الجمعة , 26 فبراير 2021

إندثار الجزائر الفرنسية*

 

بقلم

ديفيد جوردون

عرض وتلخيص: عمار بوحوش

 

الدكتور جوردون من خريجي جامعة برنستون  الشهيرة وهو الآن أستاذ في التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت. إنه يرى أن كثيرا من الناس قد اقتنعوا في سنة 1930 بأن الجزائر أصبحت قطعة متممة لفرنسا وأن ذلك ماهو إلا نتيجة طبيعية لثمرة العمل التمدني الذي قامت به فرنسا في الجزائر. ولكن ما تراه العين ليس من الضروري أن يعطي صورة صادقة لأن ما تنطوي عليه الصور بقي حفظا للجزائريين وحدهم. ولذلك كانت انتفاضاتهم الثورية بعد 1930 إلى غاية 1954 مفاجئة وذات طابع اتسم بروح من التضامن والتضحية الجماعية لاستعادة السيادة الوطنية. وفي اعتقاد الكاتب أن مصدر هذا الشعور بالوحدة الوطنية بين جميع العناصر الثورية هو الإسلام الذي صهرهم في بوتقة واحدة، واللغة العربية التي مكثت كلغة حية للتخاطب والتعبير عن ما يجيش في النفوس من الألم الذي لحق بالجزائريين من طرف الأقلية الأوربية الدخيلة. ومع أن الأغلبية الكبرى من السكان قد فضلوا البقاء في الأرياف حيث احتفظوا بالأراضي التي لم تستحوذ عليها الفئات الأجنبية، فإن هناك مجموعة لا يستهان بها من المواطنين الذين قدموا إلى المدن للبحث عن كسب العيش بعد نهب أراضيهم، أو السعي لمشاركة الأوروبيين في الحياة العصرية. وهذه الفئة من السكان التي اختلطت بالجالية الأوروبية، هي التي تعرضت لعقدة نفسية وتجردت من شخصيتها الوطنية. ثم إن هناك فئة أخرى وهي المرابطين أو الدراويش الذين تلقوا تشجيعا من السلطة الحاكمة لاستغلال الطبقة الساذجة من أبناء الشعب والانحراف عن مبادئ الإسلام الصحيح.

والمؤلف يرى أن هذه المجموعة من أصحاب الزوايا لم تكن من صنع فرنسا ولكنها كانت متواجدة في المجتمع الجزائري منذ قرون عديدة. فنشاط النخبة المثقفة بالفرنسية لدمج الجزائر بفرنسا من جهة، وتزايد نشاط أهل الزوايا الذي أدى إلى تشويه الدين الإسلامي من جهة أخرى، قد نتج عنهما تكوين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي جاءت لتفند مزاعم الفئة الأولى بأن الجزائر ليس لها شخصيتها وتراثها الوطني ولتكشف الستار عن النوايا الحقيقية لما أسمتهم بـ : “زنادقة القرن العشرين”.

وكيف ما كان الحال، فالثروة والسلطة في الجزائر قد تركزتا بأيدي الطبقة الأوروبية الحاكمة ولم يكن في إمكان أية فئة اجتماعية جزائرية أن تمارس نشاطها بحرية لأن ذلك لا يرضي الأقلية الأوروبية التي حرصت على حفظ مصالحها طوال الوقت. إنها قد أصبحت غيورة على مكاسبها إلى درجة أنها حاولت تأديب كل من يتقرب إليها أو يثير الحديث عن سير الأمور تحت قيادتها. والأستاذ جوردون لم يتطرق إلى الحديث عن نشاط هذه الأقلية الذي امتد إلى فرنسا نفسها، وتسربها إلى المجالس البرلمانية واللجان الوزارية لتضليل على الرأي العام الفرنسي والحصول على التأييد المطلق لممارسة سلطاتها وامتيازاتها في الجزائر، ولكنه لم يدع هذه الفرصة تمر دون أن يلفت النظر إلى  أنه ابتداء من عام 1871 حاولت هذه الجالية، قدر ما استطاعت، التخلص من جميع القيود العسكرية والمدنية التي قد تحول دون استلامها زمام السلطة المطلقة في الجزائر. وبالرغم من أن مجموعة كبيرة من أبناء هذه الجالية الاستيطانية ليسوا من أصل فرنسي، فقد كونوا تحالفا بينهم، بني على أساس اضطهاد أبناء الوطن الأصليين وإقامة حضارة فرنسية أصيلة أو “حقيقية” لتبقى أمد الحياة. ومن هنا ابتدأت سياسيتهم تتجه نحو تحصين أنفسهم عن طريق تشجيع الهجرة إلى الجزائر وإخضاع الجزائريين بقوة أو بافتكاك الأراضي لكي يتمشوا مع رغبات هذه الفئة الجائرة. وعلى سبيل المثل، ذكر المؤلف أن أول هجرة جماعية قدمت إلى الجزائر كانت سنة 1848 عندما انهزم العمال الجمهوريون وأبعدوا إلى الجزائر ثم تلا هذه الهجرة تدفق الفرنسيين الذين طردوا من لا لزاس – لورين سنة 1871 عندما احتلت ألمانيا هذه المنطقة. وعقب ذلك حدثت أزمة داء في الكروم ونتج عن ذلك هجرة هؤلاء الفرنسيين إلى الأراضي الجديدة الخصبة التي قدمت لهم كتبرع من المستوطنين في الجزائر الذين اغتصبوا المساحات الشاسعة ولم يكن في إمكانهم استغلالها. فالفائض عنهم قد وزع على هؤلاء المهاجرين الذين التحقوا بالجزائر سنة 1880. والمعروف أن قرار كريميو Crémieux قد صدر سنة 1870 وبمقتضاه أصبح من حق اليهود والأجانب في الجزائر أن يتمتعوا بنفس الامتيازات التي يتمتع بها كل مواطن فرنسي بالجزائر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تكالب المعمرين على مصادرة الأراضي قد نتج عنه ثورات عديدة وخاصة تلك الثورة بالقبائل التي أخمدت بوحشية والاستيلاء على ما يزيد على 564 ألف هكتار من أخصب الأراضي في المنطقة. والمجال هنا لا يتسع لسرد كثير من الحقائق الدقيقة التي وردت في هذا الكتاب عن تدهور حالة الجزائريين وانخفاض مستوى محصولاتهم من الغلاة الزراعية والثروة الحيوانية، ولكنه من الإنصاف أن نشير إلى أن المؤلف قد أبدع في تحليل نفسيات المعمرين وإبراز عقد النقص التي كانت تشوب حياتهم. فسعيهم الجنوني وراء الثروة واستغلال أبناء البلد قد أنساهم كل شيء. ففي ربع الأول من القرن العشرين بدؤوا يتضايقون من احتفاظ الجزائريين بشخصيتهم الوطنية وبدا لهم أن القضاء عليها ومحق الروح الوطنية، قبل أن تنتعش ويتفاحل خطرها، أمر ضروري ولا يحتاج إلى نقاش ومجادلة. لذلك نجد مثلا السيد موريس فيوليت الحاكم العام في الجزائر من 1925 إلى 1927 قد كتب سنة 1931 كتابا تحت عنوان “هل ستعيش الجزائر” « L’Algérie vivra- t-elle ? » واستهل كتابه بفقرة من كتاب جول فيري التي يقول فيها “أن السياسية الفرنسية قد انبنت وستبقى مبنية على نظرية واحدة وهي: “الإدماج” والهدف من الإدماج هو إزالة خطر الثورة أو التمرد على الفئة المستبدة بالثروة والسلطة. وهنا يتريث الأستاذ المؤلف ليتساءل عن الأسباب التي أدت إلى انتعاش روح المقاومة الوطنية في الجزائريين في هذه الفترة بالذات. وفي رأيه الخاص أن هناك أسباب عديدة ومن أهمها:

  • الشعور بالغربة في الوطن.
  • تيقظ النخبة المثقفة الجزائرية في داخل الجزائري وخارجها.
  • الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى والدفاع عن الحرية.

وبكلمة مختصرة، إن روح اليقظة قد عمت وكل فرد وطني بدأ يتدمر من عدم الانصاف وجور الطبقة الدخيلة. فالمثقف الذي أبدى إعجابه بالمبادئ التي تنادي بها الأحزاب المتحررة، وجد نفسه “غير مرغوب فيه” لأنه بيكو”. والأسرة الجزائرية تزايد عدد أفرادها وكل واحد أصبح يطمح للحصول على قطعة من الأرض ليكسب عيشه ولا يجدها، فيشعر بالضيق والمرارة. كما أن الغيرة على الدين الإسلامي والروح العربية أثارتا الشعور الوطني ودفعت بالنخبة المثقفة أن تحمل على كاهلها علم الإصلاح وتحسين الأوضاع وهنا ينصرف ذهن الأستاذ “جوردون” إلى الحديث عن جمعيات الإصلاح والأحزاب السياسية التي تكونت للدفاع عن القضية الجزائرية في شتى الميادين. وفي نظره أن هدف المصلحين أمثال الشيح “محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، رشيد رضا وعبد الحميد ابن باديس، كان هو تثقيف الشعب وتوعيته بشخصيته الوطنية وليس المطالبة بالاستقلال السياسي. إنه ينبغي محاربة البدعة والشعوذة والعودة إلى مبادئ الإسلامي الأصيلة. إن واجب كل مسلم عربي هو تفهم الأنظمة الغربية واستعمال نفس الوسائل والأساليب التي ساعدت الغرب في تقدمه، للقيام بنهضة علمية في العالم الإسلامي. والمؤلف أصر على أن الشيخ محمد عبده قد نصح رفقاءه الجزائريين سنة 1903 عندما كان في الجزائر بأن يتعلموا ويتعاونوا مع فرنسا في الميدان الثقافي. وفي متابعة حديثه عن الثقافة، يتعرض المؤلف إلى مشروع “بلوم-فيوليت” الذي كان القصد منه ترضية الطبقة المثقفة التي بدأت تثير ضجة حول “الحقوق في المساواة أمام القانون”. وعند مناقشة هذا المشروع الخاص “بدمج” الطبقة المثقفة، وقف السيد فيوليت أمام مجلس الشيوخ ليقول بأنه ينبغي قبول هذه اللائحة لأن ضياع الجزائر يعني ضياع إفريقيا الفرنسية
“Pas d’Algérie, Pas d’Afrique Française ? “. ولكن مجلس النواب رفض على مشروع “الإدماج” بحجة أن “المعمرين لن يقبلوا أبدا لأي عربي أن يصبح رئيسا لأية بلدية… حتى ولو كانت هذه البلدية في أصغر مكان من الأحواز”. ووجهة نظر المؤلف هنا أن خيبة أمل “بلوم” في مسعاه ترجع إلى حيائه وعدم شجاعته على إصدار مرسوم لجعل المشروع قانونا ومن تم يجد مجلس النواب نفسه أمام الأمر الواقع. إن فشل المشروع كان في الحقيقة نقطة تحول في تاريخ الجزائر. لقد استشهد المؤلف بمقتطفات من كلام المؤرخ الفرنسي جوليان الذي تحسر كثيرا على فشل المشروع بقوله: “لو أن المشروع نجح فقد كان في إمكان الجزائر أن تصبح الحاجز الطبيعي للوحدة العربية والوطنية وستار يفصل بين تونس والمغرب”.

وكيف ما كان الحال فالقضاء على المشروع كان معناه القضاء على فكرة الإدماج. وبعد هذا الخيبة المريرة للمنادين بفكرة الإدماج، جاءت فكرة المطالبة بالاستقلال. وللأسف الشديد فإن الكاتب لم يأتي على ذكر ما حدث بعد سنة 1938. فقد بدا له أن الفترة التي سبقت 1954 كانت عبارة عن مرحلة تمهيدية للثورة. إن حديثه عن هذه الفترة قد امتزج بحديثه الطويل عن ثورة 1954 -1962. وفي معرض كلامه عن ميلاد الدولة الجزائرية أسهب بالحديث عن المجلس الوطني للثورة الجزائرية، والنزاعات الشخصية التي برزت من حين لآخر ولم يأتي بأي شيء مثير في هذا الفصل من الكتاب. إلا أن تحليله لأهداف الثورة والمشاكل التي تواجه الجزائر، يعتبر من أحسن المحاولات لتحليل الأهداف البعيدة للثورة الوطنية .

وفي رأي الكاتب هناك ثلاثة مسائل هامة تتحدى الجزائر بعد معركة الحرية والاستقلال، وهي:

  • إقامة دولة تتمتع بولاء وتأييد الجماهير الشعبية، النخبة المشرفة عن الحكم وكل الفئات الوطنية.
  • محاولة سد الفجوة القائمة بين النخبة المثقفة بالفرنسية والجماهير الشعبية التي تجهل القراءة والكتابة.
  • إقامة معاهد وطنية كفيلة بحفظ التراث الوطني وضمان التقدم العلمي الحديث.

وفي الفصل الأخير تطرق إلى الحديث عن محتوى بعض القصص الجزائرية التي تعطي صورة صادقة عن التراث الجزائري في الماضي والحاضر. ومع أنه يبدوا أنه معجب جدا بالأدب الذي كتب بالفرنسية، فإنه قد بالغ في تحليله لبعض القصائد الشعرية والقصص الوطنية. فقد حاول أن يعطي فكرة عامة بأن الكتاب الجزائريين يهدفون إلى تمجيد عنصرهم العربي أو القبائلي قبل إظهار تعلقهم بالجزائر كوطن لهم.

وباختصار، فإن الكتاب قيم جدا لأنه يحتوي على معلومات تاريخية دقيقة جدا. هذا بالإضافة إلى أن الكاتب قد بدل مجهودات رائعة لتقديم أفكار بناءة خلال تحليله للحوادث التاريخية بدلا من سردها وتدوينها كما عثر عليها في الوثائق. إنه قد أثار كثيرا من الإعجاب والتقدير لأبحاثه عندما اقترح في نهاية كتابه بأنه في إمكان الجزائر أن تستفيد من التقدم العلمي الذي صحب وجود فرنسا بالجزائر، وفي نفس الوقت تتخلص من الشوائب التي قد تمس بسيادة الجزائر وكرامتها.

 

 

* David C. Gordon, The Passing of French Algeria. London: Oxford University Press, 1966, 255 pages.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *