الأحد , 12 يوليو 2020

الأرض والهجرة

د.عمار بوحوش

أستاذ بكلية الحقوق

– جامعة الجزائر-

 

“في سنة 1830 لم تكن هناك نية لدى الحكومة أو الشعب الفرنسي لخلق مستعمرات، لكن رجال الأعمال الذين رافقوا الحملات العسكرية وجدوا أنه من الطبيعي وضع الأملاك التي استولوا عليها أيام الإرهاب تحت الحماية الوطنية. ومن ذلك الوقت، تكون حزب المعمرين الذي خلق أسطورة الجزائر”. لقد أوهم قادته الرأي العام من خلال الندوات الصحفية بأنه لا يوجد أي شيء يماثل مقاطعة الجزائر وضواحيها التي تتميز بوفرة الأراضي لكل من أراد أن يأخذها، والتي لن تواجه فيها منشآتنا إلا عقبة ضئيلة من طرف العرب، خاصة وأنه في الإمكان “تسويد“ ملفات الحكام الجهويين الذين لا يظهرون تأييدا كافيا لسياسة إقامة المستعمرات. وهكذا وقع ترويض السيد النبيل “بيشون“ Pichon وأصبح لا مفر من فسح المجال أمام عمليات الجنرال “كلوزيل“ الذي يتمتع بتأييد حزب المعمرين وله دراية هائلة بفن الإبادة…“.

 

السياسة الفرنسية في مطلع القرن التاسع عشر

من الأشياء المتعارف عليها لدى الفرنسيين هي تعلقهم بوطنهم وقلة رغبتهم في الهجرة إلى بلد آخر. وهذا يعود في الأصل إلى موقع فرنسا الإقتصادي والإجتماعي في القارة الأوروبية. وخلافا لوضعية بعض دول تلك القارة، فإن فرنسا تمتعت بتوازن إقتصادي متكامل ومستوى رفيع من الثقافة. فالفرنسيون لم يواجهوا الأزمات الإجتماعية والإقتصادية الحادة التي هزت أوروبا، مثل أزمة البطاطس التي حصلت في إرلندة أو كارثة وباء القطن في إنجلترا، ولذلك لم يواجهوا الإختيار المر بين البقاء في بلدهم ومواجهة مجاعة أو الهجرة إلى بلد آخر والبحث عن لقمة العيش هناك.

وبالإضافة إلى توفر العيش الذي ساعد الفرنسيين على المكوث في بلدهم، هناك النمو البطيء الذي تميز به سكان فرنسا منذ مدة طويلة. فالإنخفاض في مستوى النسل أدى إلى قلة الإزدحام السكاني وإشباع الحاجيات المتزايدة بطريقة نظامية منسقة. ونتيجة لذلك، لقد قل إقبال الفرنسيين على الهجرة إلى الخارج ولم يقع هناك أي ارتباك أو خلل في أنظمة التجارة وجلب المواد الأولية لسد حاجات الشعب الفرنسي، في حين نجد أن دولا أخرى مثل بريطانيا، قد شجعت أبناءها على الهجرة إلى مستعمرات ما وراء البحار نتيجة لدوافع تجارية وبقصد سد حاجيات البريطانيين. وعلى هذا، فالدوافع الأساسية التي أدت بالحكومة الفرنسية إلى تبني سياسة التوسع وراء البحار وخلق مستعمرات ما هي إلا عوامل سياسية داخلية أو سياسة خارجية تهدف بالدرجة الأولى إلى خلق سمعة شعبية والمحافظة على بقائهم في الحكم(1).

وتحديدا لموضوعنا هذا، فإننا قد قررنا أن تكون 1815 كبداية لتحليلنا هذا، وذلك لما تتميز به هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الإستعمار الفرنسي من صراع متواصل بين العهد القديم والجيل الثوري الجديد، وتناقض شديد بين الأنظمة الفاسدة التي كانت تسير عليها الأسرة الملكية والتنظيمات الثورية التي تبنتها الثورة ثم دعمتها إمبراطورية نابليون المتحررة(2) ، إن مجرد عودة تشارل العاشر وبقية أفراد الحاشية المطرودين من قبل قادة الثورة قد أثار مخاوف الفرنسيين خاصة وأن الأسرة الملكية قد أعيدت إلى البلد من طرف الحلفاء وليس تلبية لرغبة شعبية. ولعل الشيء الذي زاد الوضع تعقيدا هو تصميم المهاجرين العائدين من أبناء الأسرة الملكية على استعادة نفوذهم ومعاقبة المتواطئين مع الحكم الثوري الذي وضع حدا لامتيازاتهم. وبالفعل لقد أثبتت تجربة 1830 أنهم (لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا أي شيء). لقد نفد صبرهم ودفعوا بالأسرة الملكية إلى الهاوية يوم شعروا أنه في إمكانهم التحكم في مصير الشعب الفرنسي من جديد وفرض إرادتهم عليه.

ولتجنب الدخول في أية مناقشة تهدف إلى تحديد العلاقة التي تربط بين الأسرة المالكية والمجلس الوطني الجديد، أراد تشارل العاشر أن يتغلب على استياء الشعب من حكومته بمنافسة بريطانيا في البحار وإشعار العالم بعظمة فرنسا في المجال الدولي. لكن هذه المحاولة لطمس مكاسب الثورة وتحويل الأنظار عن السياسة الداخلية المتعارضة مع مكاسب الثورة كان مآلها الفشل. فقد تصدى القادة الباريسيون لسياسة إقامة المستعمرات وأصروا على ضرورة إبقاء مبادئي وإحباط كل مؤامرة  تهدف إلى عودة الحكم الرجعى القديم. ومن جملة الأشياء التي لجأوا إليها لترجيع كفتهم وإنجاح خطتهم، إقامة علاقة ودية مع الطبقات الريفية والتحالف قصد إقامة نظام تحرري يعتمد أساسا على الطبقة الريفية الكادحة(3)، وفي النهاية، لقد كللت مجوداتهم بالنجاح وأطاحوا بالنظام الملكي الذي أراد المراوغة والتهرب من مواجهة الشعب الفرنسي بالبحث عن مغامرات في الخارج وإقامة مستعمرات فرنسية.

والحقيقة أن الطبقة الملكية وحاشيتها لم تكن الفئة الوحيدة التي أظهرت عداوتها السافرة للمكاسب الإقتصادية والاجتماعية التي حققتها الثورة الفرنسية. فهناك أصحاب الأسطول التجاري ورجال العمال الذين حقدوا على كل من تعاون مع الثورة وساعد نابليون على تحقيق المساواة والعدالة في المجتمع الفرنسي. لقد بدي لهم أن الحياة في المعهد الجديد سئيمة وغير منعشة. فالثورة قد جردتهم من مكانتهم المرموقة في المجتمع، والإمبراطورية قضت على أرباحهم الهائلة غداة انهزام نابليون وإعادة السيطرة البريطانية على التجارة في العالم. و على هذا فكروا في البحث عن حلفاء لهم في المجتمع الفرنسي الذين قد يساعدوهم على تنشيط التجارة وإقامة مستعمرات لتصدير البضاعات الفرنسية.

وهنا وقع العثور على الجيش الفرنسي الذي هو الآخر حلت به هزيمة “واترلوا” وأصبح لا مفر له من إزالة تلك الوصمة من العار. لقد شعر قادة الجيش الفرنسي أنه من الضروري استعادة مكانة الجندي الفرنسي في المجتمع وإظهار شجاعته. ونظرا لتفوق بريطانيا والنمسا في أوروبا، فلسي هناك أي مجال لإثبات كفاءة وشجاعة الضباط الفرنسيين إلا في شمال إفريقيا حيث اشتهر قادتها بالسيطرة على المرور عبر البحر البيض المتوسط ومصالح الدول الكبرى لا تتعارض مع مصلحة فرنسا. والوثائق التاريخية كلها تشير إلى أن بريطانيا والنمسا قد شجعتها تشارل العاشر على غزو الجزائر لأن ذلك قد يساعد صديقهم الملك الفرنسي في المحافظة على عرشه وبقاء في الحكم لمدة أطول.

وعلى هذا، فقد اقتضت مصلحة الفئات الثلاث قادة الأسرة الملكية المنفيين في عهد الثورة وأصحاب السفن والتجارة وقادة الجيش، أن يقوموا بغزو الجزائر وتحقيق مطامحهم. وسبب هذه الحرب التي شنوها على شمال القارة الإفريقية لم تكن ناتجة عن احتياج الشعب الفرنسي لمواد أولية أو ازدحام في السكان بقدر ما كانت تستهدف خنق أصوات الطبقة المتحررة والمنادية بالعدل والمساواة واستعادة هيبة الجيش التي أصبحت في الحضيض منذ اليوم الذي انهارت فيه إمبراطورية نابليون الشاسعة الأطراف.

 

الجيش يقيم دولة

وكتمهيد لاحتلال الجزائر، فقد استغل تشارل العاشر ذلك الخلاف الطويل المدى بين تاجرين جزائريين والحكومة الفرنسية التي اشترت القمح منهما وما طلت في دفع الثمن المتفق عليه. وعندما قام داي الجزائر بمساعي لدى الحكومة  الفرنسية لتسديد الديون المتراكمة، والتي بلغت ما يعادل مليون جنيه سنة 1817(1)، رفض الملك الفرنسي أن يصغي إلى  طلبه ويستجيب لعروضه السخية التي تقدم بها إليه لتسوية الخلاف القائم بين الطرفين. وكانت النتيجة الحتمية هي لطم القنصل الفرنسي بالجزائر على خده بمروحة داي الجزائر الذي استاء من وقاحته وتصرفه المنافي للعرف الدبلوماسي.

لقد شعر الداي بان الدبلوماسي الفرنسي يسعى إلى تعقيد الأمور وأنه بتواطىء مع الفئات الفرنسية التي كانت تحاول خلق جو مكهرب لا مجال أمامه من دخول فرنسا في حرب مع الجزائر.

إلا أن نتيجة الهجوم على الجزائر لم تأت وفق الخطة التي  أعدها تشارل العاشر. لقد أنهار الحكم الملكي وأطاح به الشعب الفرنسي سنة 1830. بيد أن الجيش والتجار حصلوا على الأهداف التي دخلوا المعمعة من أجلها. وهذا يتجلي بوضوح في إقامة نظام عسكري في الجزائر يهدف إلى توطيد مكانة فرنسا في شمال إفريقيا وأيجاد الفرصة لتعزيز مهن الضباط ووجود عمل دائم يرتزقون منه. ومن الأشياء التي ساعدت الضباط على إقامة شبه حكومة فرنسية في الجزائر:

1 – التأييد المالي المتواصل من طرف باريس لأن المقاومة الجزائرية لن تتوقف وهذا سيجبر الحكومة الفرنسية على مواصلة إمدادات الجيش بكل ما يحتاجه من ذخيرة واعتمادات مالية.

2 – الوضع السياسي السائد في باريس حيث تكاثرت الأحزاب وتعددت المجالس وأصبح من الصعب على المسؤولين في الدولة الإتفاق على إجراءات جماعية ضد قادة الحكم العسكري في الجزائر.

3 – احتياج الجيش إلى معمرين فرنسيين للاستيطان بالأماكن التي تحت سيطرته ورغبة الحكومات الفرنسية في التخلص من بعض العناصر المناوئة للحكم وذلك بإبعادهم إلى الجزائر. فالجيش من هذه الناحية قد يساعد الحكومة على “تأديب” الأفراد الذين يثيرون زوبعات سياسية في فرنسا.

وفي البداية أطلقوا اسم “قائد الجيش الإفريقي” على القائد العسكري الذي يعتبر المسؤول الكبير عن تسيير دفة الحكم في الجزائر. إلا أن هذا الاسم أدخل عليه تغييرا خفيفا سنة 1834 وأصبح يسمى “الحاكم العام للممتلكات الفرنسية في شمال إفريقيا” وفي هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر، عمد الضباط الفرنسيون إلى توطيد حكمهم وإخضاع الجزائريين إلى سلطتهم المباشرة. ولتحقيق هذه الأهداف لجأوا إلى :

1 – جلب العدد الكافي من المعمرين الذين يساعدونهم على إقامة المستعمرات وتزويد الجيش بالمواد الأولية.

2 – الاستيلاء على أراضي الجزائريين التي منها يكسبون رزقهم.

3 – إقامة خلايا سرية وعلنية أطلق عليها اسم “المكاتب العربية” ومهمتها التسلل إلى داخل صفوف الجزائريين وتبرير الإحتلال الفرنسي وإظهار مزاياه.

4 – عدم تخويل السلطة لأية وزارة من الوزارات في باريس بمراقبة أعمالهم ما عدا وزارة الحربية التي تتفهم قضيتهم. وهذه المبادرة من طرف الجيش الفرنسي في الحقيقة لم تكن تهدف إلى إخضاع الجزائريين بقدر ما كانت ترمي إلى إقناع الشعب الفرنسي بفكرة لإقامة المستعمرات ومباركة العمل الوطني الذي يقوم به الجيش. وبهذا يتسنى لقادة الإحتلال أن يتغلبوا على امتعاض الشعب الفرنسي من إقامة المستعمرات ورغبته في تحسين الوضع السياسي الداخلي. والشيء الذي أثار مخاوف الضباط بصفة خاصة هو الشعور السائد لدى الرأي العام الفرنسي سنة 1840 بأنه من مصلحة فرنسا الانسحاب من الجزائر لو لا أن هذا يمس شرف الجيش(1).

وفي الفترة ما بين 1834 و 1845 ارتفعت قوة الجيش من60 إلى 110 ألف رجل(2) وأصبح في إمكانه جبر الجزائريين على مهاجرة أراضيهم الخصبة. وقد عبر عن هذه السياسة بدقة الماريشال بوجو في خطابه الهام الذي ألقاه في البرلمان الفرنسي يوم 15 جانفي 1840 حين قال: “إنني لم أجد أية وسيلة فعالة لإخضاع الجزائر أحسن من مصادرة الأملاك الزراعية “(3) وأكد أن السياسة العسكرية ستكون مركزة على إتاحة الفرصة للمعمرين الفرنسيين بالإقامة في كل مكان توجد فيه مياه وأراضي خصبة ولن تكون هناك مراعاة لمن هو المالك الشرعي لتلك الأراضي(4) وأكد أن مهمة الجيش الفرنسي ليست الجري وراء العرب لأن ذلك لا يجدي نفعا وإنما منعهم من زرع وحصد أراضيهم(5).

 

 

كيف بدأت هجرة الجزائريين

 

وبطبيعة الحال، فإن سياسة الشدة التي سلكها الجيش الفرنسي قد أرغمت الجزائريين سواء على الإعتصام بالجبال والدفاع عن حقوقهم من هناك أو الإنتقال إلى أماكن أخرى بحثا عن العيش. وهذه الخطة التي سار عليها الحكام الفرنسيون بدأ يجري تطبيقها بكل شدة منذ 15 أفريل 1845 يوم قسموا الجزائر إلى الأراضي الخاضعة للحكم المدني والأراضي التي تتبع الحكم المختلط والأراضي “العربية“ التي تخضع للنظام العسكري. ففي النوع الأول من الأرض أقاموا المجالس البلدية واختاروا النواب الذين يمثلون مصالح المجموعة الأوروبية. أما في الأراضي المختلطة “حيث كان من الصعب على الأوروبيين تسيير الأمور بأنفسهم نظرا لقلة عددهم، فإن الحاكم العسكري العام يعين محافظا عسكريا ويكلفه بتسيير الأمور في الناحية المعين عليها. والمعمرون الأوروبيون يستطيعون إنشاء المتاجر والحصول على الأراضي التي يحتاجون إليها بعد موافقة وزير الحربية في باريس(1). وفي القسم الثالث الذي أطلق عليه إسم “الأراضي العربية” فللقيادة العسكرية فيه مطلق الحرية في تقلد زمام أمور العدالة والتعليم والتسيير الإداري. وانفردت هذه الأراضي بالحكم العسكري المباشر وذلك نظرا لأن القاطنين فيها جزائريون والسياسة المتبعة هناك هي حرمان أهل البلد من الحقوق التي منحها الدستور الفرنسي لكل إنسان يعيش تحت السلطة الفرنسية.

وفي الحقيقة فإن السياسة العسكرية التي أتبعها الضباط الفرنسيون في الجزائر هي التي أدت إلى هجرة الجزائريين ولن يدرك الإنسان أبعادها الكبرى إلا بتسليط بعض الأضواء على النفود السياسي الذي كان يتمتع به الحاكم العسكري في الجزائر. فقد كان له الحرية التامة في قبول أو رفض جميع المقترحات المقدمة إليه من طرف الأوروبيين لإقامة المراكز التجارية في الأراضي العربية(11)، وسلطته الواسعة قد أدهشت حتى الفرنسيين أنفسهم. فعندما زار الجزائر العالم الفرنسي “طوكفيل“ لاحظ أن المهمة الرئيسية للحاكم العسكري في الجزائر كانت تتمثل في فرض السيطرة على البلد، والإشراف على تسيير أمور السكان، والإهتمام بالأمور المتعلقة بالسلم والحرب والنفود الواسع لسد حاجيات الجيش وتوزيع السكان الأوروبيين والعرب في الأراضي المختلفة(1)، هذا ونشير إلى أنه بموجب المرسوم المؤرخ في 15/4/1845 قد أصبح الحاكم العسكري هو المكلف بتعيين كل مدير عام للشؤون المدنية، ويعتبر كل واحد من هؤلاء المديرين المساعد الكبير للحاكم العسكري. كما أنه هو الذي يقترح عليه جميع القرارات التي تمس نواحي تعمير الأرض، والشؤون الفلاحية، والتجارة والأشغال العمومية(2).

ونحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل الموضوع المتعلق بنتائج الحكم العسكري ومن هو المستفيد من إقامته في الجزائر: هل هم المعمرون،  أم الجيش أم أهل البلد الأصليين، ونكتفي بكلمة شاهد عيان الذي أعطانا وصفا كاملا عن ذلك. ففي شهر أكتوبر 1841 قام “كوطفيل“ بزيارة للجزائر ولاحظ أن هناك أشياء غريبة ومدهشة. لقد أحس بأن قادة الجيش يكنون عداوة للمعمرين الذين جمعوا الأموال الطائلة، ولذلك حاول العسكريون من جهتهم إنتهاز كل فرصة ملائمة للتقليل من أرباح المعمرين أو العمل على إفلاسهم(3). ولاحظ “طوكفيل“، كذلك، أن المعمرين من جهتهم كانوا متضايقين وحاقدين على الحكام العسكريين الذين لم يعطوهم الحرية الكاملة للإستلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي وإخضاع أهل البلد لحكمهم المباشر.

ومن الأشياء التي أذهلت “طوكفيل“ هي “الوحشية السريعة“ التي تمت بها مصادرة الأراضي من طرف الحاكم العسكري. فقد استغل هذا الأخير المرسوم الصادر في 17 أكتوبر 1833 الذي بمقتضاه خول للإدارة الفرنسية أن تستحوذ في خلال أربع وعشرين ساعة على أية قطعة من الأرض بدون تعويض. فالمحاكم كانت تشترط يوما واحدا فقط لتعيين خبير من طرف مالك الأرض وخبير من طرف الإدارة الفرنسية لتقييم الأرض المصادرة. وفي حالة عدم تعيين واحد من طرف المالك، تقوم المحكمة بتعيين خبير آخر عنه وتصدر حكمها بتحويل الملكية. وترتب عن هذا النظام إرتباك في الحياة الإجتماعية وتدهور في العلاقات التي تربط الجيش بالمدنيين. ومن جملة النصائح الهامة التي قدمها “طوكفيل“ للحاكم العسكري بالجزائر هي العدول عن أسلوب مصادرة الأراضي بهذه الطريقة الوحشية لأنها قد تعطي فكرة للمواطنين الجزائريين بأن فرنسا تحاول إزاحتهم وإحلال محلهم العنصر الأوروبي(1).

وقد بلغ الحكم العسكري في الجزائر أوجه في عهد الجنرال “بوجو“ الذي حاول أن يسخر الأوروبيين المدنيين لتوطيد دعائم النظام العسكري. فقد اشترط على كل معمر أوروبي أن يؤدي خدمة عسكرية في الجيش لا تقل عن ثلاث سنوات قبل أن يسمح له بالحصول على الأرض مجانا. وهذا، بطبيعة الحال، أدى إلى توتر في العلاقات بين الجيش والمعمرين الفرنسيين. ولكن الحدث الهام الذي أدى إلى زعزعة الحكم العسكري في الجزائر هي المجزرة الرهيبة التي ذهب ضحيتها في يوم واحد خمسمائة إمرأة وطفل جزائري عندما لجاؤا إلى كهف وقضت عليهم قوات الجنرالات “بيليسيية“ و“كافينياك“، و“سانت أرنو“(2). فقد وجهت إنتقادات لاذعة إلى الجنرال “بوجو“ من طرف نائب فرنسي، يطلق عليه إسم “لامارتين“ حيث اتهمه بأن الأسلوب الذي اتبعه أخذ شكل “الإبادة ويعتبر أسوأ من جرائم نيرون وتيبيريوس“(3)، بيد أن نائبا آخر، يدعى “كورسيل“ قد لفت نظر النواب الفرنسيين إلى خطر آخر يهدد مستقبل شمال إفريقيا، والذي كان يعنيه هذا النائب هم المعمرون المدنيون الذين بدأت صحافتهم في الجزائر العاصمة تنشر الحقائق مشوهة وتحث على محق الجزائريين والتي تعتبرهم من أحط الأجناس البشرية(4).

وترتب عن هذه المناقشة إنشاء لجنة برلمانية متكونة من ثلاث نواب، وتكليفها بجمع الحقائق عن الأعمال التي يقوم بها الجيش الفرنسي في الجزائر. وبعد إقامة وجيزة بمدينة الجزائر العاصمة، عادت اللجنة الثلاثية بتقرير غامض. وخلاصته أن مصلحة فرنسا تقتضي إنشاء مجموعة فرنسية تسير حسب القوانين والعادات المستمدة من الحضارة الفرنسية. ثم أوصت اللجنة في قرارها بحسن معاملة أبناء البلد، كما تقتضي مصلحة الفرنسيين والمحافظة على شرف كلمتهم(1). ولإزالة هذا الغموض وتقديم الإقتراحات الواضحة حول تحسين الحالة العسكرية بالجزائر، قام “طوكفيل“ بتحديد الخطوات التي يجب اتخاذها للتغلب على الفوضى التي سادت الأراضي التي سيطر عليها الجيش الفرنسي بالجزائر. وهذه الإقتراحات يمكن تلخيصها فيما يلي:

  • تخفيف حدة نفوذ باريس على الجزائر.
  • إدخال برنامج اللامركزية بالجزائر بحيث أن الحاكم العام يتقاسم السلطة السياسية مع معاونيه.
  • الإعتماد على أنظمة إدارية تكون غاية في البساطة والتنسيق المحكم في الميدان الإداري.
  • تمنح للمسؤولين المحليين سلطات تنفيذية أوسع من التي أعطيت لهم.
  • تعيين مدير للشؤون المدنية وفصل سلطته عن السلطة العسكرية التي هي في يد الحاكم العام(2).

ثم إن “كوطفيل” قد كشف النقاب عن الطريقة الإستبدادية التي كان يستعملها الحاكم العام لتوطيد سلطته العسكرية بأي ثمن كان. فقد أبدى تدمره من سلطة الحاكم العام على القضاة وعزلهم إذا هو أراد ذلك. كما أنه استاء من المراسيم التي تسمح للحاكم العام بمعاقبة أي شخص يعتبره مهددا لأمن الجزائر. ونلاحظ أيضا أن  “كوطفيل” قد تأثر كثيرا بالقوانين الصارمة التي تفرض على سكان المناطق المختلفة والتي كانت تتكون في معظمها من الجزائريين وعدد بسيط من الأوروبيين. كما اندهش من كون الحاكم العام يتمتع بجميع الصلاحيات التي تخول له مصادرة أراضي أي فرد ودفع تعويضات له في شكل سندات يقع تسديدها فيما بعد(3).

وأدت الإنتقادات البرلمانية واستنكار “كوطفيل” للأعمال العسكرية التعسفية إلى إضمحلال نفوذ الحاكم العام وسطوع نجم القادة المدنيين في الجزائر. وتصادف تغيير القوة السياسية وانتقالها من يد العسكريين والمدنيين في الجزائر، الإطاحة بحكومة لويس فيليب 1848 وقيام حكومة ثورية في فرنسا. ويرى بعض العلماء أن نجاح ثورة 1848 يعتبر بمثابة إنتصار 125000 معمر أوروبي بالجزائر حيث أن المملكة هي التي كانت سبب مصائبهم. فقد تمادت في تجاهلها لمطالبهم ووضع حد لسلطة الجيش عليهم ثم إنها تركت قضية الأراضي المصادرة غير محددة هذا بالإضافة إلى وقوفها موقف المتفرج إزاء سياسة الإدماج وتثبيط عزائم الدين أرادوا إقامة مستعمرات في البلاد(1). وعلى العكس من ذلك، نجد أن النظام الجمهوري الجديد قد جاء بسياسة محددة وواضحة تجاه الجزائر. وخلاصتها أن الجمهوريين قد صمموا على اتباع سياسة “الإدماج“، التي كانت مبنية على فكرة المساواة بين جميع الفرنسيين واعتبار جميع المقاطعات الفرنسية جزء لا يتجزأ من فرنسا(2).

وفي شهر أوت 1848، وضعوا هذا المشروع حيز التنفيذ حيث اتخذت الخطوات اللازمة لنقل الأعمال الإدارية لكثير من المصالح الحكومية من الجزائر إلى باريس. وبمقتضى التعديلات الجديدة، إنتقلت أمور العدالة في الجزائر إلى الوزارات المختصة بذلك في باريس، باستثناء الأمور التي تتعلق بالمسلمين الجزائريين فقد بقيت تابعة لوزارة الحربية. أما الحاكم العام فقد أصبحت سلطته محدودة، ولم يعد سوى منسق لشؤون فرنسا في الجزائر، إذ أنه وضع تحت التصرف المباشر لوزيري الحربية والعدلية في باريس وأصبحت مهمته التأكد من تطبيق وتنفيذ الأوامر القادمة من العاصمة الفرنسية.

وإذا كانت القرارات الهامة الصادرة في المرسوم المؤرخ في 12 أكتوبر 1848 قد اتخذتها باريس لإراحة المعمرين من التعسف العسكري فإن المستوطنين الأوروبيين بالجزائر قد شعروا بخيبة الأمل وهضم حقوقهم من طرف باريس. والسبب في استقبال قرارات باريس ببرود هو تحويل السلطة من الحاكم العام إلى وزير الحربية الفرنسي بدلا من وضعها في يد الأوروبيين المدنيين بالجزائر. ومما زاد في مخاوفهم إعطاء الصلاحيات لوزير الحربية بالإشراف على جميع الشؤون التابعة لوزارات الداخلية، والأشغال العامة والفلاحة او المالية. وبهذا بقي مصيرهم في يد وزير الحربية ومن الصعب عليهم تدعيم نفوذهم في الجزائر. وقد احتفظ وزير الحربية بهذه المهمات إلى يوم 12 أوت 1881، يوم صدر قرار آخر بتجريده من هذه الصلاحيات(1).

وبهذا الصدد نشير إلى أن القادة العسكريين في الجزائر ووزارة الحربية في باريس كانا قد دخلا في صراع حول السياسة التي ينبغي إتباتعها في الجزائر منذ سنة 1840. فبينما كان الماريشال “بيجو” الذي كان الحاكم العام للجزائر من سنة 1840 إلى غاية 1848، يسعى إلى طلب المزيد من الجنود وتوزيع الأراضي المصادرة على الجنود الذين أدوا خدمتهم العسكرية، نجد الجنرال “لموريسيير” يدافع عن نظرية أخرى قائمة على أساس استثمار الأراضي التي استولت عليها فرنسا وليس جلب المزيد من رجال الجيش الفرنسي. وعندما قبلت وزارة الحربية الاقتراح الأخير وأصدرت  مرسوما يوم 4 ديسمبر 1846 لتبني هذه الفكرة، تقدم  “بيجو” بطلب إلى الملجس الوطني الفرنسي وحثه فيها على تخصيص 3 ملايين فرنك لإنشاء المراكز الزراعية لأولئك الجنود الذين قاموا بأداء الخدمة العسكرية في الجزائر. ولما رفض المجلس هذا الطلب لتزويد الجنود بمساعدة مالية، قدم “بيجو” استقالته في شهر جوان سنة 1847(2).

ولكن الحقيقة هي أن الحكم الجمهوري الذي جاء عقب ثورة 1848 قد عمل بكل جهد لترضية رغبات المعمرين بالجزائر. ففي 19 سبتمبر 1848 صدر مرسوم يقضي بتخصيص 50 مليون فرنك لمساعدة المهاجرين المدنيين إلى الجزائر: 5 ملايين تصرف سنة 1848 و 10 ملايين تخصص لسنة 1849، 35 مليون للسنوات التي تأتي عقب ذلك(3).

وكانت تهدف سياسة الجمهوريين إلى توطيد دعائم الاستعمار المدني وذلك ببناء القرى الصغيرة للمهاجرين الأوروبيين وتشجيعهم على استثمار الأراضي الخصبة. كما أنهم كانوا يأملون أن يتخلصوا من المشاغبين في باريس لأن بقاءهم في العاصمة الفرنسية يشكل خطرا دائما على النظام الجمهوري. ولترغيب المهاجرين في الإلتحاق بالجزائر أفواجا، نص المرسوم المذكور آنفا على تزويد كل عامل مهاجر بقطعة أرض تتراوح بين 2 و 10 هكتارات، ومنزل، بالإضافة إلى بعض المساعدات المادية. وكان لهذه العروض المغرية أثر كبير على نفوس العمال الكادحين. فقد قبل الالتحاق بالجزائر حوالي 500، 13 في سنة 1848. وأثناء توديع الفوج الأول من المهاجرين ألقى رئيس الحكومة خطابا قال فيه: إن المستقبل لكم، حيث ستجدون أمامكم مناخ صحى، وسهول شاسعة وأراضي خام وخصبة ملك لكم وليس لأحد آخر غيركم، والتي ستحرثونها وترتقون إلى حياة مزدهرة وشريفة.

 

(*)  دراسة منشورة لمجلة الأصالة، العدد11 (نوفمبر- ديسمبر) 1972، ص 121- 130.

(1) Henri Brunschwing French colonialism mythos and realties London Mall Press. 1964 p.16

(2) David  Thompson Democratic France since 1870 New York : Oxford university Press, 1964 p 14.

 (3) Brunschiwng Op. cit.p 18.

(1) Tania Mathews, War in Algeria : Background for crisis New  York : Fordham university Press, 1961, p.7

(1) Gsell Histoire de l’Algérie, Paris : Ancienne librairie furne boivin et société éditeurs 1929, p 217.

(2) Bugeaud in Les constructeurs de la France d’outre-mer, Paris Edition Corrca, 1946, p 208.

(3) Mathews, Op. cit, p 10

(4) Mathews, Op. cit, p 10

(5) Mathews, Op. cit, p 10

(1) J.L (de) lanssen : L’expression coloniale de France. Paris : Ancienne librairie Germer Baillière et Cie, 1986, p.84.

(11) Ibid ; p, 84

(1) Alexis de Tocqueville, Œuvres, papiers et correspondance de toque ville. Paris Gallimard, 1962 p.338.

(2) LANSSEN, Op. cit, p 82

(3) Tocqueville, Op. cit, p 264.

(1) Ibid, p.217.

(2) Malvin Richter « Tocqueville on Algeria ». The review of politics, Vol. 25, number 3 (July, 1963) p. 389.

(3) Ibid, p 389.

(4) Ibid, p. 389.390

(1)  Ibid, p. 391.

(2) Ibid, p. 393.

(3) Ibid, p. 393.

(1) Charles – André Julien, Histoire De l’Algérie Contemporaine : La Conque – Te Et Les Débuts De La Colonisation : 1827 – 1871, Paris : Presses Universitaires de France, 1964, pp. 342 – 43.

(2) Gordon Wright, France in modern Times : 1760 to the present  time Chicago : Rand Mc  Nally C”, 1960, p.256

(1) Julien, Op. cit, p 351.

(2) Frederic Mauro, L’expansion européenne : 1600 – 1870. Presses universités de France, 1964, p.248.

(3) Quoted in Maurice moissonier « Origines et débuts de la conquêtes de l’Algerie », Cahiers internationaux, vol.12, N » 113, 1960. p.75.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *