الإصلاحات السياسية في الجزائر: واقع وآفاق(*)

 

بقلم

د. عمار بوحوش

أستاذ بمعهد  العلوم السياسية

والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر

 

 

عندما يتحدث أي كاتب عن الإصلاحات السياسية في الجزائر ينبغي عليه أن يتعرض، ولو بأيجاز إلى الواقع الجزائري أو الذهنية الجزائرية حتى يتعرف الإنسان على أسلوب العمل السياسي والغايات المتوخاة من أي إصلاح يظهر في الأفق الجزائري. وفي البداية يتعين علينا أن نشير إلى أن نجاح ثورة الجزائر الأخيرة في توحيد الصف واستعادة السيادة الوطنية سنة 1962، يرجع في الأساس إلى وضوح الأهداف المتمثلة في التحرر من القوى الأجنبية ومضمون أيديولوجي واسع ساعد على وحدة الصف وإقامة تحالف بين جميع الأطراف المتواجدة على الساحة الجزائرية. وبفضل هذا التحالف الاستراتيجي بين التنظيمات السياسية التي كانت عندها رغبة في النضال أو اعتماد أبناء الجزائر على أنفسهم في تحرير وطنهم، نجح الجزائريون في تحرير بلدهم من الهيمنة الأجنبية والتزم القادة في خطبهم السياسية بإشراك جميع الفئات الإجتماعية في اتخاذ القرارات ودعم القوى الثورية بحيث يكون رجال القاعدة هم الذين يوثرون في صنع القرارات وتطبيقها وبالتالي يكون لهذا النوع من التنظيم الإجتماعي جمهور يصعب على أي بيروقراطي أن يصمد في وجهه أو يتعدى على اختياراته. لكن الشيء الذي حصل في أرض الواقع هو أن محاولات إدخال الإصلاحات على هياكل الحكومة والحزب من 1962 إلى غاية 1968، اتسمت بالإرتجال والصراعات الشخصية إلى درجة أن الإصلاحات السياسية لم تكن معبرة عن مصالح الجماهير،وغير واقعية، وبالتالي، غير ملائمة لحل المشاكل التي يواجهها المجتمع الجزائري وباختصار، فإن الإصلاحات السياسية والإدارية قد تعثرت في الماضي للأسباب التالية:

1) أن مبادرات الإصلاح والتغيير والتطوير وأنظمة الحكم كانت تأتي دائما من مستويات قيادية عليا داخل جهاز الدولة وبالتالي فإن النتيجة الحتمية لهذه الإصلاحات هي تكريس المركزية اخل الأجهزة الحكومية وهذا بدعوى تحقيق المزيد من الإنضباط والإنسجام والمحافظة على وحدة الصف.

2) تداخل السلطات والمسؤوليات الحكومية والحزبية إلى درجة أن الأجهزة الحكومية أصبحت محصنة ضد الرقابة والمحاسبة من طرف المجالس الشعبية المنتخبة أو الاستشارية. ونتيجة لهذه الحصانة ضد الرقابة، استفحل الفساد وانشغل الموظفون الحكوميون بحماية مصالحهم الذاتية وتقوية نفوذهم وخنق عملية التطور الديمقراطي والقضاء على توازن السلطات بالبلاد.

3) أن مشكل الإصلاحات السياسية هو أن أي تغيير في مؤسسات الدولة قد يترتب عنه تقليص دور الفئات النافدة في المجتمع حيث تفقد الجماعات القوية قي غياب المؤسسات السياسية والتشريعية، نفوذها وتصير معرضة للنقد والمحاسبة والمتابعة القانونية. ولهذا نجد أن الأجهزة البيروقراطية في الدولة تتحول إلى قوة معرقلة لأي إصلاح سياسي يحرمها من الحصول على المكتسبات والثروات والإمتيازات التي تغدقها عليها الدولة نتيجة لانفرادها بالسلطة واتخاذ القرارات التي تخدمها نتيجة لغياب الرقابة والمتابعة من طرف المؤسسات المختصة.

4) أن عدم التجانس في الأفكار والميول والإنتماء إلى تيارات سياسية متناقضة قد حالت دون الاتفاق على برامج عمل موحدة ولم تسمح بخلق مجموعات عمل منسجمة مع بعضها البعض وتعمل في إطار واحد وهدف مشترط سواء على مستوى المجالس المنتخبة أو على مستوى الولايات. ونتيجة لهذه الصراعات العقائدية والعرقية والأديولوجية والتضارب في المصالح، تجد القيادة السياسية نفسها محرجة وغير قادرة على تنفيذ الإصلاحات التي تصورتها أو البرامج التي راهنت على تطبيقها. ولهذا فإن نجاح الإصلاحات يتوقف باستمرار على قدرة القيادة على حل التناقضات التي تنشأ بين الأطراف المعنية بأي تغيير، وتفكيك التحالفات المقاومة للإصلاحات.

5) أن الإصلاحات السياسية قد تمركزت حول تغيير هياكل المؤسسات الحكومية والتحكم في وسائل الإعلام وتقليص دور الجيش بحيث يبقى قوة وطنية محايدة تخدم المصلحة العليا للوطن، في حين أنه كان من المفروض أن يكون محور الإصلاحات السياسية في البلاد هو تقوية السلطة التشريعية وتمكين البرلمان وممثلي الشعب من ممارسة الرقابة الفعلية على أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين بالدولة. إن إعطاء الصلاحيات للسلطة التشريعية لكي تمارس وظيفة الرقابة والتقييم والمتابعة والمحاسبة يعني خلق ثقل سياسي فعلي في البلاد يكون بمثابة جهاز ردع للمسؤولين الحكوميين.

6) أن معظم الإصلاحات السياسية مستوحاة ونابعة من قيم جهة واحدة هي صاحبة القرار السياسي. ولهذا فإن بقاء الإصلاحات ودوامها مرتبط ببقاء صاحب القرار السياسي في الحكم، وهذا معناه أن عدم مشاركة رجال الاختصاص والجماعات المؤثرة في السياسة الوطنية يعني غياب وجهات نظر الأطراف الأخرى في التغيير وعدم استمالتهم وتحفيزهم للعمل في إطار الإصلاحات التي لم يساهموا في التخطيط لها وضبطها وإعطائها شرعية الولادة والتعامل على أساس أنها تمثل الإرادة الشعبية والمصلحة العليا للوطن.

وبأيجاز، فإن الإصلاحات السياسية قد تعثرت في الماضي بسبب التحكم والتوجيه من أعلى، وتداخل السلطات، ومقاومة الإصلاحات التي تمس أصحاب الإمتيازات، وغياب السلطة التشريعية التي تمارس الرقابة على أعضاء الحكومة وعدم مشاركة جميع الفئات في تشييد الإصلاحات الحقيقية التي تخدم مصلحة البلاد. كما نتج عن عدم جدوى الإصلاحات السياسية انغلاق قنوات الاتصال وصعوبة إجراء الحوار واستفحال المشاكل بحيث أفرزت هذه المعضلات وضعا جديدا يصعب الدفاع عنه. وهذا ما دفع بالمواطنين إلى التمرد على السلطة والمطالبة بالحقوق والحماية القانونية وحرية التعبير والحوار ومشاركة المواطنين في صناعة القرارات المدعومة من طرف القاعدة.

 

ماذا تجمل الإصلاحات السياسية في طياتها؟

إن أحداث أكتوبر 1988 قد أثبتت بصفة عملية أن الدعوة للتضحية والنضال من طرف الحزب الحاكم وقادته لم تعد مجدية وأن المناضلين لم تعد تنطوي عليهم الحيل المتمثلة في رفع شعارات براقة وصياغة مواثيق مثيرة بل أصبحوا يؤمنون بالعمل الملموس الذي يساعدهم على تحسين مستوى جميع الفئات الإجتماعية. كما أثبت أحداث أكتوبر 1988 أنه لم يعد من الممكن احتكار ديمقراطية العمل والتوجيه من أعلى وإهمال القاعدة لأن احتكار السلطة وعدم وجود منافسة حقيقية لا يدفعان أي مسؤول للاجتهاد والتفتح على المجتمع وقضاياه. ولهذا، فإن الإصلاحات السياسية جاءت لتفسح المجال أمام الأحزاب السياسية لكي يعبروا عن آرائهم واحتياجاتهم وإبراز القضايا الحقيقية للشعب والتخلص من فكرة الحزب الواحد الذي لا يعبر عن الواقع الإجتماعي بقدر ما يعبر عن الآراء الفوقية التي هي عبارة عن انعكاسات للفكر الفردي الذي تفرزه الزعامات القوية.

وانطلاقا من هذه الحقائق، فإن محتوى الإصلاحات السياسية يتمثل في العناصر الآتية:

  • تفويض المسؤوليات من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة والولاة في دستور 23 فبراير 1989 حيث نلاحظ أن الباب الثاني المتعلق بتقسيم السلطات قد تم فيه تخصيص الفصل الأول للسلطة التنفيذية، والفصل الثاني للسلطة التشريعية والفصل الثالث للسلطة القضائية. لكن الشيء الملاحظ هنا أن المادة 74 من الدستور تسمح لرئيس الجمهورية أن يسيطر على الوضع وينفرد بالإشراف على اتخاذ جميع القرارات الاستراتيجية التي لها صبغة سياسية، فهو الذي يقوم بتعيين أي مسؤول كبير في الوظائف المدنية والعسكرية للدولة، وهو الذي يعين رئيس الحكومة وينهي مهامه، وهو الذي يدعو الشعب للتصويت على أية قضية ذات أهمية وطنية، وهو الذي يرأس مجلس الوزراء الذي يتم فيه تعيين كبار الموظفين في الدولة.
  • إقرار التعددية الحزبية والاعتراف بأهمية المنافسة والسماح للآخرين أن يدلوا بدولهم في قضايا الساعة التي تهم بلدهم لأنهم قد يكونوا أحسن أو أفضل من الحزب أو الاحزاب المتربعة على كرسي الحكم. وبهذا الأسلوب يمكن التخلص من الممارسات العتيقة والمتمثلة في عدم التحدث إلى المعارضة إلا في حالة وجود أزمة أو مشاكل عويصة أو العجز عن حل مشاكل معقدة لا يستطيع الحزب الحاكم أن يحلها بمفرده.
  • فسح المجال للعمل الديمقراطي وحرية التعبير عن الإرادة الشعبية، والشيء المأمول هو أن تكون هذه الديمقراطية حقيقية وليست شكلية لأن الديمقراطية الحقيقية هي التي تفرز المنافسة الحرة ويقبل المتنافسون في ظلها بقرار الشعب وذلك مثلما حصل في نيكاراغوا أخيرا. أما الديمقراطية الشكلية أو السلبية فتتمثل في وجود أحزاب بغير برلمان تتفاعل فيه الحياة السياسية، وتتبادل القوى المختلفة مناصب المسؤولية. وقد لاحظنا أن الاستعمار في عهد الاحتلال كان يعمد إلى تدعيم التعددية الحزبية وذلك بقصد استغلال الأحزاب ذات الجذور العرقية او الانتهازية لكي تكون له عونا في تنفيذ سياسته وإهدار الإرادة الشعبية، وبذلك أساء استعمال الديمقراطية.
  • فصل القضاء عن السلطة التنفيذية للدولة، وبذلك يصبح دور السلطة القضائية هو حماية المجتمع والمحافظة على حريات أفراده وحقوقهم الأساسية. ومن الناحية النظرية، فإن القضاة الآن يخضعون لسلطات المجلس الأعلى للقضاة الذي يرأسه رئيس الجمهورية، والمحكمة العليا هي المقومة لأعمال المجالس القضائية والمحاكم، وإعطاء هذه الصلاحيات للقضاء لا يعني التقليل من التأثير القوي لرئيس الدولة على الممارسات اليومية للقضاء لأنه هو الذي يرأسه المجلس الأعلى للقضاء ويوافق على تسمية القضاء وتعيينهم في مناصبهم.
  • تحييد الجيش ووضع حاجز بينه وبين حلبة المناورات السياسية، وهذا بحكم خصوصية ووظيفته الأساسية في الدولة وهي الدفاع عن سلامة التراب الوطني وضمان الأمن الوطني لجميع المواطنين وتدريب الشباب الجزائري في إطار الخدمة الوطنية لحماية الاستقلال وسلامة التراب الوطني من أي خطر أجنبي.وبناء على هذه الحقيقة، تقرر في إطار الإصلاحات السياسية تحييد الجيش وابتعاده عن الصراعات السياسية.
  • مشاركة المجالس الشعبية المنتخبة في عمليات التنمية، وهذا يعني حسب النصوص القانونية الجديدة للبلديات والولايات، أن الشخصية المنتخبة سوف تساهم من الآن فصاعدا في العمل المحلي بقصد تنمية الزراعة والصناعة والتربية والثقافة وبناء الطرقات وجلب المياه، وصرف الميزانية المخصصة للبلدية أو الولاية. وفي الحقيقة أن هذه المشاركة في التنمية المحلية ستبقى ضعيفة لسبب بسيط وهو أن الوالي بصفته الممثل الشرعي للحكومة وصاحب القرار النهائي والمشرف على عملية تنفيذ وتطبيق القوانين قد يبقى بعيدا عن المحاسبة والرقابة من طرف المجالس الولائية المنتخبة التي لا تعينه في وظيفته ولا تبعده منها لأنه غير منتخب. ولهذا فإن الوالي المعين من الأعلى، قد يبقى هو المؤثر الكبير في مجرى الأحداث وفي توزيع الغنائم على المتوددين والمتقربين منه.

هذه هي، باختصار هي السمات الرئيسية للإصلاحات السياسية، لكن التطورات التي ستطرأ على الساحة السياسية، وتصرف الأحزاب الجديدة التي طفت على السطح في المدة الأخيرة هي التي ستبين جدوى وفعالية أو ثغرات الإصلاحات السياسية في أرض الواقع.

المخاطر المترتبة عن الإصلاحات السياسية:

إنه لمن الغلط أن يعتقد أي إنسان بأن تغيير أسلوب العمل في مجال السياسي وانتهاج سياسة جديدة في مجال بناء المؤسسات المتينة للدولة سوق يقودان بالضرورة إلى حل المشاكل والأزمات التي يواجهها المجتمع الجزائري، لأن التغيير يفيد جماعات ويخدم قيم تحبذها فئات اجتماعية معينة وهذا على حساب جماعات أخرى كانت مستفيدة وتفقد امتيازاتها نتيجة لتغيير الأوضاع وظروف العمل. وعليه، فإن العهد الجديد، أي عهد الإصلاحات السياسية، سوف تترتب عنه مخاطر لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها وتتمثل هذه المخاطر في:

1) ارتباط بعض الأحزاب والشخصيات السياسية بالخارج سواء بقصد الحصول على المال لتمويل مشاريع العمل السياسي أو بقصد الاستعانة بدعم القوي الأجنبية لتحقيق مكاسب وجماعات أقلية على حساب القوى الوطنية. إن الخطر يكمن الآن  في وجود نخبة من الجزائريين ذات نفوذ كبير في أجهزة الدولة الجزائرية وهي”متفهمة ومتعاطفة مع التصورات والأحكام والتوجهات الفرنسية ورافضة للمقومات الأساسية للشخصية الجزائرية بأصالتها العربية الإسلامية”، ولست أدري كيف تنتعش الديمقراطية والرفاهية في ظل الإصلاحات السياسية إذا  كان هناك تيار “لا يسلم بفكرة الجزائر العربية الإسلامية باعتبارها لا تعبر عن طموحهم ولا تتماشى مع انتمائهم وقناعتهم”1. وفي نفس الإطار قال عبد السلام بلعيد بأن “القضية الأمازيغية” قد تستغل كورقة إشعال الفتنة إذا لم يحسن طرحها. وبما أنها من مقومات شخصيتنا الوطنية فلا يمكن أن نخلق في بلادنا أقليات تحتاج لحماية أجنبية2.

2) مصارعة الصراع على السلطة بين الأشخاص، لأن فترة الاستقلال قد تميزت بفترة “الجري على الكرسي وأصبح القتل من أجل الاستحواذ على المناصب” مشروعا3. ويلاحظ هنا أن مناقشات المواثيق والاتفاق على الخطوط العريضة لسياسة الحكومة في مجالات معينة تعتبر أسهل بكثير من الاتفاق على الشخصيات التي تتولى القيادة. إن حب الزعامة هو الذي يعكر صفو العلاقات بين أبناء الوطن الواحد وليس الاتفاق على المصالح المشتركة للأمة.

3) عدم التوازن بين السلطات ونعني بذلك السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، والمشكل هنا هو أن كبار المسؤولين في الحكومة تعودوا على العمل بدون الخضوع لرقابة برلمانية أو متابعة قانونية أو الحصول على موافقة أولية من جهة خارجة عن إطار السلطة التنفيذية وسيكون من الصعب على هذا النوع من المسؤولين أن يتخلوا عن هذه العادات الموروثة عن الماضي إن المشكل في البلدان النامية، ومنها الجزائر يكمن في وجود سلطات برلمانية وقضائية ولكنها سلطات شكلية ولا تملك السلطات الحقيقية ومحاسبة الشخصيات السياسية التي تعودت على اعتبار الخضوع للغير مسألة فيها إهانة وخدش في الكرامة.

4) عدم التقيد بثوابت وطنية، وهذه المسألة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار لأن التشكيك في كل قضية وطنية أساسية أو عمل تقوم به السلطة من أجل حماية البلاد من الأخطار الأجنبية، سوف يترتب عنه نتائج سلبية تتمثل في تمزيق الوحدة الوطنية واستفحال النزاعات الاجتماعية وانتشار الصراعات الدموية. لقد لاحظت خلال الحصة المتلفزة في “لقاء الصحافة” في فيفري 1990 بأن رئيس حزب جبهة القوات الاشتراكية السيد آيت أحمد يتطاول على الدين الإسلامي ويقول بأن هناك تعدد في الإسلام أي مثل تعدد اللغات وتعدد الأحزاب وتعدد الآلهة. وتساءل أي إسلام سنطبق في الجزائر ؟ مع العلم أن الإسلام واحد (إن الدين عند الله الإسلام) ولكن المسلمين هم الذين تعددوا وتعددت أوطانهم ودولهم نتيجة للتخلف والاستعمار1. وفي حصة أخرى لنفس البرنامج قام الدكتور سعيد سعيدي الأمين العام لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بطرح فكرة اللائكية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على “جهل المسؤولين في الحزب بحقيقة الشعب الجزائري الذي ليس فيه طوائف دينية أو صراعات مذهبية (مثل أوروبا)2.

5) عدم مشاركة رجال الاختصاص والعلماء المفكرين ذي دراسة القضايا الجوهرية ووضع الاستراتجيات المدروسة للمستقبل. والخطر هنا هو أن التنظيم بمعزل عن رجال الاختصاص قد دفع بالعديد من المسؤولين إلى تسييس كل مشاريع العمل بحيث تصير الضغوطات والعلاقات السياسية هي التي تؤثر في مصير كل مشروع عمل حكومي. لقد رأينا مثلا، مشروع استقلالية الجامعة الذي تم تقديمه للأسرة الجامعية لمناقشة في بداية عام 1990 حيث تبين أنه مهلهل وأنه من تحيري موظفين هواة، ومحتواه عبارة عن ترديد لكلمات التقطتها بعض الأذان في الكواليس السياسية. ونفس الملاحظة يمكن تسجيلها بالنسبة للمنظومة التربوية. حيث قررت الحكومات السابقة تعريب العلوم في التعليم الثانوي ثم تراجع نفس المسؤولين عن تعليم الشباب المتخرجين من الثانويات باللغة العربية في الجامعات الجزائرية وذلك بدعوى في هيئة التدريس باللغة العربية! وهذا معناه التلاعب بمصير الأجيال واتخاذ إجراءات التعريب لأسباب سياسية تم التراجع عن نفس القرارات في وقت آخر لنفس الأسباب.

6) غياب التعاون بين العلماء المفكرين ورجال الأعمال الجزائريين. وقصدي من هذا أن عدم وجود تعاون بين العلماء في الجامعات الجزائرية ورجال الأعمال في مجالات الصناعة والتجارة والزراعة والثقافة سوف ينتج عنه وجود فراغ سياسي واجتماعي واقتصادي وبالتالي لا توجد قوة اجتماعية مؤثرة لها وزنها السياسي في المجال الوطني والدولي. والإصلاحات السياسية لا يمكن أن تنجح بدون خلق تعاون حقيقي منتج بين العلماء في قطاع التعليم العالي وقطاعات الإنتاج في المجالات الصناعية والزراعية والثقافية. إن الواقع الجديد يفترض التجديد والإبداع والتفكير في استراتيجيات بعيدة المدى، وتوظف الكفاءات المحلية هو الذي يضفي على القرار السياسي للدولة الجزائرية نوعا من الاحترام المنشود. وبدون شك، فإن الجزائر في الوقت الحاضر ليست في حاجة إلى إصلاحات سياسية فقط وإنما هي في حاجة أيضا إلى تكنولوجيا عصرية من إنتاج وطني واستغلال مواردها لتوفير الغذاء لأبناء الوطن.

 

هل تنتعش التعددية الحزبية في ظل الإصلاحات السياسية؟

إنه لمن الواضح أن الإصلاحات السياسية هي التي أنجبت الأحزاب السياسية التي يتنافس أعضاؤه على السلطة في الجزائر. والتعددية الحزبية في الجزائر ستكون ظاهرة جيدة إذا عرفنا كيف نوظفها لخدمة قضايا شعبنا، وستكون وبالا علينا إذا تحولت إلى قوى داخلية تسير في ركاب دولة أجنبية. ولهذا ينبغي أن ندرك قبل فوات الأوان أن قوة الدولة الجزائرية مستمدة من وجود حكومة قوية تعمل في إطار برنامج حزبي بحيث يكون قادرا على تقديم الاختيارات الحقيقية المعبرة عن آراء المواطنين واحتياجاتهم أو انشغالاتهم الرئيسية في الحياة. والشيء المهم في هذا الإطار هو اتفاق أعضاء الأحزاب على ثوابت وطنية وتقريب وجهات النظر بين الجماعات المتنافسة على السلطة إلى درجة أن هذه الاختيارات التي تبنى عليها السياسة العامة تتقيد بها جميع الفئات. وفي هذا السياق يتعين على المسؤولين في الأحزاب الوطنية أن يخلقوا ميكانزمات التكيف مع المستجدات في هذا العالم المتغير ويتحاوروا مع المناضلين في القاعدة ويتوصلوا إلى اتفاق عام حول السياسات التي ينبغي إنتاجها لحل المشاكل الرئيسية التي يواجهها المواطن الجزائري في المدينة أو الريف. وإذا اتضحت الرؤيا وتم الاتفاق على برامج عمل مدروسة، يمكن للحكومة النابعة من القيادات الحزبية المنتمية والمتعلقة بالبرامج التي أقرتها الأغلبية الشعبية أن تنتقل إلى ميدان العمل وتفصل في القضايا بفعالية وكفاءة عالية.

وباختصار، فإن التعددية الحزبية في الجزائر يمكن أن تحقق نتائج أيجابية إذا تغير أسلوب العمل وركزنا على خلق ميكانزمات التكيف القادرة على بلورة الوعي الوطني وتحفيز الناس للعمل. ولكي تنجح الأحزاب في خلق الانتماء الوطني وتقوية مؤسسات الدولة الجزائرية:

  • ينبغي أن تكون عند قادة الأحزاب الشجاعة الكافية للتحاور والتشاور والتوصل إلى اتفاق أو بلورة فكرة موحد يعبر عن أماني وطموحات أبناء الشعب الجزائري.وبهذا الأسلوب يمكن الحد من نشاطات الجماعات السياسية التي تخدم مصالح ضيقة والتي أصبحت تشكل قوة ضغط وفرض آرائها المتطرفة على القيادات السياسية. وبهذا النوع من العمل نستطيع أن نتوحد ونعمل جماعيا في إطار برنامج حزبي وطني نقي لحماية تراثنا المشترك وقيمنا العربية الإسلامية من التشتت والأيديولوجيات المتطرفة.
  • يتعين علينا أن نغير أسلوب العمل على مستوى الحكومة والمؤسسات العليا في الدولة بحيث لا تكون سياسات الوزارات مع صنع أفراد وميولهم الشخصية وتوجهاتهم الثقافية وإنما تكون من صنع مجموعات العمل المتكونة من الخبراء وأصحاب المهارات الذين تحال إليهم القضايا لدراستها والبث فيها بموضوعية.
  • توجيه الاهتمام إلى المشاكل الحقيقية والقضايا الجوهرية التي تهم المواطن بصفة مباشرة وفتح المجال له لكي يعبر عن آرائه في القضايا التي تهمه.
  • تحويل الصراع حول الأفكار إلى أساليب فعالة لتنمية المهارات وانتصار الموضوعية على الديماغوجية.
  • ضرورة وجود برنامج حزبي متكامل يلتف حوله الرجال المنتمون له على كل المستويات بحيث يكون هناك انسجام في الفكر والعمل على مستوى جميع المجالس المنتخبة في البلاد.
  • تدعيم الجانب الإعلامي وفسح المجال أمام الصحافة لكي تكشف مساوئ خطط العمل وهفوات المسؤولين عن التنفيذ ومحاسبة كل من يخطئ في وظيفته وبذلك يتحتم على كل مسؤول أن يكون منضبط في أعماله.
  • تغيير أسلوب التوظيف والتعيين في المناصب العليا في الدول لأن مصير الإصلاحات السياسية بالنسبة لجميع الأحزاب يتوقف على عملية التوظيف التي هي الباب الرئيسي لجلب العناصر الكفاءة لأن مشكل الإصلاحات السياسية يكمن في جلب الناس غير الأكفاء إلى مراكز اتخاذ القرارات وبذلك تفشل المجهودات الرامية لنجاح عملية التغيرات الجديدة. وكما لا يخفى على أي إنسان فإن اتخاذ القرارات أصبح علما يعتمد على فنيات دقيقة حيث نجد القرارات السياسية هي عبارة عن قرارات شكلية وهناك قرارات فنية أو جوهرية ينفرد باتخاذها رجال الاختصاص. وإذا كان اقتصادنا، مثلا، مريضا وعجز الرجل الذي سيشرف على معالجة هذا الاقتصاد المريض فمن البديهي أن نقوم بتغيير الرجل العاجز عن جلب الشفاء، وليس تغيير المرض (الذي هو الاقتصاد).

 

(*)  بحث منشور في صحيفة الشعب بتاريخ 12 جوان 1990، وقد تم إعداده لندوة حول الإصلاحات السياسية في جامعة الجزائر، والتي عقدت بمعهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يومي 2-3 جوان 1990.

1 ناصر الدين سعيدوني، جذور المد الشعوبي في الجزائر، الشعب،  العدد الصادر بتاريخ 19 فيفري 1990، ص 13.

2 حديث بلعيد عبد السلام لجريدة الشعب بتاريخ 27 ديسمبر 1989، ص 2.

3 عمار بن عودة في حديث لجريدة الشعب بتاريخ 27 ديسمبر 1989، ص 2.

1 أبو القاسم سعد الله، “تمويهات الأستاذ حسين آيت أحمد”، الشعب، العدد الصادر بتاريخ 19 فيفري 1990، ص 13.

2 تومي حسين، جريدة الشعب، 8 فيفري 1990، ص 15.

عمار بوحوش، “التعددية الحزبية وأثارها على وحدة المغرب العربي”، بحث لملتقى “الدساتير للمغاربية والتعددية الحزبية” الذي عقد بجامعة تيزي وزو يومي 19 و 20 مارس 1990.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *