إستراتيجية التنظيم العسكري وعلاقتها بعلم الإدارة  *

بقلــم

د. عمار بوحوش

أستاذ بمعهد العلوم السياسية

جامعة الجزائر

 

إن الدافع الكبير للتنظيم هو إشباع الحاجات وتحقيق الرغبات. فالإنسان يحاول على الدوام أن ينظم نفسه حتى يستفيد من طاقته العقلية ويضمن لنفسه الوصول إلى أهدافه المنشودة. وهنا يطرح السؤال العويص: كيف يمكن للإنسان أن ينجح في تحقيق مشاريعه مادامت الإمكانيات محدودة، وعجلة الزمن تدور بسرعة يصعب إيقافها؟ وإجابة على هذا السؤال نقول بأن الإنسان قد حاول باستمرار أن يتغلب على الفوضى والعوائق التي تعترض سبيل نجاحه عن طريق تحديد الأهداف ومنح الأولويات للمشاريع التي سيكون لها الأثر البالغ على مستقبله. ومن خلال عمليات التصفية والمقارنة يستطيع الإنسان أن يتعرف على نوعية المشاريع التي في إمكانه تحقيقها ونوعية المشاريع التي يصعب تحقيقها في المدى القصير والمدى البعيد. وبعبارة أخرى، فإن فكرة استخدام التنظيم كقاعدة أساسية لإشباع الحاجات الإنسانية نابعة من إدراك الأفراد، منذ الصغر، بأن الحياة عبارة عن صراع متواصل مع المشاكل والعراقيل التي تعترض سبيل نجاحهم في الدنيا. ونظرا لصعوبة تلبية جميع الرغبات الإنسانية سواء بسبب قلة الإمكانيات أو تعدد الصعوبات الفنية والمادية، وطغيان ظاهرة الأنانية التي تسود مختلف المجتمعات والفئات، فإنه لابد من الاستعانة بسلاح التنظيم والإلمام بوسائل العمل المجدية والاعتماد على الإمكانيات المتوفرة داخليا، وذلك لتحقيق الأهداف المنشودة(1).

والفكرة الأساسية التي يمكن استخلاصها من هذا التمهيد للموضوع هي أن التنظيم سواء كان عسكريا أو مدنيا، يهدف إلى تجنيد الطاقات البشرية والمادية وتوجيهها في الطريق الصحيح حتى يتسنى للأفراد والجماعات والحكام أن يحققوا الأهداف المنشودة. وعليه، فإن الغاية من التنظيم هي إنشاء المنظمات المدنية والعسكرية التي تخدم الصالح العام والدفاع عن الاختيارات الأساسية لكل نظام سياسي، إلا أن المشكل الرئيسي في عملية التنظيم يكمن في إمكانية عدم تطابق أهداف المنظمات الإجتماعية وأهداف الأشخاص الذين يلتفون حولها. فالعناصر البشرية التي تتشكل منها أية منظمة، لا يمكن اعتبارها بأنها مجموعة من الأفراد تستخدم كأداة مطيعة لأية منظمة، بل إن للأفراد الذين تسربوا إلى أية منظمة، غايات وأغراض خاصة بهم، وفي إمكانهم استعمال المنظمة كأداة في أيديهم لتحقيق مآربهم الشخصية.

ولهذا فإن قوة أي تنظيم تكمن في مدى مقدرة القيادة على توجيه الأمور بلباقة وحكمة كبيرة بحيث تتمكن المنظمة من التحكم في جميع التيارات وتقضي بطريقة ديبلوماسية على جميع الضغوط والاختلافات التي تبرز داخل كل منظمة. ومن هذا المنطلق يتضح لنما جيدا أن الطاقة المغذية لأية منظمة هي الطاقة البشرية، ومن المستحيل أن نستغني  في التنظيم عن هذه القوة الإنسانية الدافعة لركب الحضارة الإنسانية. وبناء على ذلك فإن التوجيه السليم للطاقات الإنسانية هو الذي يساعد على نجاح المنظمات في تحقيق أهدافها ويزيد في فعاليتها وفي انتعاشها.(1)

 

الإستراتيجية العسكرية تتطلب التفوق

 

في الواقع، إن عملية التنظيم تكاد تكون واحدة في كل المجالات والقطاعات، لكن أساليب العمل تختلف باختلاف الأنشطة والأهداف. فكل الوظائف التي تقوم بها الإدارات، سواء في القطاع المدني أو العسكري تتمثل في التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة. إلا أن تماثل هذه الوظائف لا يعني تطابق طرق العمل لأن الأهداف تختلف باختلاف نوعية المهام  المسندة لكل إدارة. فبالنسبة للقيادة العليا التي تعتمد على الأجهزة العسكرية والأجهزة المدنية في الدولة، لا يمكن إحراز أي تقدم وإحداث نهضة وطنية كاملة بالدولة إلا عن طريق تحقيق الفعالية في التنظيم وحسن استغلال الموارد الطبيعية والبشرية، وإظهار القدرة على توجيه الجهد البشري بحيث يؤدي ذلك إلى حسن استخدام الجهد الإنساني إلى ما فيه النفع للمجتمع. فالإدارة هي المقدرة على استخدام المال وحسن استخدام الطاقات الإنسانية لإشباع حاجات المجتمع وتوفير الأمن للبلاد والتغلب على الصعاب التي تواجه المواطنين.(1)

وانطلاقا من هذا المفهوم، فإن الإستراتيجية الإدارية في الميدان العسكري تقوم على أساس تحقيق الأهداف الأمنية عن طريق التفوق في الموارد المادية والعناصر البشرية. وهذا يعني بطبيعة الحال، أن الإستراتيجية العسكرية تتطلب اليقظة الدائمة والتأهب التام لخوض أية معركة وتحقيق الأهداف التي تضعها القيادة السياسية. وعليه، فإن أهم ما يميز الإستراتيجية الإدارية في الوقت الحاضر هو الإعداد الشامل لكافة القوى المادية والبشرية وتجنيد كل الطاقات المتوفرة، مع حسن استخدامها والاستفادة منها بأحسن طريقة ممكنة. كما أنها تتميز بظاهرة التسابق مع الخصوم وذلك يفرض على رجال التنظيم العسكري، القيام بأبحاث ودراسات واختراعات وتطوير الموارد والكوادر والمصانع وسبق العدو بالتصنيع بأقل تكلفة وأعظم مردود، وخلق جهاز استطلاع قوي، قادر على اكتشاف مجاهل وأسرار هذا التطور في الدول المعادية.(2)

ونستخلص مما تقدم، أن كل قيادة سياسية تحترم نفسها وتحترم إرادة شعبها، تدرك جيدا أن أهم نقطة في التنظيم هي القدرة على تجنيد الطاقات والاستفادة من مواهب العناصر ذات الكفاءة العالية في مجال اختصاصها، وإقناع الناس بالعمل الجدي والتفاني في سبيل بلوغ غاية وطنية واضحة المعالم. “فالإمكانيات والطاقات المبعثرة لا قيمة لها مهما بلغت إذا لم تتوفر القدرة على حشدها واستخدامها وتحويلها إلى واقع”.(3)

وإذا ألقينا نظرة على التطور التاريخي لمعظم الشعوب لوجدنا أن معظم القادة السياسيين قد اهتموا بالدرجة الأولى في تنظيم بلدانهم عن طريق تنظيم الموارد، والتركيز على أنواع معينة من الإنتاج تخدم متطلبات المعارك العسكرية والتفوق على الأعداء، سواء في الميدان التكنولوجي أو الميدان التنظيمي. وهكذا وجد الحكام أنفسهم في حاجة ماسة إلى نوعين من الخبراء، فئة من العسكريين متفرغة لمسائل الأمن وإستراتيجية التفوق على الخصوم، والاستعانة بفئة أخرى من الخبراء في التنظيم الإداري الذين يعهد إليهم تنسيق جميع الجهود البشرية وتحويلها إلى جهود مثمرة. وكان هذا التحول في الاستراتيجية عبارة عن محاولة للاستعانة بمختلف القوى الجماهرية لمواجهة الخصوم. ومعنى هذا أن القيادات السياسية قد أدركت أهمية التماسك بين الجيش والشعب، وضرورة اجتذاب العناصر الوطنية المتحمسة للقتال، وتعبئة كافة القوى السياسية والعسكرية لخوض المعارك المصيرية.

وهذا الاتجاه نجده مجسما في سياسة القيصر الروسي بطرس الكبير (1682-1725) وذلك غداة انهزام بلاده في الحروب التي خاضتها ضد السويد، حيث قام بتكوين فئة من العناصر المؤهلة ثقافيا وفنيا وإرسال أعداد كبيرة منهم إلى الدول الأوروبية المتقدمة لكي يتخصصوا ويتعلموا فن ممارسة السلطة على أساس المعرفة الفنية وإتباع الأسلوب الأفضل لأداء العمل الذي من شأنه تحسين مرافق الخدمات العامة بالدولة الروسية. ولكي يصل إلى هدفه المنشود وهو رفع مستوى مساعديه وتحسين استغلال موارد بلاده وبناء دولة قوية وقادرة على حماية وطنه، عمد القيصر إلى الفصل بين شخصية الدولة وشخصية الحاكم، واعترف أن الحاكم ماهو إلا الخادم الرئيسي للدولة التي تعتبر هي السلطة العليا في البلاد، وأن بقاءه يتوقف على التعاون الوثيق بين موظفي الدولة. واشترط على كل موظف يشتغل بالجهاز الحكومي، أن يحلف أولا، بأنه يتفانى في خدمة دولته بإخلاص، وبأنه يلتزم بالولاء التام لرئيس الدولة. ونلاحظ نفس الظاهرة في اليابان التي التجأت في القرن التاسع عشر إلى تقوية جيشها وتحسين أسلوب الخدمات الإدارية لكي لا تلتهمها الدول الأوروبية التي كانت تتسابق لفرض سيطرتها على دول آسيا. ولولا تفطن حكام اليابان إلى فكرة نشر التعليم والتكنولوجيا الغربية، وخاصة الألمانية، وتكوين كوادر واعية ومحبذة لخدمة القيادة السياسية والدولة اليابانية، لكان من الصعب على حكام طوكيو أن يصمدوا في وجه التوسع الاستعمار في القارة الأسيوية.

وفي العالم الإسلامي نجد أن سلاطين الإمبراطورية العثمانية، وبخاصة في عهد السلطان سليم الثالث الذي حكم تركيا في نهاية القرن الثامن عشر، قد دأبوا على جلب الشبان الأذكياء من جميع أنحاء البلدان الإسلامية الخاضعة لنفوذهم وتدريبهم في مدارس خاصة في تركيا لكي يكونوا السند الرئيسي لحكم السلطان العثماني، وعندما جاء محمد علي إلى الحكم في مصر، وجد أن الوالي التركي قد اعتمد على سلاح تخويف الناس للبقاء في الحكم، فحاول أن يجعل من مصر دولة صناعية متقدمة عن طريق توجيه الموارد البشرية والمادية فيها. وقد تمثل الأسلوب الذي اعتمد عليه محمد علي، في إعداد المصريين وتنظيم امتحانات لاختيار من يشتغلون الوظائف الفنية والإدارية وفي أيفاد مئات من الشباب المصري للدراسة في المعاهد الأوروبية.(1)

والتنظيم العسكري بهذا المعنى يستهدف تكوين تدريب وإعداد العناصر التي تساهم في تقوية الدولة وتنظيم مواردها وانتهاج سياسة الاكتفاء الذاتي والحصول على موارد متنوعة تتطلبها المصلحة العليا للبلاد. والخدمة الوطنية أو خدمة العلم ماهي إلا وسيلة لتمكين الشباب من التعرف على هويتهم الوطنية وتلقينهم مبادئ أيديولوجية الدولة، وتوحيد الأحاسيس وخلق الولاء للنظام القائم بالبلاد. وبذلك يتعرف الشبان على المجموعة الأساسية من القواعد التي تنظم طريقة تأدية الإنسان دوره في الحياة السياسية، وتلقنهم القيادة العسكرية والمبادئ العامة أو الأيديولوجية السياسية للنظام السياسي والتي تتضمن في طياتها ما ينبغي أن يعرفه الشباب عن الوضع الحاضر وما تطمح إليه الدولة من تحقيق حياة أفضل.

كما أن التنظيم العسكري في الإدارة يختلف عن التنظيم الإداري المألوف في الخدمة المدنية وذلك نظرا لاختلاف الأهداف. فالإدارة العسكرية تتميز بالإنضباط، والابتعاد عن الجماعات الضاغطة التي تركض وتلهث وراء أهدافها ومصالحها الضيقة، ثم إن للإدارة العسكرية قوانين العمل الخاصة بها، وبالتالي فقوانينها تتسم بالمرونة وعدم الخضوع للمجادلات والمساومات التي تجري بين الفئات المتناحرة.(2)

وإذا كانت قوة أية دولة مستمدة من مقدرتها على إيجاد اقتصاد قوي، ومصانع حديثة، وبحث علمي متطور، وتكنولوجيا ذات جودة عالية تستخدم لتحقيق انتصارات سريعة وباهرة، فإن ذلك يعني وجود تخطيط مسبق، وتحضيرات طويلة، أيام السلم، تكلف من النفقات ما تعجز عنه أية دولة ذات موارد كبيرة. ولهذا، فإن الاستراتيجية الإدارية في الميدان العسكري تتطلب التسابق مع الأحداث وتجنيد الكفاءات والمهارات في ميدان التنظيم والتطوير التكنولوجي، لأن القيادة السياسية تدرك جيدا أن قانون النجاح العسكري ينص على تحقيق التفوق الساحق في الميدان، في اللحظة المناسبة، وفي المكان المناسب. كما يشير إلى ضرورة تغيير طرق الصراع المسلح ضد العدو، وتبعا لتغير الموقف. وعليه فإن الاستراتيجية العامة في الميدان العسكري تقوم على أساس تطوير الموارد وتنظيم المصانع ومراجعة القوانين والأنظمة الإدارية وتحسين مستوى العناصر البشرية، لأنه في حالة قيام مواجهة مسلحة ضد الخصم يتعين على رجال كل قطاع حيوي في الدولة أن يلعبوا دورهم بصفة إيجابية. ففي حالة قيام أي حرب بين دولتين نجد أن الاقتصاد يحارب الاقتصاد، والموارد تحارب الموارد، والأسلحة تحارب الأسلحة، والعنصر البشري يحارب العنصر البشري. ولكي تكسب الدولة الحرب وتخرج من المعركة منتصرة لابد أن تكون لكل هذه القوة مميزات وقدرة تفوق مميزات وقدرة القوى الأخرى المحاربة.(1)

ولهذا تلجئ الدول إلى نهج سياسة الإكتفاء الذاتي في الميدان الصناعي، وتطوير الزراعة لتوفير الغذاء ودعم القاعدة التكنولوجية حتى تستفيد كل القطاعات الحيوية في البلاد من الاختراعات الجديدة في كل حقل من حقول المعرفة. وانطلاقا من هذه الحقائق يؤكد الخبراء في شؤون التنظيم العسكري بأن الدولة المنتصرة في يومنا هذا، هي التي يستطيع اقتصادها إمدادها بالذخائر والاعتدة الحربية في وقت المعركة، ويستطيع رجالها الأكفاء أن يثبتوا تفوقهم وكفاءتهم العالية في ميدان القتال.(2)

 

خصائص علم الإدارة

 

إن الإدارة في الواقع، قد ارتبطت دوما بنوعية النظام السياسي الذي يوجد بكل بلد. فالإداريون هم عبارة عن الجهاز البيروقراطي الذي هو جهاز مهني متخصص في الإدارة وتنفيذ السياسات الحكومية.

وخلافا للجهاز البيروقراطي العسكري الذي تنحصر مهمته في تطوير القطاعات الاستراتيجية في الدولة وتلبية حاجيات الجهات الأمنية المختصة، فإن البيروقراطيين المدنيين يتعاملون مع الجمهور بمعناه الواسع، ويتكون دوما برجال السياسة وأصحاب الأعمال والجماعات الضاغطة والوجهاء من قادة العشائر والقبائل. وفي العادة يعتمد عليهم قادة الأنظمة السياسية لحل المشاكل والتعقيدات الإدارية التي تواجه المواطنين. وبما أن التعقيدات تتطلب توظيف المزيد من الخبراء المختصين لأن التقدم الاجتماعي يكون في العادة مصحوبا بتطورات جديدة معقدة، من الصعب التحكم فيها، فإن ذلك يؤدي باستمرار إلى المزيد من الاعتماد على البيروقراطيين الذين تستعين بهم المؤسسات الإدارية لمواجهة الزيادة المطردة في الخدمات التي يتعين على الدولة تقديمها للمواطنين.

ولعل المشكل الكبير الذي يواجه أي جمهور يتعامل ويتفاعل مع الجهاز البيروقراطي هو أن اتساع نطاق الخدمات الاجتماعية وحتمية إنشاء أجهزة ومؤسسات إدارية عملاقة وقادرة على تلبية حاجات المواطنين، يقود في معظم الأحيان إلى تطبيق القوانين حرفيا وبدون مراعاة لوضعيات المواطنين المتباينة، وإجبار السكان على الخضوع لرغبات وتعنت الموظفين البسطاء الذي يحجمون عن تقديم الخدمات إلا إذا اكتملت الملفات والأوراق، وفي معظم الأحيان، ينتج عن توسع حجم المؤسسات، وازدياد عدد الموظفين، تداخل الاختصاصات واستفحال ظاهرة الروتين والتعامل مع الجمهور وفق قوانين وإجراءات دقيقة ومعقدة بقصد تسهيل عملية التحكم في المواطنين وتوجيههم حسبما تقتضي توجيهات القيادة السياسية.

ونستخلص مما تقدم أن الجهاز الإداري جهاز مهني متخصص في الإدارة وتنفيذ السياسات الحكومية. وفي الواقع أن الجهاز البيروقراطي أصبح هو الجسر القوي الذي يربط بين المواطنين ودولتهم. فالقادة السياسيون ونواب الشعب في البرلمان العصرية لا يستطيعون الاستغناء عن خدمات البيروقراطيين المتخصصين، شأنهم في ذلك شأن المواطنين الذين لا يستطيعون أن يستغنوا عن الخدمات البيروقراطية مهما ارتفع شأنهم وكثرت أموالهم. فالإدارة البيروقراطية التي تقوم على التخصص والمعرفة العلمية ومعايشة الجمهور والإلمام بردود فعله للقوانين، تعتبر متفوقة على سائر الإدارات الأخرى من سياسية وتشريعية وقانونية. والجهاز البيروقراطي المدني بصفته وسيلة لتحقيق الأهداف العامة للدولة في المجتمعات المعاصرة، وبصفته يحتل مواقع إستراتيجية في أجهزة كل الدول، فإن الخبراء في الإدارة يعتبرونه، أي الجهاز البيروقراطي، أداة من أدوات النفوذ لكل قائد سياسي يريد أن يبقى في الحكم ويتحكم في مجرى الأمور ببلاده. وكما قال أحد الأساتذة فإن مظاهر السلطة السياسية لا تكتمل في معظم البلدان إلا من خلال السيطرة على الجهاز البيروقراطي وضمان ولائه وانقياده لمتطلبات النظام السياسي الحاكم في البلاد. فالبيروقراطية الحكومية كما يؤكد الخبراء، تعتبر في واقع الأمر معلما بارزا من معالم السيادة القومية في مجتمعات تتميز بالصراعات الداخلية والمحسوبية وتضارب المصالح، وهذا ما يجعلها على الدوام مطمحا سياسيا هاما لكل من يتولى الحكم أو يسعى لخلق دولة عصرية تتسامى على الولاءات الإقليمية والفئات المتصارعة في المجتمع(1).

وبناء عليه، فإذا كانت البيروقراطية تعتبر بمثابة جهاز مهني متخصص في الإدارة وتنفيذ السياسات فقط في الدول المتقدمة، فهي تعد في البلدان النامية مصدرا من مصادر السلطة السياسية.(2)

وإذا سلمنا بأن البيروقراطيين في الدول النامية (يحتلون المواقع المحورية في النظام الاجتماعي والسياسي وبأنهم ليسوا فقط منفذي سياسات بل هم واضعوها أيضا)، فإن ذلك يعني أنهم يعتبرون (الأقلية المبدعة). ويتمثل هذا الإبداع في ذلك الدور الحيوي الذي تلعبه البيروقراطية في ربط الجماهير معنويا وماديا بمخططات الدولة، وفي تحويل تلك المخططات والبرامج الإنمائية إلى سلع وخدمات محسوسة يلتمسها المواطنون في المدن والقرى والبوادي والأصقاع المتناثرة في كل بلد. وبكلمة وجيزة، إن البيروقراطية هي الجسر الذي يربط بين القيادات السياسية والجماهير الشعبية في كل بلد. واحتلالها لهذا الموقع الاستراتيجي بين الشعب والقيادة هو الذي جعل الكثير من المسؤولين يشعرون بأن البيروقراطية (سيف مسلط على رقاب المواطنين وحرياتهم ومصيرهم). ومن هذا المنطلق تصبح المشكلة الأساسية التي تقلق بال القادة السياسيين في الدول النامية وتقض مضاجعهم على الدوام هي: كيف يحولون دون تغول الأجهزة البيروقراطية على السلطة بشكل تسلطي خطير.(1)

وانطلاقا من هذه الحقائق، فإن علم الإدارة يهتم بصفة خاصة بجميع المسائل التي تهم المواطن والدولة والتي تبدأ من تخطيط السياسة العامة للدولة وتمتد حتى البحث عن الأساليب الفعالة لوضع تلك الخطط حيز التنفيذ وتحويلها من نظريات على الورق إلى نتائج ملموسة يقطف أثمارها كل مواطن. ومعنى هذا، فالجهاز الإداري الضخم لأية دولة هو الذي يساهم في تنفيذ القرارات التي تتخذها القيادة السياسية ويلعب دورا في توزيع الثروات والأموال على المؤسسات لتمكينها من إنجاز المهام المسندة إليها وتوجيه الأفراد وتقديم المساعدة إليهم لإعانتهم على تنفيذ السياسة العامة للدولة بأحسن الأساليب العلمية التي يعرفها العقل البشري.

وعليه، فإن علم الإدارة يقوم على الخصائص التالية:

  • أن الإدارة مكملة للسياسة لأن القادة السياسيين هم الذين يقومون بتحديد الأهداف العامة للدولة، ورجال الإدارة المتخصصون يتولون عمليات تنفيذ القرارات التي اختارتها القيادة العليا للبلاد.
  • أن الإدارة مرتبطة بالقانون لأن هدفها الأساسي هو تطبيق القوانين على المواطنين بالعدل والمساواة، لا فرق في ذلك بين غني وفقير.
  • أن الإدارة تجسم الديمقراطية الشعبية لأن الإداريين الذين يتم توظيفهم في المؤسسات يأتون من جميع الفئات الإجتماعية ويقومون بتنفيذ السياسة العامة للدولة التي وافق عليها أعضاء المجالس النيابية المنتخبين من طرف المواطنين.
  • أن الإدارة تقوم على أساس توزيع السلطات والصلاحيات وتقاسم أعباء المسؤوليات والقيام بالواجبات.
  • أن الإدارة عبارة عن ترجمة صادقة لجهد جماعي لتحقيق أهداف عامة ومشتركة.

 

  • أن الإدارة تعتمد على فكرة التدرج الإداري واختلاف مستويات المناصب الإدارية والتنسيق بين المسؤولين الإداريين.(1)
  • أن الإدارة يغلب عليها طابع الدوام والاستقرار لفترات طويلة لأن العمل الإداري يعتمد على التأهيل العلمي والكفاءة الفنية، وهذا خلافا للوظائف السياسية التي تعتبر مؤقتة.(2)
  • أن الإدارة تقوم على التنظيم الهيكلي الرسمي من الناحية النظرية، وصلبة للمتنافسين على السلطة والنفوذ والطموحات المبالغ فيها بعض الأحيان.
  • أن الإدارة ترتكز على المعلومات المتجمعة لديها سواء عن العاملين بأية مؤسسة أو عن القوانين والنصوص التنظيمية والوثائق الفنية التي تتضمن جميع المعلومات المتعلقة بالعمل المسند إلى أية مؤسسة.
  • أن الإدارة تهدف بصفة رئيسية إلى دراسة الطلبات المقدمة إليها من أفراد المجتمع المتعاملين معها واتخذا القرارات الملائمة بشأن القضايا المعروضة عليها وذلك وفقا للقوانين الجاري العمل بها والإمكانيات المتوفرة.(3)

 

الإدارة أداة لتقدم المجتمعات

 

ليس هناك جدال بأن الدول المتقدمة في العمل الإداري هي أقوى الدول في عصرنا هذا، لأنها عرفت طريق الفعالية في التنظيم وحسن استغلال مواردها الطبيعية، وأظهرت المقدرة على توجيه الجهد البشري بحيث أدى حسن استخدام الجهد الإنساني إلى ما فيه النفع للمجتمع. إن الإدارة هي المقدرة على حسن استخدام المال وحسن استخدام الطاقات الإنسانية لإشباع حاجات المجتمع وتقديم الخدمات الضرورية له في الوقت المناسب. والإدارة بهذا المعنى هي المحرك الذي يعمل على تشغيل الطاقات والقوى التي يملكها المجتمع، أي أنها القوة الدافعة لتنمية تلك الطاقات حتى ترداد تقدما على الدوام وتتحسن إلى حال أفضل باطراد.(1)

فإذا كانت كل حكومة في أي مجتمع هي التي تقرر السياسة العامة التي تنتجها وتسن القوانين التي تساعدها في تحقيق العدالة الإجتماعية، وتحرص على حماية المواطنين من أي إجحاف بحقوقهم، وتسعى لتوفير الأمن والاستقرار حتى يشعر الناس بالطمأنينة وراحة البال، فإن هذه الاستراتيجيات العامة التي تضعها أية حكومة تعهد بتنفيذها وتحويلها من نظريات تجريدية إلى واقع ملموس، إلى رجال الإدارة العامة الذي يتحملون مسؤولية تنفيذ جميع الخطط وتقديم جميع الخدمات التي التزمت القيادة السياسية بها للمواطنين.

إن ترجمة سياسة الحكومة إلى إعمال ونتائج ملموسة وإعطاء معنى حقيقي للمصلحة العامة وتلبية حاجيات ورغبات أبناء الشعب، تعني أن الإدارة هي الركيزة أو الجسر المتين الذي يربط بين الشعب وقيادته. فالإدارة هي التي تبعث الحيوية والنشاط في الجهاز الحكومي وتخلق الولاء للدولة والتعلق بها عن طريق تقديم الخدمات وتطبيق القوانين بموضوعية ومراقبة جميع الأعمال المتعلقة بالأمن والعدالة الإجتماعية أو خرق قوانين البلاد. فالحكومة تستجيب لرغبات مواطنيها عن طريق وبواسطة الجهاز الإداري الذي يرجع إليه الفضل في نقل المعلومات والاحتياجات إلى القيادة السياسية وتقديم الاقتراحات البناءة لتلبية المطالب الشعبية، ثم يتولى تنفيذ تلك المشاريع المقترحة عندما تقرها السلطة السياسية.(2)

وإذا كانت الشخصيات القيادية في الحكومة تتغير باستمرار، عند أي تعديل وزاري فإن المسؤولين الإداريين يواصلون العمل حتى في غيابهم بحيث لا يتعطل العمل ويضمنون الاستمرارية في تقديم الخدمات للمواطنين. وسواء كان الوزراء جددا أو قدامى في مناصبهم، فإن المسؤولين الإداريين هم الذين يتولون عمليات جمع المعلومات وتحليلها وكتابة تقارير مفصلة عن الاحتياجات والاختيارات المطروحة ويقترحون الحلول المناسبة للمشاكل التي يواجهها أي مجتمع وذلك لأن رجال الإدارة يعتبرون هم الفئة المتخصصة والمعول عليها لحل أي إشكال يطرأ على المشاريع الاقتصادية والهندسية والإدارية. إن المبادرة في العمل قد تأتي من القمة أو القاعدة، ولكن أصحاب الاختصاص الذين نطلق عليهم في معظم الاحيان (تقنوقراطيين) هم الذين يشاركون القادة السياسيين في صياغة الاقتراحات ووضع الخطوط العريضة للبرامج والمشاريع العامة التي تقوم الحكومة بدراستها والموافقة عليها لتأخذ طابع الشرعية.(1)

إن ما أردت أن أقوله هنا وأبرزه بصفة خاصة أن مصير القادة السياسيين الذين ليسوا بالضرورة من الناس الفنيين أو المتخصصين، وكذلك الفعالية في العمل ونوع الخدمات التي تقدم للمواطنين، كل ذلك يتوقف على جودة الأداء في الإدارة وإعطاء صورة حسنة للناس عن حكومتهم. ثم إن القرارات التي تتخذ في القمة هي مبنية على المعلومات التي جمعها رجال الإدارة وزودا بها قادتهم. فإذا كانت المعلومات مستقاة من مصادر موثوق بها ومغربلة ومعبرة عن الواقع الاجتماعي فإن القرارات تكون صائبة ومفيدة للمجتمع.

إننا في عصر التكنولوجيا والإعلام الآلي أو الكمبيوتر والسرعة في اتخذا القرارات وتخزين المعلومات واستعمالها بدقة ومهارة عند البث في القضايا المصيرية التي تهم أمن البلاد، وتوجيه طاقات أبناء الأمة إلى ما فيه مصلحة الجميع. والإداريون بصفتهم المؤتمنون على أسرار الدولة والمساهمون الرئيسيون في صنع القرارات وتنفيذها والمتخصصون العارفون بخبايا الأمور، هم الذين يشكلون القوة الاجتماعية التي تؤثر في مجرى الامور أيجابا أو سلبا.(2)

إن تقدم أي مجتمع مرهون بمقدرة الإداريين على إظهار الكفاءة وتقديم الخدمات الأساسية لأبناء الشعب وتزويد القادة السياسيين بالمعلومات الدقيقة عن المواضيع الهامة حتى يتخذوا القرارات الصائبة. وبفضل الأدوار الإيجابية التي يقوم بها رجال الإدارة في مجتمعهم، يمكن تحقيق الأهداف الوطنية الآتية:

  • توفير الأمن وتقوية الثقة في النظام السياسي.
  • انتهاج سياسة موحدة ومقبولة من طرف الأغلبية.
  • التوفيق بين مصالح الأقليات ومصالح الأمة ككل.
  • توزيع السلطات بين الأجهزة المركزية والأجهزة الموجودة بالأقاليم.
  • إدخال عناصر التطوير والتحسين بالإدارات الرئيسية.
  • تقوية المؤسسات الإدارية وتنمية المهارات.
  • رفع المعنويات في العمل وخلق التعاون بين المواطنين والإدارات الوطنية.
  • حسن استخدام الثروات وتجنيد الطاقات لما فيه فائدة الجميع.
  • استعمال العقلانية في التخطيط وإعداد البرامج التي له مردود.
  • خلق الفعالية وتحسين مستوى الأداء ورفع مستوى الخدمات.
  • إعطاء دعم للتعاون الجماعي والمشاركة في اتخاذ القرارات.
  • كسب احترام وتقدير دول العالم.(1)

 

إن هذه الأدوار الهامة التي تقوم بها الإدارة الواعية هي التي تساهم في تحديد الأهداف المشتركة التي تجسم مصلحة جميع المواطنين، وتساعد أيضا على تحقيق التعاون الجماعي الذي يعتبر ضروريا لكل نشاط إداري. فبوجود أهداف مشتركة واستراتيجية متكاملة يمكن للإدارة القائمة على أسس متينة، تجنيد الناس للعمل وخلق المؤسسات التي تستوعب العمل الجماعي وتسمح بتحويل الأفكار المجردة إلى حقائق معبرة عن الصالح العام. ولعل أحسن مثل نأتي  على ذكره هنا لتدعيم قولنا بأن حسن الإدارة هو أساس التقدم والرفاهية في المجتمع الحديث، هو اليابان وألمانيا الغربية، وهما من الدول التي انهزمت في الحرب العالمية الثانية، لكن الإدارة الواعية والحازمة في هذين البلدين حولت المؤسسات المنهارة إلى مؤسسات حديثة وقائمة على أسس  عصرية بحيث مكنت هذين البلدين من احتلال مركز الصدارة في التقدم والرفاهية في عصرنا الحالي.(2)

 

الترابط المتين بين الإدارة والنظام السياسي

 

ليس هناك شك بأن الإدارة تتأثر تأثيرا قويا بنظام الحكم القائم في أي بلد، إذ أنه يجعلها في نواح عديدة، صورة عنه، والسبب في ذلك أن الإدارة تعمل من خلال الأنظمة السياسية التي تعيش في ظلها، سواء كان ذلك على مستوى الأجهزة الإدارية المحلية أو على صعيد الأجهزة المركزية. وقد ازدادت أهمية الإدارة وأصبحت هي العمود الفقري لكل نظام سياسي وذلك بسبب الاعتماد المتزايد على التقنوقراطيين ومعرفتهم الدقيقة بالقوانين وإجراءات العمل وتحليل المعلومات المتوفرة بواسطة الإعلام الآلي، وإطلاعهم على ملفات أصحاب النفوذ السياسي ومعرفة نقاط القوة والضعف في سجلاتهم الإدارية. ولهذا ينبغي أن ندرك بأنه من الناحية النظرية، الإدارة مرتبطة إلى حد بعيد بالدور الذي تعده لها السلطة السياسية وهو أنها تعاونها في تنفيذ مخططاتها وتحملها لمسؤولية تطبيق النصوص والقوانين التي أقرتها القيادة العليا. لكنه، في الواقع، أن بقاء القادة السياسيين في مناصبهم مددا قصيرة ونقلهم من وظيفة إلى أخرى عندما تقتضي الأوضاع ذلك، قد جعل الإدارة دائما هي السلطة القوية المتكاملة بعناصرها المتخصصة، الواعية بمسؤولياتها الكاملة، القائمة فعلا، بما ألقي على عاتقها من مهام، في إطار ما رسم لها من تشريعات ونظم. فالإدارة باختصار هي سلطة رابعة في أي نظام سياسي.(1)

وديمقراطية الإدارة وتفتحها على مشاكل المواطنين ومدى استجابتها لرغبات أبناء الشعب، تتوقف على نوع الحكم ومدى رغبة القيادة في إشراك المواطنين في المسؤولية وبقاء المؤسسات خاضعة للرقابة الشعبية المعبرة عن حاجات ورغبات السكان المحليين. فإذا كانت السلطة السياسية في الدولة من نوع الحكم المطلق أو المركزي، كان من الطبيعي أن تتمتع إدارتها بصلاحيات واسعة وشاملة، وبالتالي تهيمن على الأجهزة الإدارية المركزية وتتخذ الإجراءات التي تساعدها على التحكم في مجرى الأمور وإخضاع كل شيء لموافقتها. أما إذا كان نظام الحكم ديمقراطيا والذي تسمح فيه الدول للأفراد والجماعات أن ينشطوا ويعملوا بحرية تامة، فيمكن للدولة أن تكتفي بالإشراف والتوجيه وتتنازل عن بعض سلطاتها لكي تضعها بين أيدي مجموعات منظمة أو هيئات وطنية محلية وفي هذه الحالة تقوم الإدارة بواجباتها وفقا للنظام المعمول به على مستوى الدولة.(1)

ويلاحظ هنا أن المجتمعات التي توجد فيها أنظمة مركزية وتستعين حكوماتها بالجهاز الإداري لممارسة سلطاتها المطلقة، يجمع قادتها بين الوظائف السياسية والإدارية. فالحاكم عندما يفوض بعض سلطاته إلى معاونيه في الجهاز الغدارين لا يفرق بين المهام السياسية والمهام الإدارية لأن كليهما مندمج في شخص الحاكم. فالتمييز بين السلطات والوظائف ينعدم طالما أن مصدر التفويض واحد، والمؤسسات الحاكمة موحدة ومندمجة في شخص الحاكم. فالحاكم في مثل هذه الحالات، هو المشرع الأعلى، وهو السياسي الأول، والرئيس الإداري الأعلى، وقاضي القضاة والقائد العسكري الأعلى.(2)

إن الأجهزة الإدارية ملزمة بممارسة سلطاتها وتنفيذ قرارات الحكام على المواطنين وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين في إطار القوانين الجاري العمل بها في البلاد. والموظفون الإداريون يشعرون في معظم الحالات أن سلطاتهم ونفوذهم وقوتهم في أي مجتمع هي مستمدة من أصحاب المراكز السياسية المرموقة في الدولة. ولهذا، فلا حاجة للإداريين أن يقوموا بمجاراة الجمهور في مطالبة أو الاستجابة لرغباته ما دامت القوة غير متكافئة والأخذ والعطاء غير وارد، وإمكانية قيام مقاومة للسلطة أمر ضئيل الاحتمال. كما أن معظم الخدمات المركزية، في مثل هذه الحالات، تكون مركزة في العاصمة التي توجد فيها مراكز الإدارة العامة الحكومية، وبالتالي فإن المستفيد الأول من هذه الخدمات هم الموظفون والمسؤولون الحكوميون.(3)

أما في الأنظمة السياسية المفتوحة والتي تفصل بين الوظائف السياسية والوظائف الإدارية، فإن النفوذ في المجتمع موزع بين الأفراد والمنظمات الإجتماعية وذلك وفق نشاطاتهم ومؤهلاتهم والمجالات التي يمارسون فيها أعمالهم اليومية. كما أن النظام السياسي في المجتمعات المتقدمة إداريا يحرص على جمع المعلومات عن حاجيات المواطنين والاستجابة لرغبتهم قدر الإمكان لأن الحكومة تعتبر نفسها ممثلة لأفراد شعبها وسلطتها مستمدة من الإدارة العامة للمواطنين. ونتيجة لهذا الشعور بالمسؤولية وممارستها في حدود ما يسمح به القانون، فإن الأجهزة الإدارية تقوم بالواجبات الملقاة على عاتقها بروح ديمقراطية، وتقديم الخدمات بأساليب فعالة حتى يرضى عنها أبناء الشعب الذين يجسمون السلطة العليا بالبلاد. وبما أن القانون هو الذي ينبني عليه العمل الإداري، في مثل هذا النوع من المجتمعات المتقدمة إداريا، فإن حدة التسلط السياسي المركزي تخف، والجهاز الإداري يخضع لمراقبة قانونية وليس للمراقبة الشخصية للحاكم. كما أن سوء تصرف الأجهزة الإدارية وفرض عقوبات عليهم تكون في حجم الغلطات التي ارتكبوها.

 

الخلاصــة

 

إن استراتيجية التنظيم العسكري تتطلب الإعداد الشامل لكافة القوى والاستراتيجيات في سرية تامة حتى تحدث المفاجأة لأن المفاجأة تشل إرادة الخصم وتجعله يتخبط في سلسلة من الإزمات واتخاذ القرارات العشوائية بعد أن تفقده توازنه وصوابه الضربات المفاجئة. كما تقوم الاستراتيجية العسكرية في التنظيم على أساس التخطيط المسبق وقلة الاختلاط بالمجتمع حتى لا تتسرب المعلومات إلى الخصم ويصعب عليه القيام بخطط مضادة لإبطال مفعول عنصر المفاجأة ومحاولة تشتيت قواه. إلا أن المعارك لا يمكن أن تقرر مصيرها الجيوش وحدها، بل لابد أن تساندها قوة الجماهير الشعبية، المجندة لتقديم المساعدة، والمسلحة بالإيمان والإرادة القوية. ولهذا، فإن الإستراتيجية الإدارية في الميدان العسكري تقوم على أساس التسابق وتطوير الموارد والكوادر والمصانع، وتوفير الأمن اللازم لسير المؤسسات الوطنية. فالطاقات والإمكانيات المبعثرة لا قيمة لها إلا إذا تم استخدامها بكفاءة عالية لتحقيق الأهداف المنشودة. أما في الخدمة المدنية، فإن الجهاز الإداري للدولة هو عبارة عن أداة في يد القيادة السياسية لتنمية وتطوير الولاء للدولة ولمؤسساتها الوطنية. ونستطيع أن نقول أن الدولة الحديثة تعتمد على جهازها البيروقراطي لممارسة سيادتها على جميع الطبقات الإجتماعية. وتستمد البيروقراطية قوتها ليس فقط من الاختصاص والمهارات العلمية، ولكن من كونها المركز الرئيسي لتخزين أسرار الدولة وجمع المعلومات عن حياة الناس وتحركاتهم. ولهذا فإن البيروقراطية ستبقى على الدوام هي المؤثرة في جميع القرارات التي تتخذ على  جميع المستويات العليا والسفلى بأية دولة لأن الجهة التي تتحكم في الملفات والمعلومات هي التي تدفع بأبناء الشعبي وقادته إلى التصرف بالطريقة التي تريدها الجهة المختصة أن يتصرفوا بها.

*  بحث تم إعداده للمؤتمر العلمي الثالث حول الإدارة والاقتصاد الذي نظمته جامعة بغداد، ابتداء من يوم 09/03/1985.

(1)  د. عمار بوحوش: الاتجاهات الحديثة في علم الإدارة.- الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984، ص 109-112.

(1)  Philipe Seiznick, « Leadirship in public Administration », In Public Administration (Edited by Robert T. Golembiewski). Chicago: Rand MC Nally and Company, 1966, pp. 412-413.

(1)  عمار بوحوش: تطور النظريات والانظمة السياسية. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1978.

(2)  محمد ظاهر وتر: الإستراتيجية الإدارية، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981، ص 12.

(3)  نفس المرجع، ص 5.

(1)  عمار بوحوش: الاتجاهات الحديثة في علم الإدارة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984، ص 53-54.

(2) J. C. Hurwitz, Middle East Politics : The Military Dimension. New York: Praeger, 1969, p. 434.

(1) محمد ظاهر وتر: مرجع سابق، ص 69.

(2)  المستقبل: العدد 415 الصادر بتاريخ 2/2/1985، ص 55.

(1)  عثمان خيري: البيروقراطية وإدارة التنمية في إفريقيا، القاهرة، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، 1977، ص 18.

(2)  نفس المصدر الآنف الذكر ونفس الصفحة.

(1) نفس المصدر ، ص 19-21.

(1)  إبراهيم عبد العزيز شيخا: الإدارة العامة، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 1980، ص 18-19.

(2)  أحمد نجم، مبادئ علم الإدارة العامة، القاهرة، دار الفكر العربي، 1979، ص 38.

(3)   James. W. Fester. Public Administration: Theory an Practice. Englewood Cliffs, N. J. Prentice-Hall LNC, 1979, p . 18.

(1)  محمود عساف، أصول الإدارة، القاهرة: مكتب لطفي للآلات الكاتبة، 1979، ص 24.

(2) Marchal E- Dimock and Gladys O. Dimock, Public  administration. New York: Holt Rinehart, 1969, pp. 1-2.

(1)  Ammar Bouhouche, « Bureaucracy and ITS impact on social integration in the arab world », The journal of social sciences, Vol VII, n° 4 (January), 1980, pp. 220-222.

(2) Ibid ; p. 220.

(1) M.Y. Esman, « The politics of development Administration in Montgomery and Siffin. Approaches to development: Politics, Administration and Change. New York: Me Graw-Hill, INC, 1966, pp. 61-64.

(2)  عمار بوحوش: “لا يمكن تغيير المجتمع بمراسيم”، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد التاسع، العدد الرابع، (ديسمبر) 1981، ص 192-193.

(1)  بشارة حبيب ومجموعة من الكتاب اللبنانيين في بحث مقدم للمؤتمر العربي الخامس للعلوم الإدارية الذي عقد بالكويت في عام 1968، ص 27-28.

(1)  نفس المرجع السابق، ص 31.

(2)  أحمد صقر عاشور: الإدارة العامة، مدخل بدء مقارن، بيروت، دار النهضة العربية، 1979، ص 125-126.

(3)  نفس المرجع، ص 177.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *