الإثنين , 19 نوفمبر 2018

علم العلوم السياسية يسير نحو المجهول !

بقلم

الأستاذ عمار بوحوش

 

     الشيء المحزن في بلدنا أن سلم القيم  L’échelle de valeur يكاد ينعدم وجوده في ثقافتنا وفي أذهاننا، ومن يحاول أن يعتمد عليه سيجد نفسه قد ضل الطريق ولا أحد يلتفت إليه. أقول هذا لأننا لاحظنا أن علم العلوم السياسية في جامعات الجزائر مغيّب ولا تعطى له قيمة بتاتًا، ولا يلتفت إليه عندما توضع برامج التدريس في الجامعات الجزائرية، بينما تحرص كل الجامعات في العالم على إدراجه في برامجها التعليمية لأن علم السياسة هو :

  1. علم التنظيم
  2. علم الدولة
  3. علم تكوين النخبة وتكوين إطارات الدولة
  4. علم الاستثمار في الموارد البشرية والتحفيز في العمل
  5. علم التعريف بمؤسسات الدولة
  6. علم التدريب والتأهيل في الموارد البشرية
  7. علم المنهجية في وضع السياسات العامة
  8. علم وضع الاستراتيجيات في العمل
  9. علم الدراسات والأبحاث في العلاقات الدولية
  10. علم دراسة السلوك الإنساني

 

هذه المهام الرئيسية لعلم السياسة، يمكن اعتبارها مغيّبة في مناهجنا التعليمية بينما تحرص الدول المتقدمة على إدراج علم السياسة في برامجها التعليمية لأنها ضرورية لتوعية المواطن وإتاحة الفرصة لكل طالب أن يتعرّف على مؤسسات وطنه، بحيث يقتنع بأن دولته أنشأت له مؤسسات لتخدم مواطنيه وتقدم لهم الخدمات الضرورية. مثلًا، في الجامعات الأمريكية، في قسم العلوم السياسية، هناك مقياس رقمه 101 وهي مادة إجبارية على جميع الطلبة بالجامعة، في السنة الأولى، ويتعين على جميع الطلبة الجدد في الطّب والهندسة والعلوم الاجتماعية أن يدرسوا هذا المقياس ويتعرفوا على النظام السياسي الأمريكي.

إنني اتذكر أننا كنا في جامعة ميزوري حوالي 35 معيد نقوم بتدريس هذه المادة تحت إشراف كبار أساتذتنا في قسم العلوم السياسية. ومن لا يدرس هذا المقياس لا يتخرج أبدًا من الجامعة.

إن مشكلتنا، في رأيي، تنبع من قلة إلمامنا بالمهمة النبيلة لمؤسسات دولتنا، وقلة العناية بقيم التربية وعدم الاهتمام بالعلوم الانسانية. وبالمناسبة، فالعلوم الاجتماعية في نظر العديد من المسؤولين في الدولة لا تحظى بالتقدير، والحرص الكبير على تعليم العلوم الطبيعية والطّب لأنها مربحة ماليًا والمجتمع في حاجة ماسة إلى المتخصصين فيها.

إن الناس لا يدركون أن الأستاذ هو مربي ومعلم الأجيال ودوره الأساسي هو إعداد وتدريب الأبناء على إتقان العمل وخدمة الوطن، كلٌ في مجال اختصاصه. العبرة هنا ليس حمل شهادة عليا، وإنما العبرة في التكوين الجيّد والتّربية وحسن توظيف المعرفة لخدمة الإنسان. لهذا، نجد مثلًا، في الأردن، والولايات المتحدة، الأستاذ المربي والمعلم البارع وصاحب الخبرة والكفاءة هو الذي يحصل على راتب شهري يزيد عن رتبة الوزير في الدولة. وفي الجامعة الأردنية بعمان، كان الأساتذة الذين يعينون في مناصب وزارية يحافظون على رواتبهم في الجامعة بدلًا من الحصول على رواتب وزراء لأن الوزير يحصل على 1800 دينار أردني بينما الأستاذ يحصل على راتب 2500 دينار اردني.

نستخلص من كل ما تقدم، أن خطأنا الكبير أننا نعتمد على النظام الفرنسي البالي والقديم، ولا نولي أيّة أهمية للإبتكار والتجديد في برامجنا التعليمية. إن الكارثة الكبرى في جامعاتنا أنها لا تقوم بتدريس اللّغة الوطنية العربية في الجامعات وفي جميع التخصصات، ومن له مثقال ذرّة من المنهجية، يدرك أن تدريس اللّغة الوطنية في الجامعات وفي جميع التخصصات هو شيء إلزامي وضروري لكي يتقن متخرج قواعد اللّغة ويكتب التقارير السليمة بها. في نظام لـ. م. د. الذي درسته في الجامعات الأمريكية، توجد مادة إجبارية على جميع الطلبة إسمها  البلاغة (Rethoric) يدرسها الطلبة لمدّة أربع فصول دراسية، لكن في جامعاتنا، اللّغة الوطنية العربية مغيّبة في برامجها التعليمية، والمعاناة في الكتابة باللغة الوطنية تبقى ملازمة لكل متخصص في أي مجال.

 

تجاهل إدراج برامج العلوم السياسية في الجامعات الجزائرية خطأ قاتل

 

إنه لمن الواضح أن سياسة التوظيف في بلدنا جائرة، ولا تعتمد على التخصص في الوظائف وإعطاء قيمة للترابط الموجود بين مواد الدراسة والوظيفة أو المهام التي يقوم بها الموظف الجديد. إننا في علم المنهجية نوضح للطلبة أن إدارة الدولة ومؤسساتها تقوم على ثلاث ركائز أساسية، هي : علم السياسة، علم القانون وعلم الاقتصاد، فبالنسبة لعلم السياسة هو الذي يأتي في المقدمة لأنه يختص بفكرة أساسية تتمثل في الإجابة على سؤال واحد: كيف ننظّم ( How to organize). وإذا عرف المسؤولون كيف ينظمون، يأتي دور القانون لتحديد العلاقات وتوصيف الوظائف وضبط الجوانب الإجرائية، وفي المرحلة الثالثة يأتي الاقتصاد لدراسة حاجات المجتمع والتعاملات المالية.

ما لا يعرفه المجتمع، أن علم السياسة هو علم شامل، بحيث أن الاستاذ في علم السياسة يعرف القانون ويعرف الاقتصاد وهو ملمٌ بكل قطاعات الدولة في المجال القانوني والاقتصادي. أما المتخصص في القانون فتكوينه محدود في المسائل القانونية، وكذلك  الاقتصادي فهو متخصص في المسائل المالية، بينما المتخصص في العلوم السياسية عنده تكوين شامل في علم السياسة وعلم القانون وعلم الاقتصاد. ولهذا، نجد وزراء خارجية الولايات المتحدة يتم اختيارهم من علماء السياسة أمثال كيسنجر في عهد نيكسون، أو بريجيبنسكي في عهد كارتر أو أولبرايت في عهد ريغان. والمفروض أن جميع الموظفين الذين يحتلون مناصب قيادية في وزارة الخارجية الجزائرية يحملون شهادات جامعية في العلوم السياسية.

أعترف أنني اندهشت ذات يوم، عندما أبلغني طالب متخرج من كلية العلوم السياسية بالجامعة الجزائرية أنه يعاني من البطالة ومن صعوبة حصوله على وظيفة، ثم أضاف قائلًا لقد علمتونا يا أستاذ فضيلة أفلاطون وعدالة عمر بن الخطاب، لكن لا يوجد تطابق بين الواقع والمحيط الذي نعيش فيه. فقلت له، هذه غلطة التشريع في الدولة وليس غلطة أساتذة لأنه من المفروض أن تكون الوظائف الإدارية في الوزارات، وخاصة وزارة الداخلية ووزارة الخارجية، مخصصة للمتخرجين في تخصص العلوم السياسية، لكن هذا الامتياز لا يعطى إلا للمتخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة !

ولكي يدرك الناس قيمة العلوم السياسية في المجتمعات الراقية، ينبغي أن أشير هنا إلى أن علم السياسة في الجامعات المرموقة مثل هافرد وجامعة تكساس في مدينة Austin يسمى في هاتين الجامعتين علم الحكم في الدولة (Department of Government) وليس علم السياسة. وفي جامعات أخرى مثل جامعة نيويورك بمدينة Albany وجامعة بيتسبورغ يسمى علم السياسة Public policies أي السياسات العامة. وبمعنى آخر، أن علم السياسة هو علم تنظيم سياسات الدولة وفيها يتم إعداد نخبة النجباء وتعبئتهم لتحمل مسؤولية الحكم وتقديم الخدمات الراقية لمجتمعاتهم التواقة للمعرفة والإبداع في المؤسسات العامة.

وخلاصة القول حول أهمية إقحام العلوم السياسية في مناهج التعليم بالجامعات، أن مستقبل الجزائر يتوقف على الاستثمار في العقول البشرية وتهيئة الطلبة النجباء لكي يكونوا القادة الناجحين والمؤهلين لتقديم الخدمات الراقية لوطنهم ومجتمعهم. وفي رأي، أنه يتعين على المسؤولين في وضع البرامج التعليمية، سواء بالجامعات أو الندوات الجهوية أن يدركوا أن الأستاذ المربي هو العمود الفقري لخلق النوعية وإعداد الإطارات الكفؤة في كل اختصاص. ثم إن العبرة في التعليم ليس امتلاء الرأس بالمعرفة ومعرفة النظريات الحديثة، بل أن العبرة تكمن في تطبيق ما نتعلمه وفي توظيفه لخدمة الدولة والمجتمع. والسؤال الذي نطرحه على أنفسنا في مجال اختصاصنا هو : ما فائدة أن تعرف بدون أن تطبق؟

ومرة أخرى أقول أن العوج الذي نراه في إداراتنا العمومية لا يمكن علاجه بتنحية الشخص الذي أخطأ بل أن العلاج يكمن في تغيير منهجية العمل Mode de tavail. فلو كان عندنا ثقة في خبرائنا وإرادة صادقة للاستفادة من مهارة وكفاءة أبناء وطننا لكان في الإمكان تقويم الإعوجاج عن طريق الفعالية في الأداء والتخلص من الإجراءات والتخلص من الاجراءات البدائية التي أكل عليها الدهر وشرب. إن إزدهار التنمية في بلدنا واللحاق بالدول المتقدمة يتوقف على رغبتنا في تغيير أسلوب العمل والاستجابة لمتطلبات العصر وليس الاقتصار على إبعاد الأفراد الذين خاب أمل قادتنا فيهم.

ينبغي أن نعيد الاعتبار لعلم السياسة وإدراجه في البرامج التعليمية الجامعية ونتخلص من الخطأ الموجود في مجتمعنا وهو أن الممارس للسياسة يعتبر سياسيًا مثله مثل المتخصص في علم السياسة. فالأول يعتبر Politicien وأستاذ علم السياسة Politilogue والفرق بينهما واضح وضوح الشمس.

إن علم السياسة هو علم تنظيم الدولة ومؤسساتها وليس علم الزندقة والتمويه، كما يتوهم عامة الناس.

إن قيــمة العلـــــــوم السياسية قد ارتفعت وازدهرت يـوم قرر الدبلوماسي البـــارع سي محمد الصديق بن يحي في عام 1971 إنشاء فرع جديد للعلـــوم السياسية وأسمــاه ” علوم التنظيـم ” وهـــذا القــســـم موجـود إلى يومنــا هـــذا فــي الجامعــات الجزائــــرية. إن عــلـــوم التنظيـــم       Les sciences d’organisation يعني تنظيم المؤسسات العامة للدولة الجزائرية، مثلما شرحت له واقترحت عليه إنشاء قسم للإدارة العامة لكنه رفض بدعوى أن المدرسة الوطنية للإدارة تملأ هذا الفراغ، وفاجأني بإنشاء قسم التنظيم السياسي والإداري بالجامعات الجزائرية. إن سي محمد الصديق بن يحي يتميز ببعد النظر والانفتاح على نظم التعليم العالمية ولا يبالي بالمنهجيات القديمة والبالية، وما يهمه هو اتخاذ القرارات النابعة من فكره وقناعته وخدمة مصالح الدولة الجزائرية، ولذلك جاء بمنهجية ثورية في التعليم العالي تتمثل في إدراج نظام الفصول الدراسية ( بدلًا من النظام السنوي) وأنشأ ديوان المطبوعات الجامعية لتوفير الكتاب الجامعي للطلبة وإعطاء المنح للطلبة لكي يتعلموا في الجامعات الأمريكية والإنجليزية والألمانية (بدلًا من تقييد الطلبة بالتوجه إلى الجامعات الفرنسية). لقد كان سي محمد الصديق بن يحي طالبًا بالعلوم طالب بالعلوم السياسية بكلية الحقوق في جامعة الجزائر سنة 1961، أي قبل أن يلتحق بالثورة ويساهم في تحرير وطنه من الهيمنة الاستعمارية.

إننا نتمنى أن تقع إصلاحات في برامج التعليم بالجامعات الجزائرية ويتم إدراج العلوم السياسية في جميع الجامعات حتى يعرف كل طالب جزائري مؤسسات دولته وتاريخها السياسي. إنني أصبحت أميل إلى تصديق ما قاله رجل الاصلاحات السياسية في الجزائر، السيد مولود حمروش ذات يوم، ولو أنني لا أثق كثيرًا في تصريحات السياسيين المناسباتية والمزاجية، بأن مشكل الجزائر أن الذين يريدون الإصلاح لا يملكون السلطة للقيام بذلك، والذين بيدهم السلطة لا يريدون الإصلاح ! والسؤال الطروح هنا : متى يُحل هذا الإشكال؟

 

شاهد أيضاً

شاهد عيان على مشاركة طلبة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ((U.G.E.M.Aفي الثورة تحرير الجزائر (1954-1962) من فرعي الكويت والولايات المتحدة الأمريكية*

بقلم عمار بوحوش جامعة الجزائر     إنصاف للحقيقة، ينبغي أن نقول ونعترف منذ البداية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *