادة السياسية.

وفي عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أظهر قائد الدولة رغبته الكبيرة في انتهاج سياسة وطنية رائدة بفتح محلات للتنمية الاقتصادية في كل ولاية وتوزيعها على الشبان العاطلين عن العمل. إلّا أن هذه المحلات تعاني في معظمها من الإهمال والصعوبة في الانجاز وقلة المردودية.

الادارات المحلية تعاني من الاختلالات في السياسات العامة

هناك محاولات تجري للقيام بإصلاحات إدارية وسياسية لإنجاح خطط التنمية الوطنية والمحلية، لكن نتائج هذه الاصلاحات كانت مخيبة للآمال في معظم الأحيان. إنه لمن الملاحظ أن الاصلاحات السياسية ومشاريع التنمية التي انطلقت منذ 1962 لم تغير كثيرًا من جوهر الأمر وهو أن 95% من مداخيل الدولة المالية لازالت تأتي من النفط ولم يتم تنويع المداخيل المالية بالرغم من هذه الاصلاحات المتواصلة، والسبب في ذلك هو ضعف الوسائل والهياكل التنظيمية التي ينقصها التنسيق بينها على كل المستويات. إن مشكلة العمل في المؤسسات المركزية للدولة هي الاعتماد على الشكلية والتقارير الرسمية والجمود ومقاومة التغيير. وكما قال ميشيل كروزيي  (Michel Crozier)إن الادارة الفاشلة هي الادارة التي تعتمد على سياسة التنمية والتغيير بالمراسم ولا تنزل إلى الميدان وتتعامل مع القضايا الادارية والسياسية بواقعية وتستجيب لحاجيات السكان الحقيقية.

نستخلص من ما تقدم، أن الأجهزة المركزية للدولة تحولت إلى مراكز قوة هائلة تسيطر على الموارد المالية بدون رقابة جدية على الخدمات التي تقدمها للمجتمع. إن الاسلوب الحالي للعمل الاداري في الادارات العمومية ومؤسسات الانتاج يتمثل في معالجة قضايا التنمية بلوائح وضوابط قانونية يمكن وصفها بأنها عبارة عن عمليات ترقيع وسد ثغرات النقائص بدون التطرق إلى الجوهر وهو إسناد صلاحيات العمل الانتاجي إلى الوحدات المنتشرة في ربوع الوطن. إن الحل المثالي للترهل البيروقراطي والاكتفاء بالعمل في إطار الاجراءات الروتينية هو: إعادة النظر في توزيع الثروة وتقديم الدعم المباشر لوحدات الانتاج وإدارة الخدمات المحلية التي تثبت كفاءتها وفعاليتها على كل المستويات.

لهذا، فإن النظام الجديد لهندسة العمليات الادارية Re-inventing government يقوم على أساس التخلص من عمليات ترميم الادارة (سواء كانت هذه الادارة في القطاع العام أو الخاص) وإعادة بناء هياكل جديدة تستجيب لمتطلبات العمل الفعال. إن هذه الفكرة تقوم على أساس التخلص من أية مصلحة إدارية تظهر عجزها في مجال عملها وعدم بقائها على قيد الحياة حتى لا تنقل العدوى إلى غيرها. إن الجهة التي تفشل في أداء واجباتها المناطة بها، تفقد بقاءها على قيد الحياة.

 

 

حتمية إعطاء الاستقلال المالي والاداري للمؤسسات المحلية

إذا كانت فلسفة التربية والمنهجية في علم النفس تقوم على أساس اعتماد كل شخص على إرادته وبناء مستقبله بنفسه وحصوله على الدعم من أهله لبناء مستقبله أثناء فترة النمو وكفى، فإن نفس الفلسفة تنطبق على المؤسسات المحلية للدولة. فهي في حاجة ماسة إلى دعم مالي وسياسي بحيث تتمكن من التصرف في أموالها وتقوم بالعمليات الابداعية والمبادرات البناءة بدون قمع من السلطات المركزية. إن سياسة الاعتماد على النفس والمشاركة الشعبية فيما يتعلق بالتنمية المحلية هي خارطة طريق صالحة في كل زمان ومكان. إن التغيير الرسمي الآتي من أعلى والذي يعطي شعورًا زائفًا بالتحكم في مسار التنمية، هو تغيير يبدو ظاهريًا سليم من الناحية الشكلية غير أنه غير حقيقي وغير كافي لمعرفة الاحتياجات الأساسية للسكان المحليين. إنه في إمكان أي إنسان أن يلاحظ بأن الادارات المركزية تقوم بتدريب الكوادر المحلية وإعدادها لتحمل المسؤولية في المناصب التي تسندها لها. وفي الحقيقة أن هذا التدريب في مؤسسات التكوين غير مجدي لسبب بسيط وهو أن المتدرب لا يسأل ماذا يُريد أن يتخصص فيه وما هو مجال العمل الذي يميل إليه ويعتبره يتماشى ومهاراته. وعليه، فالكمبيوتر هو الذي يوجهه إلى التدريب في وظائف ليس له براعة فيها، وبالتالي تكون النتيجة سلبية. والصحيح هو أن تقوم المؤسسات المحلية بالبحث عن احتياجات كل مؤسسة وتجري مسابقة لانتقاء المترشحين وتدريبهم في ذلك التخصص، وعند انتهاء مدة التدريب يتم توظيفهم بتلك المؤسسات التي أبدت رغبتها وحاجتها لتوظيفهم في مجال تخصصهم. لأن طرق التدريب الخالية بدائية وغير ملبية لاحتياجات المؤسسات بسبب عدم التركيز على محتوى برامج التدريب ونوعية الخبراء المختصين والفترة الكافية لتغطية برامج التدريب. ثم إن المتدربين يتحصلون على شهادات ورقية وليس لهم خبرة وكفاءات مهنية وبالتالي يتم رميهم إلى الشارع لكي يحتضنهم.

الفكرة الأساسية التي يجب أن ترتسم بالذهن أن عمليات التطوير والتغيير في أية مؤسسة لن تكون ناجحة إذا لم تقم على أساس مشاركة الجماعات المعنية بالتغيير، في إبداء آرائهم والتعبير عن وجهة نظرهم بصفتهم قوة داخلية ذات حق في مناقشة أي موضوع يعنيهم. إنه لمن الواضح أن العقبة الكبيرة في وجه الاصلاحات السياسية والادارية النابعة من السلطات المركزية هي أن القرار النهائي في أي مشروع يعود إلى الجهات العليا المسيطرة على الهياكل التنظيمية بدعوى الحصول على الموافقات الرسمية وتحقيق المزيد من الضبط والرقابة والسيطرة قبل حدوث المشكلات الطارئة، بدلًا من إشراك الأطراف ذات العلاقة في التنفيذ. إن كل متمعن في هذه المسألة يلاحظ عدم تطابق وجهات نظر المكلفين بوضع السياسات العامة وبين الجمهور المستفيد. ونتيجة لغياب المشاركة من طرف الأطراف المعنية بالموضوع الذي تقره المصالح المركزية لوحدها وبمفردها، تتحول أهداف الكثير من الممارسات الاصلاحية إلى الحفاظ على مصالح المؤسسات المركزية والعاملين بها ولا يبالون بالنتائج النهائية.

هناك من يزعم أن ممارسات الجهاز الحكومي المركزي يغلب عليه الطابع السياسي، وبالتالي، فالمشكل يكمن في غياب المساءلة والمتابعة من طرف الجهات الأخرى أو السلطات الأخرى العليا في الدولة، مثل وزارة العدل والسلطة التشريعية والسلطة القضائية. إن ضعف السلطات الموازية للسلطة التنفيذية هو ما أدى إلى ضعف الرقابة والمحاسبة على الأعمال التي تقوم بها الادارات المركزية. ولهذا توجد قوى واحدة مسيطرة بدون حساب أو رقابة موازية سواء من طرف لجان السلطة التشريعية أو السلطة القضائية.

إن الواقع الجديد للتنمية المحلية يفرض على الدولة خلق التعاون المتين بين المؤسسات المركزية التي تتولى توفير الدعم والمتابعة والمراقبة، ومؤسسات التنمية المحلية التي تتولى عمليات الانتاج والانجاز. إن الانسان يتساءل هنا: لماذا لا تقدم الدولة على تغيير استراتيجيات الدعم الحكومي للمؤسسات المحلية وخاصة انشاء الصناديق المالية الخاصة بدعم ميزانيات البلدية وتمكينها من تحقيق اهدافها الخاصة بها؟ ففي كثير من الدول تستعين منظمات المجتمع والإدارات المحلية بالأموال والإيرادات اللازمة لإنجاز ما يتفق عليه أبناء المناطق النائية. وفي حالات معينة، تقوم الجماعات المحلية برصد 50% من ميزانياتها للمشاريع الكبيرة والسلطات المركزية تخصص الباقي من المبلغ لتشييد المشاريع الاجتماعية المتواجدة بالمناطق الداخلية.

الخلاصة

أن هيبة الدولة وقوتها في الداخل تنبع من قدرتها على تنظيم الجماعات الداخلية والاستعانة بها لدعم التنمية المحلية وخلق الثقة بين المسؤولين في القيادة والمسؤولين المحليين في كل منطقة. إن مشكل المنظمات الاجتماعية والأحزاب السياسية والمؤسسات الداخلية يكمن في التمويل وجمع الأموال لتمويل برامجها وتحقيق أهدافها.

ولعل الشيء الذي ينبغي التأكيد عليه هنا، أن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحق المواطنة تنبع من قدرة مؤسسات الدولة على إشراك المؤسسات الصغيرة في اتخاذ القرارات ومنحهم حق التعبير عن احتياجاتهم وحصولهم على جزء من الثروة الوطنية. إن الدولة بمؤسساتها السياسية والاقتصادية والأمنية هي العمود الفقري لبسط العدل وتوفير الأمن وإشباع الحاجات، ولكي تنجح في هذه المهام، يتعين عليها أن تفتح باب الأمل لمواطنيها وتحفزهم للعمل في داخل البلد وتستعين بمجهوداتهم للمساهمة في إنعاش التنمية المحلية.

إن هشاشة السياسات التي اعتمدتها يتم اعتمادها في المكاتب المغلقة على أصحابها، وحرمان السكان المعنيين بالتنمية من المشاركة في التعبير على احتياجاتهم والتوافق فيما بينهم على تحديد احتياجاتهم، هي سياسات عامة بعيدة من الواقع ولا تخدم الدولة أو تستجيب لطموحات التجمعات المحلية. والشيء المطلوب في هذه الحالة إعداد سياسات عامة بالنزول إلى الميدان والتعرف على احتياجات السكان الحقيقية والالتزام بتنفيذها بعد استشارة السكان المحليين المعنيين بها، ثم منح المساعدات والتمويل المالي وفقًا لاحتياجات كل هيئة محلية.

المشكل في سياسات الدولة أن الدعم لا يصل إلى المعنيين بالمساعدة وأن معظم المشاريع التي تم إعدادها من طرف المسؤولين المركزيين لا يتم تنفيذها أو تتعرض لضغوطات خارجية وتنحرف عن الأهداف المرسومة لها، والمحاسبة لا تفيد إذا فشل أي مشروع.

إن ما نريد أن نصل إليه أن نجاحات السياسات المحلية يتوقف على الجدية في دراسة جدوى مشاريع التنمية، وإشراك المواطنين المحليين في أية عملية تنموية وإظهار تأييدهم والتزامهم بالتنفيذ الجيد، إذا كان هناك تمويل حكومي كافي. إنه لمن العجيب أن يزور أي انسان بلدية أو مدينة كبيرة ولا يجد بها أشياء أساسية لسكانها مثل :

  • السوق المحلي
  • المستوصف الطبي
  • دار الثقافة
  • مدارس ابتدائية، تكميلية أو ثانوية
  • دار تشغيل الشباب
  • فروع لبنوك وطنية
  • بريد محلي

إن هذه المرافق مطلوبة شعبيًا وهي غير متوفرة في معظم البلديات والتي يحتاجها السكان بكثرة وتعتبر ضرورية لكل مواطن. إن هذه الخدمات مطلوبة وعلى السكان المحليين أن يسهروا على بناء هذه المرافق لتلبية احتياجاتهم بدعم من الدولة.

عن عمّار بوحوش

شاهد أيضاً

شاهد عيان على مشاركة طلبة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ((U.G.E.M.Aفي الثورة تحرير الجزائر (1954-1962) من فرعي الكويت والولايات المتحدة الأمريكية*

بقلم عمار بوحوش جامعة الجزائر     إنصاف للحقيقة، ينبغي أن نقول ونعترف منذ البداية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *