التطورات السياسية بالجزائر في عهد الرئيس أحمد بن بلة 1962-1965 (*)

بقلــم

أ.د. عمار بوحـوش (**)

 

abstract

 

Les Mutations Politiques en Algérie Sous Ben Bella (1962- 1965)

Pr. Dr. Ammar BOUHOUCHE

 

     Cette contribution retrace l’évolution politique de l’Algérie au début de son indépendance en commençant par l’élection de l’assemblée constituante et la formation d’un nouveau gouvernement. L’histoire de l’Algérie à cette époque était celle de la lutte entre le pouvoir exécutif (Ben Bella), à la fois, avec le secrétaire général du parti F.L.N. (Khider), le président de l’assemblée constituante (Ferhat Abbasà, le F.F.S (Hocine Aït-Ahmed). Enfin, Ben Bella entra dans une lutte décisive et perdue avec l’armée (Houari Boumédiène). Cette situation était marquée par la faiblesse des institutions de l’Etat, objectif recherché par Ben Bella pour renforcer son pouvour de Chef de l’Etat et du gouvernement en misant sur l’appui du peuple et l’unicité des pouvoirs fondée sur le parti unique. L’article se termine par un rappel des causes du coup d’Etat du 19 juin 1965.

لعل النقطة البارزة في تاريخ الجزائر سنة 1962 هي أن جبهة التحرير الوطني الجزائري التي تشكلت في سنة 1954 بقصد تحرير الجزائر من الإحتلال الفرنسي قد حققت الهدف المنشود من إنشائها وهو إسترجاع السيادة الوطنية وحصول الجزائر على استقلالها التام. وبفضل تلك الجبهة القوية التي انضم إليها كل جزائر وطني، توحدت المجهودات وتحققت الوحدة الوطنية وانتصر الجزائريون على خصمهم العنيد، وبمجرد أن تم إبرام اتفاقية إفيان مع فرنسا في شهر مارس 1962، واجتمع أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية في طرابلس في شهر جوان (يونيو) من عام 1962، ظهرت عوامل تفكك الجبهة وبرزت رغبات قادة مختلف المجموعات السياسية في الإنسلاخ عن الجبهة وتكوين تحالفات جديدة بقصد ضرب الخصوم وإبعادهم من الساحة السياسية في عهد الاستقلال الوطني.

وقد برز للعيان الانقسام الذي حدث في صفوف الوطنيين الجزائريين في لقائهم بطرابلس في الفترة الممتدة من 25 ماي إلى يوم 7 جوان 1962 حيث كان من المفروض أن يجتمع أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية بقصد وضع الخطوط العريضة لبرنامج طرابلس الذي كان من المفروض أن يتم تطبيقه في الجزائر المستقلة وتعيين أعضاء المكتب السياسي الجديد لجبهة التحرير الوطني الجزائري.

وإذا كان برنامج طرابلس قد حظي بموافقة جميع أعضاء قادة الثورة الجزائرية بدون أية معارضة، فإن الإتفاق على أعضاء المكتب السياسي قد كان شبه مستحيل وخاصة أن قوانين المجلس الوطني للثورة الجزائرية تنص على ضرورة إتخاذ القرارات بأغلبية الثلثين. وبسبب الاختلاف حول التركيبة الجديدة لأعضاء المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني الجزائري وعدم توفر ثلثي الأصوات الضرورية  لانتخاب الأعضاء الجدد للقيادة الجزائرية بصفة شرعية، افترق أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية وغادروا طرابلس بدون أن يحسموا في مسألة السلطة العليا التي يتعين عليها توجيه الجزائر في عهد الإستقلال.

وانطلاقا من هذه الحقيقة، أي وجود فراغ سياسي وغياب السلطة الوطنية الموحدة، وعدم وجود رؤيا واضحة، بدأت العشائر السياسية تنشط، وتمحور هذا النشاط حول القوتين المتواجدتين بالساحة السياسية منذ 1958 وهما : الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بقيادة رئيسها السيد يوسف بن خدة، وهيئة الأركان العسكرية تحت زعامة العقيد هواري بومدين الذي كان يرى أنه لا مفر من تشكيل مكتب سياسي جديد لجبهة التحرير الوطني الجزائري يتكفل باتخاذ القرارات السياسية بصفته السلطة العليا في الجزائر حيث تخضع له الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. ولعل النقطة المثيرة هنا أن هذا الإنقسام أو الإنشقاق الموجود في داخل القيادة الجزائرية للثورة، كان أيضا موجود في صفوف القادة الخمسة الذين كانوا في السجون الفرنسية لغاية 1962، فقد كان بوضياف محمد، آيت أحمد حسين يؤيدان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بصفتها السلطة الشرعية الموجودة في أرض الميدان، بينما كان أحمد بن بلة، محمد خيضر ورابح بيطاط يميلون إلى صف قيادة الأركان ويسعون إلى إنشاء مكتب سياسي جديد لكي يتخذ القرارات الحاسمة في الجزائر.

ويلاحظ هنا أن محاولة عزل أعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية الذين عينهم المجلس الوطني للثورة الجزائرية في اجتماعه بتاريخ 27/08/1961 بطريقة قانونية، قد اعتبرها الملاحظون السياسيون بمثابة تمرد على السلطة الشرعية، وهذا معناه إلتجاء كل طرف إلى استعمال القوة لفرض سلطة سياسية جديدة تخدم مصالحه وأهدافه الخاصة به. كما أن سياسة فرض الحلول بالقوة تعني في واقع الأمر، ضعف مؤسسات الدولة الجزائرية وعدم قدرة رجال الحكم على العمل في إطار المؤسسات والقوانين الخاصة بحل الخلافات التي تحدث في المجتمع الجزائري.

وقبل انطلاق عملية إجراءات الانتخابات الخاصة بتقرير مصير الجزائر المقررة في فاتح جويلية 1962، انفجر الوضع من جديد وذلك عندما أعلنت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عن عزل بومدين من هيئة قيادة الأركان وأعلن السيد أحمد بن بلة تأييده لهذا الأخير، وفي الوقت الذي التحق فيه قادة الحكومة المؤقتة بالجزائر وبدأوا يحتفلون باستقلال الجزائر يوم 5 جويلية 1962، انطلقت قوات هيئة الأركان من شرق البلاد وغربها نحو العاصمة، والتحق أحمد بن بلة بمدينة تلمسان حيث أقام مركز قيادته وبدأ يتشاور مع حلفائه حول كيفية توحيد العناصر المناهضة للحكومة المؤقتة وتشكيل مكتب سياسي جديد. وعندما أعلن بن بلة يوم 22 جويلية 1962 عن اعتماد  أعضاء المكتب السياسي الذي تم اقتراحهم من طرف أعضاء المجلس الوطني للثورة في طرابلس والذين لم تتم الموافقة على تعيينهم بسبب عدم حصولهم على ثلثي الأصوات، استنكر أعضاء الحكومة المؤقتة هذا القرار الذي اتخذه طرف واحد وأعلن محمد بوضياف وكريم بلقاسم عن تشكيل لجنة للدفاع عن الثورة وذلك في مدينة تيزي وزو. ونتج عن هذا التصريح، اختطاف السيد محمد بوضياف من طرف عناصر تابعة للولاية الأولى أثناء تواجده بمسيلة، غير أنه تم إطلاق سراحه يوم أول أوت 1962 بعد تدخل محمد خيضر والتوصل إلى إتفاق يوم 2 أوت 1962 بين أعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والمكتب السياسي الذي تم اقتراحه في طرابلس. وحسب هذا الإتفاق الذي أمضاه محمد خيضر (باسم بن بلة ومجموعة تلمسان والسيد كريم بلقاسم نيابة عن مجموعة تيزي وزو) فإن المجلس الوطني للثورة الجزائرية سيجتمع بعد إجراء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني التأسيسي. وبمقتضى هذا الاتفاق، انتهى دور الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وانتقلت السلطات الفعلية إلى المكتب السياسي الذي يتزعمه أحمد بن بلة(1).

غير أن إقدام بن بلة على ترشيح مختلف الشخصيات السياسية للمجلس الوطني التأسيسي بدون مشاورة بوضياف وآيت أحمد وبقية أعضاء المكتب السياسي قد خلق توترا جديدا نتج عنه استقالة محمد بوضياف من المكتب السياسي. وبذلك يكون بوضياف قد إلتحق بآيت أحمد الذي استقال من نفس المكتب السياسي يوم
27 أوت 1962. ونظرا لانسحاب المؤيدين للحكومة المؤقتة من المكتب السياسي، أصبح اتفاق 2 أوت 1962 فارغا من محتواه ولم يقم أحمد بن بلة بدعوة أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية لعقد اجتماع لهم وإبداء موافقتهم على المكتب السياسي الذي تم اقتراحه في اجتماع طرابلس.

وباختصار، فإن بوضياف وآيت أحمد وغيرهما من زعماء الثورة لم تكن لديهم قوة عسكرية يعتمدون عليها، وبالتالي، انهارت مقاومتهم بسرعة، في حين تدعم موقف مجموعة تلمسان وذلك بفضل المساندة غير المشروطة من طرف قيادة أركان الجيش التي كانت متفوقة على خصومها في ميادين التنظيم والقيادة الموحدة والفعالية وتجسيد قرارات القيادة العسكرية في أرض الواقع. وهكذا تمكن الجيش من إنشاء أول حكومة جديدة في عهد الاستقلال الوطني.

 

انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وتشكيل حكومة جديـدة

في أول جويلية 1962 جرت الانتخابات الخاصة بتقرير المصير في الجزائر واختار الجزائريون المصوتون الاستقلال التام بـ 5.951.581 صوت ضد 16.534 صوت، وارتفع العلم الجزائري عاليا يخفق في أرض الجزائر المستقلة(1). وبعد انتصار مجموعة تلمسان بقيادة هيئة الأركان والسيد بن بلة على الحكومة المؤقتة واختفاء هذه الأخيرة من المسرح السياسي، قام المكتب السياسي المشكل من السادة الآتية أسماءهـم :1- أحمد بن بلة، 2- محمد خيضر، 3- رابح بيطاط، 4- حاج بن علا، 5- محمدي السعيد، بانتقاء الأفراد الذين تم ترشيحهم من طرف حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري إلى المجلس الوطني التأسيسي (أو البرلمان الذي يقوم أعضاءه بوضع الدستور الجديد للجزائـر). أما السيدان محمد بوضياف وحسين آيت أحمد فلم يشاركا في المكتب السياسي واستقالا منه بسبب خلافاتهما التقليدية مع السيد أحمد بن بلة. كما تم حرمان معظم الشخصيات الثورية المناهضة للمكتب السياسي من الترشح للإنتخابات التشريعية وذلك مثل : يوسف بن خدة، عبد الحفيظ بوصوف، لخضر بن طوبال، سعد دحلب، صالح بوبنيدر، علي كافي، عمار بن عودة، طاهر بودربالة، عبد المجيد كحل الراس، محمد الصديق بن يحي، مصطفى لشرف وعبد السلام بلعيد(2).

 وفي يوم 20 سبتمبر 1962 جرت الإنتخابات التشريعية الأولى وتم التصويت على 1962 عضو بالمجلس التأسيسي الجديد، وكانت الوظيفة الأولى لهذا المجلس الوطني التأسيسي هي التصويت على حكومة جديدة، والثانية هي سن من دستور جديد للجزائر. وبالنسبة للنقطة الأولى فقد تم التصويت على تعيين حكومة جديدة برئاسة أحمد بن بلة يوم 24 سبتمبر 1962، وهي الحكومة التي حلت محل السلطة التنفيذية التي كان يوجد مقرها ببومرادس. وبعد يومين، أعلن السيد أحمد بن بلة عن تشكيل الحكومة الجديدة التي كانت تتكون من عدة تحالفات تضم هيئة الأركان والولايات في الداخل وحزب البيان وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، واتحادية جبهة التحرير بفرنســا.

وبعد الموافقة النهائية من طرف المجلس التأسيسي على التشكيلة الجديدة للحكومة يوم 29 سبتمبر 1962، قام الرئيس أحمد بن بلة بتقديم برنامج حكومته المستمد من برنامج طرابلس الذي أقره المجلس الوطني للثورة الجزائرية في شهر جوان من عام 1962، وتعهد بن بلة بالعمل من أجل التخلص من البطالة التي كانت
لا تقل عن 70%(1).

وكانت الصعوبة الرئيسية التي واجهت حكومة السيد أحمد بن بلة هي اعتماده على جهاز بيروقراطي متموقع في مراكز استراتيجية وغير متهيء لتطبيق البرامج الثورية التي وقع عليها الاتفاق بين أعضاء قيادة جبهة التحرير في طرابلس. وكما هو معروف، فإن رحيل الأوروبيين بأعداد كبيرة في بداية الإستقلال قد ترك فراغا في البلاد، سواء من ناحية الإستثمارات المالية، أو الكفاءة الفنية اللازمة لتسيير مؤسسات الدولـة.

وعليه، فقد كانت الحكومة وبرنامجها المعلن يجسمان الإتجاه الإشتراكي في الجزائر بينما يوجد في أرض الواقع جهاز بيروقراطي متشبع بالنظام الرأسمالي الموروث عن الإدارة الفرنسية التي كانت في خدمة الطبقة البورجوازية للأوروبيين وتعمل على تضييق الخناق على المواطنين الجزائريين البسطاء.

وإذا كان الرئيس أحمد بن بلة يعتبر نفسه تقدميا ومتعلقا بالإشتراكية ومعاديا للرأسمالية، فإن أصحاب المال وذوي الكفاءات العلمية الذين يشرفون على تسيير الإدارة الجزائرية، وبيدهم القرارات التطبيقية، كانوا يشعرون بالإنتماء إلى النظام الرأسمالي الذي قامت على أساسه الإدارة الفرنسية في الجزائر لمدة 132 سنة. ولهذا، فإن سياسة أحمد بن بلة قد اصطدمت منذ البداية بحائط البيروقراطية والنضال ضد البورجوازية وأصحاب الثروة في البلاد. ثم إن سياسة بن بلة قد ظهر عليها تناقض صارخ في أرض الواقع حيث أنه حاول أن ينتهح سياسة تجنيد الجماهير وخلق قاعدة شعبية له عن طريق المهرجانات الخطابية، كأنه يبحث عن تأييد شعبي ما دام لا يملك تأييدا عسكريا أو فريقا قويا يعتمد عليه لمواجهة خصومه. ولهذا ارتمى في أحضان اليساريين وأصبح لا يبالي بالعمل في إطار مؤسسات الدولة ويحرص على التوجه إلى الجماهير مباشرة ويحاول أن يجندها لتدعيم برامجه التي تجول بخاطره(1).

وقد ظهرت سياسة بن بلة التهجمية على البورجوازية الجزائرية في خطاب ألقاه يوم 17 سبتمبر 1963 والذي قال فيه بأن الرأسماليين في الخارج الذين يملكون 200 مليار يريدون أن يقدموا رشاوى بقصد شراء الأفراد، وعليهم أن يدركوا بأن بن بلة
لا يواجههم بمفرده، لكن هناك 12 مليون أمثال بن بلة(2).

وباختصار، فإن مشكل التنظيم السياسي للجزائر في الفترة الممتدة من 1962 إلى غاية 1965 كان يتمثل في ضعف مؤسسات الدولة وعدم توظيفها بفعالية لخدمة المصلحة العليا للوطن. وفي الحقيقة أن هدف بن بلة، منذ البداية، هو تقوية نفوذ رئيس الدولة ورئيس الحكومة في آن واحد وذلك بإضعاف مؤسسات الدولة القوية في عهده وهي : مؤسسة الحزب، ومؤسسة البرلمان ومؤسسة الجيش وتقوية نفوذ رئيس الدولة بأي ثمن كـان.

الصراع على قيادة الحزب بين رئيس الحكومة والأمين العام لجبهة التحرير الوطني

فبالنسبة للنقطة الأولى وهي الصراع على قيادة الحزب أو جبهة التحرير الوطني والاستيلاء على مركز النفوذ في الدولة، كانت المواجهة الأولى للرئيس أحمد بن بلة مع رئيس الحزب محمد خيضر الذي كان يسعى منذ مؤتمر طرابلس في
جوان 1962 إلى تجسيد إحدى توصيات وثيقة ذلك المؤتمر التي كانت تنص على تقوية حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري وتدعيمه بقصد صنع القرار السياسي على مستوى الحزب ومراقبة السياسات التي تنتهجها مختلف حكومات الجمهورية الجزائرية. وفي الأسبوع الأول من شهر أفريل 1963 وقع الصدام بين رئيس الدولة السيد أحمد بن بلة، وبين رئيس الحزب السيد محمد خيضر. وقد برزت الخلافات القوية بين رئيس الحزب ورئيس الحكومة عقب مؤتمر إطارات الحزب، أيام 4، 5، 6  أفريل 1963. ففي يوم 15 أفريل 1963 عقد المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني اجتماعا برئاسة أحمد بن بلة، وقرر فيه الرئيس أحمد بن بلة، بمساعدة الحاج بن علا، والسيد محمدي السعيد، عزل السيد محمد خيضر وإبعاده عن رئاسة الحزب. وفي اليوم التالي أعلن السيد محمد خيضر بدوره أنه تم إبعاده من رئاسة الحزب وعزله من منصبه كأمين عام لحزب جبهة التحرير الوطني. وإبتداء من ذلك اليوم تولى الرئيس بن بلة رئاسة الحزب لغاية خلعه والإطاحة به يوم 19 جوان 1965. وبذلك نجح بن بلة في إخضاع مؤسسة الحزب إلى سلطة رئيس الدولة وأصبح رئيس الحكومة هو الذي يسيطر على الحزب والحكومة في آن واحد، وفي إمكانه ترشيح الأفراد الموالين له في المناصب الحساسة بالدولـة.

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن جبهة التحرير الوطني الجزائري لم تكن لها سلطة سياسية قوية منذ تشكيل أول حكومة للجمهورية الجزائرية يوم 19 سبتمبر 1958 إذ أن السلطة الحقيقية كانت في يد القادة العسكريين الذين تحولوا إلى قادة سياسيين، أمثال كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف ولخضر بن طوبـال.

وفي مؤتمر طرابلس المنعقد في الأسبوع الأول من شهر جوان 1962، اتفق أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية على تشكيل مكتب سياسي جديد للحزب لكنهم اختلفوا على الأفراد الذي يتشكل منهم هذا المكتب. وبعد انتصار مجموعة تلمسان المدعومة من طرف هيئة أركان الجيش الوطني الشعبي في سنة 1962، تقرر تنصيب أعضاء المكتب السياسي الذين تم اقتراحهم في طرابلس في مهامهم الجديدة، على أن يتم عقد مؤتمر وطني للحزب وانتقاء قادة جدد للمكتب السياسي لاحقا. غير أن رئيس الدولة السيد أحمد بن بلة غير رأيه في الموضوع بعد انتصاره على الحكومة المؤقتة ولم يعد متحمسا لعقد مؤتمر وطني وذلك خوفا من وجود منافس قوي لرئاسة الدولة الذي يمكن أن يكون محمد خيضر الذي كان يستعد لبسط نفوذه على مؤسسة الحزب، إلى أن جاءت الفرصة السانحة له في شهر أفريل من عام 1963 حيث قام بعزله من رئاسة الحزب بدعوى أن محمد خيضر يريد تكوين حزب جماهيري ويرغب في تشكيل لجنة بطريقته الخاصة لتحضير مؤتمر الحزب، ويطالب بإعادة قوات الجيش إلى الثكنات  العسكرية وعدم إشراك قوات الأمن في الحياة السياسية للوطن. وطبعا، اعترض رئيس الحكومة على خطة محمد خيضر ورفض تشكيل لجنة لتحضير المؤتمر من أفراد موالين لمحمد خيضر، وأصر على ضرورة مشاركة أفراد القوات المسلحة في بناء الدولة ومساهمتهم في النشاط السياسي بشرط  أن تخضع مؤسسة الجيش للحزب. كما طالب بن بلة بتكوين حزب طلائعي يتكون من نخبة أو مجموعة صغيرة من المناضلين، وبذلك نال الرئيس أحمد بن بلة رضاء وزيره للدفاع العقيد هواري بومدين وتحالف معه ضد رئيس الحزب الذي تم إبعاده من هذا المنصب يوم
16 أفريل 1963.

 

مواجهة بين رئيس الحكومة ورئيس المجلس الوطني التأسيسي

وبعد إضعاف مؤسسة الحزب وتحييده من الناحية السياسية مع استعماله كغطاء لمناوراته القادمة، قام رئيس الدولة بخطوة ثانية لإضعاف مؤسسة أخرى وهي البرلمان التأسيسي حيث فتح مجابهة أخرى مع رئيسه السيد فرحات عباس وذلك بمناسبة إعداد الدستور الجديد للجزائر. وفي الحقيقة أنه منذ اليوم الذي تأسس فيه المجلس الوطني التأسيسي بدأت تبرز على الساحة السياسية خلافات حول نوعية الدستور الذي سيتم سنه بقصد تحديد نوعية الحكم وأساليب ممارسة الديمقراطية في النظام السياسي الجزائري. وعندما تم تعيين السيد فرحات عباس كرئيس للمجلس الوطني التأسيسي شعر العديد من الملاحظين السياسيين أن النظام السياسي الجزائري سوف يقام على أساس التعددية الحزبية وفصل السلطات بحيث تكون السلطة التشريعية متوازية مع السلطة التنفيذية، أي مثل الأنظمة الموجودة في فرنسا وأغلب الدول الغربية المعروفة بقوة نفوذ أعضاء البرلمان فيـها.

غير أنه بمجرد الشروع في إعداد النصوص للدستور الجديد الذي ينبغي الانتهاء منه خلال سنة واحدة، تدخلت الحكومة في موضوع مشروع الدستور وقررت أن يكون دور البرلمان الجديد هو مساعدة الحكومة في مناقشة القوانين التي تعرض عليه لإبداء الرأي فيها فقط وليس سن قوانين بصفته سلطة تشريعية مستقلة. ففي خطاب له أمام أعضاء المجلس الوطني التأسيسي يوم 12 ديسمبر 1962 أعلن الرئيس أحمد بن بلة أنه من الغلط أن يتصور أي إنسان أنه في الإمكان التغلب على الصعاب التي تعترض الجزائر عن طريق مناقشة النواب داخل أي برلمان، ثم أضاف قائلا، أن صانع القرار السياسي في البلاد هو الحزب(1).

وبعبارة صريحة، فإن السيد أحمد بن بلة قد أبلغ أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، وعلى رأسهم رئيس المجلس التأسيسي السيد فرحات عباس، أن دورهم يتمثل في مساعدة الحكومة عن طريق إعداد النصوص المتعلقة بمشروع الدستور الجديد، والحكومة هي التي تقترح المشروع النهائي للدستور. وحسب رأي السيد
أحمد بن بلة، فإن النواب قد تم اقتراحهم من طرف حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري والشعب قام بتزكيتهم عن طريق إبداء موافقته عليهم. ولهذا فإن الحزب هو الذي يصنع القرارات في جميع الأحوال ولا مجال لأية سلطة أخرى أن تنافسه
في ذلـك.

وفي أفريل من عام 1963 تقدم السيد فرحات عباس بمشروع دستور إلى النواب بصفته رئيسا للمجلس الوطني التأسيسي، وتقدمت الحكومة بمشروع دستور آخر لإطارات الحزب لإبداء الموافقة عليه، واعترض السيد فرحات عباس على قرار الحكومة التدخل في الشؤون الداخلية للمجلس الوطني التأسيسي وقال بأن هذا المجلس المنتخب من طرف الشعب، بناء على اقتراح من حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري، يتمتع بالسيادة، وبحرية المبادرة في وضع مشروع الدستور. وحسب الإجراءات القانونية في رأي فرحات عباس، أنه لا يمكن دراسة أي مشروع قانوني في المجلس إلا إذا تم تسليم ذلك المشروع للمجلس الوطني التأسيسي الذي يقوم بتوزيع مشروع الدستور على الأعضاء لدراسته وإبداء الرأي في بنوده. وتساءل فرحات عباس كيف يحق لمناضلين في الحزب لم ينتخبهم الشعب أن يناقشوا دستورا، في حين أن النواب الذين انتخبهم الشعب لسن دستور جديد خلال سنة يحرمون من ذلك(1).

واتهم السيد فرحات عباس رئيس الحكومة بانتقاء مجموعة صغيرة من الحزب لكي يحصل على تأييدهم ومساندتهم لرغبته في إقامة نظام سياسي تعسفي بدون وجود سلطة تشريعية (برلمان) قادرة على محاسبة أعضاء الحكومة، وأكد فرحات عباس أن القيادة التي لا تعطي للشعب الحق في إبداء الرأي بحرية تامة في تقرير مصيره،
لا يمكن أن تنجح في خلق ديمقراطية حقيقية نابعة من إرادة أبناء الشعب، ولهذا، فإنه لا مفر من السماح للنواب المنتخبين في مناقشة مشروع الدستور وإثرائه، والدولة التي تقوم على أساس عدم إثراء دستورها من طرف العناصر المتخصصة والمهيأة لذلك الغرض تعتبر حريتها وإرادتها مصادرة، وبالتالي فإنها تولد ميتة(2).

وهكذا تم إضعاف السلطة التشريعية في الجزائر وإخضاعها لرئيس الحزب ورئيس المكتب السياسي ورئيس الحكومة، ورئيس الجمهورية الذي هو السيد أحمد بن بلة. وإذا كان السيد محمد خيضر قد تمكن من الهروب إلى سويسرا في عام 1963، فإن السيد فرحات عباس قد ألقي عليه القبض يوم 3 جويلية 1963 وبقي في السجن إلى غاية 8 جوان 1965(3).

ونستخلص من كل ما تقدم أن السيد أحمد بن بلة رئيس الدولة ورئيس الحكوة قد استعمل مظلة الحزب الواحد للتخلص من منافسيه في رئاسة جبهة التحرير الوطني الجزائري ورئاسة البرلمان وذلك لإحكام قبضته على جميع مؤسسات الدولة وإعطائه حرية التصرف المطلق في أمور الدولة بدون رقيب أو جهة تحاسبه على ما يقوم به من أعمال، لأنه بكل بساطة، يريد إقامة حكومة مركزية قوية قادرة على التحكم في زمام الأمور. وبدون تريث وجه الرئيس أحمد بن بلة كل طاقاته ومجهوداته ابتداء من خريف 1963، إلى تنظيم مؤتمر وطني للحزب وتوحيد أنصاره بقصد خوض معركة فاصلة مع قيادة أركان الجيش وإخضاع آخر مؤسسة قوية بداخل البلاد حتى يسيطر على الوضع بصفة كلية وذلك بعد أن ساندته ودعمته، بحيث تغلب على خصومه بفضل تأييدها لـه.

وباختصار، فإن سنة 1963 قد كانت حاسمة في تحديد نوعية نظام الحكم في الجزائر وتصفية الحسابات بين الجماعات المتصارعة على السلطة. فمن خلال مناقشة مشروع دستور 1963 اتضح أن هناك اتجاه سياسي يتزعمه فرحات عباس، رئيس المجلس الوطني التأسيسي، يسعى لإقامة نظام سياسي مشابه للأنظمة السياسية الأوروبية يقوم على أساس التعددية الحزبية والفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وإقامة نظام ديمقراطي يسمح بحرية التعبير، بينما كان هناك إتجاه سياسي آخر يتزعمه أحمد بن بلة وهواري بومدين، يهدف إلى إقامة نظام اشتراكي يعتمد على الحزب الواحد، والقيادة الجماعية وفكر سياسي إيديولوجي تقدمي(1).

وقد حاول قادة الاتجاه الأول أن يغتنموا فرصة تواجدهم بالمجلس الوطني التأسيسي فقاموا بضغوطات كثيرة على قادة التيار الإشتراكي لكي يقبلوا بفكرة سيادة البرلمان وخضوع السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية واحترام إرادة الشعب التي ينبغي أن يجسمها دستور 1963، غير أن قادة الجناح السياسي الثاني الذي كان يتزعمه أحمد بن بلة بصفته زعيما لجبهة التحرير الوطني ورئيس للحكومة ومدعوما من هيئة الأركان، خرج منتصرا من معركة الصراع حول كيفية سن دستور 1963 وصياغته بالطريقة التي تخدم السلطة التنفيذية التي كان يسيطر عليـها.

وهكذا تحطمت آمال الجناح السياسي المعتدل الذي كان يدعو إلى سن دستور يجسد التعددية الحزبية وفصل السلطات واحترام الإرادة الشعبية. وفي يوم 12 أوت 1963 قرر فرحات عباس أن يستقيل من رئاسة المجلس الوطني التأسيسي وذلك احتجاجا على تدخل المكتب السياسي في الشؤون الداخلية للسلطة التشريعية، وإقدامه على عرض مشروع الدستور على المناضلين في الحزب في ندوات جهوية ثم مناقشته وإثرائه في ندوة وطنية لإطارات حزب جبهة التحرير الوطني، ثم المصادقة عليه يوم 31 جويلية 1963 بقاعة سينما الأطلس بالجزائر العاصمة. وبهذا الاستقالة للسيد فرحات عباس تم فسح المجال لأنصار السيد أحمد بن بلة في المجلس الوطني التأسيسي أن يصوتوا شكليا على مشروع الدستور يوم 29 أوت 1963 بـ 139 صوت ضد 23 وامتناع 8 نواب عن التصويت، وصادق عليه الشعب في استفتاء جرى يوم 8 سبتمبر 1963.

تكريس مبدأ الحكـم بواسطـة الحـزب الواحـد

لقد كانت فكرة الحزب الواحد هي الفكرة الراسخة في عقول المسؤولين الجزائريين منذ اندلاع ثورة نوفمبر 1954، والرئيس أحمد بن بلة كان يعتقد أن مواصلة جمع الشمل في إطار جبهة التحرير الوطني الجزائري هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على الوحدة الوطنية وتجنب الصراعات السياسية التي تؤثر سلبيا على المجهودات المبذولة لانتهاج سياسة مستوحاة من رئيس الدولة وزعيم الحزب الواحد، ولهذا نلاحظ في دستور 1963 أن المادة 23 من ذلك الدستور تنص بأن جبهة التحرير الوطني الجزائري هي الحزب الطلائعي الوحيد في الجزائر. وفي نفس الإطار أكدت المادة 24 من نفس الدستور أن جبهة التحرير هي التي تقوم بتحديد سياسة الأمة، ومنها ينطلق العمل في الدولة، وبالتالي، فإن جبهة التحرير هي التي تراقب العمل الذي يقوم به البرلمان والحكومة(1).

وباختصار، فإن فلسفة الحكم في الجزائر، حسب تصورات أحمد بن بلة، تقوم على أساس أنه لا يوجد نظام تعدد الأحزاب، وأن السلطة التنفيذية (أي الحكومة)
لا تتنافس مع السلطة التشريعية (البرلمان) وجميع أعضاء هاتين السلطتين يتم تعيينهم في مناصبهم من طرف الحزب. ولهذا لا يوجد أي خلاف بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وإذا حدث أن وقع خلاف بين هاتين السلطتين، فإن الحزب هو الذي يفصل في هذه المسألة، وليس الشعب. وعليه، فإن حرية التعبير وتوجيه الانتقادات للحكومة أو معارضة سياستها غير مسموح بهما إلا في إطار الحزب الواحد والمؤسسات الحكومية الخاضعة لوصايتـه.

وبعبارة أخرى، فإن أعضاء الحكومة الذين يخضعون لسلطة رئيس الحكومة سواء في التعيين أو الطرد من مناصبهم، يخضعون للأمين العام للحزب الذي يرأس المكتب السياسي للحزب.

ونفس الشيء يمكن أن يقال عن أعضاء البرلمان الذين يخضعون لتعليمات الأمين العام للحزب ورئيس الدولة في آن واحد. ولهذا، فإن قضية فصل السلطات وتمتع كل سلطة بنفوذها وحق أعضائها في محاسبة أية سلطة أخرى، غير مقبولة. وعليه، فإن التزام كل عضو في الحكومة أو في البرلمان بتعليمات رئيس الدولة الذي هو في نفس الوقت رئيسا للحكومة والأمين العام للحزب، هي قضية مفروغ منها، ومن تسول له نفسه محاسبة أعضاء الحكومة فإنه يتعرض بصفة آلية إلى عقاب أليم من طرف لجنة التأديب في الحزب وعزله من منصبه إذا كانت درجة العصيان تقتضي ذلك. كما أن عملية الطرد من الحكومة والبرلمان قد تأتي من رئيس الحكومة أو البرلمان. فرئيس الحكومة الذي يختار أعضاء حكومته، يستطيع أن يطرد أو يعزل أي وزير يختلف معه في أية قضية، ونفس الشيء يمكن أن يحدث لأي عضو بالبرلمان يتمرد على السلطة ويخلق مصاعب لها حيث أن هناك لجنة برلمانية متكونة
من 20 عضو مكلفة بدراسة ملف أي عضو من البرلمان ورفع الحصانة عنه حتى يتسنى للسلطات الأخرى محاسبته إذا ثبت أنه ارتكب مخالفات تمس بالمصلحة العليا
للدولــة(1).

ونستخلص من ما تقدم، أن الأمين العام للحزب الذي يرأس المكتب السياسي هو الذي بيده القرار السياسي في البلاد وذلك باستعمال الحزب الواحد كوسيلة لتعيين أنصاره في مناصب حساسة في الدولة وإبعاد خصومه الذين يحملون أفكارا معارضة له أو مضادة للسياسة التي ينتهجها. وتأكيدا لهذه الحقيقة، نصت المادة 59 من دستور 1963 على إعطاء رئيس الدولة صلاحيات سياسية كبيرة في مجال اتخاذ القرارات حيث يسمح له الدستور باتخاذ إجراءات استثنائية في حالة تعرض البلاد إلى خطـر.

وفي يوم 3 أكتوبر 1963 بعث رئيس الدولة ببرقية إلى البرلمان أطلع فيها أعضاءه بأنه قرر تطبيق المادة 59 من الدستور وتحمل جميع السلطات واتخاذ القرارات التي تحمي المصلحة العليا للوطن. وقد كانت المناسبة للاستيلاء على السلطة والانفراد بها هي تمرد آيت أحمد والعقيد محند ولحاج بمنطقة تيزي وزو. وحافظ رئيس الدولة على هذه السلطات الاستثنائية إلى غاية تنحيته وإبعاده من كرسي الرئاسة يوم 19 جوان 1965. ويلاحظ هنا أن الرئيس هواري بومدين قد استعمل نفس الإجراء عند الإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة، وهو إنشاء مجلس الثورة وذلك وفقا للمادة 59 من دستور 1963 التي تسمح لرئيس الدولة إيقاف العمل بالدستور وتسيير البلاد بقرارات استثنائيـة.

الصراع السياسي بين بن بلة وآيت أحمـد

لقد استفحل الصراع على السلطة في عهد الرئيس أحمد بن بلة وخاصة منذ يوم 28 سبتمبر 1963 وهو اليوم الذي أصدر فيه رئيس الجمهورية قرارا يحظر على حزب ” جبهة القوى الإشتراكية ” ممارسة أي نشاط سياسي، مع العلم، أن زعيم هذه الجبهة السيد حسين آيت أحمد وأنصاره قد دخلوا في صراع مسلح ضد حكومة السيد أحمد بن بلة منذ سبتمبر 1963 وذلك بقصد وضع حد لفوضى الحكم والارتجال في اتخاذ القرارات، وإرساء قواعد ديمقراطية صريحة وإطلاق سراح جميع المعتقلين(1). وقد اعتبر حسين آيت أحمد تمرده على السلطة بمثابة احتجاج على كيفية معالجة دستور 1963 ومناقشته خارج المجلس التأسيسي المنتخب شرعيا وكذلك استقالة فرحات عباس من الهيئة التشريعية المؤقتة(2). وإذا كان آيت أحمد قد أسس حزبا بقصد مواجهة تجاوزات السلطة التنفيذية، فقد كان ذلك، في رأيه بقصد تنظيم المقاطعة الصحيحة في الاستفتاء على الدستور. غير أن هذا الصراع على السلطة بين أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد، قد تقرر تجميده لمدة وجيزة من الوقت وذلك بعد أن تم الإتفاق بين زعيم حزب ” جبهة القوى الإشتركية ” وزعيم المكتب السياسي لحزب ” جبهة التحرير الوطني الجزائري ” السيد أحمد بن بلة، على إنهاء الخلافات السياسية بين الطرفين والتصدي لحكومة المغرب الأقصى التي قامت بشن هجوم عسكري على الحدود الجزائرية يوم 9 أكتوبر 1963. وكما قال أحد المسؤولين في ” جبهة القوى الإشتراكية ” إنه بمجرد سماع ” الأخبار بالإعتداء السافر على قطرنا، قررنا وقف جميع نشاطاتنا السياسية والعسكرية ووجهنا جميع قواتنا وجهودنا إلى جبهة القتال “. وهكذا توقف الصراع على السلطة، مؤقتا، بين بن بلة وآيت أحمد، يوم 19 أكتوبر 1963، واتفق الزعيمان على ما يلـي :

1.    إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.

2.    إعادة تشكيل القيادة العامة للجيش الوطني الشعبي  بحيث يشارك فيها عضو من أعضاء الولايات الستة.

3.    توزيع الأراضي على المجاهدين.

4.    القيام بمبادرة لعقد المؤتمر العام لجبهة التحرير الوطني الجزائري.

5.    إعلان هذا الإتفاق فورا عن طريق وسائل الإعـلام(1).

إلا أن هذا الإتفاق لم يدم طويلا وانهار بمجرد إنتهاء المعارك بين المغرب والجزائر. وبما أن الرئيس أحمد بن بلة تجاهل مطالب آيت أحمد وانهمك في تنفيذ البند الخاص بعقد مؤتمر وطني للحزب في مطلع 1964، فقد تأزم الوضع من جديد بين الحكومة والمعارضة والتحق آيت أحمد من جديد بجبال القبائل لاستئناف تمرده على سلطة أحمد بن بلة، وكانت النتيجة هي إلقاء القبض على حسين آيت أحمد
يوم 17 أكتوبر 1964 من طرف الجيش الوطني الشعبي الذي عثر عليه مختبئا عند إحدى العائلات في منطقة القبائل. وبعد محاكمة سريعة له في أفريل 1965، صدر الحكم على حسين آيت أحمد بالإعدام الذي لم ينفذ لأن كل طرف كان يحرص على إيجاد حل سلمي للأزمة. ونظرا لصعوبة التفاوض في داخل الجزائر، فقد أرسلت جبهة التحرير الوطني الجزائري وفدا إلى فرنسا يقوده السيد بجاوي والزبير بوعجاج، وتفاوض هذا الوفد هناك مع وفد من حزب ” جبهة القوى الإشتراكية ” وتوصلت الأطراف المتفاوضة إلى اتفاق نشرت محتواه الصحافة الجزائرية يوم 6 جوان 1965، وبقي آيت أحمد في السجن إلى غاية 3 أفريل 1966 وهو اليوم الذي هرب فيه من السجن، متنكرا في لباس امرأة، وبقي في الجزائر شهرا ثم غادر الجزائر باتجاه مرسيليا، وهناك أخبره الفرنسيون بأنهم لا يريدون بقاءه بفرنسا لأن ذلك يخلق لهم مشاكل مع الجزائر، فواصل سفره إلى سويسرا حيث استقر هناك مع ابنته بشرا التي كانت تعالج هناك(1). ولم يعد آيت أحمد إلى الجزائر إلى غاية صدور دستور 1989 وقيام التعددية الحزبية والسماح بحرية التعبير في نظام ديمقراطي.

 

بداية المواجهة الحاسمة بين بن بلة وبومديـن

إنه لمن الواضح أن وجهات نظر العقيد بومدين، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، تتقارب كثيرا مع وجهات نظر أحمد بن بلة رئيس الحكومة وأمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري. فكلاهما كان يعتقد عن قناعة بأن الجزائر في حاجة ماسة إلى إقامة نظام سياسي يقوم على أساس :

1. وجود حزب واحد يوجه ويرشد الحكومة ويجند الجماهير على مستوى القاعدة على أن يكون مناضلوه من المناضلين الموظفين بالدولة الذين يتقاضون رواتب حكومية.

2. العمل على الانتقال من مرحلة ” الثورة الوطنية ” إلى مرحلة ” الثورة الإشتراكية ” وإنشاء دولة قوية وقادرة على مواجهة البورجوازية وأصحاب الأموال بحيث يستحيل على أصحاب الثورة الإستحواذ على السلطة واستغلال العمال والفلاحين والضعفاء في البـلاد.

3. توحيد جميع الفئات الاجتماعية وتجنيدهم لتدعيم الوحدة الوطنية حتى تسود العدالة الإجتماعية لأن التغلب على التناقضات الإجتماعية يتطلب وجود انسجام بين جميع أفراد المجتمع والعمل في إطار جماعي والتعاون بقصد منع أصحاب الملكية الخاصة من إثراء أنفسهم على حساب الفئات المحرومـة.

4. مشاركة قوات الجيش في عملية التنمية الوطنية واعتبار أفراد القوات المسلحة عناصر ثورية من أبناء الشعب تعمل لصالحه. فالجيش الذي يرجع إليه الفضل في تحرير البلاد من الهيمنة الإستعمارية يعتبر نفسه مجندا لخدمة الشعب ويخضع لأوامر الحكومة. وحسبما نصت عليه المادة 8 من دستور 1963، فإن الجيش مسؤول عن الدفاع عن الوحدة الترابية ويشارك في النشاطات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تجري بالوطن وذلك في إطار الحزب.

5. تطبيق ما جاء في المرسوم الصادر يوم 14 أوت 1963 والخاص بمنع جميع الجمعيات والأحزاب السياسية من القيام بأي نشاط له طابع سياسي(1).

وفي هذا الإطار تم حظر حزب القوى الاشتراكية يوم 28 سبتمبر 1963 وحزب الثورة الاشتراكي الذي يرأسه محمد بوضياف يوم 30 أوت 1963 ومنعهما من القيام بأي نشاط سياسي وطنـي.

وباختصار، فقد كان هناك تقارب كبير بين وجهتي الرئيس أحمد بن بلة ونائبه الأول الذي يشغل أيضا منصب وزير الدفاع في نفس الحكومة، غير أن المشكل الذي بقي مطروحا، ووجهات نظرهما لا تلتقيان بشأنه هو : من يقود البلاد ويكون له التأثير القوى على مصير البلاد ؟ وإذا كان من الواضح، وفقا للنصوص القانونية، أن للحزب أولوية على بقية مؤسسات الدولة، فإنه من غير الواضح، من الناحية الفعلية، إذا كان رئيس الحكومة أو وزيره للدفاع هو الذي يتولى زمام الأمور بصفته هو القائد الذي يرجع له الفضل في إعلاء شأن أحمد بن بلة وتمكينه من التربع على كرسي رئاسة الجمهوريـة.

وكيفما كان الحال، فإن الصراع الخفي على السلطة بين رئيس الحكومة ووزيره للدفاع لم يكن بارزا للعيان وذلك بسبب احتياجهما لبعضهما البعض. فالرئيس أحمد بن بلة كانت تواجهه تمردات في بلاد القبائل ونزاع متواصل مع المغرب بشأن الحدود، ورجال المعارضة يتحالفون ضد نظامه إلى درجة أنه أصبح معزولا ولا يجد من يسانده من قادة الثورة الأوائل أمثال محمد بوضياف وفرحات عباس وحسين آيت أحمد لأن جميعهم دخلوا السجون في عهد الرئيس أحمد بن بلة بسبب مواقفهم المعارضة للسيد رئيس الحكومة. ولهذه الأسباب كلها كان الرئيس أحمد بن بلة يشعر بحاجته الماسة إلى الجيش الذي يقوده العقيد هواري بومدين لتهدئة الأوضاع والتغلب على خصومه وإخضاعهم للسلطة الشرعية. كما أن العقيد هواري بومدين كان يشعر بحاجة ماسة إلى وجود قائد ثوري عنده سمعة وطنية ودولية، وينتمي إلى مجموعة القادة الأوائل لثورة أول نوفمبر 1954، وذلك لكي يتصدى للقادة الفطاحل الذين كانوا يتزعمون الحكومة المؤقتة للجهورية الجزائرية، وشغلهم الشاغل هو عزل قيادة الأركان والتخلص من قائد الجيش وتحويل القوات المسلحة إلى شبه مؤسسة مدنية تابعة للقيادة السياسية وتأخذ أوامرها من القادة المدنيين بدلا من العسكريين.

وتحقيقا للهدف المشترك بين الزعيمين، بن بلة وبومدين، وهو وضع حد لنشاط الزعماء المتمردين على قيادة بن بلة وبومدين، نصت المادة 8 من دستور 1963 على بقاء الجيش وفيا للتقاليد الوطنية المتمثلة في العمل لتحرير الوطن وخدمة الشعب والاستجابة لأوامر الحكومة، كما يقوم الجيش بالدفاع عن التراب الوطني ويشارك في النشاطات الاقتصادية والإجتماعية، وذلك في إطار الحـزب.

وانطلاقا من فكرة مشاركة الجيش في عمليات التنمية وعدم تقليص دوره وعزله في الثكنات العسكرية، وضرورة خضوعه للحزب وتلقيه الأوامر من المدنيين في الحكومة، بدأ كل طرف يعمل من أجل تجسيد هذه المادة من الدستور لصالحه. فالرئيس أحمد بن بلة أصبح شغله الشاغل في سنة 1964 هو ترويض الجيش وجلبه إلى العمل في إطار الحزب وخضوعه لسلطة القادة المدنيين، بينما كانت وجهة نظر العقيد بومدين تتمثل في المحافظة على وحدة الجيش وعدم عزله في الثكنات وبقائه في خدمة الشعب تحت قيادة وزارة الدفـاع.

وبكلمة أخرى، فإن الرئيس أحمد بن بلة قد شرع في سنة 1963 وخاصة بعد إزاحة خصومه من مؤسسات الدولة القوية مثل البرلمان والحزب وإضعاف هاتين المؤسستين، يعمل بهدوء لإخضاع مؤسسة الجيش لقيادة المدنيين في الحزب والحكومة (مثلما نصت المادة 8 من دستور 1963). وتمثلت إستراتيجية أحمد بن بلة في السعي لخلق قوة جديدة على مستوى القمة في الدولة. وحسب هذه الخطة، فإن أحمد بن بلة قد جعل من الرئاسة هي السلطة التي تتمركز بها السلطة، وأحاط نفسه بمجموعات يسارية من مستشارين وطنيين وأجانب، بحيث أصبح أولئك الخبراء هم القوة الفعالة في تسيير شؤون البلاد. وبحكم القرارات التي كانت تصدر من رئاسة الجمهورية باسم الحزب، فقد برزت إلى الوجود قوة سياسية جديدة تعمل في إطار الحزب تستمد قوتها من الرئاسة، وهي تتكون من الجناح اليساري في جبهة التحرير الوطني وتتبنى سياسة تقدمية ومتخنة بالشعارات السياسية البراقة والداعية إلى تبني نظام اشتراكي مستمد من تجارب كاسترو، والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس خروتشوف في الاتحاد السوفياتي. وفي هذا الإطار صرح محمد حربي رئيس تحرير مجلة ” الثورة الإفريقية ” بأنه كان يشعر بأنه قريب من الحزب الشيوعي الجزائري وبعيد عن مواقف جبهة التحرير الوطني الجزائري(1). وكان الهدف من هذا التحالف اليساري التقدمي هو خلق جبهة وطنية موحدة بقصد المحافظة على المكاسب الثورية ووضع حواجز أمام البورجوازيين لكي لا يستولوا على السلطة(2). فبالنسبة إليهم لا يمكن السماح بإقامة نظام سياسي بورجوازي يستمد نفوذه من تعدد الأحزاب وتمهيد الطريق للديمقراطية بالمفهوم الغربي لأن ذلك يعني بالنسبة للتقدميين أو الماركسيين فسح المجال أمام الأحزاب السياسية الموجودة في الماضي والجماعات السياسية الضاغطة لاستئناف نشاطاتهم السياسية وخلق مصاعب للحكومة. ولهذا فالديمقراطية في الظروف التي كانت تمر بها الجزائر في عهد الاستقلال، في رأي اليساريين الجزائريين، تعتبر عملية عقيمة ومضيعة للوقت، ونتيجتها هي الدخول في مناقشات بيزنطية وتعطيل التلاحم بين الفئات الإجتماعية. وحسب بعض الخبراء في الشؤون الجزائرية، فإن قادة اليساريين في جبهة التحرير الوطني الجزائري كانوا يسعون بالدرجة الأولى إلى تمديد العمل الثوري في الميدان الإجتماعي بينما كانت هناك تيارات محافظة تسعى إلى إقامة نظام ديمقراطي على الطريقة الغربية، وأسلوب برلماني في الحكم يكون مشابها لما هو موجود في الدول الغربية بحيث تكون نتيجتهما بقاء الشرائح الإجتماعية ذات النفوذ المالي في السلطة، أي أن يحلون محل أصحاب النفوذ المستوطنين الأوربيين السابقين بالجزائــر(1).

لكن قيادة الأركان بزعامة العقيد هواري بومدين الذي قرر يوم 4 سبتمبر 1962 تحويل جيش التحرير الوطني إلى جيش وطني شعبي، كانت بالمرصاد لأية محاولة من طرف الزعماء المدنيين للتدخل في شؤون العسكريين. وبفضل العناصر الوطنية والشخصيات البارزة التي كانت في جيش وجبهة التحرير الوطني خلال حرب التحرير، استطاع بومدين أن يعين مجموعات كبيرة منهم في مناصب إدارية عليا بالدولة ويحصل بالتالي على تأييدهم له خلال مرحلة الصراع على السلطة مع بن بلة وأنصاره في الحزب. كما أن بومدين قد تمكن من الحصول على تأييد شعبي له من خلال تكوين بعض التعاونيات وتدعيم رجال الأعمال الذين طلبوا تسريحهم من الجيش لكي يتحولوا إلى العمل الحر وينشطوا بذلك الميدان الإقتصادي الذي يعتبر حيويا للدولة الجزائرية. وأكثر من ذلك، استفاد الجيش من وجود نسبة كبيرة من المنتمين إلى مؤسسة الجيش في البرلمان والحزب والحكومة، ولذلك كانت كلمته مسموعة في كل مؤسسات الدولة الجزائرية. وزيادة على ذلك، فإن قوة العقيد هواري بومدين تنبع من قدرته على المحافظة على وحدة الصف داخل القوات المسلحة والإعتماد على الجهاز الإداري للدولة وتجنيد أفراده لخدمة البلاد، بينما كانت الجماعات اليسارية متشتتة وأهدافها متضاربة ويعيش أفرادها في محيط مليء بالصراعات الإيديولوجية، لكن هدفهم المشترك واحد بالنسبة لليساريين وهو، خلق منظمات جماهيرية وميليشيات شعبية لتقليص نفوذ الجيش.

       وفي خريف 1963 تبلور الصراع السياسي بين رئيس الحكومة ونائبه الأول وذلك بمناسبة التحضيرات الأولية لعقد المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير الوطني في عهد الإستقلال. ففي يوم 16 نوفمبر 1963 أعلن الرئيس أحمد بن بلة بأنه قرر عقد أول مؤتمر وطني للحزب في عهد الإستقلال وذلك سنة 1964. وبعد يومين من هذا القرار، قام بن بلة بتنصيب اللجنة التحضيرية للمؤتمر والتي كانت تتكون من 44 عضو، وكلف أعضاءها بإعداد النصوص الأساسية التي ستعرض على المؤتمر. وأعتبر العقيد هواري بومدين وزملاءه في القوات المسلحة هذا القرار بمثابة محاولة مكشوفة لإحكام قبضة رجال الحزب على زمام السلطة وإخضاع العسكريين لحكم المدنيين. ولهذا عارض بومدين فكرة عقد المؤتمر في تلك الظروف الصعبة وهدد بالإنسحاب من اللجنة التحضيرية للمؤتمر وأعلن عن مقاطعته لها واستقالة العسكريين منها. غير أن الرئيس بن بلة رفض هذه الإستقالات وطلب منهم مواصلة العمل في إطارها وإعطاء وجهات نظرهم في المواضيع التي تعرض على المؤتمرين(1).

وفي يوم 16 أفريل 1964 تم افتتاح المؤتمر الأول لجبهة التحرير الوطني الجزائري في عهد الإستقلال وذلك تحت شعار ” الوحدة الثورية “. ويبدو أن الرئيس أحمد بن بلة كان يهدف من عقد المؤتمر إلى تحقيق المصالحة الوطنية والتفاهم مع خصومه في المعارضة بحيث يتعاون الثوريون الحقيقيون مع بعضهم البعض ويتوحدون ضد القوات الظلامية التي كانت قد خلقت مشاكل للجزائر. وتحقيقا لهذا الهدف، قام رئيس الحزب السيد أحمد بن بلة بإستدعاء الشخصيات السياسية المرموقة لحضور المؤتمر الأول للحزب والمشاركة في أعماله. وإذا كانت بعض الشخصيات السياسية أمثال كريم بلقاسم، عبد الحفيظ يوصوف، لخضر بن طوبال، محمد يزيد، سعد دحلب وتوفيق المدني، قد استجابت لنداء رئيس الحزب وحضرت معظم جلسات المؤتمر، فإن زملاء بن بلة في السجن أثناء حرب التحرير أمثال : محمد بوضياف، محمد خيضر، حسين آيت أحمد ورابح بيطاط قد رفضوا دعوة رئيس الحزب وأظهروا معارضتهم للسياسة التي ينتهجها أحمد بن بلة. كما أن الرئيسين السابقين للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية فرحات عباس وبن يوسف بن خدة، قد رفضا حضور مؤتمر جبهة التحرير الوطني الجزائري(2).

أما الهدف الثاني من عقد المؤتمر والذي كشفت عنه استراتيجية الرئيس أحمد بن بلة فهو استعمال حزب جبهة التحرير الوطني كقاعدة لخلق التأييد الشعبي وتقسيم الجماعات الموالية للعقيد بومدين وإضعافها على الأقل. وبعبارة أخرى، فإن خطة الرئيس بن بلة كانت تقوم على أساس خلق قوة سياسية جديدة موالية لرئيس الحكومة وذلك بتعيين شخصيات سياسية في مناصب عليا في الدولة وفرض رقابة مدنية على المؤسسة العسكرية، أي ترجيح الكفة لصالح الحزب على حساب الجيش(1). وقد تبين هذا الإتجاه بكل وضوح في خطاب أحمد بن بلة الذي ألقاه في المؤتمر حيث أكد لحوالي 1700 منذوب حضروا هذا اللقاء الحزبي، منهم 200 مندوب ينتمون إلى المؤسسة العسكرية، بأنه ينوي القيام بعملية تطهير عميقة. ثم توجه إلى قائد المؤسسة العسكرية وقال له بالحرف الواحد : ” أريد أن أقول صراحة للأخ بومدين : بأن كل شيء، يكون الحزب، وأنه لا يكون أي شيء بدون الحزب “(2).

واستمرت أشغال المؤتمر لمدة 5 أيام (16-20 أفريل 1964) برئاسة بشير بومعزة، وانتهت في الساعة الرابعة من صبيحة يوم 21 أفريل 1964 بإنتخاب السيد أحمد بن بلة، بالإجماع، أمينا عاما لجبهة التحرير الوطني. كما تشكلت لجنة مركزية للحزب تتكون من 80 عضو و23 عضو إضافي.

ويلاحظ هنا أنه أثناء تدخل الشخصيات القوية في المؤتمر، استمع العقيد بومدين إلى الإنتقادات الموجهة له وخاصة تلك المتعلقة باعتماده على حوالي 200 قائد عسكري كانوا قد خدموا في الجيش الفرنسي قبل هروبهم من جيش الإحتلال والإلتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني الجزائري. وفي يوم 20 أفريل 1964، أي في اليوم الأخير من المؤتمر، تدخل بومدين وأجاب بأنه لا يفرق بين جزائري وآخر، وأن الكفاءة في العمل هي مقياس العمل في الجيش، وأظهر مرونة كبيرة في موقفه حيث أطلع المؤتمرين بأنه على استعداد لتنحيتهم من مناصبهم إذا قرروا في هذا المؤتمر أن يفعل ذلك. ولكنه استغل هذه الفرصة ليذكر الحاضرين بأنه فضل أن يعمل مع الجزائريين ويعتمد على كفاءتهم وخبرتهم بدلا من الإعتماد على الخبراء والمستشارين الأجانب الذين تسربوا إلى أجهزة الدولة(1). وفي ذلك الخطاب الشهير تساءل إذا كان هذا المؤتمر قد عقد بقصد القيام بعمليات تطهير، فالسؤال المطروح : من يطهر من؟.

وبعد الإنتهاء من خطابه أجابه الأمين العام للحزب السيد أحمد بن بلة قائلا :
” دعني أقول لك أيها الأخ بأنك بدون الحزب لا شيئ، ومع الحزب تصير كل
شيء “(2).

وباختصار، فإن اللوائح والقرارات التي تضمنها ” ميثاق الجزائر ” قد حددت معالم السياسة الجزائرية التي كان ينوي السيد أحمد بن بلة إتباعها. وتتمثل هذه السياسات فيما يلي :

 

  1. الإعتماد على الجماهير والعناصر الثورية لإقامة نظام اشتراكي.
  2. تدعيم ” التنمية الإقتصادية ” وذلك باستعمال التقنيات العصرية ومنع أصحاب رؤوس الأموال من الإستيلاء على السلطة.
  3. تشييد ” الحزب الواحد ” ومنع القوات الأخرى الرجعية من خلق ديمقراطية على النمط الغربي والإستيلاء على الثروة الإقتصادية.
  4. إشراف حزب جبهة التحرير الوطني على جميع المنظمات الجماهيرية وتجنيدها للمحافظة على المكاسب الثورية لمختلف الفئات الإجتماعية.
  5. خلق ميليشيات شعبية وذلك للمحافظة على أمن الدولة واستقرارها والدفاع عن الثورة(3).

ونستخلص من ما تقدم، أن الصراع السياسي بين رئيس الحكومة السيد أحمد بن بلة ونائبه الأول العقيد هواري بومدين قد تفاقم وبلغ درجة الإنفجار بعد مؤتمر الحزب في أفريل 1964. فالدولة أصبحت تعيش في أزمة والأوضاع الإقتصادية تدهورت والفوضى أصبحت تعم البلاد. ولهذا حاول رئيس الدولة أن يسيطر على الوضع، ويوحد جميع الفئات الإجتماعية ويتخلص من التناقضات الموجودة داخل مؤسسات الدولة. ونظرا لصعوبة مواجهة العقيد بومدين وتقليص نفوذه، قرر الرئيس أحمد بن بلة التخلص من بعض الشخصيات القوية في الدولة والمعروفة بولائها التام للعقيد بومدين. وعليه، ابتداء من مطلع جويلية 1964 قام الرئيس بن بلة بمحاولة جريئة تمثلت في بسط نفوذه على الإدارة الجزائرية وتقليص. نفوذ السيد أحمد مدغري، وزير الداخلية في حكومة بن بلة، وذلك بإصدار المرسوم 192-64 يوم 2 جويلية 1964 والخاص بانتقال سلطات الولاة من وزارة الداخلية إلى رئاسة الجمهورية(1). وبعد أسبوع من تجريد وزير الداخلية من سلطته على الولاة، قرر السيد مدغري الإستقالة من وزارة الداخلية، لكنه احتفظ بمنصبه كعضو في المكتب السياسي.

وفي نفس الفترة الزمنية، أي بداية جويلية 1964، شرع الرئيس بن بلة في تكوين ” الميليشيات الشعبية ” المسلحة والتي يترأسها محافظ وطني يتم تعيينه في هذا المنصب من طرف الأمين العام للحزب، واختار رئيس الجمهورية محمود قنز قائدا للميليشيات الشعبية. وبصفته أحد العناصر المنتمية لهيئة الأركان، فقد اعتبر تعيين محمود قنز بمثابة خطة من الرئيس بن بلة لتحييد قادة الأركان وإضعاف ولائهم لوزير الدفاع السيد هواري بومدين. وحسب القوانين والإجراءات التي اتخدتها رئاسة الدولة، فإن دور الميليشيات الشعبية يتمثل في تدعيم ومساعدة الجيش الوطني الشعبي في خططه العملية، والمساهمة في المحافظة على الأمن والهدوء، والمشاركة في جميع العمليات التي تتعلق ببناء الإشتراكية في الجزائر(2).

ويلاحظ هنا أن العقيد بومدين عارض فكرة إنشاء ميليشيات شعبية تابعة للحزب ومنفصلة عن الجيش الوطني الشعبي وذلك خوفا من خلق قوة مسلحة بجانب قوة الجيش الوطني الشعبي، تسلبه مهامه الأساسية، وتشكك في قدراته وولائه للثورة واتجاهاتها الإشتراكية. وحذر بومدين من ازدواجية القوات المسلحة وخطرها على استقرار البلاد. وطالب بوحدة القوات المسلحة للبلاد من خلال جيش وطني شعبي منضبط عسكريا، وفي نفس الوقت مسير طبقا لخط الحزب وميثاقه، ومنفذا لقراراته ومسؤول في النهاية أمام المكتب السياسي. وإجابة عن هذه المخاوف، أكد الرئيس أحمد بن بلة أن المعركة مع القوة المضادة تتطلب إنشاء ميليشيات شعبية.

واستفحل الصراع على السلطة على مستوى القيادة في شهر جويلية 1964 وذلك عندما قرر الرئيس أحمد بن بلة ضم العقيد محمد شعباني إلى المكتب السياسي(1)، وإنهاء مهامه في الجنوب الجزائري كقائد عسكري. وعندما رفض الإلتحاق بمنصبه الجديد واعترض على قرار تنحيته من منصبه في الصحراء، أمر رئيس الدولة بإلقاء القبض على شعباني وإنهاء تمرده في الحال. وهذا ما تم بالفعل، حيث تمكنت قوات الجيش الوطني الشعبي من إلقاء القبض عليه يوم 8 جويلية 1964 تم تقديمه لمحكمة عسكرية في وهران، وصدر عليه حكم بالإعدام الذي تم تنفيذه يوم 3 سبتمبر 1964، وذلك بعد أن رفض رئيس الجمهورية التدخل وتخفيف الحكم عليه إلى السجن المؤبد. وكما هو معروف، فإن العقيد شعباني كان قد ساند محمد خيضر يوم قام الرئيس أحمد بن بلة بعزله واحتج على تنحيته من رئاسة الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري.

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنه بعد تنحية بن بلة وعزله من السلطة، حاول تبرئة نفسه من قضية إعدام العقيد شعباني حيث قال بأنه أرسل وفدا إلى العقيد شعباني لإثنائه عن تمرده لكن بدون جدوى. وحسب وجهة نظر السيد أحمد بن بلة فإن العقيد هواري بومدين هو الذي كان يريد القضاء على شعباني وذلك خوفا من الدخول في صراع مع الجيش لأن وحدة الجيش ضرورية للدفاع عن الوطن(2).

وخلاصة القول، أن المواجهة الصعبة التي كلفت السيد أحمد بن بلة ثمنا باهظا، هي محاولة التخلص من وزير دفاعه القوي والعنيد، العقيد هواري بومدين
و” جماعة وجدة ” المحيطة به. فإذا كان الرئيس أحمد بن بلة قد تمكن من عزل خصومه التقليديين بسهولة حيث أجبر السيد محمد خيضر على الاستقالة من المكتب السياسي لجبهة التحرير يوم 16 أفريل 1963، واستطاع أن يلقي القبض على السيد محمد بوضياف يوم 21 جوان 1963، وتخلص من السيد فرحات عباس(3) الذي قدم استقالته من رئاسة المجلس الوطني التأسيسي يوم 12 أوت 1963، وزج بالسيد حسين آيت أحمد في السجن يوم 17 أكتوبر 1964، فإنه بالتأكيد لم يستطع أن يتغلب على ” جماعة وجدة ” التي كان يتزعّمها العقيد هواري بومدين وزير الدفاع في حكومة السيد أحمد بن بلة.

وفي الحقيقة، أن الصراع على السلطة بين الرئيس أحمد بن بلة ووزيره للدفاع العقيد هواري بومدين الذي كان يتزعم جماعة القيادة العامة للجيش، قد ابتدأ بصفة علنية يوم 3 جويلية 1964 وهو اليوم الذي أصدر فيه رئيس الجمهورية المرسوم رقم 64-192 المؤرخ في 2 جويلية 1964 والذي تضمن نقل صلاحيات وزارة الداخلية إلى رئاسة الجمهورية، وبذلك تم حرمان وزير الداخلية السيد أحمد مدغري من التحكم في الولاة وإخراجه من دائرة السلطة(1).

وفي مرحلة لاحقة قام رئيس الجمهورية بمحاولة عزل السيد عبد العزيز بوتفليقة وإبعاده عم وزارة الخارجية وذلك أثناء غياب العقيد هواري بومدين وتواجده بالقاهرة لتمثيل الجزائر في مؤتمر القمة العربي المنعقد بالقاهرة في الفترة الممتدة من 26 إلى 30 ماي 1965 والذي كان مكرس لمناقشة القضية الفلسطينية. وعندما استدعى رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة إلى ” فيلا جولي ” وأبلغه بالقرار الرئاسي المتعلق بالإستغناء عن خدماته كوزير للخارجية وتعويضه بكاتب دولة يكون تابعا للرئاسة، أظهر السيد عبد العزيز بوتفليقة استغرابه للقرار، وأعرب عن رغبته في عرض الموضوع على المكتب السياسي الذي يتمتع بعضويته. غير أن الرئيس أحمد بن بلة لم يكترث بهذا  الإعتراض وأكد أمام أعضاء المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني بأن القانون يسمح له بتعيين وعزل أي وزير في حكومته. وأوضح السيد بن بلة بأنه ” ينبغي التخلص بصفة  نهائية من شبح الإنقلابات العسكرية والتأكد، قبل انعقاد المؤتمر الأسيوي- الإفريقي، من سيادة السلطة المدنية وإثبات مقدرة الوطن على اجتياز الخلاف”(2).

ويبدو أن السيد أحمد بن بلة لم يستفيد من تجربة السيد عبان رمضان الذي حاول  خلال ثورة التحرير تغليب كفة السياسيين على العسكريين وفشل. وبإختصار، فإن السيد عبد العزيز بوتفليقة لم يستسلم للأمر الواقع، وقام بإجراء اتصالات هاتفية مع العقيد هواري بومدين المتواجد بالقاهرة وأبلغه بالمكيدة التي دبرها رئيس الحكومة في غيابه. وفي الحال قرر العقيد بومدين مغادرة المؤتمر قبل انتهاء أشغاله وعاد إلى الجزائر لكي يتعرف على ما يجري في الساحة السياسية. وكان في استقبال العقيد هواري بومدين عند وصوله إلى مطار الدار البيضاء، أعضاء المكتب السياسي وزملاءه الوزراء، وفي مقدمة المستقبلين رئيس الحكومة السيد أحمد بن بلة الذي امتطى سيارة رئاسية، بعد خروجه من القاعة الشرفية، وبجانبه العقيد هواري بومدين.

وعند وصولهما إلى ” فيلا جولي ” اجتمع الزعيمان لمدة 120 دقيقة، في جو مكهرب ومضطرب. ويبدو أن رئيس الحكومة أبدى مخاوفه من ازدياد نفوذ الجيش وتدخله في الشؤون السياسية وطموح بومدين في الإستيلاء على السلطة(1).

وبعد الإستماع إلى وجهة نظر الرئيس أحمد بن بلة، جابهه العقيد هواري بومدين بحقائق وأجوبة معبرة عن تذمره من تصرفات رئيس الجمهورية. فقد قال له في الإجتماع المشار إليه أعلاه إثر عودته من اجتماع الجامعة العربية بالقاهرة بأنه يتعين على رئيس الجمهورية أن يعمل في إطار مؤسسات الدولة وليس بطريقة مزاجية. وعندما طرح الرئيس بن بلة موضوع قراره بإقالة السيد عبد العزيز بوتفليقة من منصب وزير الخارجية، أوضح له العقيد هواري بومدين موقفه من هذه المسألة وقال له : ” إنك كرئيس للحكومة من حقك أن تختار معاونيك في الوزارة، وأن تبعد منهم من تريد، ولكن ذلك محكوم بالسياسة العامة المقررة للدولة والمجتمع، وبالتالي، فلا بد من أن تبدي الأسباب الموضوعية التي من أجلها تقصي وزير الخارجية، وأن تعلن هذه الأسباب، وأن تحدد المسؤوليات إذا كانت هناك أخطاء ارتكبها وزير الخارجية “. ثم أثار العقيد هواري بومدين تساؤلات حول موقف الرئيس أحمد بن بلة من سياسته المنتهجة وقال له : ” إن الإطار الشرعي والمسؤول لمناقشة هذه الأسباب والحكم عليها هو مجلس الوزراء والمكتب السياسي واللجنة المركزية، فلماذا لا تعرض هذا الأمر على هذه الهيئات ؟ “(1). وخلص بومدين إلى القول بأن الرئيس أحمد بن بلة رفض أن يتعاون مع أعضاء حكومته، ولهذا لم يكن أمام المناضلين الثوريين أي خيار آخر غير خيار القيام بحركة ثورية لإنقاذ الجزائر من ” الإنحراف والجمود وأمراض عبادة الفرد التي استحكمت في بن بلة “(2).

وحسب شهادات بعض الشخصيات العسكرية المتورطة في العملية العسكرية الإنقلابية ضد الرئيس أحمد بن بلة، فإنه بمجرد عودة العقيد هواري بومدين من اجتماع القاهرة، وانتشار معلومات مؤكدة بأن رئيس الجمهورية سيتخلص عن قريب من قادة الجيش ويبسط نفوذه عليه، التقى به بعض قادة القوات المسلحة في المطار وأبلغوا العقيد هواري بومدين بما جد من أحداث. وآنذاك قرر وزير الدفاع دعوة زملاءه في الجيش إلى اجتماع في بيت قائد الأركان العقيد الطاهر الزبيري وذلك على الساعة الثامنة ليلا من تلك الليلة التي عاد فيها إلى أرض الوطن. وفي الوقت المحدد لعقد الإجتماع، حضر القادة : الشريف بلقاسم، قايد أحمد، عبد العزيز بوتفليقة وأحمد مدغري، بالإضافة إلى صاحب المنزل، وتمحور الحديث في ذلك الإجتماع حول بلورة الموافق وحصر القرائن والأدلة عن تصرفات الرئيس أحمد بن بلة، ونواياه في تصفية كل الثوريين وعزلهم عن السلطة السياسية والعسكرية. وفي هذا الإجتماع تساءل بعض القادة الحاضرين : ” أيعقل أن نقدم له الحكم على طبق من فضة ويكافئنا بهذه الطريقة المخزية ونسكت بعد ذلك ؟ “(3).

ثم تعددت اللقاءات واتصل العقيد بومدين ببعض الشخصيات المدنية والعسكرية وتباحث معهم فيما ينبغي عمله. وتركز الحديث في هذه اللقاءات على كيفية إعادة الشرعية للمؤسسات الوطنية، وعقد مؤتمر للحزب في مدة سنة وأقل من سنتين. وبعد أن تم الإتفاق على تنحية الرئيس بن بلة من منصبه، وتكوين مجلس ثوري، شرع القادة في تحديد المقاييس التي يجب أن تتوفر في أعضاء مجلس الثورة، واعتبار قادة النواحي العسكرية أعضاء في المجلس الجديد بصفة آلية، وكذلك أعضاء المكتب السياسي في حكومة بن بلة الذين يقبلون مبدأ تغيير نظام الحكم(1).

والعجيب في الأمر أن العقيب الطاهر الزبيري الذي لا ينتمي إلى جماعة وجدة والذي حاول الرئيس أحمد بن بلة أن يستميله إليه وقام بتعيينه رئيسا للأركان العامة للجيش في عام 1963، هو الذي قاد عملية الإنقلاب ضد رئيس الجمهورية بعد منتصف ليلة 19 جوان (يونية) 1965 حيث طرق عليه الباب وقال له : ” لم تعد رئيس للجمهورية ! لقد تم تعيين مجلس ثورة، وهو الذي يتولى مقاليد الأمور منذ هذه اللحظة. فتعال معي وعليك أمان الله ! “(2).

 

الرئيس بن بلة يراهن على تأييد الشعب له ويخسر المعركة

 

       بدون شك، فإن محاولات اقتسام السلطة بين مختلف الجماعات القوية قبل وخلال الثورة، هي السبب الرئيسي لسقوط حكومة أحمد بن بلة وإنهاء مهامها من طرف جماعة الأركان العامة في الجيش. إنه لمن الواضح أن جبهة التحرير الوطني كانت عبارة عن حركة تحرير، تجمع مختلف التكتلات الحزبية وانتهى دورها عندما تحققت أهدافها باسترجاع استقلال الجزائر في سنة 1962. لهذا، فإن محاولات السعي للمحافظة على الوحدة والإستمرارية في العمل في إطار جبهة وطنية واحدة، كانت عملية صعبة بالنسبة لكل قائد سياسي جزائري تسلم قيادة الدولة منذ 1962 إلى
يومنا هذا.

وباختصار، فإن استراتيجية السيد أحمد بن بلة، منذ البداية، كانت تقوم على أساس الإنفراد بالسلطة وإقامة علاقة مباشرة مع الجماهير تجعله في غنى عن وسائط المؤسسات(3). وفي هذا الإطار، ينبغي أن لا ننسى بأن بن بلة كان قد دخل في صراع حاد مع رفيقه في النضال محمد خيضر وذلك بسبب رغبة هذا الأخير في تحويل جبهة  التحرير  إلى حزب يقوم على أساس برنامج سياسي ويحكم بصفة فعلية. إلا أن بن بلة اعترض على خطة خيضر وأبعده عن الحزب بحيث يكون هذا الحزب في خدمة الحكومة.

واعتمد بن بلة، بصفة خاصة، على تاريخه الثوري وزعامته الشخصية لكي يواجه خصومه في المجال السياسي ويمنعهم من اقتسام السلطة معه بصفة ملموسة. ولكنه واجه صعوبات جمة في الإحتفاظ بالسلطة وتحييد معارضيه لأن قادة الجيش الذين تحالفوا معه في البداية وساعدوه على الوصول إلى السلطة كانوا أحسن تنظيما منه وفي موقع يسمح لهم بمواصلة العمل الثوري بدونه.

وبالتخلص من رئيس الجمهورية ونفيه إلى مكان مجهول، برزت على السطح من جديد فكرة ” أولوية العسكريين على السياسيين ” التي تجسدت في اجتماع المجلس الوطني للثورة الجزائرية في دورة 1957 بالقاهرة، وتأكد، بما لا يدع مجالا للشك، الإنطباع السائد في الأوساط السياسية أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بتنظيم جيد. أما بقية المؤسسات الوطنية الأخرى التي حاولت باستمرار أن تفرض وجودها في الساحة الجزائرية وتأخذ نصيبها من النفوذ والسلطة فقد تفككت وتهمشت وأثبتت فشلها وعدم قدرتها على منافسة قيادة هيأة الأركان العامة. وعليه، فالجيش يعتبر نفسه ضمانة للثورة واستمراريتها، ولا يمكنه التخلي عن هذه المهمة التي كانت مرسومة له منذ فترة حرب التحرير حيث أعلن أحد مفكريه بقوله : ” لقد اكتسب مجاهدونا الخصال الأساسية التي تسمح لهم بأن يكونوا إطارات الجزائر المستقلة، وذلك بفضل معرفتهم الدقيقة بالرجال والأرض، وطبيعة الحلول التي قدموها لمشاكل زادتها الحرب والقمع صعوبة وتعقيــدا “(1).

ومن خلال مراجعتنا لتصريحات السيد أحمد بن بلة للتعرف على وجهة نظره في موضوع عزله من طرف قادة الأركان العامة للجيش، لاحظنا أن الرئيس أحمد بن بلة دافع عن مواقفه السياسية وبرر قراراته الفردية والحاسمة بضرورة فرض النظام على كامل التراب الوطني والقضاء على المعارضة المسلحة وحماية الأموال من مطامع البورجوازية الجديدة. واعترف بن بلة في تصريحاته الواردة في المقابلات التي أجراها معه بعض الصحفيين في عام 1989 بأنه ارتكب أخطاء عندما كان يمارس سلطاته في ظروف صعبة للغاية. فقد قال بالحرف الواحد : ” صحيح أنه عندما كان يتعين علي أن أتخذ القرارات العديدة والخطيرة أحيانا لم أستشر معاوني لضيق الوقت وأنني لم أخذ برأي هؤلاء أو أولئك، خاصة عندما تكون متناقضة أو غير ملائمة، أو أنها تؤدي إلى تأخير قرار تفرضه أحيانا خطورة الأوضاع بصورة عاجلة “(1). وتأسف بن بلة على النتائج التي ترتبت على بعض القرارات النابعة من خطأ التقدير وتجاوز السلطة على مستوى التطبيق.

أما على صعيد الأخطاء السياسية فقد قال بن بلة : ” إنني أعتقد أني ارتكبت ثلاثة أخطاء رئيسية :

 

– الخـطأ الأول : والأكثر خطورة هو أنني قدست الحزب الواحد. صحيح أن مؤتمر طرابلس أقر إنشاء الحزب الوحيد، وأنا أعتقد أن جدية الرجال تقاس عبر احترامهم لمقررات مؤتمرات أحزابهم. وقد ظننت حقا أن الحزب الوحيد يمكن أن يسوي مشاكل البلاد السياسية على المدى الطويل. لقد كنت تعلمت من التجربة، من الإنقسامات والنزاعات والخلافات داخل الحركة الوطنية من نشوئها ونتائج الدمج القسري داخل جبهة التحرير الوطني لكل الأحزاب الأخرى، وكنت أعلم أن رجالا لا ينتمون إلى تيارات رأي ويدافعون عن مصالح مختلفة: كالعلماء والـ
P.P.A / M.T.L.D وU.D.M.A والحزب الشيوعي الجزائري والـ ” بني وي وي ” المتحالفين مع تنظيمات أخرى، هذا إذا لم نتكلم عن الوصوليين، ألا يمكن أن يتعايشوا طويلا في نفس التنظيم ويدافعوا عن نفس السياسة فيما هم يحجمون بالقسر. وعلى العكس، فقد اعتقدت أن أفضل وسيلة لكي نحول دون حرمان الجماهير الشعبية من ثمرات تضحياتها على أيدي العاملين من أجل إقامة نظام استغلال رأسمالي تقليدي هي أن نبني، قبل العودة إلى حرية التنظيم السياسي، حزبا ثوريا طليعيا يحترم حرية الإتجاهات داخله بالتعبير عن رأيها، ويكون المعبر الحقيقي والمدافع الحازم عن القوى الشعبية. إلا أن هذا لم يكن أكثر من محاولة ” لتغطية الشمس بالغربال “. إن نتيجة هذا الخطأ هي أننا اليوم ليس لدينا لا الحزب الطليعي ولا الحرية بل الإضطهاد ليس إلا.

 

– الخــطأ الثاني : كان نابعا من تنشيئتي ومزاجي. فأنا كمناضل تعودت على مواجهة الأوضاع الأكثر صعوبة، بطريقة مباشرة ودون مناورة كإنسان، لا يخف النفاق والألاعيب السياسية التقليدية، لم أكن أتمتع نتيجة لذلك بالمهارة اللازمة في إخراج وأيضاح قراراتي. لم أستطع أن أراعي الحساسيات وأدغدغ حب الذات عند البعض. ولأنني كنت منشغلا بشكل أساسي بالمصالح العليا للأمة وبالضائقة التي يعاني منها ملايين الفقراء، لم أكن حاذقا في طرح نواياه وإخراج خطاباتي. ولما كنت خارجا من داخل الشعب، فإن كلامي الشعبي المباشر والقاسي أحيانا والواضح، أخاف بعض الشرفاء بالرغم من أنه لم يكن هناك ما يجب أن يخافوه ما داموا لم ينزلقوا إلى عمليات أو أوهام غير مشروعة. كل هذا أفقدني بعض التعاطف لصالح جماعات وأوساط كانت سياستي قد لجمت مطامحهم ومصالحهم.

 

– أما الخطأ الثالث : فهو أنني لم أكن أدري مدى طموحات بومدين نفسه وطموحات أعوانه المخلصين على وجه الخصوص والتأثير والضغوط التي كانوا يمارسونها عليه. وكان هؤلاء جميعا وزراء في حكومتي. وإذا كنت قد قررت عدم القيام بإجراءات ضد  بومدين وجماعته فذلك، لأنني كرئيس للجمهورية لم أكن أمارس السلطة وحدي بل مع مجوعة الحكومة.

ثم إن هشاشة حجة ” السلطة الشخصية ” التي استخدمها بومدين كمسوغ ليحاول تبرير انقلابه العسكري تبدو أكثر وضوحا إذ اكتشفنا كيف استخدم بومدين السلطة التي اغتصبها بالقوة والخداع(1).

 

 

الأسباب الحقيقية لإنقلاب 19 جوان 1965

 

           إنه لمن الواضح أن الرئيس أحمد بن بلة قد استعمل أسلوبه الثوري المتمثل في عزل خصومه وإبعادهم عن الساحة السياسية الواحد تلو الآخر. كما حاول أن يحصل على تأييد الجماهير والتغلب على المؤسسات الموجودة وخاصة تلك التي لا يسيطر عليها  الجيش. كما استخدم الحيلة بقصد استمالة العقيد الطاهر الزبيري إلى صفة وذلك لأنه من قادة الجيش في الداخل ولا ينتمي إلى جماعة وجدة الملتفة حول وزير الدفاع العقيد هواري. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنه همس في أذن الطاهر الزبيري عند تعيينه رئيسا للأركان يوم أول أكتوبر 1963 قائلا له : ” أريدك أن تكون بجانبي “. وفي إحدى زيارته إلى تبسة قال الرئيس للعقيد الطاهر الزبيري : ” لقد حاولوا الضغط علي عشية المؤتمر (أفريل 1964) لكنني وإن رفضت استقالتهم بومها، فسأعمل فور الرجوع إلى العاصمة في اتجاه إجبارهم على تقديم استقالتهم “. غير أن قائد الأركان انضم إلى جماعة العقيد هواري بومدين وقام شخصيا بإلقاء القبض على الرئيس أحمد بن بلة يوم 19 جوان (يونية)  1965.

ومن جهته، لخص العقيد بومدين سبب القيام بانقلاب عسكري ضد بن بلة بسبب عدم قدرته على الإلتحام بالقوى الوطنية والتقدمية في الجيش، التي عارضت أسلوبه في الحكم الفردي(1).

وبصفته وزيرا للدفاع في حكومة بن بلة، فقد أكد أنه لم يكن هناك أي وزير في حكومة بن بلة يشارك في صياغة أو اتخاذ أي قرار، والوزراء كانوا يبلغون بالقرارات بعد أن يكون صاحب الرسالة المقدسة قد اتخذها ونفذها دون مشورة أحد. إن وزراءه كانوا يتابعون السياسة الخارجية والداخلية من الصحف، مثلهم مثل القارئ العادي. وباختصار، فقد قال العقيد هواري بومدين أن بن بلة كان بطبيعة تكوينه يقاوم كل قيد وكل حساب وكل نقد، ليستأثر بمفرده بكل السلطة(2). وحسب وجهة نظر العقيد هواري بومدين، فإن أخطاء الرئيس أحمد بن بلة التي دفع ثمنها غاليا، تتلخص فيما يلــي :

 

  1. الحيلولة دون تكوين حزب ثوري طلائعي يضم كل المناضلين من أجل بناء الجزائر المستقلة الجديدة على أساس اشتراكي.
  2. عدم تكوين الدولة الجزائرية الثورية وتجميد كل محاولة لإحداث إصلاح جذري في الأجهزة الإدارية ينتج عنه عزل العناصر الإنتهازية.
  3. إبعاد وتصفية العناصر المناضلة التي أسهمت إيجابيا في الثورة وتمكين العناصر الإنتهازية وغير الثورية من مراكز السلطة والإثراء الشخصي على حساب الشعب.
  4. تجريد المواطنين من حرياتهم والقبض عليهم وتعذيبهم بدون مبررات وأسباب، وبعث الرعب في نفوسهم بناء على دوافع شخصية.
  5. بعثرة أموال الدولة والشعب واستخدامها لأغراض شخصية ومساومات سياسية.
  6. فشل السياسة الإقتصادية عامة والسياسة الزراعية خاصة، نتيجة لتدخلات بن بلة التعسفية وإخفائه الأخطاء المرتكبة.
  7. القيام بأعمال استفزازية وتخريبية ضد وحدة القوى الثورية من مناضلين ووحدة الجيش الوطني الشعبي بصفة خاصة.
  8. الإنحراف بخط الثورة الأساسي، من القيادة الجماعية إلى التسلط والتحكم الفردية الذي أسقطته الثورة عندما حطمت الزعامة المصالية(1).

ونتيجة لهذه الأخطاء التي ارتكبها رئيس الجمهورية، قال العقيد هواري بومدين، قررنا تبرئة أنفسنا شعبيا وتاريخيا من هذه الأخطاء وأحسسنا بأنه من الخطأ تقديم الإستقالة هذه المرة لأن ذلك يعتبر عملا سلبيا، وعلينا التصدي لبن بلة وأيقافه عند حده قبل أن يعم الخطر وتغرق الجزائر في هوة الفوضى والإنقسامات المدمرة. وبدافع من هذه المسؤولية، قمنا بحركة 19 جوان (يونية) 1965 (2).

(*) دراسة منشورة بمجلة دراسات إنسانية، جامعة الجزائر، العدد 1، 2001، ص 149-177.

(**) أستاذ بجامعة الجزائر، ومدير مخبر البحوث والدراسات السياسية بنفس الجامعة.

(1) Abdelkader Yefsah, La question du pouvoir en Algérie. Alger : ENAP, 1991, pp 91-92.

(1) Pierre Montagnon, La guerre d’Algérie. Paris : Pigmalion, Gerard Watelet, 1984, p 400.

(2) Mohamed Harbi, Le FLN : Mirage et réalité, 1954-1962. Paris : Les Editions Jeune Afrique, 1984, p 375.

(1) Ibid, pp 375-1376.

(1) John R. Nellis, « Algerian Socialism and its Critics » Canadian Journal of Political Science, N° 3 Septembre 1980, pp 481-507.

(2) Michel Camu, La notion de démocratie dans la pensée des dirigeants maghrébins. Paris. CNRS : 1971, p 88.

(1) William B. Quandt, Révolution and Political leadership : Algeria 1954-1968. Cambridge, Mass, The MIT Press, 1969, p 193.

(1) Ferhat Abbas, L’indépendance confisquée. Paris: Flammarion, 1984, pp 63-64.

(2) Ibid, p 72.

(3) Benjamin Stora et Zakia Daoud, Ferhat Abbas : Une autre Algérie. Alger : Casbah Editions, 1995, p 416.

(1) Jean Leca et Jean Vatin, l’Algérie politique, institutions et régime. Paris : Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1975, p 57.

(1) Abdelkader Yefsah, La question du pouvoir en Algérie. ENAP, 1990, p 132.

(1) Jean Leca et Jean Claude Vatin, l’algérie politique, institutions et régime. Paris : Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1975, p 67.

(1) لخضر بورقعة، شاهد على إغتيال الثورة، الجزائر، دار الحكمة، 1990، ص 120-121.

(2) حسين آيت أحمد في حديث مع الصحفي سعد بوعقبة، المنشور بجريدة العالم السياسي (الجزائرية) يوم 22 مارس 1999، ص 6.

(1) بورقعة، مرجع سابق، ص 127.

(1) بورقعة، مرجع سابق، ص 130-131.

(1) حسين آيت أحمد في حديث مع الصحفي سعد بوعقبة، المنشور بجريدة العالم السياسي (الجزائرية) يوم 22 مارس 1999، ص 6.

(1) Amrane Ahdjoudj, L’Algérie pouvoir et société, 1962-1965, Alger : Epigraphe, 1992, p 19.

(2) Amrane Ahdjoudj, L’Algérie pouvoir et société, 1962-1965, Alger : Epigraphe, 1992, p 19.

(1) Ibid, p 130.

(1) Ammar Bouhouche, « The essence of political reforms in Algeria », les annales de l’Université d’Alger, Number 8 (April) 1992, pp 22-23.

(2) M’hamed Yousfi, Le pouvoir, 1962-1978. Alger : ANEP, 1989, p 49.

(1) Ahdjoudj, Op-cit, p 136.

(2) Ibid, p 136.

(1) William B. Quandt, Révolution and political Leadership : Algeria 1954-1968. Cambridge, Mass, The MIT Press, 1969, p 224.

(2) Ania Françoise, Un Algerian nommé Boumédiène. Paris : Stock, 1976, p 154.

(3) Ahdjoudj, OP-Cit, p 136-137.

(1) Leca et Vatin, Op-cit, p 71.

(2) Ibid, p 71.

(1) لطفي الخولي، عن الثورة، في الثورة وبالثورة، عن مليلة، دار الهدى، 1975، ص 61.

(2) عبد العالي رزاقي، الأحزاب السياسية في الجزائر، خلفيات وحقائق، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، 1990، ص 22-21.

(3) Ferhat Abbas, L’indépendance confisquée. Paris : Flammarion, 1984, pp 62-65.

(1) Jean Leca et Jean Claude Vatin, L’Algérie politique, institutions et régime. Paris : Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1975, p 71.

(2) M’hamed Yousfi, Le pouvoir, 1962-1978. Alger : ANEP, 1989, p 62-63.

(1) لخضر بورقعة، شاهد على إغتيال الثورة، الجزائر، دار الحكمة، 1990، ص 137.

(1) لطفي الخولي، عن الثورة، في الثورة وبالثورة، عين مليلة، دار الهدى، 1975، ص 87-86

(2) نفس المرجع، الآنف الذكر، ص 87.

(3) العقيد طاهر الزبيري في حديث إلى جريدة الشعب، المنشور يوم 10 أكتوبر 1989.

(1) نفس المرجع الآنف الذكر.

(2) محمد عباس، الإندماجيون الجدد، الجزائر : مطبعة دحلب، 1993، ص 193.

(3) محمد عباس، الإندماجيون الجدد، الجزائر : مطبعة دحلب، 1993، ص 157.

(1) المجاهد (بالفرنسية) عدد 85 الصادر بتاريخ أول أكتوبر 1961، كما ورد هذا النص في كتاب محمد عباس، الإندماجيون الجدد، الجزائر : مطبعة دحلب، 1993، ص 170.

(1) أحاديث مع أحمد بن بلة أجراها معه عبد الله موسى، باريس : البديل، 1989، ص 18.

(1) أحاديث مع أحمد بن بلة أجراها معه عبد الله موسى، باريس، البديل، 1989، ص 19-20، ولمزيد من الإطلاع على آراء ومواقف السيد أحمد بن بلة يمكن مراجعة أحاديثه الصحفية التي دافع فيها عن فترة حكمه، 1962-1965، أنظر : مذكرات أحمد بن بلة، بيروت، دار الآداب، 1979.

(1) لطفي الخولي، عن الثورة، في الثورة وبالثورة، عين مليلة، دار الهدى، 1975، ص 68.

(2) نفس المرجع، ص 84.

(1) لطفي الخولي، عن الثورة، في الثورة، وبالثورة، عين مليلة، دار الهدى، 1975، ص 88-89.

(2) نفس المرجع ص 90-91.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *