الإدارة الجزائرية بين التجديد و محاولات خلق الفعالية في التسيير  (*)

بقلم:

الدكتور عمار بوحوش

أستاذ بجامعة الجزائر

 

عندما يحاول الإنسان أن يستعرض مسيرة الإدارة الجزائرية خلال ربع قرن(1962-1987) لابد أن ينطلق من فكرة رئيسية و هي أن الثورة الجزائرية رفعت منذ البداية شعار التحدي و تحرير الإنسان الجزائري من السيطرة الأجنبية، و بفضل هذه الإرادة القوية لمحاربة النفوذ الاستعماري، و العزيمة القوية لإقامة دولة جزائرية تساهم في إقامة مجتمع متحرر من فكرة استغلال الإنسان للإنسان، استطاعت الثورة أن تحصل على دعم و مساندة أبناء الشعب الجزائر أفرادا و جماعات، لأن الجميع شعروا و أدركوا أن هذه الثورة تستهدف خدمة الجماهير و إقامة إدارة تعمل باستمرار لترقية الإنسان وتوفير أسباب تفتح شخصيته و ازدهارها .

و انطلاقا من هذا المفهوم، فإن السلطة السياسية في الجزائر قد ركزت في بداية الاستقلال على خلق الفعالية في الإدارة و تجنيد جميع الطاقات المادية و الإنسانية لتحقيق أهداف أبناء الجزائر الذين تكاثفوا فيما بينهم و ناضلوا ضد الاستعمار حتى تحقق النصر و استردت البلاد عزتها و سيادتها. و نظرا لفظاعة الأعمال التي قام بها غلاة الاستعمار ضد المواطنين الجزائريين خلال فترة الاحتلال الأوروبي للبلاد، فقد غادر أقطاب الجهاز الإداري الجزائر بمحض إرادتهم بعد استعادتها لسيادتها. و نتيجة لذلك حدث تطهير تلقائي في الإدارة الجزائرية، و لم تجد الحكومة الجزائرية نفسها ملزمة باتخاذ إجراءات ردعية ضد الإداريين الذين تعاونوا مع الاستعمار و استغلوا مناصبهم الإدارية لقمع رجال الحركة الوطنية المناهضين لسياسة الاحتلال الأجنبي .

و كان الشغل الرئيسي للحكومة الجزائرية في بداية الاستقلال هوة بسط نفوذ الحكومة على كافة أنحاء التراب الوطني، و تطعيم الجهاز البيروقراطي بعناصر وطنية وثورية تستجيب لصالح و رغبات المواطنين الذين ضحوا بأموالهم و بأرواحهم من أجل استرداد السيادة  الوطنية و كسب عيشهم في بلدهم بطريقة شريفة.  كما حاولت الحكومة الجزائرية أن تقيم سلطة مركزية قوية، متماسكة تصمد في وجوه أولئك الذين يحاولون النيل من مكاسب الثورة الجزائرية. و باختصار، فإن المجهودات كانت تبذل للمحافظة على الوحدة الوطنية و مواصلة ألعمل في إطار جبهة التحرير الوطني التي انصهرت فيها جميع الأحزاب السياسية و شكلت بذلك كتلة صلبة كانت السبب في إفشال جميع المحاولات الرامية لإبقاء الهيمنة الأوروبية على الجزائر .

و قد تميزت الفترة الممتدة من 1962 إلى غاية 1965  بعدة محاولات لخلق مؤسسات إدارية و سياسية و حزبية وذلك للتحكم في زمام الأمور. و هنا تعددت الآراء بالنسبة لنوع السلطة المركزية التي تقود البلاد، هل السلطة العليا تنبع من القيادة الحزبية أو من الحكومة التي تخضع لمراقبة البرلمان. و بانتصار فكرة تجسيد السلطة في يد رئيس الحكومة ، تقلص مبدأ العمل في إطار جماعي و حل محله العمل الفردي. وبحكم النقص الموجود في الإطارات الجزائرية ذات المستوى الرفيع في الميادين الفنية ، والإدارية ، والصناعية ، فقد انتهجت الحكومة سياسة الإستعارة و الاستعانة بخبراء من الدول الصديقة و الشقيقة و استمرار العمل بالقوانين الأوروبية التي لا تتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، و لسد هذا النقص الموجود في التدريب و اليد العاملة الماهرة في الجزائر، انتهجت الدولة سياسة التكوين الإداري و ذلك بإسناد هذه المهمة إلى الجامعة والمدرسة الوطنية للإدارة في الداخل، و إرسال البعثات الطلابية إلى الخارج وفقا لاحتياجات الإدارات و المؤسسات الحكومية في البلاد .

إلا أن التطورات و الأحداث السياسية في عام 1964، و خاصة رغبة القيادة السياسية في فرض برامجها المركزية و عزمها على انتهاج سياسة جديدة تحمل شعار الاشتراكية العلمية و تقلل من أهمية الثقافة الإسلامية ، خلقت صعوبات عديدة لرئيس الحكومة الذي حاول إبعاد العناصر الوطنية التي لا تخضع لسلطته. و نتيجة لهذا التصادم الذي وقع بين رئيس الحكومة و بين الجماعات المحبذة للقيادة الجماعية ، و التمسك بالتراث الإسلامي ، و الداعية لانتهاج سياسة مبنية على الاستشارة و عدم الاستئثار بالسلطة السياسية أو الانفراد بها من طرف شخص واحد ، تغير نظام الحكم يوم 19 جوان 1965 ، و برزت اتجاهات جديدة في مسار الحكم بالبلاد .

و بإيجاز، فإن الفلسفة الجديدة للحكم بعد 19 جوان 1965 تتلخص في اعتبار مجلس الثورة هو السلطة الجماعية التي تحل محل السلطة الفردية، ومجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية، أما الحزب فدوره يتمثل في توعية المواطنين و تنظيم الحوار المثمر بين المنظمات الجماهيرية و المناضلين الذين يحرصون على مواصلة العمل الجماعي في إطار جبهة التحرير و المحافظة على الوحدة الوطنية و وحدة الفكر و العمل.

ومنذ البداية اتجهت النية إلى العمل التدريجي لإصلاح الإدارة الجزائرية و ذلك بإدخال فكرة الديمقراطية وفكرة اللامركزية في نظام الحكم بالجزائر. و بما أن الحكومة كانت في حاجة ماسة إلى الاستقرار السياسي و تحبذ سياسة الانسجام في الإدارة و عدم خلق أية بلبلة في الجهاز الإداري للدولة، فقد قررت الحكومة أن تعمل بالتدريج على إعادة الاعتبار للسلطات المحلية و تشجيعها على المساهمة في مشاريع التنمية الوطنية. وتماشيا مع هذا المنهج، قام مجلس الثورة يوم 12 جويلية 1965 بإلغاء المراسيم السابقة التي كانت تحد من سلطات الولاة و الوزراء . كما تقرر في إطار اللامركزية وديمقراطية العمل، أن تقوم المنظمات الجماهيرية بتنظيم نفسها و الدفاع عن حقوق أعضائها و ذلك بإقامة المؤسسات التي تعبر عن مصالحها و تقدمها للقيادة السياسية لكي تدرسها و تتعرف على مطالبها .

وهكذا بدأ بناء مؤسسات الدولة الجزائرية بعد 19  جوان 1965 ، انطلاقا من القاعدة وليس من القمة. في يوم 05 فبراير 1967 جرت الانتخابات البلدية لانتخاب 10158  مسؤول منتخب محليا وذلك لتحمل المسؤولية في عين المكان و تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين في كل وحدة إدارية يقيمون بها. و تحقيقا لهذا الهدف، قامت الدولة بإصدار قانون البلدية و حددت فيه المهام التي تسند إلى المجالس الشعبية البلدية، وعلى الوزارات المركزية أن تتخلى عن المهام الجديدة للبلديات التي يتعين عليها أن تثبت مصداقيتها للمواطنين، و المجالس الشعبية البلدية التي هي مطالبة بعقد أربع اجتماعات سنوية، تعتبر من الناحية التنظيمية، بمثابة برلمان محلي لمناقشة القضايا التي تهم الوحدة الإدارية التي يقيم بها كل مواطن .

وفي المرحلة الثانية أي 25 ماي 1969 جاء دور الولاية حيث تقرر تطبيق اللامركزية و إنشاء المجالس الشعبية الولائية المنتخبة و البت في القضايا التي تهم الولاية. و يتكون هذا البرلمان الولائي من عدد يتراوح بين 35 و 55  منتخب، و يتمثل دورهم في دراسة جميع المشاريع الاقتصادية و الإدارية التي يجري إنجازها في الولاية. وبالنسبة للتنسيق بين أعمال الوزارات، فقد تم إنشاء المجالس التنفيذية للولاية التي تقوم بمتابعة الأعمال الجارية بكل ولاية و إبلاغ الوزارات بالقرارات المتخذة على مستوى الولاية .

أما على المستوى الوطني فقد تدعمت مؤسسات الدولة الجزائرية بميلاد المجلس الشعبي الوطني  ( البرلمان) الذي برز إلى الوجود في عام 1977  حيث تم انتخاب 261 نائب من جملة 783 مترشح. و حسب النصوص الرسمية، فإن النواب الذين ينتخبون لمدة 05 سنوات ، يعملون في 5 لجان متخصصة ، ثم ارتفعت منذ الفترة التشريعية الجديدة 1987- 1992 إلى سبع لجان – و يستجوبون الوزراء عن أعمالهم، و يسنون القوانين التي تختص بها الهيئة التشريعية بصفتها سلطة منتخبة معبرة عن رغبات أبناء الشعب .

و في يوم 27 جانفي 1980 قررت القيادة السياسية إلغاء مجلس الثورة و تعويضه باللجنة المركزية للحزب التي تعتبر هي السلطة العليا بالبلاد، بصفتها الهيئة الشرعية المنبثقة عن المؤتمر العام للحزب. و بتنظيم المؤسسة الحزبية ، اكتملت مرحلة بناء مؤسسات الدولة الجزائرية و ترتيب إجراءات العمل الإداري في كل القطاعات الحكومية.

و في ميدان التنظيم الإداري ، حاولت القيادة السياسية عدة مرات أن تدخل إصلاحات على الأجهزة الإدارية بحيث تكون الإدارة في خدمة المواطن و قريبة منه. ففي عام 1974 تقرر أن يعاد تقسيم الولايات بحيث يرتفع العدد من 15 إلى 31  ولاية وذلك بقصد تسهيل عمليات التسيير و تمكين الولاة من تركيز اهتماماتهم على مساحات صغيرة من الأرض و تنميتها و حل مشاكل المواطنين الذين يقيمون بها. و في مطلع 1985، تم تطبيق نظام إداري جديد حيث ارتفع عدد الولايات من 31 إلى 48  ولاية ، وبذلك خفت حدة المركزية و أصبحت الولايات و البلدان تتمتع بصلاحيات سياسية وإدارية تساعدها على حل مشاكلها و تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين.

وإذا كانت الغاية من الثورة الزراعية هي تجنيد الفلاحين و سكان الريف خلف الثورة و تجنيدهم للعمل، بقصد خدمة الأرض و الاستفادة من خيراتها، فإن الهدف الأساسي لعملية التسيير الاشتراكي للمؤسسات هو تجنيد العمال في المدن ، و في المؤسسات الاقتصادية و الإدارية التي أنشأتها الدولة بقصد خلق مناصب عمل و تلبية حاجات المواطنين في الميادين الصناعية و الغذائية بصفة عامة. و عن طريق إشراك العمال في الإدارة و مشاورتهم و الاستعانة بآرائهم، كانت الدولة تهدف إلى تحقيق طموحات  العمال و تشجيعهم على العمل و الالتزام بتحقيق الأهداف المسطرة و رفع مستوى الإنتاج. كما حاولت القيادة السياسية أن تخلق نظاما جديدا في العمل بحيث تصان حقوق المدير و العامل في آن واحد، و لا يمكن لأية إدارة أن تقمع أي عامل و تتخلص منه بطرق عشوائية. و باختصار ، فالفكرة العامة لهذا التنظيم هي القضاء على المواجهات و الخلافات بين العمال و الإدارة، فالجميع يتعين عليهم أن يتجندوا لخدمة وتنمية إنتاج المؤسسات الوطنية .

وبالرغم من ندرة الإطارات الجزائرية المؤهلة فنيا و قلتها، فقد حاول المخططون الجزائريون أن يقيموا قاعدة صناعية بالبلاد، و انتهاج سياسة عدم التبعية الاقتصادية ، وتحسين مستوى المعيشة عن طريق توفير فرص العمل لكل مواطن في سن العمل. ولتحقيق هذه الأهداف ، قامت الدولة بمجهودات هائلة لا مثيل لها ، حيث قامت بـ:

  • إنشاء مؤسسات حكومية عملاقة لاستيعاب اليد العاملة المتوفرة بغزارة في السوق الجزائرية .
  • تخصيص ميزانية ضخمة و استثمارات هائلة لقطاع الدولة بحيث تلعب مؤسسات الدولة الجزائرية دورا إيجابيا في إنتاج السلع الأساسية و التي يحتاجها المواطن الجزائري .
  • وضع مخططات رباعية و خماسية لتدعيم و تمويل مشاريع التنمية على المستوى المركزي للدولة، و بذلك تتحقق الفعالية في التخطيط و التنسيق بين مختلف القطاعات الإنتاجية .
  • تشجيع المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة على التوسع و تقديم الخدمات إلى المواطنين بطريقة مباشرة و ذلك بقصد محاربة الغلاء و توفير الحاجات الضرورية للمواطنين بثمن معقول و في متناول الفقير و الغني على حد سواء. و يلاحظ هنا أن استثمارات الدولة في المخطط الثلاثي الأول (1967-1969) قد ارتفعت من 12.8 مليار دينار إلى 37 مليار دينار في المخطط الرباعي الأول (1970 – 1973) .

إن قيام الدولة بدور المنشط للاقتصاد الوطني، و بناء المصانع، و توسيع الخدمات الإدارية، و توفير التعليم للمواطنين الشباب على نطاق واسع،  هي التي جعلت من الدولة المصدر الرئيسي للتوظيف وتدعيم الإطارات التقنوطراقية التي تحولت إلى بيروقراطية ضخمة لا مثيل لها ومن الصعب على أية سلطة سياسية أن تراقب أعمالها و تحاسبها بدقة و توجهها بفعالية وتقيم نتائج أعمالها .

وقد جاء التضخم الوظيفي نتيجة لعدة اعتبارات معينة ، و كان الاعتبار الأول هو رغبة القيادة السياسية في تصنيع البلاد واستثمار العائدات البترولية في المشاريع الصناعية التي تعتمد على التقنوقراطريين المتخصصين و ذلك قبل أن تجف آبار البترول. و قد نجحت الدولة في خلق قاعدة صناعية للبلاد ، لكن المشكل هو أن التوسع الصناعي كان على حساب الزراعة حيث أن نسبة كبيرة من سكان الجزائر يحترفون الفلاحة التي لا تتطلب مهارات عالية و تخصصات دقيقة مثل الصناعة، و إنما تتطلب تكنولوجيا متوسطة و الاستخدام الأمثل للثورة البشرية الهائلة المتوفرة في الريف.

و الاعتبار الثاني هو أن الدولة حاولت أن تتوسع في الصناعة بسرعة فائقة بحيث تشتري المصانع و التكنولوجيا المتطورة و المرتفعة الثمن، و هذه السياسة جعلتها في حاجة ماسة إلى أموال و قروض أجنبية لتمويل عملية اقتناء الآلات الصناعية. و قد اتضح فيما بعد، أن المشكل يكمن في وجود المواد الأولية التي تعتمد عليها هذه المصانع في عملية الإنتاج.  فالصناعات المتطورة لا تنجح فقط بسبب وجود الإطارات والآلات، وإنما تنجح و تزدهر بتوفر المواد الخام داخل البلاد .

و قد أثبتت التجربة الجزائرية في ميدان التصنيع، أن التكتلات الاقتصادية الدولية التي تحتكر  المعرفة العلمية و التكنولوجيا التي تستخدم في العمليات الإنتاجية، هي التي تؤثر في تغيير مجرى الأمور بدول العالم الثالث لأن هذه الاحتكارات الغربية هي التي تسيطر على السوق الدولية ، و من الصعب منافسة الشركات المتعددة الجنسيات. و لهذا، فإن سياسات التشغيل بالجزائر مرتبطة و متأثرة بالسوق الدولية التي تسيطر عليها التكتلات الاقتصادية العملاقة .

و تأثرت الإدارة الجزائرية كذلك بالأسلوب المتبع من في عمليات التنمية و هو أسلوب إرهاق الإداريين بعمليات القيام بالدراسات و الاستشارات الفنية، و المتابعة، والمراقبة ، والتنفيذ. و كان من المفروض أن يتم التركيز على عملية الاستشارة و القيام بدراسات علمية لكل مشروع، ثم إعطاء أهمية متواضعة للتنفيذ، لأن عملية ضبط الأهداف وتحديد الغابات المنشودة، و دراسة الإمكانيات و البدائل هي جوانب فنية تسبق عمليات التنفيذ.  و لهذا، فإن عدم وضع خط فاصل بين عمليات التخطيط و الدراسات من جهة ، و عملية التنفيذ من جهة ثانية، هي الثغرة التي أحدثت تدنيا ملحوظا في قلة المردود الإنتاجي للعمل البيروقراطي في الإدارة الجزائرية .

و منذ 1980 تفطنت الدولة إلى مشكل التضخم الوظيفي، و تضخم المؤسسات التي كان يصفها البعض بأنها صارت دولة داخل دولة، فقامت الحكومة بإعادة الهيكلة و توزيع الفائض من اليد العاملة على قطاعات حرى قابلة لاستيعاب يد عاملة إضافية . و هكذا، بدأت مرحلة جديدة في الإدارة الجزائرية حيث توجهت الأنظار إلى قضايا التحكم في التسيير، و التركيز على عملية التنظيم و التنسيق بين القطاعات المختلفة للدولة. كما تقرر عدم تقديم المعونة للمؤسسات التي لم تتوصل إلى تحقيق نتائج إيجابية في ميدان الإنتاج .

كما عززت الحكومة مجهوداتها في ميدان محاربة الجمود البيروقراطي و خاصة في ميدان منح القروض للفلاحين و تسهيل عملية تمويل المشاريع الإنمائية المنتجة. وتحقيقا لهذا الهدف قامت المؤسسات المالية بمراجعة إجراءات تمويل المشاريع الزراعية و الصناعية التي تعود بالفائدة على المواطنين و الاقتصاد الوطني بصفة عامة .

و في إطار إعادة الهيكلة، بادرت الحكومة بتخفيف الوصاية الإدارية على المؤسسات التي تخضع للوزارات و تفرض عليها رقابة قوية. و حسب المنهجية الجديدة في العمل، فالمؤسسات الإدارية و الإنتاجية أصبحت تتمتع بالاستقلال المالي، و باتخاذ الإجراءات التي تعود عليها بالفائدة. و بعبارة أخرى، فإن المؤسسات هي التي تحدد إجراءات العمل الداخلية و تتصرف في ميزانيتها بدون تدخل خارجي .

و تقرر في نفس الإطار، أن تحتفظ كل مؤسسة بالأرباح التي تحققها، و لا تحول إلى مؤسسات أخرى غير ناجحة في أعمالها، و بهذا الأسلوب الجديد في العمل، سوف تعمل كل مؤسسة لتدعيم رصيدها الثاني و استثماره في المشاريع المجدية اقتصاديا . أما المؤسسات التي تظهر عجزا ماليا ، فقد تتعرض للانقراض إن هي فشلت في إعطاء التبريرات المقنعة للجهات المختصة في الدولة .

وما يمكن أن نستخلصه من هذه الإجراءات الهادفة لخلق الفاعلية في المؤسسات الجزائرية هو أن مسألة التنمية و محاولات خلق نهضة صناعية شاملة في الجزائر، وخلق فرص عمل متنوعة لآلاف الشباب المتخرجين من الجامعات و المعاهد المتخصصة، تعبر عن رغبة القيادة السياسية في تجنيد الإمكانيات المادية و البشرية لتحقيق الأهداف المسطرة في المشاريع الإنمائية ، و لكن في الواقع، هو أن هذه الرغبات التي تتجسم في القوانين و الشعارات الإعلامية قد تواجهها صعوبات حقيقية في الميدان العملي ، لأن العبرة ليس بوجود القوانين و النوايا و إنما العبرة تكمن في وجود و توفر الأجواء أو المناخ الملائم لقيام نهضة صناعية و زراعية شاملة. فالاهتمام الأول ينبغي أن يكون منصبا على خلق قيم حضارية، أخلاقية و تربوية، تؤثر في الإنسان تأثيرا إيجابيا و تجعل منه إنسانا واعيا، مستقيما في سلوكه و تصرفاته، و تفكيره و متفانيا في أداء رسالته الوطنية. و لهذا، فإن التقدم و التنمية و الرقي الاجتماعي و حوافز فردية، و تقوية روح الانتماء ، و خلق روح المسؤولية في المواطن الجزائري. إن الثروات على كثرتها ووفرتها تحتاج إلى هذا النوع من الإنسان الذي يستطيع استغلالها و استخدامها و الإفادة منها .

و انطلاقا من حتمية تجسيم القيم الحضارية في العمل الحكومي، تستطيع الدولة أن تأتي بالأسلوب الملائم للعمل و تنتهج الطريقة المثلى لتحقيق الأهداف المرسومة بطريقة فعالة. و في تصوري، أن الأسلوب الناجع للعمل ، يتمثل في الابتعاد عن سن قانون لكل مشكلة و إيجاد حل لها بإصدار قانون يعالجها، لأن طبيعة المشاكل تتغير بمرور الوقت، و بالتالي تفقد القوانين قيمتها و تصير غير ملبية و غير متمشية مع الواقع الاجتماعي. والحل العملي يكمن في التركيز على قضايا التنمية وجعلها أهدافا أساسية ينبغي تحقيقها بأية صفة كانت . و في هذه الحالة تصير الأهداف المرسومة هي التي ينبغي احترامها، وإذا اقتضى الأمر تعديل القانون أو تغييره عندما لا يصير غير ملائم للعمل، فلابد من القيام بذلك بسرعة، لأن القانون في الأساس تم وضعه لخدمة و تحقيق الأهداف المسطرة.

ثم إن فلسفة العمل في الإدارة الجزائرية لابد أن تتغير لكي تكون واقعية و معبرة عن السلوك الاجتماعي. فالتغيير الاجتماعي الذي يهدف إلى تدعيم مصداقية الدولة وتحقيق مصلحة الجماهير الشعبية، يتطلب أن يشارك الأفراد و الجماعات في إحداث هذا التغيير و تحمل مسؤولية إحداثه و ذلك لكي يتمتعوا جماعيا بحصد ثمار التعاون و العمل المشترك الواضح للأهداف و الغايات.  و لهذا، تعمل الدولة على مباركة المبادرات وتشجيع الناس على إبداء ملاحظاتهم و آرائهم بحيث لا تبقى الحكومة هي التي تعمل، وتخطط، و تطعم الأفواه و البطون الجائعة، و بقية الناس ساكتة لا تتحرك و تنتظر ما ستفعله القيادة لهم .

و إذا كانت قوة الدولة و مؤسساتها مستمدة من الجهاز الإداري الذي يتولى ترجمة قراراتها السياسية إلى أعمال و منجزات حقيقية، فعلينا أن ندرك ، كما أدركت دول العالم المتقدم كلها، أن عصب العمل في الإدارة هو المتابعة و المراقبة. فلكي تقوم الدولة بواجباتها على أحسن وجه، لابد أن يكون لديها جهاز إداري قوى يتولى عمليات القيام بالدراسات ، و متابعة الأعمال في المشاريع و المؤسسات الحكومية ، و تصويب الأخطاء إن تبين أن هناك أخطاء في الدراسات والبرامج المخططة. و هذا يعني أنه يتعين علينا أن نفرق بين العمل التنفيذي الذي هو مجرد تطبيق لقرارات المسؤولين في الحكومة ، و بين العمل الاستشاري الذي يقوم بوضع الأهداف و تحديد أساليب العمل، و متابعة كيفية التنفيذ. و المفروض أن الجهاز الإداري الاستشاري هو الجهاز المتفرغ لعملية المتابعة والمراقبة و تصحيح الأخطاء التي تقع أثناء العمل. أما المديرون التنفيذيون فدورهم يتمثل في تطبيق الأوامر و التعليمات المعطاة لهم من المستشارين و المسؤولين في القيادة السياسية. و عليه ، فلابد من تخفيف العبء على رجال التنفيذ و تقوية أو تكثيف أعمال رجال الاستشارات العلمية و المتابعة و الخبرة الذين يتكفلون بحل المشاكل التي تبرز، ويحولون تلك الحلول المقترحة إلى رجال التنفيذ للتطبيق .

و في ختام هذا المقال الموجز، يتعين علينا أن نشير ، و لو بإشارة عابرة وخفيفة ، إلى أن مصداقية الدولة و المحافظة على سمعتها و متانة مؤسساتها، تتطلب التحلي بالموضوعية و الاعتماد على أهل الخبرة و المعرفة العلمية الدقيقة. إن المصلحة العامة تقتضي عدم وضع الثقة المفرطة و الاعتماد الكلي على الجهاز البيروقراطي ، بل لابد من الاعتماد على الآراء النيرة ، وخلق التفاعل و التعاون الوثيق بين المؤسسات السياسية والإدارية في الدولة من جهة ، ومؤسسات الأبحاث و الدراسات الإستراتيجية الشاملة في الجامعات و المعاهد العلمية المتخصصة من جهة ثانية . و كما أكدت في إحدى دراساتي السابقة ، فإنه يتعين على كل دولة مدركة لواجباتها ، ولما يتطلبه مستقبل أبنائها ، أن ترصد أموالا طائلة من أجل العلم لأن قادتها يشعرون أن قوة العلم والمفكرين و ابتكاراتهم هي ضرورة من ضرورات الحياة و لازمة لمصالح دائمة  تتعدى شواغل الساعة وتتخطاها. و انطلاقا من هذه الحقيقة ، تتسابق كل دولة، بما فيها الدول العملاقة، إلى تجنيد  أقدر العناصر في المعاهد المتخصصة و الجامعات و أذكى العقول لكي تتخصص و تتفرغ للتفكير و التخطيط الاشتراكي في كل المجالات .

و من هنا تنبع قوة الدولة العصرية لأن هناك تفاعلا بين قوة مؤسسات التفكير السياسي و الاستراتيجي و بين قوة القيادة السياسية التي تحاول أن تخدم المصلحة العامة من خلال الاستعانة بالآراء الثاقبة لعلمائها. و الشيء الملفت للانتباه في إدارات دول العالم الثالث بصفة عامة هو أنه من الناحية العملية تم استبدال المؤسسات العلمية بالأجهزة البيرقراطية ، وهي بيروقراطية بطيئة في أعمالها ، وعاجزة عن الاستجابة السريعة للتحديات المعقدة و التي تتطلب مهارات فكرية و مقاييس علمية دقيقة .

و علينا الآن في الجزائر أو في العالم الثالث ، أن نفصل في هذا الموضوع و نقرر من يكون له التأثير الإيجابي على مستقبلنا: البيروقراطيون المكلفون بالتنفيذ أم أصحاب الفكر وأصحاب العقول و المتخصصون الذين في إمكانهم تطوير أساليب جديدة في مجال كسب المعرفة و اختبارها ؟ .

(*)  : دراسة منشورة في  المجاهد الأسبوعي  ، العدد 1404 ، جويلية 1987 ، ص 42- 45 .

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *