الإثنين , 26 أكتوبر 2020

أهمية التنظيم والمنظمات في حياة الأفراد*

بقلم: د.عمار بوحوش

أستاذ العلوم الإدارية

بجامعة الجزائر

 

تنظيم الجماعات وتجنيدها للعمل الذي يعود بالفائدة على المنظمات الأفراد والمجتمع ككل أصبح ظاهرة طبيعية لأن الأفراد يعرفون جيدا أن هناك تسابقا بين الفئات الإجتماعية لتحقيق مطالبها. والمطالب لا يمكن أن تحظى بتقدير المسؤولين في القمة إلا إذا كانت مدعمة في القاعدة بتنظيم فعال وضغوط قوية لاقناع الجهات المختصة بأهمية المطالب المشروعية وضرورة البت فيها بسرعة.

وانطلاقا من هذه الحقيقة نستطيع أن نقول بأن التنظيمات الإجتماعية هي الخلية الأساسية للمنظمات الكبيرة، وأنها الوحدة والرئيسية لاتخاذ القرارات وتخطيط العمل الجماعي على مستوى القاعدة. كما أن المنظمات هي التي تتكلم باسم جماعات بشرية وتقرر ما هي القضايا التي تحظى بالأولوية، والأموال التي تخصص لتنفيذها، والأشخاص الذين يتولون تسييرها يضاف إلى ذلك حقيقة أخرى وهي أن المنظمات تقوم بأيجاد أو اختراع الوسائل التي يعتمد عليها لحل المشاكل الإجتماعية.

لكن نجاح العمل التنظيمي، في الواقع يتوقف على طبيعة العمل ونوع الأساليب التي تسلكها المنظمات لتحقيق أهدافها والمحافظة على بقائها. فمن بين الخصائص التي تتميز بها المنظمات العصرية التي تعطيها القوة والحيوية في أداء وظائفها وتلبية رغبات نختلف الفئات الإجتماعية، توجد الخاصيات الآتية :

1) التسلسل الإداري الذي هو في الحقيقة عبارة عن تنسيق محكم للعمل وتوزيع مدروس ومخطط للسلطات والمسؤوليات وتنفيذ العمليات، كل وفق اختصاصه والسلطات  المخولة له.

2) قوانين وقواعد العمل وهي التي يتعود الأفراد على إتباعها والتقيد بها في كل مل يقومون به. وسواء كانت إجراءات العمل رسمية يسمح بها القانون، أو غير رسمية ليس لها صفة الشرعية والإلزام، فإنها تسهل القيام بالواجبات، حسب القوانين المتعارف عليها، إذ أنه ليس من الحكمة في شيء مراجعة المسؤولين وإلهاؤهم عن عملهم وطلب الحصول على موافقتهم على كل عمل يترتب عليهم إنجازه.

3) الرقابة الإدارية ونعني بها التأكد أن هناك تطابقا بين الخطط في العمل وطرق تنفيذها وتحقيق أهداف الرقابة الإدارية، لأن المنظمة الديناميكية هي التي تعتمد على الرقابة لتصحيح الأوضاع سواء عن طريق تعديل الهدف أو تغيير اتجاه التنفيذ. وفي جميع الحالات، فالرقابة تجسم مقدرة المنظمات على متابعة العمل، خطوة بخطوة واكتشاف الهفوات وتصحيح الانحرافات المشاهدة أو العمل على منع حدوثها(1).

4) استعمال مصطلحات متعارف عليها تسهل مزاولة المهنة، ونقصد بذلك مقدرة المنظمات على استعمال كلمات متعارف عليها تساعد على تحسين العلاقات في العمل بين الإداريين والفنيين وتوضيح أهداف المنظمة بحيث يكون تعاونهم مثمرا ومحققا للأهداف العامة. وبطبيعة الحال، فإن حسن أيصال المعلومات الرئيسية، تساعد على خلق الفعالية في العمل والتجاوب مع الزملاء، وتقوية معنوية الموظف وتشجيعه على أداء مهامه على نحو سليم.

5) الاختصاص وتقسيم العمل، وتمكن أهمية ذلك في توزيع العمال حسب الأذواق  والميول وغزارة المعلومات في إطار اختصاصات معينة. وبفضل التخصص الدقيق يكتسب الأفراد خبرات عملية ويرتفع مستوى قدراتهم على أداء العمل وتحقيق أهداف المنظمات بالكفاءات المطلوبة في وقت سريع وبأقل تكلفة ممكنة. وبذلك تكون المنظمات قد حققت أفضل استخدام للطاقات البشرية والموارد الطبيعية وفقا لأولويات معينة واختيارات دقيقة.

6) الإعتماد على الخبراء المؤهلين مهنيا، وهذه الإستعانة بأصحاب المهارات والمعرفة الفنية هي التي تخلق الدعم والقوة لأية منظمة اجتماعية تسعى لتقوية نفسها وتلبية مطالب الأفراد الذين يتعاملون معها.  فالكفاءة في العمل، والفعالية والإنجاز والمقدرة على سد الاحتياجات الإجتماعية هي العوامل الأساسية التي تجلب للمنظمات الاحترام والتعلق بها والتمشي مع توجيهاتها واستراتيجياتها ما دامت تجمع بين أصحاب المعرفة والمتطلعين للاستفادة من تلك المزايا الفنية التي يحصلون عليها  من رجال الاختصاص والكفاءات في ميادين معنية.

7) وحدة الأهداف، ونعني بذلك أن المنظمات تركز اهتماماتها على نشاطات معينة ومحددة بحيث تكون مجهودات العاملين فيها منصبة على تحقيق أهداف المنظمة في القطاع الذي يعنيها. وفي إمكان كل واحد منا أن يستنتج من ذلك أن هناك انفرادا بعمل معين وعلى العاملين في كل منظمة أن يتعاونوا فيما بينهم ويحققوا المهام الموكولة إليهم. فخلافا للعائلات والأفراد الذين تتشتت جهودهم وتضع في أعمال مختلفة وقضايا متنوعة، تقوم المنظمات على التخصص وتدريب العاملين لإجادة أدائهم لمهام وظائفهم، وذلك في نطاق تمكينهم من تحقيق الأهداف المرسومة التي تدخل في إطار البرامج التي تضعها هذه المنظمات(1).

 

دور الهياكل في تحقيق الأهداف

 

كل الخدمات أو الأعمال التي تقوم بها المنظمات تتوقف على الإمكانيات المادية والهياكل التي تتحمل أعباء الثقل الملقى على كاهل الأجهزة والكوادر المحددة لتحقيق الأهداف العامة. فمن طريق الهياكل المهيأة لتلبية الحاجات تستطيع المنظمات أن تدعم نفسها للوصول إلى الأهداف الآتية:

  • الإعتماد على الهياكل لتنفيذ جميع البرامج والمبادئ المحددة في خطط العمل والهياكل هي التي تتحكم في عمليات توزيع الموارد المالية والموظفين الذين يقومون بأعمال مختلفة في الأقسام التي عينوا فيها. كما أن الهياكل تعتبر المحور الذي تدور حوله جميع عمليات التنسيق والترابط التي لا بد أن تتوفر لكي يكون العمل منسجما والأهداف مشتركة والجهود متكاملة.
  • أما الوظيفة الثانية للهياكل فتتمثل في توزيع الأدوار وتحديد واجبات العاملين الذين يتقاسمون المسؤوليات فيؤدي كل واحد منهم عمليات ضبط الإجراءات وتحديد طرق العمل واختيار الأساليب الكفيلة بمعالجة القضايا التي تبرز باستمرار وتتطلب الحلول الدقيقة والمختصرة، وذلك لأن الهياكل والقوانين التي توضع لتحديد إجراءات العمل تساعد المنظمات على معرفة ما يرجي واتخاذ الإجراءات الضرورية لمكافأة من كان جيدا في عمله وفي مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه، ومعاقبة كل من اعتبر كسولا أو غير لائق لأداء الأعمال والمهام المنوطة به.
  •  هناك وظيفة رئيسية للهياكل وهي، أنها عبارة عن وحدات إدارية وفنية لجمع المعلومات واتخاذ القرارات. فالمنظمات تتفاعل مع العالم الخارجي ومع أعضائها، ومواقفها من كل ما يجري داخلها وخارجها الذي يتحدد بناء على ما يتطلبه الموقف وتقتضيه المصلحة العليا للمنظمة. وفي إمكاننا أن نستخلص من كل هذا أن برامج المنظمة ومراحل تنفيذها وجميع عمليات التخطيط وأنواع الإجراءات التي تكون في العادة قواعد عمل عامة، تشكل في مجموعها خلايا المنظمات التي تتغذى منها. فتقوى ويتضاعف نشاطها إذا كانت الهياكل متينة وتعمل بانتظام بناء على تخطيط دقيق، وتضعف إذا كانت الهياكل واهية والأهداف غامضة والمسؤوليات غير محددة.

وفي العادة تحرص المنظمات على تجنب الوقوع في الأخطاء التي قد تكلفها فقدان هيبتها أو الثقة فيها. ويتجسد هذا الحرص في المحاولات التي تقوم بها المنظمات للتغلب على الثغرات التي تظهر في الممارسة من خلال إعادة النظر في هياكل التنظيم بحيث يمكن التخلص من العيوب والسلبيات التي تلحق أضرارا بمعنويات الأفراد، وتحمسهم للعمل، فضلا عن تسببها في صدور قرارات غير سليمة، وتضارب في العمل وضآلة في التنسيق، وتباطؤ في العمل، وعدم التجاوب مع المؤثرات الخارجية وصعوبة التأقلم مع جو العمل والانسجام مع التغيرات الجديدة التي تدخلها المنظمات في استراتيجياتها الجديدة للعمل(1).

لقد أتينا على ذكر هذه العيوب التي تحاول المنظمات أن تتجنب الوقوع فيها، لأن الغاية من وضع الهياكل هي جلب الفعالية والتحكم في مجريات الأمور. فالمنظمات الناجحة هي التي تخلق الوسائل اللازمة لمراقبة الأفراد والتأثير فيهم وجعلهم يتقبلون قيمها وأهدافها   وينسجمون مع استراتيجياتها في العمل. ولهذا فإن السؤال الذي يطرح باستمرار عند بروز أزمة تنظيمية أو مشكلة اجتماعية، يدور حول ماهية التغير الهيكلي المطلوب، وكيف تساير المنظمة التغيرات الإجتماعية الجديدة بتغيير هياكلها حتى تكون قادرة على تلبية رغبات الموطنين. وفي بعض الأحيان نلاحظ أن انتقادات عديدة توجه للبيروقراطية بسبب جمودها وصعوبة تغيير قوانين عملها الرسمية أو هياكلها غير القادرة على استيعاب المطالب الإجتماعية.

وفي الواقع لا يمكن التركيز على الهياكل، في أي تنظيم، دون التركيز بدرجة أكبر على العناصر البشرية في أي منظمة. فالتنظيم بصفة عامة لا يمكن اعتباره مجرد هيكل أقيم على أساس من القواعد الملزمة التي تحدد الواجبات والمسؤوليات والتي تأخذ في اعتبارها حجم العمل ومستويات الإشراف، بل يجب النظر إلى المنظمة باعتبارها كائنا حيا مليئا بالناس الذين تسيطر عليهم قواعد وأصول نابعة من طبائعهم، وتتأثر بعاداتهم وتقاليدهم والعرف المستقر بينهم(2).

إننا نستهدف من الربط بين العنصر البشري والعنصر التنظيمي التأكيد على أهمية تغيير الهياكل لتتلاءم مع أهداف المنظمات وتغيير العناصر البشرية، أيضا، أو بالأحرى التأثير فيها لكي تجتهد وتعمل بمزيد من الإخلاص والتفاني لتحقيق الأهداف المنشودة.

إستراتيجيات العمل التنظيمي

 

إذا كانت الهياكل وإجراءات العمل هامة في نجاح أي تنظيم، فإن العنصر البشري هو الأهم من كل شيء. فباستقامته تستقيم الأمور وباعوجاجه تتعقد المشاكل وتستفحل. ولهذا فإن الهياكل التي تعتبر هي المحور الأساسي لكل تنظيم، تتطور وتتغير بوحي أو بإيعاز من الأفراد الذين يتحكمون في الهياكل، كما يتحكم بعضهم في البعض الآخر. فإذا اقتضت مصلحة المنظمة تغيير الهياكل للتغلب على الصعوبات التي تبرز في ميدان العمل، فالإجراءات المتخذة لتصويب الوضع والتخلص من المشاكل قد تأخذ أشكالا مختلفة. فمن الممكن أن تكون التعديلات الجديدة على مستوى الهياكل فقط (مثل دمج مصالح بعضها مع بعض أو خلق منصب جديد وجلب أصحاب مهارات جديدة). وممكن أيضا أن يكون التغير على مستوى إعادة ترتيب مجموعات العمل ووضع الشخص المناسب في المكان الذي يناسبه. وسواء كان التغيير على الهياكل أو على مستوى تغيير سلوك الأفراد وتجمعاتهم، فإن الشيء الذي يهمنا بالدرجة الأولى هي الكيفية التي تستطيع بها المنظمات أن تتحكم في الأفراد وتوجههم توجيها سليما بحيث يتحمسون في عملهم لتحقيق أهداف مؤسستهم وبالتالي تحقيق أهدافهم هم.

وجوابا على هذه النقطة يمكننا أن نقول بأن إستراتيجية العمل في المنظمات تتطلب مهارات فائقة في ميدان التأثير في تصرفات الأفراد، وإدخال العوامل التي تدفعهم إلى تقديم مساهمات حقيقية تكون في مستوى طاقاتهم الفعلية إلى المنظمة التي يشتغلون فيها. وليس هناك جدال عملية تكوين عقليات جديدة وتوجيه الأفراد وفق متطلبات المنظمات وأهدافها العامة، تعد من أصعب الأشياء في الحياة لأن الإنسان يتصرف إنطلاقا من ثقافته وبيئته ويميل إلى استعمال الأساليب التي عرفها وتعود عليها في حياته الخاصة، وبالتالي فإنه ليس من السهل إقناعه بالتخلي عن المبادئ التي رسخت في ذهنه واستبدالها بأفكار جديدة قد يرى البعض أنها أحسن من الأشياء المألوفة أو التقليدية ولكن في قرارة نفسه يرى أن الشيء المعروف أحسن من الشيء المجهول.

ومن أهم إستراتيجيات العمل التنظيمي تصميم هياكل التنظيم، فبفضل التعديلات التي تدخل على الهياكل يمكن التحكم في أنواع الإختصاص وكيفيات تسيير الأقسام وتحديد العدد الذي يشتغل في كل مصلحة إدارية. كما يعتمد الخبراء في التنظيم على مراجعة الهياكل بقصد التخلص من العيوب الأخرى التي قد تظهر في أي تنظيم وذلك مثل المركزية أو اللامركزية، وتقريب القمة من القاعدة عن طريق التقليل من سلسلة المناصب الإدارية النازلة من القمة إلى القاعدة. وفي العادة تكون النتيجة الحتمية لأي تغيير في الهياكل هي تغيير حجم مجموعات العمل وتهيئة الجو للعمل البناء الذي يتوقف على التفاهم المتبادل بين الإدارات والعاملين فيها، وتوفر الشروط الموضوعية لأداء المهام في ظروف حسنة.

أما النقطة التالية لإستراتيجية العمل التنظيمي فتتمثل في مقدرة المؤسسات على توفير التكنولوجيا وإدخال أساليب العمل الحديثة التي تتلاءم وروح العصر. فالإعتماد على فنيات العمل المفيدة التي تبرز من حين لآخر، يؤثر كثيرا في طرق العمل وفي نوع الخدمات التي تقدم للمواطنين. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن المهام التي يتم إنجازها من طرف العاملين. فمثلما تتغير وسائل العمل، تتغير كذلك العلاقات التي تربط بين الأفراد، ويترتب عن ذلك قيام علاقات وتصرفات جديدة بين العاملين وذلك تمشيا مع ظروف العمل. فإدخال آلات جديدة أو طرق حديثة في العمل، يساعد العاملين على زيادة قدراتهم وتمكينهم من تقديم خدمات جيدة وتخفيف أعباء العمل عنهم، وبالتالي، تسهل عليهم عمليات الترقية في الوظيفة والظهور أمام الآخرين بمظهر الإنسان المتمكن من مهنته والقادر على حل المشاكل التي تواجه في مهنته بكفاءة وفعالية.

وتكمن الإستراتيجية الثالثة حول تغيير سلوك الأفراد في تغيير إجراءات التوظيف وطرق التدريب والتكوين، وتحسين وسائل الإتصال بين العاملين. وتعتبر هذه الأساليب من أصعب الطرق المستعملة لتحسين مستوى العمل لأن اختلاف العقليات ومستويات التكوين الثقافي ووجود خلفيات سابقة عن تصرفات الأشخاص، قد تعترض تحقيق الغايات المطلوبة. لكن وجود هذه الصعوبات لا يعني أن المؤسسات الإدارية لا تقوم بهذه الأعمال بغرض رفع مستوى العمل فيها. فإذا تعذر على أي موظف أن يتقبل الإجراءات المتخذة أو أساليب التدريب المقررة بقصد تحسين أداء الواجبات، فإن الإدارات تلجأ إلى طرق أخرى تتمثل في العقاب والسعي للتخلص من كل موظف لا ينساق مع الترتيبات الجديدة التي تعتمدها مؤسسته.

وتتجسد الإستراتيجية الرابعة لتحسين مستوى العمل وإثرائه في القدرة الفعلية والعملية على تعديل الأهداف، إذا اقتضى الأمر، والتغلب على الخلافات الداخلية التي قد توجد داخل أية مؤسسة. وما نريد أن نصل إليه هنا هو أن قوة المنظمات تمكن في مقدرتها على خلق الأهداف المشتركة التي توحد بين القيادة والعاملين وكل من يهمه الأمر. فالأهداف المشتركة تعني صرف الطاقات في العمل البناء وتجنيد الجميع لخدمة المصلحة العامة، وفي النهاية تكون النتيجة رفع معنويات العاملين. أما الميزة الكبيرة لوحدة الأهداف فهي إظهار مقدرة الرجال على أيجاد نوع من القوانين التي من شأنها خلق الفعالية وتجنيد الآخرين للعمل، واستيعاب العمل الجماعي، والسماح بتحويل الأفكار المجردة إلى حقائق ملموسة ومعبرة عن الصالح العام(1).

والنقطة الخامسة التي تؤثر في عمليات التغيير وإدخال الفعالية في التنظيم الإداري تتمثل في المقدرة على التكيف مع البيئة وتغيير طبيعة العمل ونوعه. ففي هذه الحالات تقوم المنظمات أو المؤسسات بتوضيح ظروف العمل الجديدة والغاية من المهمات أو أنواع العمل المقررة في الخطة العامة. والشيء المهم في إستراتيجية العمل هو أن يكون هناك تفهم لعمليات التغيير واقتناع بها بحيث تستطيع المنظمات أن تجعل من تغيير الخطط أو المهمات مرحلة جديدة في طريق تطوير الأشياء لصالح المنظمات ولصالح العاملين في آن واحد.

ونستخلص من كل ما تقدم ذكره، أن أساس نجاح المنظمات أو المؤسسات(2) يتوقف على مدى مقدرة قادتها على ترضية العاملين فيها بحيث يخلصون في العمل ويظهرون تفانيهم في خدمة مؤسساتهم وتحقيق الأهداف العامة للتنظيم. وهذه الغايات قد يصعب تحقيقها إلا إذا استطاعت المنظمات أن تعرف كيف تساير  روح العصر وتدخل التعديلات الضرورية المناسبة في أجهزتها الإدارية وطرق العمل الحديثة التي تساعد على رفع معنويات العاملين واندماجهم في الجو العام للتنظيم. ولهذا فإن نجاح العاملين ومنظماتهم مرتبط إلى حد كبير بمدى مقدرة القيادة على السيطرة والتحكم في الموقف العام وذلك عن طريق تعديل الهياكل والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وتطوير عقليات الأفراد العاملين وتحوير أهداف التنظيم العام والتأقلم مع البيئة(1).

ولعل الموضوع الرئيسي الذي يسترعي الإنتباه في أي تنظيم هو العلاقة بين الأهداف المعلنة والأهداف الخفية ومدى الإتفاق بين كبار المسؤولين على السياسة التي ينبغي إتباعها. ولهذا فإن الضغوط الداخلية والخارجية في كل منظمة هي التي تلعب الدور الرئيسي في إظهار التلاحم أو الاختلافات التي توجد بالداخل، وتفرز نوع الإستراتيجية المقررة في العمل.

 

المنظمات في خدمة من؟

 

من الناحية النظرية، تسعى المنظمات لتقديم الخدمات والإستجابة للحاجات الإجتماعية. لكن من الناحية الواقعية، تعتبر أية منظمة بمثابة إدارة للتحكم وفرض أيديولوجيات وأفكار معينة  على المجتمع الذي تمارس فيه نشاطها. فالمنظمات التي تمتلك ثروات ومقدرة على استصدار القوانين وتحديد إجراءات العمل، هي التي تصنع العالم الذي نعيش فيه وترسم لنا الطريق الذي نسير فيه. وهذه المقدرة على التحكم وتوجيه الناس، تكون في العادة، مفيدة للقادة الذين يستغلونها لتدعيم نفوذهم وتحقيق طموحاتهم. وليست هناك مبالغة إذا قلنا بأن المنظمات هي أدوات في أيدي القادة الذين يستخدمونها باسم المصلحة العامة كمطية لتحقيق أهدفهم وطموحاتهم الشخصية.

لكن سيطرة القادة على المنظمات والاعتماد عليها لتحقيق الأهداف التي يرغبون في تحقيقها، ينبغي أن لا تنسينا حقيقة إجتماعية أساسية هي أن بقاء المنظمات على قيد الحياة يتوقف على وجود مساندة شعبية وتضامن إجتماعي، على الأقل من جانب العناصر المستفيدة من وجود هذه المنظمة. وهذا الافتراض يدفعنا لأن نتساءل من هو المستفيد الرئيسي من المنظمات؟ هل هم الأعضاء أو الذين ينتمون إليهم، أم القادة، أم الجمهور ككل(1)؟

إن هذه الأسئلة أصبحت تطرح نفسها باستمرار لأننا نعيش في عصر الديمقراطية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات، وفي وقت استفحل فيه الصراع بين النقابات المهنية والثقافية والعمالية وبين الإدارات البيروقراطية التي ما زالت تقاوم أية فكرة لاقتسام السلطة معها. وأكثر من هذا كله، إن المشكل أصبح الآن يتمثل في وجود قوات متصارعة متنافسة في داخل كل فئة وذلك بقصد التأثير في أنواع القرارات التي تتخذ، وتحديد الإختيارات التي تراها كل مجموعة متلائمة وقيمها الإجتماعية. وهذا التسابق نحو القيام بضغوط لتبني سياسات معنية تخدم مصالح الجماعات القوية في أي تنظيم، هو الذي يؤدي إلى تسرب اللاعقلانية إلى العمل الإداري. فالخوف من تفاقم الخلافات وتجميد الأوضاع يقود، في النهاية، إلى المساومات، والتنازلات المتبادلة، والتحالفات الشريفة وغير الشريفة، والقبول بأنصاف الحلول.

ولعل الشيء المؤسف هو أن المجتمع الحديث أصبح يعاني من ظاهرة تبادل المنافع بين الشخصيات والمنظمات، وظاهرة الجماعات الضاغطة التي تجري المفاوضات السرية ويتفق أعضاؤها فيما بينهم على ما لهم ويهملون أي شيء أسمه المصلحة العامة أو الموضوعية في معالجة القضايا الإجتماعية. وفي العادة تنعكس المفاهمات الشخصية والتنازلات المتبادلة على المؤسسات التي تضعف وتفقد مكانتها الإجتماعية، وفي النهاية تزداد الأوضاع رداءة ويفقد الناس ثقتهم بمنظماتهم وتتحطم أماني الجميع.

وفي الحقيقة كان في إمكان المنظمات المعاصرة أن تستفيد من التقدم التكنولوجي وديمقراطية الإدارة والانتخابات التي تجري بقصد تعيين ممثلي أية فئة مهنية، وأن تعمل على تجسيد المصلحة العامة وتحقيق العدالة الإجتماعية التي ترتكز على العمل الجماعي الذي يمكن اعتباره حجر الزاوية في أي تغيير إجتماعي حقيقي. لكن المشكل هو أنه لا يمكن الإستفادة من هذه المزايا مادامت المؤسسات ضعيفة، تتعرض باستمرار لارتباكات واضطرابات بحيث صار من الصعب عليها القيام بوظائفها الطبيعية. وتعود أسباب هذا التدهور الذي تتعرض له المنظمات، أو المؤسسات بصفة عامة، إلى عدة عوامل يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

  • المساومات، ذلك أن محاولات التوفيق بين الرغبات تخلق الغموض والتعميم في العمل بحيث يصعب أيجاد حل عملي لأية قضية إجتماعية معروضة على بساط البحث.
  • إنفراد المؤسسات بصياغة قوانين العمل وتوجيه الأفراد حسبما يطيب لأي إنسان يتبوأ منصبا مرموقا، وكأن أبناء المجتمع لا دخل لهم فيما ينبغي القيام به من تغيير، وبخاصة أنه لا توجد أية وسيلة للتأثير في المؤسسات التي تعمل بمعزل عن المجتمع.
  • تحديد الإختيارات المتوفرة للأفراد عن طرق المنظمات والعناصر القوية في المجتمع بحيث أن الجوانب الإنسانية أصبحت لا معنى لها في اتخاذ القرارات، والأهمية الكبيرة تعطى للجوانب المادية والتنظيمية وليس لمصير الأفراد.
  • إستفحال المشاكل وتزايد الأزمات التي تتطلب حلولا عاجلة، أصبح يقتضي التدخل بسرعة واتخاذ القرارات العاجلة بدون الحصول على موافقة الإرادة الجماعية(1).

كل هذه العوامل المتعددة، دفعت بالأفراد إلى أن يتمردوا على المؤسسات العامة وأن يؤسسوا منظمات جديدة وأحزاب قوية بقصد التخلص من ضغوط المؤسسات التقليدية التي تعمل بمعزل عن الجماعة. ولعل النقطة الهامة في هذا الموضوع أن عملية الإتصالات قد تطورت في العصر الحديث وصار من السهل تغيير أماكن الإقامة والعثور على الزملاء الذين يمكن التضامن معهم، ووجود المنظمات البديلة التي لا تمانع في قبول الأنصار الجدد. ونتيجة لهذه التطورات، أصبح في إمكان الجماعات الصغيرة أن تساهم في تحريك الناس بسرعة واختيار السياسة التي تعجبها وتناسبها. وهكذا أصبح بالإمكان القول بأن المؤسسات التقليدية غير القادرة على تلبية حاجات الإنسان، قد بدأت تفقد قيمتها ويضمحل نفوذها وتقل فعاليتها، لأن الأفراد لا يعطون أية قيمة للمؤسسة التي لا تخدمهم وفي إمكانهم الإستغناء عنها.

لكن المشكل هو أن التخلص من المؤسسات البالية لا يعني أن المشاكل الإجتماعية قد حلت وأن الإنسان أصبح يتمتع بسعادة تامة بعد أن أظهر امتعاضه ونفوره من المؤسسات التي تتحكم فيه أكثر مما تخدمه. وعلى العكس من ذلك، فإن الإنسان في حاجة ماسة إلى التعاون مع أبناء وطنه لإقامة مؤسسات قوية ومتينة تحميه من ظلم الآخرين وتعينه على تذليل الصعاب التي تعترض طريقه يوميا. وهذا يعني أن الإنسان لا ينفر من المؤسسات ذاتها بقدر ما ينفر من الخلل الموجود في العديد من المؤسسات والمتمثل في القوانين الغامضة وعدم مسايرة روح العصر واستيعاب التغيرات   الجديدة التي تطرأ على الحياة الإجتماعية وانعدام روح المبادرة والإجراءات الحاسمة لمواجهة التعقيدات الإدارية والتنظيمية، وغياب روح التشاور والعمل الجماعي. وفي هذا الإطار، يجدر بنا أن نستعين برأي الكاتب الفرنسي المشهور (ميشيل كروزييي) الذي أتى على ذكر تجربة رائدة في ميدان التقدم الإجتماعي الذي يأتي نتيجة لانهيار المؤسسات التقليدية والاستعاضة عنها بمؤسسات حديثة قائمة على أسس عصرية. فمن بين الدول التي أخذت مركز الصدارة التقدم والرفاهية في عصرنا الحالي، توجد ألمانيا الغربية واليابان، وهما من الدول التي انهزمت في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك تمكنتا من إعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة وانتهاج طرق حديثة في العمل(1).

ويبدو أن الخلل الموجود بالمنظمات يرجع أساسا إلى عدم وجود تطابق بين سرعة التغيرات الإقتصادية والاجتماعية التي طرأت على الدول الحديثة والتغيرات البطيئة في الهياكل وتجديد القوانين وإدخال الأساليب الحديثة في اتخاذ القرارات والتسيير في مختلف إدارات القطاع العام. وبمعنى آخر، أن التطورات السريعة في العلوم والتكنولوجيا قد خلقت حقائق جديدة، في حين أن المنظمات الإجتماعية لا تجاري ذلك التطور السريع. وبسبب هذا الجمود في المؤسسات من جهة وتغير الأوضاع وأساليب العمل الحديثة، من جهة أخرى ظهرت الفجوة الهائلة التي تفصل بين المؤسسات وبين إجراءات التنظيم المهيأة لتقديم الخدمات على أحسن وجه ممكن.

ويلاحظ أنه في الوقت الذي تزداد المطالب الإجتماعية وتتراكم المشاكل، نرى بأن هناك تذبذبا وترددا في اتخاذ الإجراءات الضرورية لمعالجة القضايا الإجتماعية قبل استفحال الأزمات.

وإذا نظرنا من زاوية واقعية إلى هذا التوازن في معالجة المشاكل التي تواجه أي مواطن، فإننا نجد أن الجهات المهنية تحاول التملص من مسؤولية التباطؤ في أيجاد الحلول الناجعة. وسواء كانت هذه الإدعاءات صحيحة أو باطلة أو القصد منها التستر وراء السلطة الحكومية، فإن  الشيء الأكيد هو أن العجز في تقديم الخدمات الإدارية للمواطنين في أي بلد نامي، يتمثل في المستويات القيادية والأجهزة التنفيذية واتخاذ القرارات.

فبالنسبة للقادة الإداريين يمكننا أن نقول بأن العلاقات الشخصية أصبحت تتحكم في التعيين واختيار الأفراد المقربين الذين تتوفر فيهم هذه المزايا وليس الكفاءة والمقدرة الإدارية. كما أن الأجهزة التنفيذية وخاصة الهياكل أصبحت جامدة وغير قادرة على استيعاب المطالب الإجتماعية التي اتسع حجمها وتغير نوع وجوهر احتياجاتها. وقد ظهر ضعف وعجز العنصر البشري ورداءة الهياكل الإدارية في قضية اتخاذ القرارات. فالمفروض أن تعطى أهمية كبيرة للقرارات التي تخص ملايين الموطنين الذين تتأثر ظروف معيشتهم بالإجراءات التي تتخذها السلطات الرسمية. لكن الواقع هو أن القرارات تتخذ بصفة فردية من طرف المؤسسات، وليس بصفة جماعية، وأن المهم هو السيطرة على الموقف والتحكم في عباد الله بحيث لا يفلتون من قبضة أصحاب النفوذ والسلطة في الأجهزة المركزية للدولة.

ونقاط الضعف هذه في التنظيمات المعاصرة تدفعنا، كما دفعت “ميشيل كروزيبي”، إلى طرح السؤال التالي: كيف يمكن خلق الظروف والوسائل الضرورية الكفيلة بتمكين المؤسسات الإجتماعية من تسيير المجتمع بطرقة حسنة وبأسلوب جماعي؟ وإجابة على هذا السؤال نقول بأن السبب الرئيسي لهذا النقص يرجع إلى انشغال الجهاز البيروقراطي بالمسائل التي تهمه ولا تهم الجمهور مثل الترقيات وتدعيم الأصدقاء وتقديم الخدمات عن طريق الوساطات والسعي للحصول على مكافآت. أما المسائل التي تهم المجتمع ككل وذلك مثل البحث عن الوسائل المجدية لتحقيق   الأهداف والسماح للأفراد أن يعرضوا مشاكلهم على المسؤولين المعنيين بحلها وتذليل الصعاب التي تعترض طريقهم، فهذه قضايا لا تؤخذ بعين الإعتبار مادامت لا تخدم مصالح الجهاز البيروقراطي.

ونستخلص من الإستنتاجات السابقة أن النقائص توجد على مستويات مختلفة، لكن الداء الحقيقي يكمن في وجود حواجز مصطنعة تفصل الشعب عن المسؤولين الإداريين بحيث يعيش المواطنون في واد وإدارتهم في واد آخر. ورأينا في هذا الموضوع أن جوهر المشكل هو أن التعقيدات وتدهور الأوضاع في التنظيم لا تكمن في رداءة السلطة أو سوء نية القادة بقدر ما تكمن في سوء العلاقات الإجتماعية وانعدام الوسائل التي تسمح بالتغلب على الصعوبات التي تبرز باستمرار.

فمن الأغلاط التي لا تغتفر، مثلا، أن أفراد المجتمع يحرمون من الحصول على المعلومات التي تعطيهم فكرة عن أي موضوع يشغل بالهم، وبذلك يتسنى للمسؤولين أن يتحكموا في الناس ويوجهوهم حسب أهوائهم. وبناء عليه، فإن العمل في سرية تامة وفرض رقابة شديدة على المعلومات التي قد تتسرب إلى الخارج وتساعد الجمهور على معرفة حقيقة الأمور، والتستر على العناصر البيروقراطية التي تهمل واجباتها ولا تعير أي اهتمام لمطالب الجمهور، هي العوامل الرئيسية التي أدت إلى تضايق الناس من الأعمال الحكومية.

ولعل الشيء الغريب في هذا الموضوع هو أن العديد من المسؤولين يتشبثون بحقهم الشرعي وحق الدولة في التحكم وتوجيه الأمور وفقا للقوانين المكتوبة، وفي نفس الوقت ينسى هؤلاء أن الشيء المهم هو مصير الأفراد وليس القرارات المكتوبة والتعليمات المرسلة من القمة إلى القاعدة، وهذا التصرف العجيب يعطي انطباعا عاما بأن احتكار السلطة الحكومية، واستغلال صفة الشرعية في العمل، هي عبارة عن وسائل مهيأة بقصد فرض الهيمنة الحكومية والتحكم في أفراد المجتمع.

ولكي تتضح الأمور، لا بد أن نشير إلى أن نفوذ الدولة واحتكارها للسلطة، هو في الحقيقة نفوذ الجماعات المهنية والنقابية والثقافية التي تهيمن على قطاعات معينة. فالخبير البيروقراطي يفرض نفسه في ميدان اختصاصه، والصحافي يحتكر ميدان إختصاصه لنفسه ويؤثر في الأمور حسب أهوائه، والنقابي يعتبر نفسه هو الوحيد الذي يعرف مطالب الحركة العمالية،وفي النهاية نجد أن كل فئة تحاول تشويه الحقيقة وتقديم الآراء الضيقة التي تخدم فئة معينة من فئات المجتمع وهمها الوحيد هو أن تجعل من نفسها المجموعة الوحيدة التي تستفيد من العملية. والغريب في الأمر، أن مختلف العناصر التي تنصب نفسها وكيلة عن العاملين في قطاعات المختلفة، تحظى بتقدير الدولة، والآراء المتحيزة التي تقدم كوثيقة عمل هي التي تعتمد في النهاية وتكون المعلومات المقدمة من هذه الجهات هي المرجع عند اتخاذ القرارات الرسمية. وفي العديد من المرات ينجم عن المواقف المتحيزة لجماعات معينة، أن تجد الحكومة نفسها في موقف حرج لأن جماعات الضغط تستغل الدعم الحكومي لتحقيق مآربها على حساب المصلحة العامة أو مصلحة المجتمع ككل. وباختصار، فإن التنظيم الحالي والقوانين البالية والعقليات الجامدة هي التي تزيد في تعقيد المشاكل وليس في حلها.

 

حتمية الإعتماد على التخطيط والمعرفة:

إن المشاكل التنظيمية التي تعرضنا لها آنفا تؤكد لنا حقيقة هامة هي أن تراكم المشاكل تدفع المسؤولين الحكوميين، في أغلب الأحيان، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ومحاولة حل المشاكل بطريقة غير مدروسة، وهذه الإرتجالية في العمل تتمخص عنها عواقب أخرى تزيد الأمور تعقيدا لأن المشاكل مترابطة ولا يمكن التغلب عليها إلا بتخطيط شامل وحسب إستراتيجية مدروسة مقدما. والإعتماد على إستراتيجية دقيقة يعني الإعتماد على المعرفة الفنية واستئصال الداء قبل استفحاله.

ولعل أحسن الأساليب للعمل المنظم والمخطط يكمن في تحديد الهدف المشترك الذي يتمثل في مصلحة المجتمع ككل وليس مصالح فئات قوية. فبدون وجود هدف مشترك لا يمكن أن تكون هناك عقلانية أو فعالية في العمل. كما أن إتباع إستراتيجية جديدة قد يتطلب تغيير قوانين العمل والتخطيط وضبط الأمور بأسلوب جديد بحيث تكون الإجراءات بسيطة وسهلة وواضحة للرأي العام. والهدف من كل هذا هو التوصل إلى شيء أساسي، خلاصته أن إستراتيجية تقديم وخلق نهضة إجتماعية لا تتوقف على إستراتيجية شبه عسكرية هدفها الرئيسي هو القضاء على الخصم وقهر العدو أو تدميره، وإنما تتركز في تجنيد الآخرين للعمل وخلق المؤسسات التي تستوعب العمل الجماعي وتسمح بتحويل الأفكار المجردة إلى حقائق ملموسة ومعبرة عن الصالح العام.

وبطبيعة الحال، فإن الإستراتيجيات الجدية وحدها لا تكفي لخلق المعجزات، لأن نجاح تطبيق الخطة يتوقف على وجود الكوادر التي تتمتع بكفاءة عالية ومقدرة فائقة في كل اختصاص. ولهذا، فإن أول خطوة ينبغي أن تعتمد عليها الدولة العصرية في سياسيتها الرامية لإصلاح أجهزتها الإدارية وتصحيح الأوضاع الفاسدة، هي العمل على الاستثمار في الميادين الآتية :

1 – ميدان المعرفة، لأن تعميم المعرفة يعني خلق القدرة الجماعية على العمل البناء والتخلص من مسألة احتكار العلم والتكنولوجيا من قبل فئات صغيرة دأبت على استغلال مهاراتها في خدمة إغراضها الخاصة.

2 – الإستثمار في الإنسان وتكوينه تكوينا سليما حتى يكون في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه. فلو قام كل فرد أو موطن بواجباته اليومية بكل نزاهة والتزام معنوي، لكان بالإمكان تذليل جميع الصعوبات التي تعترض أبناء المجتمع. ولعل الغلط الفادح الذي ترتكبه السلطات الحكومية أنها تعتمد على المراسيم الشرعية لتغيير المجتمع. لكن الواقع أن التغير الحقيقي لا يأتي إلا بتوفير الرجال الأكفاء الذين تشبعوا بالأيمان ولديهم الرغبة الصادقة لخدمة مجمعتهم الذي يدفع رواتبهم ويحملهم مسؤولية السهر على مصالحه.

3 – الاستثمار في ميدان التجارب والخبرات العملية حيث أن أي تغيير تترتب عليه عواقب كثيرة، وأي خطأ يتحمل الإنسان مسؤوليته وخاصة إذا كان ليس له إلمام بالعمل الذي يقوم به. وباختصار، فإن مشكل التقدم الإجتماعي يمكن أساسا في انغلاق المؤسسات على نفسها، وجمود في قوانين العمل وأساليب معالجة القضايا، وعدم وجود هياكل متطورة وقادرة على استيعاب رغبات المواطنين والجمهور بصفة عامة. وإذا أردنا أن نضع النقاط على الحروف، فإن أسباب عرقلة المجتمع وإضعاف قدراته على تذليل الصعاب التي تواجهه، ترجع في الأساس إلى ما يلي :

1) نظام التعليم الذي يعاني من طغيان التسلط وضعف البرامج وانغلاق المدارس على نفسها فهذه المؤسسات التي تقوم بإعداد  كوادر المستقبل غير قادرة على تلبية المطالب الإجتماعية وما تقوم به لا يتماشى وروح العصر. فلو أنها استطلعت أن تغرس في نفوس الشباب القيم السليمة وروح العمل الجماعي والتعاون بين الناس، لكان في الإمكان خلق مجتمع عصري يحصل أفراده على أحسن الخدمات من الموظفين بالمؤسسة الحكومية.

2) نظام الإدارة العامة الذي تهيمن عليه المركزية والطبقية والعناصر المتحفظة التي لا تفهم من الإدارة سوى أنها أداة للتحكم وإخضاع الناس لرغبات أصحاب النفوذ.

3) نظام توظيف رجال النخبة، وهذا يرجع أساسا إلى مقدرة بعض العائلات المرموقة التي تملك الأموال والنفوذ، وبالتالي كان في إمكانها أن تأخذ حصة الأسد من العلم والإنفراد بسلطة اتخاذ القرارات وتسيير الإدارة حسب أهواء الشخصيات المرموقة في المجتمع.

4) نظام التسلسل الإداري الذي أصبح أداة لحماية الأقوياء والتلاعب بالموظفين الصغار. فإذا كان الأمر يقتضي إصلاح الهياكل الإدارية فإن أي تغيير يعتبر ويفسر بأنه عبارة عن مؤامرة للتخلص من شخص معين والاستعاضة عنه بشخص آخر. وهكذا صارت فكرة الإصلاح عبارة عن محاولة لخلق صراعات جديدة ومواجهات بين الشخصيات التي تحبذ التغيير إذا كان في صالحها وترفضه إذا كان يمس بمصالحها(1).

وخلاصة القول حول التنظيم والمنظمات، أن كل شيء يتوقف على إرادة الإنسان ورغبته الصادقة في القيام بواجباته وتقديم الخدمات لأخوانه المواطنين. فباستقامة الإنسان وحسن تصرفاته وتحكيم عقله وضميره في الأمور التي تعرض عليه للبث فيها، يمكن أن تبرز النتائج الجيدة والأعمال التي تكون في مستوى طموحات أبناء الشعوب.

وكما حولنا أن نثبت في هذه الدراسة أكثر من مرة، فإنه من الغلط أن تكتفي الحكومات وإدارتها بإصدار القوانين وإعطاء إنطباع بأنها قد تمكنت من التغلب على الفوارق الإجتماعية في الرواتب والنفوذ والثروة لأن هذه الإجراءات مؤقتة وتصبح لا معنى لها بمضي الوقت وتغير الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية. كما أن الأفراد يتحايلون على القوانين ويستغلون منها ما يخدم مصالحهم ويتجاهلون كل الإجراءات التي لا تخدم مصالحهم. وبقدر ما تحاول الحكومات فرض قوانينها على المواطنين وتضييق الخناق على الأفراد المتلاعبين بثروات الشعوب، بقدر ما تنشط السوق السوداء المحظورة. ولهذا فإن الحل الأساسي يكمن في نشر المعرفة وتعميمها، وتكوين الأفراد الذين يعملون بروح جماعية وبأسلوب بسيط بحيث يمكن الإستغناء عن المستهزئين الذين يحتكرون العلم والمعرفة ويتحكمون في مصير الشعوب باسم الشرعية والتخصص والدفاع عن النقابات المهنية. إن المجتمع العصري بحاجة ماسة إلى من يقوده، لكن بحكمة وإخلاص في تقديم الخدمات، وفي حاجة إلى من يسيره، لكن بقوانين واضحة وغير معرقلة لمطالبة الشرعية واحتياجاته الأساسية، وفي حاجة أيضا إلى حكومة قوية، لكن قوتها موجهة لضرب المتلاعبين بمصالح الشعب، وليست ضد المواطنين الذين يجسدون الإرادة العامة للأمة والذين يسعون بالدرجة الأولى للحصول على الأشياء الضرورية مثل الشغل والأمن الجماعي والرخاء الإقتصادي.

 

 

*  – دراسة منشورة بالجملة العربية للإدان، العدد 4، (ديسمبر)  1980، ص 18 – 27.

(1) دكتور علي السلمي، التخطيط والمتابعة القاهرة: مكتبة غريب، 1978، ص 316.

(1) Pradip N.Khandwalla, Desing of organizations. New York. Harcout Brace Jovanovich, Inc. 1977, pp 25.

(1) J. child “The Contribution Of Organization Structure“ in in Organization As Systems, (edited by : Lockett and Spear). London : The Open University, 1980, pp 97 98.

(2) دكتور محمود عساف، أصول الإدارة العامة، القاهرة: مطبعة لطفي للآلات الكاتبة، 1979، ص 318.

 

(1) Khandwalla, op-cit. pp 531-532.

 

(2) يلاحظ بأن هناك استعمالا مترادفا للكلمتين المنظمات والمؤسسات. ومع أن الكلمتين مختلفتان من ناحية الجوهر فإنهما متقاربتان من الناحية العملية ونعني بهما أية وحدة تنظيمية تجمع بين مجموعة من الأفراد يعملون لتحقيق هدف مشترك  بالتعاون فيما بينهم.

 

(1) Michel Crozier, On ne change pas la Societe par decret paris : Grasset, 1979, pp 62-64.

(1) Gzaeme Salaman, Work Organization : Resistance and Control. London : Longhman Groupe Limited, 1979, p. 7.

(1) Grozier, op-cit, pp. 17- 25.

(1) Ibid; p 20.

(1) Ibid; pp 62- 67.

شاهد أيضاً

وضع استراتيجيات السياسات العامة … إلى أين؟

  بقلم  الأستاذ عمار بوحوش استراتيجيات السياسات العامة هي عبارة عن خطط وبرامج يتم تسطيرها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *