الإفلاس 1995:   الانهيار القادم لأمريكا*

 

 

تأليف: هاري فيجي، جيرالد سوانسون

ترجمة: محمد محمود دبور.

الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1993، 200 صفحة.

 

مراجعة: عمار بوحوش، أستاذ  

معهد العلوم السياسية – جامعة الجزائر

 

يعتبر كتاب: الإفلاس 1995: الانهيار القادم لأمريكا، من أحسن الكتب التي صدرت في سنة 1993. وتتمثل أهميته في النقد البناء والتحذير المدروس للشعب الأمريكي لكي يستيقظ ويأخذ احتياطاته من المزالق السياسية والمواقف الخاطئة  لرجال السياسة المنتخبين سواء في البيت البيض أو الكونغرس الأمريكي الذين يتهربون من مسؤولياتهم ولا يصارحون أبناء الشعب الأمريكي بأن مستقبلهم الاقتصادي في خطر. ويرى المؤلفان أن المواطنين الأمريكيين يتحملون مسؤولية كبيرة في خطأ رجال السياسة لأن المواطنين هم الذين ينتخبونهم ويختارونهم لتحمل المسؤولية، وبالتالي، يتعين على الناخبين أن يلعبوا دورا أيجابيا في إنقاذ الولايات المتحدة من الكوارث الإقتصادية التي ستحل بها إذا لم يتم تصحيح المسار واتخاذ الإجراءات الضرورية في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان. وحسب الحقائق التي قدمها الباحثان فإن صانعي القرار في البيت الأبيض والكونغرس مهتمون بخدمة مصالحهم والبقاء في كراسي المسؤولية ولا يهتمون بمصالح الشعب الأمريكي.

وفي الفصل الثاني من الكتاب يتعرض المؤلفان لأسباب الأزمة فيوضحان أن المتسببين في الأزمة هم كبار المسؤولين في الحكومة الفدرالية الذين يبلغ عددهم 536 مذنبا وحوالي 20.000  من المتواطئين معهم، ويقصد بذلك البيروقراطيين الذين يأخذون رواتب عالية بسبب مسايرتهم وتواطئهم مع رؤسائهم في العمل. وحسب تكهنات الكاتبين، فبحلول القرن الواحد والعشرين لن يجد المواطن الأمريكي من يساعده إطلاقا بسبب استنزاف ما يسمى بإدارة واشنطن وأعيانها وأنواعها (الذين انتخبهم الشعب) لموارد البلاد وامتصاصها ( ص 33). ويتهجم المؤلفان على تراخي المواطنين في ردع  السياسيين وتصديقهم للأصوات الكاذبة التي تبشرهم بمستقبل مزدهر وبآمال مشرفة. وينبه الكاتبان الشعب المريكي إلى أنه من الغلط تصديق ما يقوله رجال السياسة الذين يعطون انطباعا بأن البلاد في وضعية مالية حسنة. فها هي الديون تتراكم وتتزايد بسرعة مذهلة وسيصبح من المستحيل تسديدها أو السيطرة عليها. وزعما أنه في حالة اسمرار الاتجاهات الحالية في خط سيرها، فإن الديون الفدرالية ستتراكم لتصل إلى حوالي 6.560 مليارات دولار عام 1995 (ص 33).

وفي رأيهما، يشكل هذا المبلغ 9 أضعاف ما تحصل عليه الحكومة الفدرالية من مداخيل خلال سنة واحدة في تلك الفترة، وهذا معناه عجز الحكومة الفدرالية عن تسديد الفوائد المترتبة عن الديون. وبلغة الأرقام الواضحة، فإن 85% من أموال الضرائب ستستخدم لتسديد الفوائد على الديون. والسؤال الذي يطرح هنا: هل يستطيع المواطن الأمريكي دفع ما نسبه 85% من دخله لسداد الديون؟

وحسب تصورات وتوقعات الخبراء في الشؤون المالية فإن الحكومة ستضطر إلى تخفيض المساعدات إلى الشرائح الاجتماعية التي تحصل على الإعانات الحكومية لبقائها على قيد الحياة، وسوف تكون أية محاولة لتخفيض قيمة المساعدات المالية للمتقاعدين وأصحاب الضمان الإجتماعي أو أي منتفع من مساعدات الحكومة الفدرالية عبارة عن بداية لاضطرابات اجتماعية. ويشير الكاتبان إلى أن رجال السياسة سوف يقحمون هذا الموضوع في مشروعاتهم الانتخابية ويعدون المواطنين بمضاعفة النفقات الحكومية في حين أن الخزينة تعاني من العجز المالي. وبرر المؤلفان حديثهما عن تصاعد العجز المالي في فترة كل رئيس أمريكي. فالعجز المالي في عهد الرئيس ليندن جونسون ارتفع إلى 44 مليار دولار، وفي عهد ريتشارد نيكسون وصل إلى 67 مليار دولار، وفي عهد جيرالد فورد بلغ 129 مليار دولار، وارتفع، إلى 226 مليار دولار في عهد جيمي كارتر. أما في عهد الرئيس رونالد ريغان فقد بلغ 1340 مليار دولار (أي خلال 8 سنوات). وفي عهد الرئيس جورج بوش (4 سنوات) ارتفع العجز المالي بـ 1040 مليار دولار. ومن المنتظر أن يرتفع العجز المالي 640 مليار دولار في  سنة 1993 مقارنة بنسبة 1992. كما ستبلغ نسبة تسديد فوائد الديون 84% من إجمال الواردات الضريبية عام1992، وحوالي 92% في عام 1994 و 103% في عام 1995 (ص. 51). وقد اعتراف المؤلفان بأن الحكومة الفدرالية على علم تام بالصعوبات المالية لخزينة الدولة وحاول المسؤولون فيها في سنة 1990 تخفيض نفقات الدولة بمعدل دولارين لكل دولار واحد يتم جمعه عن طريق الضرائب. ولكن ممارسات المسؤولين حالت دون نجاح الفكرة الفعالة، وكانت النتيجة أن ارتفعت الضرائب والنفقات بشكل كبير، بحيث بلغ العجز400 مليار دولار في سنة 1992. وأشار الكاتبان إلى أن المسؤولين في الحكومة يرجعون التخفيضات في الموازنة إلى انخفاض معدلات نمو البرامج الحكومية في المستقبل. لكن الحقيقة هي أن زيادة السكان تجبرهم على زيادة مخصصات البرامج. وفي نهاية كل سنة مالية يخفضون كلفة كل برنامج ثم يعلنون بأنهم خصموا ملايير الدولارات منه ويعطون انطباعا للمواطنين أنهم وفروا بضعة ملايير من الدولارات على دافعي الضرائب.

ويتدارك الكاتبان انتقادهما اللاذع لإقدام الحكومة على مواصلة تقديم المساعدات للمحتاجين إليها في الداخل وحلفاء الولايات المتحدة في الخارج، فيوضحان أنهما لا يشعران بالأسى والحزن للنفقات الحكومية ولكنهما يقصدان بمعارضتهما للنفقات الحكومية أنه لو استمرت السياسة المالية للحكومة على هذه الوتيرة خلال السنوات المالية القادمة فإن نسبة الفوائد المتزايدة والمتراكمة على الديون سترتفع بصفة مطردة وذلك يعني أن الولايات المتحدة ستكون تحت رحمة الدائنين الذين لا يهمهم أي شيء سوى استعادة أموالهم.

ويوضح المؤلفان أن معدلات الفوائد على الديون بلغت 10 مليارات من الدولارات في عهد الرئيس جونسون وهي نسبة لا تتجاوز14% من العائدات المالية للخزينة. لكن في نهاية فترة الرئيس رونالد ريغان بلغت الديون 26.000 مليار دولار وارتفعت قيمة الفوائد على هذه الديون إلى 214 مليار دولار. وفي نهاية الفترة الرئاسية للسيد جورج بوش بلغت نسبة الفوائد على الديون ما لا يقل عن 293 مليار دولار (ص 76). وإذا سارت الأمور على هذا المنوال، فإن الديون ستصل إلى 65.600 مليار دولار أي 85%من عائدات الضرائب، وسوف تكون الفوائد المترتبة على تلك الديون 619 مليار دولار، وحينها لن تتمكن الحكومة من سداد مبالغ الفوائد لأن الدائنين سيمتنعون عن تقديم قروض لدولة لا تستطيع دفع المبالغ المترتبة على الفوائد.

والسؤال المطروح هنا: ماذا يترتب على هذه الديون والفوائد المتزايدة؟ وإجابة على هذا السؤال يرى الكاتبان أنه من المحتمل أن تتدهور أوضاع الإقتصاد الأمريكي في سنة 1995 بحيث :

– يفقد 20% من الأمريكيين وظائفهم، ويلتهم التضخم المدخرات الفردية، وتنخفض أموال الضمان الإجتماعي والتقاعد، ويفقد الدولار قيمته في الأسواق.

ونتيجة لهذه الأزمات سترتفع الأسعار بشكل جنوني، ويمتنع المستثمرون عن استثمار أموالهم في الولايات المتحدة، وترتفع معدلات البطالة، ويوجه بعضهم المسؤولية إلى البعض الآخر، وقد يعمدون إلى توجيه اللوم والعتاب إلى جهات أجنبية باعتبارها مسؤولة عن حالة الكساد وتورطهم في شراء شركات أمريكية. ومن غير المستبعد أن توجه تهم إلى المكسيكيين الذين يهاجرون إلى الولايات المتحدة بالاستيلاء على وظائف الأمريكيين، وتقدم تحذيرات إلى الدول المنتجة للنفط بصفتها تسيطر على أسعار النفط. ويتعجب المؤلفان من جراءة الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج بوش الذي بلغ العجز المالي في عهده 400 مليار دولار في نهاية 1992 أن يعلن بوش في إحدى خطبه أن الولايات المتحدة هي أغنى وأقوى بلد في العالم كله. وحث الكونغرس الأمريكي على دفع مبلغ 12 مليارا إلى روسيا، كدليل على قوة أمريكا اقتصاديا. وقد علق الكثير من الناس على ذلك بأن أمريكا لا تملك ذلك المبلغ وأن الأوضاع الحالية لا تسمح ببعثرة هذه المبالغ فيه هنا وهناك.

وبعد سرد الحقائق والمعلومات المتعلقة بجذور الأزمة المالية المتوقع حدوثها في الولايات المتحدة في عام 1995 يتفطن المؤلفان إلى إمكانية عدم حدوث ما تصوراه في أرض الوقع واتهامهما بتضليل الرأي العام الأمريكي، يتعرض الباحثان، بكل موضوعية، إلى الآراء المعارضة لوجهة نظرهما ويحاولان الرد عليها. ومن الحجج التي يقدمها المعارضون لرأي المؤلفين: هي أن زيادة الديون ترافقها أيضا زيادة موازية في الإقتصاد الأمريكي. ولهذا فإن الإنتاج المحلي لليابان وألمانيا مجتمعين يقل بمقدار الربع عن الإنتاج الأمريكي ويجيب المؤلفان بان الديون ستتضاعف ثلاث مرات في المستقبل في حين أن إجمالي المحلي سيتضاعف مرة واحدة فقط. أما بالنسبة للحجة الثانية القائلة بأن الدول الكبرى عاشت نفس الوضع الإقتصادي المتمثل في ارتفاع الديون مقارنة بالنسبة للإنتاج المحلي، ومع ذلك فقد تغلبت هذه الدول على مشاكلها، وهذا ما سيحصل في الولايات المتحدة الأمريكية، فهذه الحجة غير مقبولة بالنسبة للكاتبين. إنهما يؤكدان أن كل دولة مرت بفترة زيادة الديون بنسبة تفوق الإنتاج المحلي، تعرض سكانها لدفع ثمن مرتفع، وهذا ما سيحصل في الولايات المتحدة. ولفتا الإنتباه إلى كلا من إيطاليا والأرجنتين وبوليفيا، التي عانت من عدم التوازن بين نفقاتها وإنتاجها.

وفيما يتعلق بالحجة القائلة أن الديون الأمريكية هي ملك للمواطنين والمؤسسات المحلية والمؤسسات الأجنبية غير مساهمة بنسبة كبيرة في الديون الأمريكية، فقد أوضح الكاتبان أن هذه الحقيقة لا يمكن إخفاؤها، لكن الشيء الذي ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن سندات الديون الأمريكية المبيعة لليابان والمملكة العربية السعودية وغيرهما من الدول تقدر بحوالي 12 % من إجمالي السندات المحررة، وفي حالة إستمرار إرتفاع نسبة الديون، فإن قيمة هذه السندات الصغيرة قد ترتفع إلى 443 مليار دولار من جملة 3600 مليار دولار مقترضة.

وإجابة على الحجة القائلة بأن المديونية للجهات الأجنبية لن تؤثر على قوة الإقتصاد الأمريكي، يرد الكاتبان بأن المديونية ستجبر الأمريكيين على الإستجابة لرغبات الدائنين،وإذا فقدوا الثقة في إمكانية تسديد فوائدهم فإنهم سيتوقفون عن شراء القروض ولن تجد الولايات المتحدة الأموال السائلة التي تحتاجها. وبالنسبة لمسألة الأموال التي تدفع للأجانب وماذا سيفعلون بها، فإن المؤلفين يجيبان إنه في إمكانهم شراء المصانع والشركات الأمريكية وحرمان الأجيال الأمريكية القادمة من ملكية معظم شركاتهم ومصانعهم.

وعليه، فإن الباحثين يتوقعان إنخفاض مستوى المعيشة في الولايات المتحدة إبتداء من سنة 1995 وذلك بسبب عدم تمكن الحكومة الأمريكية التي تعاني من ديون ضخمة من تحسين مستوى المعيشة وتحديث الأجهزة الأليكترونية التي تتطلب مبالغ مالية ضخمة. ومعنى هذا أن مساعدات الدولة للأفراد ومؤسسات التعليم والصحة والمواصلات سوف تضمحل، والطبقات الضعيفة ستتضرر. والخدمات الإجتماعية المدعومة من طرف الدول ستتلاشى تدريجيا.

وزعم الكاتبان أن اليابان أبلغت الولايات المتحدة أنه في حالة عجز هذه الأخيرة على دفع ديونها، وهو ما يتوقع المؤلفان حدوثه في عام 1995، فإن الولايات المتحدة ستخضع لشروط قاسية من الدول المقترضة، وسيكون حالها مثل حالة روسيا وأوكرانيا وهي الدول التي تخضع لشروط قاسية يفرضها عليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ويستنتج الكاتبان أن الولايات المتحدة قد تفقد سطرتها على العالم بسبب تراكم ديونها وخضوعها لشروط الدول الأخرى، وحالتها تصير مثل حالة إسبانيا في القرن السادس عشر، وهولندا في القرن السابع عشر، وبريطانيا في القرن التاسع عشر. فهذه الدول قد فقدت نفوذها العالمي بسبب تراكم ديونها وانهيار إقتصادها. ولتفادي الكارثة ينصح الكاتبان الحكومة الأمريكية بانتهاج سياسة مشابهة لتلك السياسة التي انتهجتها مارجريت تاتشر منذ 1979 والتي تقوم على أساس إتباع سياسة مالية محافظة مبنية على تقليل الضرائب وتقليص حجم القطاع العام، وهذا يعني إقناع المواطنين بأن المصادر المالية للحكومة محدودة ولا تستطيع تلبية جميع المطالب الإجتماعية. وقد اضطرت الحكومة البريطانية إلى بيع الكثير من الشركات الإنجليزية إلى القطاع الخاص، ونتج عن ذلك تحويل 8000 وظيفة إلى القطاع الخاص بعد أن كانت مسؤولياتها تقع على عاتق الحكومة.

وباختصار، فإن المؤلفين يعتقدان أن الوقت قد حان لانتهاج سياسة جديدة تقوم على أساس مواجهة المواطن الأمريكي بالحقيقة والكف عن سياسة الترويج لقوة الولايات المتحدة القائمة على حسابات عسكرية ونفوذ سياسي عبر العالم. لكن من الناحية الأخرى، هناك الدول القوية إقتصاديا مثل اليابان وألمانيا والتي لها مستقبل مزدهر. ولكسب المعركة، ينصح الكاتبان حكومتهما بالعمل على كسب ثقة المواطنين ومصارحتهم بالحقيقة والإستعانة بالخبراء المرموقين للقضاء على العجز المالي والتقليل من النفقات. كما يتعين على الحكومة أن تعين مجموعات عمل تضع إستراتيجيات قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى في كل قطاع، يعمل أفرادها على تقليل نفقات الحكومة إلى أن يتم تسديد الديون المستحقة. وأشار الكاتبان إلى أنه للخروج من الأزمة فلا مفر من عدم فرض ضرائب جديدة لأن الضرائب المرتفعة تعيق النمو الإقتصادي. وأخيرا يخصص المؤلفان فصلا كاملا لكيفية تأثير كل مواطن في حكومته وأعضاء السلطة التشريعية عن طريق التصويت في الإنتخابات والكتابة إلى المسؤولين في كل قطاع. وإذا شعر المسؤولون بأن المواطنين يؤيدونهم ويحبذون سياسة جادة لتخفيض العجز والمديونية، فإن المسؤولين المنتخبين سيتشجعون ويتخذون الإجراءات التي ستسر الناخبين.

والخلاصة التي يخرج بها القارئ من هذا الكتاب هي أن المؤلفين يهدفان من وراء تحرير هذا الكتاب إلى توعية المواطنين ولفت إنتباههم إلى مشكلة الديون وتراكم العجز المالي قبل إستفحالهما. ولكن المشكلة هنا أن الكاتبين لا يشيران إلى الإستثمارات الأمريكية في الخارج والتي تقدر بآلاف المليارات ولا يتكلمان عنها بتاتا. إن هذه الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات تهيمن على الإقتصاد العالمي وتؤثر سلبا أو إيجابا في الإقتصاد العالمي. فالشركات الأمريكية في ميدان الطيران، والأدوية والكمبيوتر والمشروبات الغازية هي التي تسيطر على الأسواق الإقتصادية العالمية بنسبة لا تقل عن 70%، ومن الواضح أن الشركات الأمريكية أصبحت تقوم باستيراد نسبة كبيرة من إنتاجها من بلدان آسوية وذلك بسبب إنخفاض التكاليف وضعف أجور العمال هناك، وهذه الظاهرة أصبحت مقلقة للأمريكيين لأنها جعلتهم يعتمدون على الأيدي العاملة الأجنبية لتمويل أسواقهم. غير أن هذه السياسة قد مكنتهم من محاربة التضخم وتمكين المواطن الأمريكي من إقتناء حاجياته بثمن غير مرتفع. وإذا كان الأمريكيون يتخوفون من تزايد نفقات حكومتهم ومساعدة المحتاجين إليها في الداخل والخارج، فإن الإنسان يتساءل هنا بالنسبة لوضعية العالم الثالث التي لا تملك تكنولوجيا متقدمة أو ثروة إقتصادية هائلة وهي مجبرة على تقديم يد المساعدة لمواطنيها الفقراء. إن مشاكل الديون وتذمر الناس من ارتفاع الأسعار والضرائب وانتشار البطالة هي عوامل عدم إستقرار إجتماعي سواء في الدول النامية أو الدول الصناعية. ومن لا يعرف كيف يتصرف بحكمة ويشجع الناس على القيام بالمبادرات وحل مشاكلهم بأنفسهم سوف يتعرض لصدمة نفسية لا مثيل لها. إن فراغ البطن وفراغ الثلاجة من المواد الغذائية قد تدفع بكل إنسان أن يتحول من إنسان عاقل إلى إنسان ثائر على نفسه وعلى غيره.

ولهذا يتعين على جميع الدول أن تتحمل مسؤولياتها كاملة وتشجع الأفراد على القيام بالمبادرات والعمل المنتج وتجنب سياسة رفع الضرائب لزيادة مداخليها لأن الناس يتراخون في أعمالهم إذا شعروا أن ما سيحصلون عليه بجهدهم وعملهم سوف يذهب إلى خزينة الدولة.

 

*  مراجعة كتاب منشور بـ: مجلة العلوم الإجتماعية (جامعة الكويت) المجلد22، العدد4، (خريف) 1994، ص 179، 185.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *