الثلاثاء , 15 أكتوبر 2019

الأمن الفكري بين النظرية و تجسيد المهـارات فـي إدارة المـوارد البشرية

 

 

بقلم

عمـار بــوحـوش،أستــــاذ بجامعة الجزائر(3)

 

تسيطر في هذا الوقت العصيب على عقول الناس هواجس تكمن في خوف أغلبية الأفراد من عواقب غياب الأمن الذي تزايد بسبب قوة الجماعات المتطرفة و انخفاض مستوى المعيشة و تفشي الفساد بجميع أنواعه،وارتفاع نسب البطالة،وتزايد عدد الفقراء،وانعدام حرية التعبير

و غياب العدالة الاجتماعية.وقد أكدت الثورات الشعبية في تونس و مصر

و ليبيا، أن المواطنين لن يقبلوا ،من الآن فصاعدا،إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى منظمات قمعية و أداة في خدمة الحكام و بقائهم في السلطة و تمكينهم من توزيع الثروات على أنفسهم و أقاربهم. و لذلك قام الشباب بثورات شعبية و كسروا حائط الخوف لأن الوضع لم يعد يحتمل بعد أن شعروا بأن مؤسسات الدولة تحولت إلى أدوات في خدمة من هم في السلطة و ليس أداة في خدمة المواطنين، و من هنا جاءت رغبة الشباب في التغيير و التخلص من الأنظمة الفاسدة و إعادة المصداقية و الثقة و الهيبة و العدالة

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

   áورقة بحثية مقدمة للملتقى الوطني حول الأمن الفكري: التحديات و رؤى المستقبل،المنعقد بكلية الحقوق و العلوم السياسية بجامعة زيان عاشور ،بالجلفة.الفترة الممتدة من 27 إلى 28 أفريل 2011

-á áالبريد الالكتروني: ammar.bouhouche@gmail.com

 

إلى مؤسسات الدولة .إن الشعور بالظلم و غياب العدالة الاجتماعية و اليأس من تحسن الأوضاع المادية هي التي دفعت بالمواطنين إلى التمرد على حكوماتهم.

و انطلاقا من هذه الحقائق نستطيع أن نقول أن الأمن الفكري هو تعزيز الثقافة الأصلية للمجتمع و مواجهة الأفكار الدخيلة و المشبوهة. و السؤال المطروح في وقتنا الحاضر:كيف يمكننا أن نحافظ على خصوصياتنا الثقافية و الفكرية دون الوقوع في فخ التقوقع و الانعزالية؟ إن أهداف الأمن الوطني و الأمن الفكري و الأمن الغذائي ،تعني في جوهرها الحفاظ على القضايا الإستراتجية للدولة و مواطنيها ،و كذلك المحافظة على مصداقية السلطة السياسية،بحيث تتمكن مؤسسات الدولة من توفير الأمن و الغذاء

و التفكير العقلاني. و عليه،فإن مصير أبناء المجتمع و نظام حكمهم مرتبط بإيجاد استراتجيات و خطط شاملة لتلبية احتياجات كل مواطن. و بعبارة أخرى، أن قوة الدولة مستمدة من قدرتها على حفظ الفكر السميم و  المعتقدات و القيم الاجتماعية. و بهذا المعنى، فإن الأمن الفكري يمثل بعدا استراتجيا للأمن الوطني، لأنه مرتبط بهوية الأمة و استقرار قيمها التي تدعوا إلى المحافظة على أمن الأفراد و أمن الوطن، و الترابط و التواصل الاجتماعي،و مواجهة كل ما يهدد تلك الهوية و تبني أفكار هدامة تنعكس سلبيا على جميع مناحي الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية،لأن الهوية تمثل ثوابت الأمة من قيم و معتقدات و عادات(1).

إنه لمن الواضح أن أهمية الأمن الفكري تكمن في سهولة انتشار وسائل الإعلام المرئية و المكتوبة و إطلاع المواطنين عليها سواء من القنوات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الله إبراهيم الطريف ، “الأمن الفكري: البعد الاستراتيجي للأمن الوطني” ، جريدة الشرق الأوسط ، العدد 10532 ،الصادر بتاريخ29سبتمبر2007

 

الإعلامية الأجنبية أو عبر الأنترنت، و من الصعب على أية حكومة أن تعترض على وصول المعلومات الهدامة إلى مواطنيها و إحداث البلبلة في أذهانهم، عن طريق بث الأفكار المسمومة في عقولهم. و بعبارة أخرى،إن

 

الدولة في عصر العولمة لم تعد تسيطر على فضائها الإعلامي،و سيادتها أصبحت مخترقة من طرف أعدائها و ليس في إمكانها إيقاف عملية تدفق المعلومات إلى أراضيها.

و لهذا يتعين على الدولة أن تتبنى إستراتيجية جديدة تتمثل في إفساح مجال حرية التعبير و الحوار و المشاركة في اتخاذ القرارات و التشاور في كل القضايا التي تهم المواطنين في داخل بلدهم، و إذا هي لم تفعل ذلك، فإن الأفراد سيلتجئون إلى الاستماع إلى البرامج الأجنبية التي تبث سمومها في عقولهم و تدفعهم إلى الوقوع في الجريمة و الانحراف الفكري.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عملية توظيف الأمن الفكري في مجتمع المعرفة

 

يرى هذا الباحث المتخصص في العلوم السياسية،بصفة عامة، و علم التنظيم بصفة خاصة، أن نظريات الابيستمولوجيا و الأمن الفكري لا قيمة لها بمعزل عن الإستعمال . فالمشكل حسبما نرى يتمثل في توظيف المعرفة العلمية و عدم الاكتراث بتجسيدها في أرض الواقع. و إذا أردنا أن نحدد نقطة الضعف في التنمية الوطنية فإنها تكمن في سوء التسيير(Mismanagement) و إهمال المهارات و الخبرات و الكفاءات و نقص في الإرادة السياسية لتجسيد فوائد المعرفة. إنه لمن الواضح أن هذا العصر هو عصر التكنولوجيا، فمن أجاد الإلمام بفنياتها و اعتمد على العناصر المؤهلة علميا، استطاع أن يتقدم، و من تباطأ في تدريب الموارد البشرية و لم يحرص على توظيف الكفاءات البشرية و المهارات،كان مصيره التخلف و التبعية للدول الكبرى التي تعرف كيف تركز على بناء المهارات و لا تكتفي ببناء العمارات.

إن امتلاك المعرفة و اقتنائها لم تعد عملية صعبة و نحن نستفيد منها بفضل كفاءة علماء و مهارات المفكرين الغربيين و الأسيويين، أي أننا نحرص على استهلاك ما ينتجه غيرنا بدل أن ننتج و نبدع و نبحث فيما نحن في حاجة إليه. إننا نخطئ إذا اعتقدنا أن مجتمع المعرفة هو عبارة عن مجتمع معلومات، فالمعلومة، مهما يكن مصدرها و قيمتها لا معنى لها في حد ذاتها. إن إقامة مجتمع المعرفة يتطلب تحويل المعرفة إلى أدوات إنتاج لتلبية الحاجات الاقتصادية. فالعبرة دائما بتحويل المعرفة

إلى التطبيق و التجسيد في ارض الواقع (Knowledge or Connaissance)

و بناءا عليه، فالمسألة الجوهرية هي ,  (Know How or Savoir Faire)

الارتباط بين نشر المعرفة، من جهة و بين تطبيق تلك المعرفة، من جهة ثانية. فالاعتراف بالحق يستلزم معرفة هذا الحق و التعبير عنه بحرية. و عليه فالانفتاح العلمي يتطلب احترام الحرية الضرورية للإبداع و للبحث العلمي، و الانفتاح على الغير و الحوار بين الأفراد و الجماعات و قبول الاختلاف. فإذا لم تكن حرية التعبيرمضمونة ، لن تكون هناك فائدة من المعرفة، و بالتالي، لن يكون هناك مجتمع معرفة بدون مشاركة شعبية (1).

نستخلص من ما تقدم، أن الوعي بالأمن الفكري، و انتشار المعرفة مرتبطتان بعملية بناء مجتمع المعرفة. فبفضل حرية التعبير و حرية التظاهر بطريقة سلمية للتعبيرعن المطالب، يمكن إحداث التغيير و الاستجابة للمطالب ،و بدون حرية التعبير لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية، و لا يمكن كذلك فضح قضايا الفساد و التلاعب بالمعلومات و كشف اللامساواة و الظلم و مختلف أشكال الاستغلال و التفاوت الاجتماعي(2).

المشكل كما يراه البعض،أن رجال النخبة ينظرون بازدواجية إلى حرية الرأي و حرية التعبير الموجود في الغرب. فهم يحترمون حرية الكلام و التعبير بحرية عن آراء المواطنين في الغرب لكنهم يمنعون تطبيق نفس المبادئ في محيطهم. و لذلك يبقى المواطن العربي معجبا بسلوك أهل الغرب أمام القانون و احترامهم للمعارضين و من يختلف معهم، لكن المواطن العربي يرفض أن يتصرف بنفس الطريقة مع أهله. و لهذا نرى بوضوح كيف أن الغرب يمجد أهل العلم و الفكر، و يجعلهم في أعلى المناصب، لكن الجاهل في مجتمعنا لا يحترم العلم، بل إنه يفرض عليه رأيه، سواء في تسيير شؤون البلاد أو في تنظيم حياته الخاصة (3).

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محمد نور الدين أفاية،”في إشكالية مجتمع المعرفة”،المستقبل العربي، العدد381،الصادر في شهر نوفمبر2010،ص35-36

(2) نفس المرجع الأنف  الذكر،ص35

(3) عابد شارف “العرب نماذج أو عدو”، الشروق اليومي العدد 3221، الصادر يوم3مارس2011، ص15

 

و باختصار، فان بناء مجتمع المعرفة يتطلب التركيز على المنهجية العلمية المتمثلة في تحويل المعرفة المتراكمة إلى أدوات ملموسة للإنتاج، يستعملها أصحاب المهارات و الكفاءات و الخبرات بكفاءة عالية لتحقيق التنمية المستدامة و رفع مستوى المعيشة.  و عليه، إن خروج الدول النامية من نفق التخلف يتطلب الاستثمار الكبير في الرأسمال البشري و تأهيله حتى يتسنى لأصحاب المهارات أن يوظفوا معرفتهم في خدمة مجتمعهم.

و بأيجاز،إن التحدي الكبير لعملية التنمية يتمثل في بناء رأسمال معرفي

متين و تكويـن موارد بشـرية مؤهلة و قـادرة علـى وضـع السياســــات

و الاستراتجيات و الخطط المدروسة ثم متابعتها و تقييمها. و معنى هذا أنه لابد من الاهتمام بنوعية التعليم و نوعية مخرجاته و ضمان جودته في

مختلف مراحل التعليـم. وبهـذا الأسلـوب نستطيـع توطيـد روح المبـادرة

وتوسيـع مجـال الاستعـانة بتقنيـات المعلـومة و بنـاء مؤسسـات الإبــداع

و الابتكار. و بناء على ما تقدم، فإن تأهيل الرأسمال البشري يتطلب التركيز على بناء المؤسسات و تدريب الإطارات و تأهيلها لأداء وظائفها بكفاءة عالية، و هذا ما سنركز عليه في دراسة إدارة الموارد البشرية،  لان

معظم المشاكل نابعة من سوء التسيير

(La Mauvaise gestion or mis management)

و التنفيذ عن طريق إعطاء الأوامر من الأعلى، و تشريد الكفاءات أو تهميشها إذا كانت موجودة داخل الوطن.

 

 

 

 

ما ينبغي معرفته عن تنمية إدارة الموارد البشرية

إن إدارة الموارد البشرية تعتبر هي العمود الفقري لأية منظمة خدمية أو إنتاجية. فالمنظمة لا تستطيع أن تقدم خدمة أو منتوج للناس إلا إذا كان لديها العناصر البشرية، المؤهلة والقادرة على تحقيق أهدافها التي تلتزم بها لزبائنها. ومعنى هذا أن مصير المنظمة أو بقاءها على قيد الحياة يتوقف على قدراتها في استعمال سلطاتها لتسخير العنصر البشـري وتوظيـف كفاءاته ومهاراته لتحقيق النتائج المطلوبة، “لأن الأفراد هم الذين يقومون بتصميم المنتجات والخدمات وتقديمها للزبائن، وهم الذين يتحكمون في

نوعيتها، وهم الذين يوزعون التخصصات المالية، ويضعون الاستراتجيات الشاملة للمنظمات، ومن هنا، فإن نجاح المنظمات يعتمد بصورة رئيسية على نوعية القوة العاملة فيها وعلى أداء هذه القوى”.[1]

وفي الحقيقة إن أهمية إدارة الموارد البشرية ودورها المؤثر في المنظمات الحكومية أو الخاصة لا تنبع فقط من مساهماتهم الفعالة في الإنتاج وتقديم الخدمات، وإنما تنبع أيضا من دور القيادة البشرية في التنظيم والتوجيه والانسجام في العمل. فالاستفادة من الطاقات الموجودة والمهارات البشرية يتوقف على عناصر أخرى تتمثل في حسن  التوظيف والتدريب وإعداد العناصر البشرية المؤهلة لأداء مهامها على أحسن وجه. وإذا كنا قد حرصنا على لفت النظر إلى أهمية القيادة البشرية في توجيه العاملين، فلأننا ندرك أن توفر العنصر البشري المؤهل لا يكفي لتحقيق نتائج إيجابية لسياسات المنظمة لأن المشكل الجوهري في دولنا النامية هو أن الأفراد المؤهلين موجودين ولكن القيادات عاجزة عن

الاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم وكفاءاتهم، ولذلك تتعثر المنظمات في أدائها ويصعب عليها بلوغ أهدافها وتحقيق النتائج المطلوبة. وعليه، فالعبرة في إدارة الموارد البشرية هي في مدى الاستفادة من الكفاءات البشرية وحسن توظيفها وتجنيدها لتحقيق الهدف الأسمى للمنظمة وهو الارتقاء بالإنتاج وتقديم أفضل خدمات للناس. إن القيادة بصفة عامة، هي التي تتولى عملية بناء الكفاءات البشرية والاعتماد عليها في تحقيق الأهداف المرسومة. كما أن القيادة هي التي تساهم في بناء العنصر البشري والتخطيط للقوى العاملة وانتهاج سياسات التحفيز والإبداع ورسم السياسات المدروسة والهادفة لكل منظمة.

وليست هناك مبالغة إذا قلنا أن المشكل في يومنا هذا لا يكمن في وجود الكفاءات البشرية بالجزائر أو بدول العالم الثالث لأن هناك عشرات الجامعات التي يتخرج منها آلاف المتخصصين في العلوم السياسية والإدارية والكومبيوتر والهندسة والطب، وإنما المشكل يكمن في الحفاظ على هذه الإطارات الموهوبة في داخل الوطن وحسن التعامل معها بموضوعية وبكفاءة وعدالة. وعليه، فالموارد البشرية لا يمكن أن تتجسد فعاليتها في ميدان العمل إلا إذا قامت على معايير محددة، ضرورية لنجاحها في أداء مهامها، وتمثل هذه المقاييس في:

  1. 1. وجود أسس موضوعية لإنجاز المهام: ونقصد بذلك حق العنصر البشري أو العامل في الحصول على الترقية في الوظيفة، وفي الراتب المناسب لخبرته وقدراته، بالإضافة إلى حماية العنصر البشري من المزاجية في اتخاذ القرارات والتعامل معه وفقا للقوانين وإجراءات العمل.
  2. 2. التعامل على أساس الجدارة والحياد في العمل: ونقصد بذلك الابتعاد عن العلاقات الشخصية والانتماءات الإيديولوجية والمصالح الفردية، أي أن الكفاءة المهنية والأداء الجيد والفعالية في العمل هي المقاييس التي ينبني عليها التقييم الفعلي لكل عنصر بشري. إنه لمن الواضح أن الإدارة الجيدة في الدول المتقدمة تستمد فعاليتها وقوتها من الإرتكاز على مبدأ الجدارة في العمل والقوانين الموضوعية الجاري بها العمل.
  3. 3. العدالة الإجتماعية: ونقصد بذلك تكافؤ الفرص في التوظيف والتعامل مع الأفراد بعدالة وإنصاف بحيث ينال كل فرد حقوقه ولا يوجد تمييز بينه وبين زميل آخر يحمل نفس المؤهل.

تعريف إدارة الموارد البشرية

بالرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه من طرف الباحثين، فإن المعنى الدقيق لإدارة الموارد البشرية هو أنها تعني الإستخدام الأمثل للموارد البشرية في المنظمة. وقد عرفتها الجمعية الأمريكية لإدارة الأفراد بأنها تعني فن إكتساب القوى العاملة ذات الكفاءة، وتنميتها والإحتفاظ بها من أجل تحقيق أهداف المنظمة بأقصى قدر من الفعالية في الأداء. كما عرفها عالم أمريكي مرموق بأنها تعني انتقاء واختيار العاملين الجدد وتنمية كفاءات العاملين المتواجدين في المنظمة بقصد الإستخدام الأمثل للقوى العاملة والحصول على نتائج نوعية وكمية في المستوى المطلوب(1).

وبعبارة أخرى، فإن الموارد البشرية لكل منظمة هي القوى العاملة

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1  Felix A.Negro, Public personnel Administration. New York: hest, Rinehart and Winston, inc. 1959, P 36.

 

التي تقوم بالأنشطة اللازمة لتوفير احتياجات المنظمة المتمثلة في رسم السياسات ووضع إجراءات العمل وإنجاز المهام المحددة في مخططات المنظمة. إن قيمة إدارة الموارد البشرية تبرز من خلال خلق الفعالية في المنظمة وتحقيق الأهداف بكفاءة عالية.

إدارة الموارد البشرية هي العمود الفقري لعلم التنظيم

لقد جرى العرف في الجزائر أن نطلق إسم “علم التنظيم” على ما يسمى في المشرق العربي “علم الإدارة العامة”، مع العلم أن علم التنظيم يختص بصفة خاصة بمسألة: كيف ننظم؟ How to organize. وإذا نحن عرفنا كيف ننظم المؤسسة، فإن التنظيم القانوني (أو القانون الإداري) يأتي بعد ذلك لتحديد العلاقات في شكل إجراءات تنظيمية وبنود قانونية تضبط قواعد العمل في المؤسسة.

إن الأسلوب التقليدي المتمثل في تقسيم إدارة الأفراد إلى موظفين في قطاع خدمات، أي القطاع الذي يقدم الخدمات الحكومية وغير الحكومية للزبائن، وإلى عاملين في قطاع إنتاج، أي قطاع الإنتاج الذي يرجع إليه الفضل في إنتاج الآلات الصناعية والغذائية والمواد التحويلية، قد بدأ يتلاشى تدريجيا، لأن إدارة الموارد البشرية قد أصبحت هي التسمية الملائمة لجميع الأفراد العاملين في أية مؤسسة خدمية أو إنتاجية.

وما أردته أن أقوله في هذا الصدد أن جميع المؤسسات في القطاع العام أو القطاع الخاص، أصبحت تنتهج النمط الحديث للتنظيم الذي ترتكز عليه إدارة الموارد البشرية. إن التطورات التكنولوجية الحديثة وزيادة معدلات الإنتاج وتحسين مستويات الخدمات قد ساهمت في الاعتماد على المهنية في العمل وتضاعف في الاختصاصات وتقسيم العمل في المؤسسات، والإقبال على تنويع المهارات المطلوبة لأداء الأعمال في المؤسسات المتخصصة. كما أن توسع الدور الحكومي في التنمية وبروز المؤسسات الاقتصادية العملاقة قد دفع بالحكومات إلى سن قوانين لحماية العمال وتحفيزهم في العمل وتشجيع المنظمات المهنية على احترام القيم الإنسانية وحماية حقوق الأفراد وتوجيه عناية خاصة إلى الأنظمة والأحكام والقواعد والإجراءات للتعامل مع الموارد البشرية في مكان العمل. إن هذا التوجه من طرف الحكومات قد نتج عنه التخفيف من تسلط إدارات المنظمات على العمال، وخلق تعاون بناء بين العاملين وإداراتهم. فالتشريعات الحكومية في وقتنا الحالي أصبحت مرنة، وفيها تحفيزات للمؤسسات لكي توظف العمال وتقضي على البطالة والفقر بأية صفة كانت.

ونستخلص من ما تقدم، أن هناك توجه جديد في إدارة الموارد بالبشرية يتمثل في وجود قناعات لدى أصحاب الأموال وكبار المسؤولين أو السلطة في كل دولة بأن العنصر البشري هو الدعامة الإنسانية في كل التنظيمات الإدارية، مهما اختلفت أحجامها وتنوعت أهدافها، وأنه من الخطأ الكبير أن تقوم العلاقات بين الموظفين، بعضهم ببعض، وبين الموظفين ورؤسائهم ومرؤوسهم على أساس السلطة الرسمية والقوانين الصارمة والأوامر الجافة. إن كل الأطراف قد اقتنعت الآن أن القيادة الإدارية الناجحة هي التي تستطيع أن تبعث الحياة في كل أرجاء التنظيم وهي التي تستطيع أن تحول الهياكل الجامدة إلى تفاعلات ديناميكية، وهي التي تستطيع أن تقضي على مظاهر القلق والإنزعاج في العمل وتحولهما إلى مشاعر انتماء وحماس للمؤسسة. إن العلاقات الإنسانية الناجحة لا يمكن أن تتجسد في أرض الواقع إلا إذا طبقت قواعد العدالة والمساواة في كافة شؤون التوظيف من تعيين وترقية وتوزيع مهام ومكافآت واستماع إلى الشكاوى ومعالجة النزاعات. فالتحدث عن روح الفريق ورفع الروح المعنوية للعاملين تصبح من قبيل الخرافات إذا لم يصاحبه احترام للعامل وثقة في قدراته ومشاركة فعلية له في اتخاذ القرارات، وبشكل خاص القرارات التي تؤثر في عمله. فالعامل إنسان، والإنسان هو الدعامة الأساسية في كل المؤسسات، ولا شك في أنه سر عظمتها أو سبب فشلها.(1)

ولو نحن تطرقنا إلى الأنشطة الرئيسية لإدارة الموارد البشرية لوجدناها تمتد من الوظائف الاستشارية، على مستوى القمة، التي تنبنى عليها عمليات وضع السياسات العامة، إلى وظائف تنفيذها على المستوى البسيط، في أرض الواقع. وتتمثل الأنشطة الرئيسية لإدارة الموارد البشرية فيما يلي:

  1. توصيف الوظائف.
  2. تخطيط الموارد البشرية.
  3. تدريب وتنمية الموارد البشرية.
  4. البحث والاستقطاب للموارد البشرية.
  5. تقييم الوظائف وتحديد المرتبات والأجور.
  6. قياس كفاءة أداء الموارد البشرية.
  7. الاختيار والتعيين للموارد البشرية.
  8. توفير الرعاية الصحية للعاملين.
  9. تزويد المسؤولين بما يحتاجونه من رأي ومشورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

[1]ربحي الحسن، “العلاقات الإنسانية في العمل”، مجلة العلوم الاجتماعية، (جامعة الكويت)، المجلد 4، العدد 1، 1976.

 

الأهداف المتوخاة من إدارة الموارد البشرية

 

كما لا يخفى على أي إنسان، فإن الموارد البشرية تعني في جوهرها تنمية وبناء قدرات الأفراد بقصد رفع مستواهم المهني وتمكينهم من القيام بمبادرات وإنجاز المهام المسندة إليهم بكفاءة عالية، لأن الأفراد هم رأس مال أية منظمة أو مجتمع، ونجاح أية مؤسسة يتوقف على مهارات وخبرات ومؤهلات الأفراد العاملين بها.

إن الاتجاه الجديد في إدارة الموارد البشرية هو اعتماد رؤساء المنظمات على تدريب اليد العاملة وانتقاء الكفاءات من الجامعات التي لها برامج تعليمية وتدريبية لتكوين أحسن الكفاءات على يد علماء متخصصين في مواضيع تلائم متطلبات مؤسسات الخدمات والإنتاج، وليس انشغال قادة المنظمات بالمراقبة والتدخل في كل صغيرة وكبيرة والضغط على العمال لكي يحققوا ما تريده الإدارة.

كما أن إدارة الموارد البشرية في القرن الواحد والعشرين تختلف عن الإدارة التقليدية وتتميز بتركيزها على الرضاء الوظيفي ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب له في المنظمة، وليس استغلال العمال وتخويفهم بالطرد من مناصب عملهم إذا هم طالبوا بحقوقهم. وباختصار، إن نظرية إدارة الموارد البشرية تقوم على أساس أن انتقاء العناصر البشرية المؤهلة للعمل في اختصاصها ينتج عنه أداء جيد ومردود هائل يكون في المستوى المطلوب.(1)

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

1 John W : NEWSTROM, Organizational Behaviour, Boston: Mc Grew – Hill Higher Education, 2002, p 13.

 

وبالنسبة للأهداف المتوخاة من إدارة الموارد البشرية، فقد جرت العادة أن يتم طرح أربعة أسئلة للتعرف على الأهداف المتوخاة من كل طرف في المنظمة. ويمكن أيجاز هذه الأسئلة فيما يلي:

  1. ماذا يتوقع الموظفون من الإدارة العليا؟
  2. ماذا تتوقع الإدارة العليا من الموظفين؟
  3. ماذا يتوقع كل من الإدارة العليا والموظفين من إدارة الموارد البشرية؟
  4. ماذا تتوقع إدارة البشرية من الإدارة العليا؟.(1)

وفيما يلي بعض النقاط الرئيسية في كل محور من المحاور الأربعة المذكورة أعلاه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــ

1-محمد فالح صالح، إدارة الموارد البشرية، عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع، 2004، ص 26.

 

  1. ماذا يتوقع الموظفون من الإدارة العليا؟

بالنسبة للمحور الأول، يجب علينا أن نحدد النقاط الأساسية لمطالب العاملين حيث يتوقع الموظفون من الإدارة التي تسعى لترضية زبائنها وتحقيق الفعالية في العمل ما يلي:

(1) أن يتم استقطاب العناصر المؤهلة مهنيا (أي ليس الدخلاء على المهنة).

(2) أن تتم الترقية وفقا لقواعد الجدارة في العمل والنتائج المحققة (وليس على أساس التحيز والصداقات الشخصية).

(3) الاستفادة من فرص التكوين والتأهيل ورفع المستوى (للارتقاء في الوظيفة).

(4) أن لا يتم تغيير في أسلوب العمل بدون مشاورة العاملين وإبداء آرائهم في الموضوع.

(5) أن توفر الإدارة العليا للموظفين ولعائلاتهم الرعاية الصحية والمزايا الاجتماعية.

(6) الأمان والاستقرار في العمل.

(7) التقييم العادل على الأداء في العمل.

(8) القيادة الكفأة والمحفزة.

(9) وجود رؤساء في العمل قادرون على خلق بيئة عمل في مستوى تطلعات الموظفين.

(10) مراعاة شعور العمال وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

 

  1. ماذا تتوقع الإدارة العليا من الموظفين؟

(1) الشعور بالانتماء إلى المؤسسة والتفاني في خدمتها.

(2)  المحافظة على أسرار المهنة وعدم الكشف عن خبايا الأمور بداخلها.

(3) الانضباط في العمل وعدم التراخي في أداء الواجب.

(4) احترام قوانين العمل والأنظمة واللوائح الجاري بها العمل في المنظمة.

(5) التواضع وعدم ترفع الموظف عن غيره وتجنب الأنانية في العمل.

(6) الالتزام بمقاييس الأداء في المؤسسة واحترام القرارات.

(7) المشاركة في كل عمل جماعي أو بناء لخدمة المؤسسة.

(8) إظهار الجدية في العمل وتحقيق النتائج المحددة في خطة العمل.

(9) إنجاز المهام المسندة إلى الموظف بكفاءة عالية.

(10) القدرة على العمل في إطار الفريق الواحد والتعاون مع بقية أعضاء مجموعة العمل.

  1. ماذا يتوقع الموظفون والإدارة العليا من إدارة الموارد البشرية؟

بما أننا في عصر المنافسة والشفافية في العمل، فإن الموظفين والإدارة العليا يتوقعون من إدارة الموارد البشرية أن تنجح في تحقيق ما يلي:

(1) تطوير أساليب إبداعية جديدة لاستخدام التكنولوجيا الحديثة.

(2) وضع برامج تأهيل العناصر البشرية للأداء الجيد في المؤسسة.

(3) توفير معلومات مناسبة ودقيقة للعاملين والمسؤولين عن الدوائر الإدارية بسرعة.

(4) تحويل البيانات إلى معلومات مفيدة وتقديمها بالصورة المطلوبة حسب الحاجة إليها.1

ـــــــــــ

[1]  عمار بوحوش، النظريات الحديثة في القرن بالواحد والعشرين، بيروت: دار الغرب الإسلامي،

(5) خلق شعور بالولاء والالتزام بأسلوب وطرق العمل بالمنظمة.

(6) إعطاء فرص للعمال الموهوبين بالبروز والتميز وتجسيد أفكارهم في ميدان العمل.

(7) إقامة نظام عادل للحوافز التشجيعية.

2006، ص 80.

(8) تسهيل عمليات الاتصال وتبادل المعلومات بين الإدارة والعاملين.

(9) التنبؤ باحتياجات المنظمة من الموارد البشرية في المستقبل القريب والبعيد.

(10) متابعة تنظيم لعمل لتحقيق الأهداف التنظيمية المرسومة.

 

  1. ماذا تتوقع إدارة الموارد البشرية من الإدارة العليا؟

إنها تتوقع:

(1) أهدافا واضحة في مجال المصادر البشرية.

(2) إعطاءها الفرصة للمساهمة في اتخاذ القرارات الإدارية.

(3) الفهم والدعم الكامل لها وللسياسات التي تنتهجها.

(4) منحها صلاحيات مناسبة في مجالات معينة. (1)

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــ

[1]  محمد فالح صالح، إدارة الموارد البشرية، عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع، 2004، ص 28.

 

مردود رأس المال البشري هو الأهم

 

إن نمو المعرفة يتسارع ويساعد على تغيير أشكال المؤسسات وأشكال العمليات الإنتاجية التي تنتهجها هذه المؤسسات. ونتيجة لذلك، فإن طبيعة الأعمال وطريقة العمل الذي يقوم به الفرد قد تغيرت أيضا. ولهذا، ينبغي أن تأخذ المؤسسات بعين الاعتبار حقيقة أساسية وهي أن الاستثمار في رأس المال البشري يعطي مردودا أفضل من الاستثمار في رأس المال المادي. وانطلاقا من هذه الحقيقة، ندرك أن المؤسسات الحديثة أصبحت تعمل على تفويض الصلاحيات إلى الأسفل لجعل الاستقلالية في هذه المؤسسات أهم وأكبر ما يمكن، لأكبر عدد ممكن من الناس، وهذا معناه أنه لابد من إطلاق الطاقات الكامنة في البشر وعلى المؤسسات أن تواجه

المنافسين لها من خلال التصدي للقضايا الخمسة الآتية:

  • دخول منافسين جدد. (Entry of new Compétition)
  • مواجهة خطر طرح سلع بديلة.(The Threat of substitute)
  • قوة المشترون (The bargaining power of Buyers)
  • قوة الممونون (The bargaining power of Suppliers)
  • المنافسون (Rivality among existing competitors)

 

 

 

أساليب إدارة الموارد البشرية المعاصرة والإدارة الفاعلة لرأس المال البشري

 

هناك خطوات تتطلبها الإدارة الفاعلة للموارد والبشرية وتتمثل هذه الممارسات فيما يلي:

  1. الأمان الوظيفي: الخوف يؤدي إلى قتل روح المبادرة,و لهذا فلا بد من وجود قناعة بالمحافظة على العامل الجيد واختيار الأفضل من البداية. لأنه ينتج عن سوء الانتقاء بقاء أفراد غير ملائمين لفترة طويلة.
  2. الانتقاء في التعيين: الانتقاء في التوظيف، في التدريب، وفي التعيين، هي مقومات النجاح بحيث تكمن من التعرف على المترشحين الأكفاء من خلال المقابلات وإلقاء المحاضرات، والإجابة على الأسئلة المطروحة على المترشحين.
  3. الأجور العالية: إنها تعنى انتقاء أفراد بمؤهلات متميزة، والرغبة في أن يستمروا في العمل بالمؤسسة،و هذا هو الرأسمال الحقيقي للمنظمة. وعليه ينبغي على المنظمة أن لا تتقيد كثيرا بقوانين سوق العمل، وعليها أن تمنح موظفيها أجورا أعلى من تلك التي تدفعها المؤسسات المنافسة لعمالها، وهذا يعني.

– العمل على رفع مستوى الرضا الوظيفي.

– زيادة مستوى الانتماء.

– تقليل دوران العمل.

– زيادة ربحية المؤسسة.

  1. الحوافز: التحفيز عن طريق المال ليس هو كل شيء، لأن هناك الحوافز المعنوية مثل المساواة، العدالة،و التقدير الشخصي . إنها تدفع بالعامل أن يبدل جهد إضافي في تحمل المزيد من المسؤولية وقبول مبدأ المحاسبة. ومن يقوم بجهد إضافي ويقبل بالمساءلة والمحاسبة وتحمل المسؤولية، ينبغي أن يكافأ ويشعر بتقدير لمجهوده، وهذا عنصر عام من عناصر التحفيز في العمل.
  2. الموظف المساهم والمالك: هذا النمط يسد الفجوة بين الموظفين والمالكين. فعندما يتحول الموظفون إلى مساهمين، تصبح مصالحهم مشتركة مع المساهمين وليست متناقضة مما يؤدي إلى وحدة الرؤيا والهدف، وبذلك تخف حدة الصراعات التي قد تنجم عن التناقضات.
  3. تدفق المعلومات: المعلومة هي مصدر ثروة لصاحبها تمنحه نوعا من الثقة والمعنوية العالية والقدرة على التحكم بمهام العمل بشكل أفضل، والتمكن من المشاركة في إتخاذ القرار بشكل أكفأ.
  4. المشاركة والتمكين: ونقصد بذلك تدريب العمال حول كيفية فهم وتحليل قواعد العمل وتحفيزهم على قبول التغيير والتقدم بأفكار إبداعية حول تحسين العمليات الإنتاجية. إن مشاركة الموظفين وإبداء آرائهم في قضايا الشغل التي تعرض عليهم، يخلق الثقة فيهم يشجعهم على التعاون فيما بينهم وتقاسم المعلومات والمعرفة والخبرة.
  5. روح الفريق وهيكلة الوظيف: الموظفون يقومون عادة بما هو مطلوب منهم كفريق واحد، وهذا بالإضافة إلى الهيكل التنظيمي الذي يحقق مستويات عالية من التنسيق عبر المستويات المختلفة للوظائف.
  6. التدريب وتطوير المعلومات: التوافق بين التدريب وتحسين مهارات الموظفين هما الأساس لتحسين مستوى العمل. فالتدريب من أجل رفع مستوى الأداء كما ونوعا، يساعد العمال عل كسب مهارات ويسمح لهم بالتكيف مع المستجدات في الإدارة.
  7. المساواة الاجتماعية: Social equality: إن تكاتف العمل والتعاون بينهم ينبع من العدالة الاجتماعية لأن وجود حواجز بين الأفراد يؤدي إلى ضعف انتماء الموظفين للمؤسسة.
  8. تقليل الفرق في الأجور: من المشاكل الحساسة التي تثير الفتنة والنفور بين العمال هي التفاوت الكبير في الأجور، ولذلك يستحسن أن تكون الرواتب متقاربة وتتناسب مع المؤهل والمجهود المبذول من طرف كل عامل.
  9. الترقية من الداخل Promotion from Within : هذا يشجع الموظفين على الإقبال على برامج التدريب والتطوير على أمل أن يحصلوا على الترقية، وتعزيز مستويات التعاون والتنسيق بين الجميع.

 

تحديات تواجه إدارة الموارد البشرية

 

إنه لمن الواضح أن حلول المشاكل التي تجابهها الدول النامية في مسيرة التنمية وبناء المؤسسات، تقوم، بصفة أساسية، على العنصر البشري المؤهل الذي يتقن فنيات الاستثمار في المال والتكنولوجيا ويسخرهما لخدمة الإنسان وتحقيق أمانيه في التمتع بحياة راقية وحصوله على خدمات ذات مستوى رفيع. إن سياسات التغيير وإدخال التقنيات الجديدة في مجال الإنتاج وتقديم الخدمات، تتطلب الاستمرارية في تحسين مستوى الإنتاج والخدمات بصفة مستمرة، وبالتالي، رصد الميزانيات الكبيرة لتدريب الموارد البشرية وتأهيلها لإنجاز المهام الجديدة المسندة إليها بكفاءة عالية.

وباختصار، إن تحديات الإدارة الحديثة في القرن الواحد والعشرين تتمثل في وجود عدة سمات في أي تنظيم، لا يمكن الاستغناء عنها أو التهاون بها. ومن هذه السمات الجوهرية:

  1. 1. قيادة المنظمات للتغيير: ونقصد بذلك أننا في عصر التنظيم الفعال، وهذا يعني أنه لابد أن تكون هناك منظمات مبدعة تقود عمليات التغيير والتعرف على احتياجات المجتمع وذوقه ورغباته، ثم تلبي احتياجات المواطنين بكفاءة عالية. “إن قائد التغيير، ينظر إلى الإبداع والتغيير كأنها فرصة سانحة لإحداث التغيير المطلوب، ويدرك كيف يجد التغييرات الصحيحة، ويعرف كيف يجعل هذه التغييرات فعالة داخل بالمنظمة وخارجها”. وعليه، إن انجاز هذه المهمة من طرف أية منظمة أو مؤسسة يتطلب وجود قيادة ذات مستوى راقي وقادرة على إحداث التغييرات المطلوبة في رسم السياسات في المجالات الآتية:

(1) وضع السياسات المناسبة لصناعة المستقبل.

(2) أيجاد منهجية منتظمة للبحث عن التغيير وتوقع حدوثه.

(3) انتقاء الأسلوب الصحيح لإدخال التغيير داخل المنظمة   وخارجها.

(4) أيجاد سياسات لتوازن التغيير وضمان استمراريته.(1)

 

  1. مواكبة ثورة المعلومات الجديدة: ونقصد بذلك أن ثورة المعلومات

 

تتطلب إتخاذ قرارات إستراتيجية مبنية على الثوابت الجديدة. إن المعلومات

تتطلب الانتقال من التركيز على البيانات الاهتمام بالتقنية والمزيد من السرعة، إلى التركيز على العمل، على تعريف وتحديد المفاهيم الجديدة للعمل في المؤسسات. فالثورة في مجال المعلومات لابد أن يصحبها تغيير في الأدوات والتقنيات، بالإضافة إلى إدخال تغييرات عميقة في ــــــ

[1]  بيتر دراكر، تحديات الإدارة في القرن الواحد والعشرين، (ترجمة إبراهيم بن علي الصالح). الرياض: معهد الإدارة العامة، 2004، ص 77.

الهياكل وفي البنية التحتية. كما أن ثورة المعلومات تتطلب التغيير في منهجية نقل المعرفة التقنية إلى المهتمين بها أو من يستعملوها. وبأيجاز، إن المطلوب هو تغير الذهنيات وقبول الأساليب الجديدة في التعامل مع تقنيات التقدم التكنولوجي الجديدة بحيث يتجه التعليم إلى التدريب على حسن استعمال المعلومات والمعارف الجديدة، وخلق مؤسسات متخصصة جديدة تتكفل بتدريب الأفراد على استعمال التقنيات الجديدة. وعليه، فلا بد من الانتقال من التعليم النظري في الجامعات إلى التعلم العملي في المنزل وفي السيارة أو في رحلات العمل اليومية أو في مكان العمل. وبعبارة أخرى، إن إدارة الموارد البشرية في القرن الواحد والعشرين تواجه تحديا قويا يتمثل في تطوير منهجية العمل باستمرار وإدارة المؤسسة بكفاءة عالية. فالمنظمات في عصرنا تحتاج إلى المتابعة اليومية لأدائها التنافسي وأداء منافسيها. لهذا يتعين على المنظمات أن تنتهج سياسة تعيين العناصر القيادة التي تتميز بالكفاءة والإبداع ثم تقوم باختبار قرارات التعيين وتقييم الأداء للتعرف ما إذا كان الفرد المعين في المستوى المطلوب أم أن أداءه كان مخيبا للآمال.

  1. تقليص حجم المنظمات والعمل عن بعد: ونقصد بذلك التحديات الجديدة للإدارة المعاصرة والمتمثلة في تقليص حجم عملياتها (DOWNSIZING) والسماح للموظف أن يعمل في داره أو ورشته ويوفر للمؤسسة ما تحتاجه عن طريق توظيف عدد صغير من العاملين الماهرين (المتخصصين) الذين يعتبرون بمثابة نواة عمل للمؤسسة. وبفضل الاعتماد على فرق العمل المتخصصة تستطيع المؤسسات التوسع والقيام بنشاطاتها عن طريق الاعتماد على التقنيات الحديثة وأنظمة المعلومات. ويلاحظ هنا أنه ظهر شكل جديد من أشكال التنظيم الذي يطلق عليه إسم المنظمة الافتراضية (Virtual organization) وهي منظمة ليس لها بنايات ضخمة، توفر الخدمات للزبائن وتحصل على الأموال بواسطة شبكات المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة. وهكذا أصبح في إمكان آلاف الأشخاص أن يتعاملوا مع منظمة واحدة وهم في مدن ودول مختلفة، أي لا توجد حاجة إلى مباني كبيرة وأثاث فخم أو مشرفين يتفرجون على العمال. وعليه، فإن منظمة المستقبل ستختلف جذريا عن منظمة القرن العشرين بعد أن اكتشفت المنظمات فوائد تقليص الخدمات المركزية والاعتماد على فرق العمل المتخصصة والمتوفرة في سوق العمل. وفي وقتنا الحالي، انتشرت بيوت الخبرة ومراكز الخدمات التقنية والاستشارية التي يمكن الاستعانة بها والتعاقد معها بسهولة تامة.والشيء المطلوب الآن هو مراجعة قواعد التوظيف والتخلص من القواعد القديمة، واستحداث أنظمة جديدة تنطوي على معارف حديثة وتأهيل عالي. إنه لا مفر من تحديد مهام الفرد، وإعادة النظر في توصيف الوظائف بحيث يتم تطوير منهج جديد في تصميم الوظائف الذي يتلاءم مع هذه البيئة الجديدة. (1)
  2. التوجه نحو الاستثمار في الموارد البشرية وتقديم الخدمات الجيدة: إننا أصبحنا نعيش في عصر المهنية وإتقان العمل والتخصص الدقيق في العمل، وهذا يتطلب التخلص من التدخلات الفوقية والتعليمات الآتية من هرم السلطة (المركزية). كما أن عقلية وجود حزب أو عصبة متماسكة (Clan) توظف المال السياسي لخدمة الموالين لها، ينبغي أن تزول، ويحل محلها حزب سياسي، هدفه الوصول المشروع إلى السلطة، ليطبق نهجه وبرنامج عمله في خدمة المجتمع كله، وليس خدمة فئة ضئيلة قادرة على دفع المال للحصول على الخدمة. وبناء عليه، فالتحدي الكبير في

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سعاد البرنوطي، إدارة الموارد البشرية، عمان: دار وائل، 2001، ص 41-42.

مجتمعنا اليوم هو أن تتغير الذهنيات ولا تكتفي الحكومات بالاستثمار في تنمية الأجهزة الأمنية وتقوية وسائل الرقابة وتمكين أصحاب النفوذ من إحكام قبضتهم على الضعفاء، بل يتعين على الحكومات أن تنفق الأموال الباهظة على تنمية الخدمات البشرية الأساسية قبل بناء المدارس والمستشفيات والسكنات الاجتماعية. إن الشيء المطلوب في وقتنا الحاضر هو أن تعتمد الحكومات على الخبراء وتقدم القروض إلى قطاع الخدمات الذي يقوم بتلبية احتياجات المواطن ويوفر له فرصة العثور على وظيفة لإطعام عائلته، وبناء سكن لائق له، وتمويل مستشفى لكي يعالج فيه، وتشييد مدرسة أو جامعة لتعليم الصغار، وتوفير مياه صالحة للشرب. وإذا أحس المواطن بمزايا هذه الخدمات التي قدمتها وشجعتها مؤسسات دولته، فإنه سيكون مرتاح البال، ويشعر بوجود العدل والإنصاف، ما دامت الدولة قد وفرت له ما يحتاج من ماء وغذاء لتأمين الحد الأدنى من حياة كريمة. فالموارد البشرية وحسن توظيفها في إنجاز المشاريع التي تخدم المواطن، هي التي تؤكد وتثبت مصداقية الدولة وحرصها على عدم السماح بتجميد الأموال في البنوك بحيث تصبح نهبا سائبا لدى المؤسسات التي تكاد تكون خالية من الرقابة والتواطؤ بين المسؤولين فيها واضح للعيان.

  1. ضرورة التكيف مع التقنيات الحديثة: ونقصد بذلك أن مشكل تنمية الموارد البشرية يكمن في التركيز على التعليم النظري وتنمية المهارات والقدرات في مجالات علمية واعدة، غير أن كفاءة أداء القوى العاملة وقدرات الأفراد على الإنتاج تتطلب التدرب على استخدام التقنيات الحديثة للقيام بواجبات محددة.

لهذا، فإن المعرفة النظرية الغير المرتبطة بالتدريب الميداني لا جدوى فيها، ونجاح القوى البشرية يتوقف على التدرب في كل تخصص والتكيف مع التغيرات السريعة في المهارات المطلوبة. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن التدريب التقليدي التي يعتبر من أهم الوظائف التي تسهم في توفير مستويات متطورة من القدرات الفاعلة للأداء، قد تجاوزه الزمن. فالتركيز في يومنا هذا على عمليات الإبداع وخلق رصيد معرفي قوي وتقاسم المعلومات مع الآخرين ووجود تصور واضح لاحتياجات الزبائن وتمتع العامل بحوافز ذاتية وإرادة قوية للاجتهاد وأيجاد الحلول المناسبة لكل إشكال يبرز في ميدان عمله. إنه لمن الواضح أن التركيز في وقتنا الحاضر على مسايرة التكنولوجيا وتطور عمليات الإبداع وخلق رصيد معرفي مشترك.(1)

  1. تهميش العناصر الكفأة: إن هجرة الكفاءات من الدول النامية إلى (Training is a way to create intellectual Capital (advanced Skills to use modern technology and to Share Information with other employees)

الدول الصناعية، وإصدار قوانين في الدول المتقدمة تسمح للقوى العاملة المؤهلة بالهجرة إليها وسد العجز الموجود بها في تخصصات مهنية دقيقة، سيكون له  تأثير سلبي على تحسين مستوى الأداء في العمل بالدول النامية. إن التحدي الكبير الذي تواجهه أية دولة عصرية في وقتنا هذا هو تحفيز الكفاءات والاعتماد عليها في إنجاز المخططات الحكومية وبرامج التنمية الوطنية بصفة عامة، واعتبار المواد البشرية الوطنية هي رأس المال الذي لا يفني. والعيب الكبير الموجود في ذهنية بعض المسؤولين هو أن هناك من يعتبر نفسه يفهم في كل شيء، وأصحاب المهارات والخبرة والكفاءات في مؤسسته لا يفهمون شيئا أو أن مستواهم في الذكاء أقل

 

ــــــــــــ

[1] Raymond A. Noe et –al, Human Resources Management, New York: Mc Graw-HILL/ IRWIN, 1994, p 257.

 

مستواه. ولهذا يحصل أصحاب المهارات على رواتب دنيئة ويعانون من

التهميش والإهمال، وبالتالي يهاجرون إلى الخارج ويتركون فراغا مهولا في المهن التي تحتاج إلى خبرتهم ومهارتهم وكفاءتهم. إنه لمن الواضح أن العالم قد تغير في طريقة التعامل مع القضايا الجوهرية التي تهم الدولة والوطن، غير أنه يلاحظ أن بعض المسؤولين الكبار في الدول النامية لا يبالون ولا يهتمون بالتغيير الجوهري في مؤسسات القطاع العام والقطاع الخاص. إنهم لا يدركون أن الوقت الذي كان فيه المسؤول الكبير يصنع السياسات ويسلمها إلى المدير التنفيذي لكي ينجز ويطبق التعليمات الواردة إليه من أعلى، قد انتهى، وأن التوجه الجديد للموارد البشرية يقتضي مشاركة أصحاب المهارات في إعداد الاستراتيجيات واقتسام السلطة مع المسؤولين الكبار في الإنجاز وتحقيق الأهداف، لأن إدارة المعلومات والكومبيوتر قد خففت الأعباء على الموظفين، والمؤسسات أصبحت تتعاقد مع مؤسسات صغيرة لإنجاز مهام محددة، وبالتالي فإن أصحاب الاختصاص هم الذين يتولون عمليات الإنجاز وكتابة التقارير الدورية وتحويلها إلى مجالس المؤسسات للاطلاع عليها وإبداء الرأي فيه سلبا أو أيجابا. إن عهد تراكم السلطات في يد مسؤول واحد قد انتهى وحل محله مجموعة الخبراء والمتخصصين الذين يعملون حسب قواعد الكفاءة والمهارة في العمل، ويرفعون تقاريرهم الدورية بانتظام إلى الهيآت العليا المختصة لكي تتخذ القرارات الجماعية الملائمة.

 

 

[1]  مازن فارس رشيد، إدارة الموارد البشرية. الرياض: مكتبة العبيكان، 2001، ص 16.

شاهد أيضاً

التعليم العالي في حاجة إلى تغيير نوعي

بقلم عمار بوحوش، أستاذ جامعي                                        مقدمة      لقد عايشت مسيرة التعليم العالي في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *