الإثنين , 19 نوفمبر 2018

التعليم العالي في حاجة إلى تغيير نوعي

بقلم عمار بوحوش، أستاذ جامعي

 

                                     مقدمة

     لقد عايشت مسيرة التعليم العالي في الجزائر منذ 1970 بعد أن حصلت على الدكتوراه من إحدى الجامعات الأمريكية وقررت العودة إلى وطني للمساهمة في إثراء عملية التعريب ونقل النوعية في التعليم العالي إلى الجزائر التي تربينا في أحضانها وتغذينا من خيراتها وناضلنا من أجل تحريرها من غلاة الاستعمار الذين نهبوا ثرواتها منذ 1830 إلى غاية 1962، والذين لازالوا في سنة 2016 يطالبون بالتعويض عن كل ما اغتصبوه ونزعوه بالقوة من أملاك الجزائريين المغبونين !

وباختصار، فإن ما يدهشني في التعليم العالي بالجزائر هو اقتداءه بالنظام الفرنسي القديم والجديد (منهجيًا)، والتقيد بالقوانين والتعليمات الواردة من أعلى، والعبرة فيه هو الحرص على مجانية التعليم وتهدئة الخواطر عن طريق الدعوة إلى الحوار وعدم إزعاج المسؤولين الإداريين الذين أوكلت لهم مهمة التسيير وتنفيذ القوانين والقرارات الواردة من أعلى.

لماذا نقول أن النظام الفرنسي قديم، وهو يقوم منذ نابليون بونابرت على أساس المركزية وخضوع جميع مؤسسات الدولة إلى الوصاية، وأنه لم يعد مناسبًا ومتماشيًا مع روح العصر الذي نعيش فيه، وذلك بسبب ارتكازه على فلسفة التحكم عن بعد في سير المؤسسات والتأثير سلبيًا في عمليات اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات على المستوى المحلي. إنه لمن الواضح الآن أن البيداغوجية الحديثة في التعليم العالي تقوم على أساس نظام استقلال المؤسسات التعليمية  Autonomy rule ، والذي نقصد به اعتماد كل جامعة على ميزانيتها، وصدور القرارات من مجالسها، والتحكم في برامجها ومناهجها العلمية. وبعبارة أخرى، إن الجامعات المبدعة والمتخصصة في جميع فروع المعرفة، لا تسيّر بالمراسيم والقرارات الفوقية لأن ذلك يعني العودة في كل صغيرة وكبيرة إلى من أصدر المرسوم أو القرار، في حين أن اعتماد الجامعة على قرارات تتخذ على مستواها، يسمح لها بالمتابعة وإدخال التغييرات على أيّ خلل يحصل فيها بدون الرجوع إلى السلطات العليا. إنها مقيدة قانونيًا وماليًا، وليس لها قدرة على المتابعة وإصلاح أي خلل.

ولهذا يصعب خلق النوعية في التعليم العالي، واعتماد نظام مكافأة الأستاذ/ الباحث وإجباره على الاختيار بين بقاءه في أرض الوطن والعيش في دوامة الروتين ومراقبة ما سيحصل في المستقبل، أو البحث عن منصب في الخارج يسمح له بالانتفاع من الإبداع العلمي والمساهمة في إثراء اختصاصه وإظهار براعته وكفاءته.

 

الإدارة تقرر والعلماء يكتفون بالاستشارة غير الملزمة

على عكس ما يجري في الإدارة العصرية، فإن الجامعات والمؤسسات الجزائرية بصفة عامة، تعتمد على الإداريين، سواء في التنفيذ أو اتخاذ القرارات الإلزامية، مع العلم أنه من المفروض أن يقوم الخبراء والعلماء وأصحاب المهارات بدراسة جميع السياسات واقتراح البدائل على كبار المسؤولين في الدولة لاتخاذ القرارات المناسبة لكل موضوع، ثم تحول تلك القرارات بعد معالجتها والموافقة عليها للإداريين لكي يقوموا بتنفيذها، أي أن دور الإداريين تنفيذي، ودور الاستشاريين وأهل الخبرة والمهارات هو الذي يحظى بالأولوية والأهميّة. ولعل أحسن مثال على ذلك، هو النظام الموجود في المجالس العلمية حيث يعتبر قرار المجلس العلمي استشاري، وقرار العميد تنفيذي ! أما رئيس القسم في أي تخصص علمي، فهو ثانوي، ورئيس القسم يخضع لسلطة نائب العميد، والعميد نفسه، وعلى رئيس القسم أن يخضع للهيارشية العليا، وإلا فإن إقالته تكاد تكون مضمونة !

المشكل أننا في نظامنا التعليمي نعتمد على النظام الفرنسي الكلاسيكي القديم الذي أكل عليه الدهر وشرب، ولا ندرك أن رئيس التخصص الذي هو رئيس القسم، هو بمثابة عميد للتخصص وهو المرجع في كل صغيرة وكبيرة في تخصصه، وكلمته في أي موضوع يخص تخصصه، تعلوا على كلمة العميد الذي يتمثل دوره في التنسيق بين الأقسام العلمية بكليته، والتعاون مع رئيس الجامعة.

إن تجربتي في الجامعة الأردنية وجامعة آل البيت ( بالأردن) والتي كنت فيها رئيسًا لقسم العلوم الإدارية (1996 – 1968) قد جعلتني أفهم لماذا تعتبر الجامعات الأردنية متميزة عن غيرها من الجامعات العربية، لأن رئيس القسم هو الشخصية العلمية البارزة في تخصصه وهو يعول عليه لإنجاح وإثراء تخصصه. فمنح الطلبة لا تجدد في الداخل والخارج، إلا بعد دراسة ملف الطالب والتعرف على مدى تقدمه ونجاحه في دراسته، ومجلس القسم هو الذي يعد خطط الدراسة ويوظف الأساتذة الجدد، ويمنح المكافئات لمناقشة رسائل الماجستير، ويحفز الطلبة ماليًا للقيام بأبحاثهم تحت إشراف الأساتذة بالقسم.

 

ما فائدة أن تعرف بدون أن تطبق؟

أعترف بأن أكبر ثغرة موجودة في جامعاتنا هي إبعاد التدريب والتدرب وعدم اقتران العلم بالجانب التطبيقي. لقد التقيت مرة بأحد الطلبة الذين تخرجوا من معهد العلوم السياسية وسألته إذا كان سعيدًا بتخرجه من الجامعة، فأجابني بأنه ضحية من ضحايا الأساتذة الذين علّموه مزايا التمتع بالأخلاق الفاضلة والمنطق حتى تخرج من المعهد وذهب إلى سوق العمل فوجد نفسه تائهًا ! وهنا جال بخاطري مسألة شغوفنا بحب العلم والمعرفة واللهث وراء الحصول على شهادة علمية بدون أ ن ندرك أن العلم وحده لا يكفي ولا فائدة تجدى منه إذا لم يقترن بالتطبيق وانتفاع الناس منه.

إنّني لا أفهم حتى الآن، لماذا لا نأخذ بعين الاعتبار في خططنا العلمية، قضايا التدريب وإقتران النظريات بالتطبيق. إنه لمن الواضح أن الناس في حاجة إلى شيء ينتفعون منه، وليسوا في حاجة إلى نظريات فلسفية بعيدة عن الواقع ولا تخدم المصلحة العامة لكافة المواطنين. وكما يلاحظ في سوق العمل، سواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات، فإن الاحتياج إلى الإنسان المتخصص والمتدرب وصاحب الخبرة، هي قاعدة التعامل، لأن المواطن العادي يبحث عن من ينفعه ويحل مشكلته ولا يبحث عن من يقول له أنني أعرف ولكنني لا أعرف كيف أفحص وأجد حلًا للمشكلة.

 

الجامعات في حاجة ماسة إلى المال لإخراج البلاد

من الركود العلمي

لقد فكرت، التجنب في الخوض في مسألة الفلوس والثروة المالية في الجامعات لخلق النوعية في التعليم العالي والتركيز على الإبداع العلمي الذي غير وجه اليابان وألمانيا والصين الشعبية، لأن معظم الناس عندهم هوس بمجانية التعليم والحصول على السلع الرخيصة والخدمات الهزيلة التي تقدم لهم بثمن بخس. لكننا، نحن في الميدان الأكاديمي، نتحلى بالموضوعية وعندنا طموح وإرادة قوية لخدمة وطننا، وطلبتنا بحيث ننفعهم بعلمنا وخبرتنا ومهارتنا حتى لو كلفهم ذلك ثمنًا مرتفعًا. إن العبرة دائمًا بالنتيجة والفعالية في العمل ونقل المعرفة التطبيقية إلى الأجيال القادمة بحيث نمهد لهم الطريق لبناء مستقبل أفضل وتحسين ما تعلموه منا.

وفي هذا الصدد، إنني أتساءل لماذا يتم استغلال مستشفيات الدولة المخصصة لمعالجة المرضى، لتدريب طلبة الطب وإزعاج المرضى بالتواجد الكثيف للطلبة الذين يتدربون، بالإضافة إلى أن أطباء المستشفيات منشغلون بالمهام المسندة إليهم وليس لديهم الوقت الكافي لمتابعة الطلبة المتدربين. إن المنطق يفرض علينا أن نقولها بكل صراحة، بأن الجامعات في حاجة إلى إنشاء مستشفياتها وتدريب الطلبة فيها، بحيث تحصل الجامعات على عائدات مالية من المستشفيات وتقيم فيها المخابر الكبرى للقيام بالأبحاث العلمية في كل تخصص. وهنا يتعين علي أن أشير إلى أن جامعات كبيرة مثل الجامعة الأردنية بعمان التي يوجد بداخلها مستشفى رائع لمعالجة المرضى وتدريب طلبة الطب، وتحصل الجامعة على أموال رائعة لتمويل البحث العلمي. كما أن جامعة هارفرد، عندها ثروة مالية مستثمرة في المستشفيات والمؤسسات تفوق 4 ملايير دولار، وبهذه العائدات المالية، تستطيع دفع الرواتب العالية لعلمائها وتشجيعهم على البقاء بها وعدم الهروب إلى جامعات أخرى. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن معاهد الرياضة البدنية، لماذا لا تقوم الجامعات ببناء الملاعب الكبيرة وتطوير الرياضة والحصول على عائدات مالية لتمويل الرياضة الشبانية. إنني كخبير في التنظيم مندهش من بخل الجامعات وقلة اهتمامها بتحفيز العلماء والاحتفاظ بهم بسبب قلة الرصيد المالي ومحدودية الميزانية. إن الواقع يفرض علينا إذا أردنا الارتقاء بالجامعات وتحسين مستويات التعليم العالي، أن تحصل الجامعات على مداخيل مالية من الذين يستفيدون منها، من طلبة وقطاعات خدماتية، وهبات من المشجعين للعلم والمعرفة، مثل الإعفاء عن الضرائب للمؤسسات التي تساهم في الدفع المالي للجامعات، وكذلك استغلال بنايات الجامعات لإيقاف سيارات الطلبة الأثرياء، وكراء المحلات بداخل الجامعات لبيع الكتب، ودفع الرسوم على استخراج الوثائق من الجامعة. وعليه، إن فرض رسومات مالية، ولو بسيطة، قد ينعكس إيجابيًا على الخدمات في الجامعات ويفسح المجال أمام المؤسسات التعليمية لدفع الرواتب المجدية للمؤطرين البيداغوجيين بها.

عمار بوحوش، أستاذ جامعي

 

شاهد أيضاً

شاهد عيان على مشاركة طلبة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ((U.G.E.M.Aفي الثورة تحرير الجزائر (1954-1962) من فرعي الكويت والولايات المتحدة الأمريكية*

بقلم عمار بوحوش جامعة الجزائر     إنصاف للحقيقة، ينبغي أن نقول ونعترف منذ البداية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *