السبت , 25 مايو 2019

إشكالات في المنهجية وقلّة الواقعية والتحفيز في تنمية مؤسسات الدولة

*[1]

بقلم

عمار بوحوش

أستاذ بجامعة الجزائر (3)

 

في البداية ينبغي أن نتقبل الانتقادات ونتعامل مع الحقائق بواقعية لأن مسؤولية القيام بالواجبات والاستجابة لرغبات المواطنين وتلبية احتياجاتهم تفرض علينا الابتعاد عن المجاملة والإطناب في مجاملة المسؤولين ونيل رضاءهم. إنه لمن الواضح أن المسؤولين في قمة هرم الدولة لا يحتاجون إلى من يتودد إليهم ويزودهم بالتقارير الكلاسيكية التي تبشر أن كل شيء يسير على ما يرام، في حين أن أصحاب البطانة يعبثون فسادا في الأجهزة الحساسة للدولة.

وبناء على ما تقدم، يستحسن أن نتعرض بالتحليل إلى قضايا جوهرية تخص تدريس العلوم السياسية في الجامعات الجزائرية ونتعرف على الخلل الموجود في التدريس وإيصال الحقائق إلى أذهان شبابنا وإطارات الغد الذين سيقودون الجزائر إلى شاطئ الأمان بدقة وحكمة ويرفعون شأنها في هذا العالم المضطرب الذي سيطرت عليه العولمة والشركات المتعددة الجنسيات والمصالح الحيوية للدول الكبرى التي تمتلك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي.

  1. علم السياسة كما يتصوره الأكاديميون

 

إن علم السياسة يتمثل في اتخاذ القرارات الحاسمة وتوزيع ثروات الأمة بعدل وإنصاف وذلك يتم بفضل القيادة الواعية التي تقوم بجس نبض المواطنين والتعرف على احتياجاتهم وتلبية مطالبهم والتحاور معهم في كل صغيرة وكبيرة، ولعل ما يهمنا في علم السياسة هو عدم إعطاء السلطة المطلقة لأي قائد لأن الزعيم يخطى إذا قام بقرار فردي، ويلحق الضرر بالمصالح العليا للأمة، ولذلك يتعين على القائد أن يعمل في إطار جماعي، ويعتمد بصفة خاصة على الخبراء وأصحاب المهارات والقدرات العليا لتمحيص السياسات والتأكد من سلامة القرارات الفوقية قبل الإقدام على تحويل السياسات المنتهجة إلى قرارات نهائية. وأكثر من ذلك، فإن المفهوم السائد لدى الأكاديميين في العلوم السياسية أن المشاكل المعقدة لكل بلد، تعدّ عبئاً ثقيلا لا يستطيع قائد الأمة أن يتحمله بمفرده على ظهره، فلا بد أن تكون هناك سلطات أخرى تتقاسم مع القائد المسؤولية، وهي سلطات تتمتع بحق المراقبة والمتابعة والاعتراض على القرارات التي يوجد فيها خلل، ومن حق السلطة التشريعية التي تمثل المواطنين، أن تمنع الزعيم من فرض الضرائب واستعمال الأموال لأغراض لا تخدم المصلحة العامة. كما أن هناك سلطة أخرى هي سلطة العدالة التي تحمي المواطنين من تجاوزات السلطة التنفيذية والتزام القائد وبطانته بعدم تجاوز حدود الدستور والقوانين السارية بالبلد. وفي العادة، توجد هناك سلطة رابعة هي سلطة الصحافة والإعلام المتخصصة في كشف الأخطاء الموجودة وإبراز الانجازات وتقديم الاقتراحات لتصويب الاخطاء في سياسات الدولة. كما تساعد الصحافة والإعلام كبار المسؤولين على كشف الشخصيات التي ترتكب أخطاء فادحة ومعاقبتها إلى أن ثبت أنها متهاونة في أداء واجباتها.

والسؤال المطروح هنا في المنهجية: من يؤثر في صناعة القرارات التي يتم اتخاذها، هل هم المواطنون الذين يعتبرون مصدر السلطات أم القيادات الفوقية التي تم تفويض السلطة لها لمدة محدودة ؟

إن علماء السياسة يرون أنه لا جدال في حقيقة مفصول فيها وهي أن القرار ينبع من الشعب الذي يعتبر مصدر السلطة وأن قادة السلطة والتنفيذية والسلطة التشريعية، المنتخبون لفترة محدودة، هم عبارة عن سلطة مؤقتة لتجسيد قرارات الشعب، وهذا ما نلاحظه في الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أوروبا وأمريكا الشمالية حيث يطيح الشعب بالقادة الذين خاب أملهم فيهم ولم يستطيعوا تجسيد مشاريع المواطنين. أما في الدول النامية، بصفة عامة، فالقرار ينبع من أعلى، والأحزاب عبارة عن قيادات فوقية تقتات وتتغذى من مَتْرد السلطة ولا تملك القوة الكافية لزحزحة المتحكم في السلطة التنفيذية. وبعبارة أخرى، أن منهجية العمل في الدولة معكوسة، فالساسة هم مصدر القرار والشعب مستسلم للقرارات الفوقية ويعرف نتائجها مسبقا ولذلك يستنكف ويعزف المواطنون عن المشاركة في الانتخابات التي تعتبر شكلية لا أقل ولا أكثر. ونستنتج من ما تقدم أن استئثار القيادات بإصدار القرارات وصعوبة تغييرها عن طريق الانتخابات الشعبية هي الظاهرة السائدة في الدول النامية.

 

  1. تحديات تدريس العلوم السياسية

 

     إن أكبر مشكلة تواجه أساتذة تدريس العلوم السياسية تتمثل في صعوبة تخريج أساتذة عندهم تخصص دقيق في بلدان محددة. فالتعمق في تخصصات ذات وزن ثقيل والمصلحة العامة تقتضي وجود متخصصين في سياسات معينة لدول ذات نفوذ في العالم في وقتنا الحاضر. فالإنسان يشعر بهذا الفراغ عندما يصمم برنامجا للتدريس ووضع الخطط الدراسية. فالطالب يتعلق بالأستاذ المتخصص الكفء الذي يجيد التدريس ويتفنن في تقديم الحقائق المقنعة لطلبته، وبالتالي، يخلق الأستاذ النوعية في التعليم ويرفع من مستوى التدريس ويساهم في إثراء علم السياسة. ولهذا نلاحظ في الدول المتقدمة أن توظيف أي أستاذ يتوقف على تخصصه في أطروحته وحاجة القسم إليه. ولعل الخطأ المرتكب في علم السياسة، يراه البصير و يحس به الكفيف، هو أن جامعاتنا تقوم بتوظيف أساتذة لسدّ الفراغ وكسب العيش من وظيفة شريفة بدون مراعاة مسألة التخصص.

يضاف إلى ما تقدم، مسألة التركيز على التعليم الكمي وعدم التركيز على الجوانب التطبيقية لكل علم. إنه لمن الواضح أن برامج لـ . م. د. المطبقة حاليا في جامعاتنا جاءت من أوروبا وأمريكا بقصد تخريج طلبة مهنيين ومتدربين وحرفيين في كل تخصص، سواء في مخابر علمية أو مراكز بحوث أو مؤسسات تعليمية أو اقتصادية. المهم أن الطالب ينتمي إلى مخبر أو مركز بحث، ويتدرب على توظيف المعلومات النظرية التي درسها في جامعته. لقد اندهشت عندما وجدت في معهد الدراسات السياسية بباريس 1400 مؤطر لطلبة الماستر في المؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث، وكل مؤطر يأخذ تعويضا عن ذلك التأطير الميداني.

ويلاحظ هنا أنني لم أقل أن المعرفة النظرية والشهادة الأكاديمية لا تطعم جائعا، لكن من الواضح أنه يتعين على المتخرج أن يتقن مهنة أو حرفة حتى يتسنى له أن يجد عملا في مجال الشغل أو يعثر على من يحتاج إليه لأداء مهنة معينة ويحتاجه المجتمع لكي يفيده ويستفيد من مهاراته في ميدان معين.

في تصوري الشخصي، أن مشكلتنا الرئيسية في تدريس العلوم السياسية تتمثل في محافظتنا على الاستمرارية في تدريس العلوم السياسية بطريقة تقليدية والتركيز على الإيديولوجيات، الشرعية القانونية، الأحزاب السياسية، النظم الانتخابية، الصراع بين الشرق والغرب، سيادة الدولة والديمقراطية الغربية، في حين أن مصلحة وطننا واحتياجات جامعاتنا في تدريس العلوم السياسية تتطلب وجود تخصصات جديدة واضحة المعالم في العلوم السياسية وهي كما يلي:

  1. سياسات وطنية Public Policies
  2. أنظمة سياسية مقارنة Area Studies : أ) أوروبا

ب) آسيا

جـ) أمريكا الشمالية والجنوبية

د) إفريقيا

هـ) المغرب العربي والشرق الأوسط

 

  1. إدارة تنمية الموارد البشرية : القيادة، التحفيز، التنظيم السياسي للدولة، تحديد المهام في

المؤسسات.

  1. النظريات السياسية.
  2. إدارة محلية وتنمية وطنية.

 

إنني اعتقد أن تركيزنا على دراسة السياسات الوطنية ( في جميع القطاعات ) هو الشغل الشاغل لنا، ولا بد أن يكون هناك متخصصون في سياسات التعليم، والتشغيل والإدارة الصحية، والسياسة الخارجية، والداخلية وبرامج الأحزاب السياسية وجميع مؤسسات الدولة الجزائرية.

وبالدرجة الثانية يأتي تخصص الأنظمة السياسية المقارنة وهو عبارة عن دراسات للسياسات الخارجية في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا وإفريقيا والعالم العربي وشمال إفريقيا. أما التخصص الثالث ( إدارة الموارد البشرية ) فهو يتعلق بدراسة القيادات في الدولة، وتنظيم المؤسسات وطرق تحفيز العاملين وتدريب الموظفين على تقنيات العمل. أما النظريات السياسية فتتمثل في دراسة الفكر السياسي ومعرفة الفلسفة السياسية السائدة في المجتمعات الحديثة. وبطبيعة الحال لا يمكن تجاهل الإدارة المحلية ومشاريع التنمية الوطنية.

  1. 3. أسباب الإقبال على دراسة العلوم السياسية  

 

علم السياسة يعتبر علم النخبة، علم الحكم والسلطة، والحصول على وظيفة سياسية لا يتطلب التخصص في هذا العلم، إنما يتطلب المهارات الفنية في جميع القطاعات الحيوية للدولة، وفي الدول المتقدمة يعتبر علم السياسة مادة إجبارية لجميع الطلاب بالجامعات ويطلق عليه : 101 Political Science  أي المادة الأولى في تدريس العلوم السياسية، والسبب في إلزامية دراسة هذه المادة هو التعريف بمؤسسات النظام السياسي والتوازن بين السلطات وكذلك الإلمام بالحقوق و الواجبات التي يتعين على كل مواطن أن يعرفها معرفة جيدة. وبما أن دراسة مواد القانون في السنة الأولى و الثانية غير متوفرة في كل الجامعات، فإنه يتعين على طلبة القانون أن يدرسوا العلوم السياسية في السنة الأولى والثانية، وإذا نجحوا يتقدمون لمسابقات الدراسات القانونية والتدرب على دراسة القضايا القانونية.

إن قوة الإقبال على دراسة العلوم السياسية تنبع من تعدد الاختصاصات الفرعية فيه بحيث يتعين على دارس علم السياسة أن يكون عنده تكوين شامل في السياسة والاقتصاد والقانون وعلم الاجتماع، أي أنه POLYVALENT  وهذا ما تحتاجه مؤسسات الدولة التي تقوم بوظائف متعددة. كما أن الثقافة السياسية والمعرفة الدقيقة بنظام الحكم تسمح للمتخرجين من العلوم السياسية بالنجاح في المسابقات الوطنية التي تشترط الحصول على ليسانس أو الماجستير في هذا التخصص المميز.

وفي الحقيقة إن علم السياسة يستقطب الشبان والشابات الذين يتمتعون بحس وطني وعندهم رغبة في ممارسة العمل السياسي والمشاركة في النضال الحزبي  والاحتكاك بالقادة السياسيين بحيث يتعلمون منهم مهارات التفاوض والحوار وتسوية القضايا الشائكة التي تخص الدولة ومؤسساتها السياسية والإدارية. إن الرغبة في مخالطة كبار المسوؤلين  والاستفادة من تجاربهم وتحمل المسؤوليات، تساعد كل متخرج في العلوم السياسية من الوصول إلى المناصب القيادية في الدولة.

 

  1. المعاناة من غياب النوعية و الإبداع

 

مشكل علم السياسة ، أنه علم قائم بذاته و يتميز بوجود مقاييس دقيقة لقياس الرأي العام، ومراكز أبحاث لإجراء الدراسات الاستراتيجية التي تثري مواضيع الساعة وتعرفنا على ما سيقع في المستقبل، إلا أن ضآلة الرواتب وقلة مراكز البحث العلمي وغياب المجلات العلمية في العلوم السياسية، التي تصدر بانتظام وتتاح فيها الفرص لنشر الدراسات ذات المستوى الرفيع، قد حول الباحث الجزائري إلى مهاجر ومتلهف على الهروب إلى الخارج أين يجد البيئة العلمية المحفزة على الإنتاج والارتقاء إلى المناصب العلمية الراقية.

من أراد أن يعرف حقيقة العمل بالمخابر و فرق البحث العلمي في الجزائر، عليه أن ينزل إلى الميدان و يعرف الحقيقة المرة من الباحثين الذين عايشوا وقائع البحث العلمي حيث نلاحظ منذ الوهلة الأولى، وجود ترسانة من القوانين والتعليمات التي تأتي بدون القطاع إلى الباحثين و المتمثلة في إعادة كتابة ” الكانفا “Canvas  أو الخطة المرسومة للبحث وضرورة انتماء أعضاء البحث إلى الأساتذة المساعدين وحتمية إرسال ما كتبوه وإلزامية المرور برئاسة الجامعة و محاسبها الذي يتحجج دائما بعدم وجود شيكات وذهابه إلى وزارة المالية وانشغاله باجتماعات متواصلة. وباختصار، إن الباحث لا يستطيع أن يشتري أي عتاد أو أدوات بحث، وإذا قرر المخبر دفع مكافآت للباحثين المساعدين فعليه أن ينتظر سنوات طويلة. أما المؤسسات التي تبيع أدوات الطباعة وتقدم الصيانة فلن تحصل على أموالها إلا بشق الأنفس وترفض أن تسلم أي عتاد بدون الحصول على أموالها مقدما. ولعل الشيء المثير في الموضوع أن برامج  ل.م.د.  تقوم أساسا على  وجود مخابر علمية للتدريب واستعمال المقاييس العلمية، ومن يقوم  بزيارة خاطفة إلى أي مخبر فإنه سيلاحظ بسرعة أنه لا توجد قاعات ولا انترنت ولا مكاتب ولا هم يحزنون.

وبإيجاز، فإن البحث العلمي معطل في معظم الجامعات، والتقييم يتم بطريقة عشوائية، وعلينا مراجعة قوانين البحث العلمي الحالية لأنها أنها عقيمة ولا تحقق أية نتيجة إيجابية.

 

  1. النهضة العلمية تتطلب الاستقلال المالي و الإداري للجامعات

 

إن اكبر مشكلة تواجه الجامعات الجزائرية أنها تسير بطريقة روتينية تقليدية شأنها في ذلك شأن مؤسسات قطاع الخدمات الإدارية الذي يصرف الوارد إليه ولا ينتج  ما يساعده على البقاء على قيد الحياة. والحقيقة هي أن القطاع التعليم هو قطاع إنتاجي يساهم في إعدد وتكوين إطارات الغد، ويفسح المجال للكوادر العلمية أن تخترع وتبدع وتقود المجتمع في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، ولهذا فالبحث العلمي لاينجح ولا يتقدم بالمراسيم والتعليمات الفوقية، بل ينجح ويتقدم بحرية العمل وإتقان البرمجيات وتوظيف المعرفة لخدمة وتحقيق الأهداف المنشودة.

إن الجامعات العريقة في العلم والمعرفة تتميز عن غيرها من الجامعات الهزيلة بوجود ثروة مالية وإمكانيات مادية كافية لتمويل العمليات التعليمية بكل سهولة وارتياح، لأن الاستثمارات المالية هي التي تفسح المجال للتغيير والإبداع ومسايرة روح العصر. وما يثير إعجابي وتقديري في الجامعات الأمريكية التي درست فيها لمدة 10 سنوات وتخرجت منها أنها تحظى بدعم من الدولة ماليا والأستاذ له مكانة اجتماعية مرموقة في المجتمع، حيث أن المتخرج الذي يحصل على وظيفة في التعليم لا يقارن بغيره أو بمتخرج آخر يحمل نفس الشهادة، فالمتعلم يحصل بصفة آلية على راتب يفوق  40°/° عن راتب زميل آخر يشتغل في الإدارة أو المؤسسات التابعة للقطاع العام. والسؤال المطروح لماذا ؟ الجواب على ذلك أن للمعلم دور نبيل ومن حق قطاع التعليم أن يستقطب ويجذب أحسن المتخرجين من الجامعات، ثم أن المعلم يعتبر مربيا، وليس موظفا، وبالتالي، فإن المعلم مسؤول بتحبيب المواد العلمية للتلاميذ وتشجيعهم على الاجتهاد وبذل الجهد للمزيد من التشجيع والتقدير في مجتمعه وفي مؤسسته التعليمية.

وبالمناسبة، فان الجامعات الأمريكية تتميز بميزة أخرى ليس لها مثيل في العالم، وهي أن لكل جامعة مستشفى جامعي لتدريب طلبة الطب في المخابر ومعالجة المرضى وجلب أموال طائلة لميزانية الجامعة. وبطبيعة الحال، فالمستشفيات التابعة لكل جامعة تتفوق على الجامعات العمومية أو الخاصة لأن كبار أساتذة الطب يتواجدون بالجامعة.

وإضافة إلى ما تقدم، يشارك الطلبة بدفع عشرات الدولارات في كل تسجيل في السنة تذهب كلها لبناء كافتيريا الطلبة، ومقابل هذه المساهمة المالية من الطلبة، تتمكن الجامعة من يناء مطعم ضخم لتوفير الغذاء للطلبة ويتغذى الطلبة في المطعم الضخم بنصف السعر، ويتحصلون على خدمات راقية مثل مشاهدة التليفزيون وقراءة الجرائد مجانا، وقضاء وقت ممتع ومريح أثناء الاستراحات.

إن ما أردت أن أقوله أن ميزانية الجامعة ينبغي أن تكون مستقلة ماليا وعلى الطلبة والمتبرعون والدولة، وبمشاركة جميع الأطراف يمكن تحسين مستوى المعيشة وتشجيع الطلبة على التفرغ لمزاولة الدراسة وكسب الخبرة والمهارات الضرورية لمواجهة الصعاب.

  1. حتمية إعادة هيكلة الجامعات الجزائرية

إعادة الهيكلة تتطلب تغييرا جذريا و ثروات مالية كبيرة لأن إعادة الهيكلة تعني تجديد الأجهزة وتدريب الإفراد عليها وتأقلم الذهنيات مع أنظمة العمل التي تم إقرارها. مشكلتنا الرئيسية في جامعاتنا أننا تعودنا على العمل بقوانين قديمة وهياكل شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع. لعل الجميع يدرك أن مجلس توجيه الجامعة لكل جامعة هو السلطة العليا في كل جامعة و يرأسه وزير التعليم العالي أو الأمين العام لنفس الوزارة. وفي بداية كل سنة أكاديمية يعقد اجتماع للمجلس الذي يتشكل من ممثلين للوزارات والعمداء في الجامعة، ويستمع أعضاءه إلى من يقرأ الوثيقة الخاصة بميزانية الجامعة ثم يتناولون قهوة ويعود أعضاء مجلس توجيه الجامعة إلى مكاتبهم، في حين أن دور هذه السلطة العليا هو محاسبة رئيس الجامعة على مقام به واتخاذ القرارات المصيرية التي تخص الجامعة. وبطبيعة الحال، فالوزير الذي يقترح تعيين رئيس الجامعة لن يعمل على إحراج الشخص المعين في منصب رئاسة الجامعة و ينتقده.

لهذا، فإن إعادة النظر في مؤسسات التعليم العالي وإعطاء المصداقية للجامعات الجزائرية والسعي إلى خلق النوعية في التعليم، تتطلب إعادة تنظيم وتطبيق منهجية علمية جديدة تقوم على ما يلي:

  1. I. إنشاء أربعة مجالس للتعليم العالي في الوسط، الغرب، الشرق والجنوب تكون هي

السلطة التنفيذية والبيداغوجية في الجزائر، وتتمتع بجميع الصلاحيات لمحاسبة رؤساء

الجامعات ومكافئتهم إن نجحوا أو تنحيتهم إن أخطئوا. كما تكون هذه المجالس هي سلطة

اعتماد البرامج وإلغائها إذا لم تتمكن الجامعة من القيام بالتزاماتها.

  1. II. يسهر كل مجلس على متابعة الجامعات بيداغوجيا وتقييمهم دوريا وفقا للمقاييس

التالية:

  1. مدى التزام الجامعات بضرورة إعداد خطة تدريس لكل مادة.
  2. التأكد من احترام قوانين التدريس وخاصة الوفاء بتدريس 16 أسبوعا في كل

فصل دراسي.

  1. التعرف على نسبة تغيب وحضور الأساتذة في التدريس.
  2. إعطاء الاعتماد لكل برنامج دراسي وسحب الاعتماد إذا اقتضى الأمر ذلك.
  3. متابعة قدرة المكتبات على اقتناء الكتب في كل مكتبة وغلق أية جامعة لا تقتني

الكتب الضرورية للطلبة.

  1. ربط اعتماد كل برنامج بعدد الأساتذة الذين يحملون رتبا عالية.
  2. إجبار كل جامعة على تنظيم مسابقات سنوية لطلبة الدكتوراه والاستعانة بهم

للتدرب واكتساب الخبرة بدون الالتزام بتوظيفهم لاحقا.

  1. تنظيم دورات تدريبية لتحسين مستوى الأساتذة وتجديد معلوماتهم سواء في

الداخل أو الخارج.

  1. التأكد من وجود تنظيم رقمي في المكتبات بحيث لا يمكن تضييع أي كتاب أو

وثيقة.

  1. إجبار الجامعات على توفير العناية الطبية والصحية والغذائية للطلبة.
  2. تحفيز الجامعات على إشراك الطلبة في الملتقيات الدولية والوطنية ودفع

تعويض لمن يشارك.

  1. ضرورة خلق مراكز بحوث ومخابر ولجان علمية لنشر المعرفة في

مجالات علمية متخصصة.

  1. إعطاء منح لمواصلة الدراسة في الداخل والخارج للطلبة الذين تحتاجهم

الجامعات في تخصصات جديدة، غير متوفرة بالداخل.

 

وباختصار شديد، فإذا قامت وزارة التعليم العالي بإنشاء هذه المجالس أو الأكاديميات الجهوية وكلفتها بالتنفيذ السليم لهذه المقاييس العلمية، فإن التعليم سيتحسن مستواه، وعلى الجامعات أن تتجدد أو تتبدد، لأن الروتين والاتكالية والإفلات من المراقبة الدقيقة، هي أمراض قاتلة وشبابنا لا يقبل بأية رداءة في تعليمه، والمأمول أن تكون جامعاتنا مثل الجامعات الأوروبية والأمريكية.

إن المتمعن في سياسة التعليم الكمي يدرك أن كثرة عدد المتخرجين الضعفاء سينجر عنه هجوم كاسح على الوظائف وكثرة المظاهرات والمطالبات بحقوق التوظيف والحصول على مناصب مالية، ويدعى الطلبة المتخرجون أنه يتعين على الدولة التي أعطتهم حق التعلم مجانا ونالوا شهادات جامعية في المعرفة النظرية، أن تكون عادلة وتمنحهم وظائف حقيقية أو وهمية لكي يحصلوا على مدخول مضمون من ميزانية الدولة !. إن طالبي الوظائف لا يهمهم إن كانت المؤسسات في حاجة إلى خبرتهم وكفاءتهم، أو وجود مداخل مالية كافية لتعيينهم في مؤسسات مكتظة بالموظفين بدون عمل يقومون به. المهم، هو الحصول على المال.

وفي هذا المقام، دعنا نقول بكل صراحة وصدق، أن إضرابات التعليم المتكررة والمتجددة كل سنة، سببها الوحيد هو الخطأ في تقدير مكانة الأستاذ وحرمانه من الحصول على مكانة مالية مرموقة في مجتمعه لأنه يحمل شهادة علمية في التخصص لكن الراتب الذي يتقاضاه لا يتناسب والمجهود التربوي الذي يقوم به. فالمشكل باختصار، هو مشكل مالي، والحل يكمن في مساهمة الدولة في دفع أقساط مالية من أولياء التلاميذ لكي تستطيع المؤسسات أن ترفع أجور المربين والساهرين على تكوين إطارات المستقبل. إن كل من عايش فترة إعداد القانون الأساسي للعمال في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين يلاحظ، كما قال مسعود عمراوي، المكلف بالإعلام بالمكتب الوطني لعمال التربية والتكوين ” الاينباف ” أن رئيس الحكومة السابق أحمد أو يحي يتحمل مسؤولية الثغرات والنقائص الواردة في القانون الأساسي لعمال قطاع التربية. وأكد عمراوي ” أن نقابته قدمت عند الشروع في تعديل القوانين الأساسية لعمال الوظيف العمومي، اقتراحات للوزارة الوصية حينها للدفاع عنها أمام الحكومة، إلا أن أو يحي الذي كان يرأس الحكومة في ذلك الوقت رفض مجموعة من المواد المقترحة ( أنظر الخبر، العدد الصادر يوم الأحد أول مارس 2015). ولهذا فإن الاختلالات الموجودة في القوانين هي سبب أزمات الإضرابات وهروب الإطارات التعليمية إلى الخارج. إن المشكل يكمن أساسا في ضآلة الرواتب وتآكل أو تقلص المكانة الاجتماعية للمربين في المجتمع. وإذا كانت أموال الدولة غير كافية لإعطاء كل ذي حق حقه، فإنه لا مفر  من مساهمة أولياء التلاميذ والطلبة الذين يهمهم حصول أبنائهم على نوعية في التعليم، أن يسددوا أقساطا مالية من جيوبهم لتكملة العجز الموجود في ميزانية التعليم الثانوي أو العالي.

 

* محاضرة تم إعدادها لليوم الدراسي بجامعة الجزائر(3) يوم 07/12/2017

شاهد أيضاً

لغة التنمية وتنمية اللغة

 *  بقلم الأستاذ عمار بوحوش جامعة الجزائر   *” إن الخيار بين اللغة العربية ولغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *