التعددية الحزبية وأثرها على وحدة المغرب العربي*

بقلــم

د. عمار بوحوش، أستاذ

معهد العلوم السياسة

جامعة الجزائر

أنه لمن البديهي أن نشير ونعترف، بداية، أن الشخصيات السياسة في دول المغرب العربي قد تأثرت بأسلوب العمل الحزبي في فرنسا حيث كان التنظيم السياسي يغلب عليه التعددية الحزبية والصراع بين مختلف الأيديولوجيات والمذاهب التي تعتقها الجماعات والفئات الإجتماعية بفرنسا، ولهذا، فإن التعددية الحزبية في دول المغرب العربي تعتبر شيئا طبيعيا ومألوفا لأن  القادة السياسيين، سواء كانوا من المعتدلين أو المتطرفين، قد تعودوا على الصراع فيما بينهم أو ضد قوات الاحتلال الفرنسية التي كانت تحاول باستمرار المحافظة على امتيازاتها ونفوذها السياسي والاقتصادي في  منطقة شمال  إفريقيا.

وفي مطلع العشرينات من هذا القرن أدرك قادة  الحركات الطلابية والنقابية في المغرب العربي أن النضال الفردي والعمل السياسي المحصور في بلد واحد والضغط على قوات الاحتلال وجبرها على الإعتراف بالحقوق الشرعية لأبناء المغرب العربي لا يمكن أن يحققا أية نتيجة ايجابية إلا بتوحيد حركات التحرر في المغرب العربي والقيام بعمل مشترك ضد التواجد الاستعماري بهذه المنطقة من شمال إفريقيا.

وتحقيقا لهذا الهدف النبيل المتمثل في خلق جبهة مشتركة لمواجهة العدو، والتعاون من أجل تحرير بلدان شمال إفريقيا من الهيمنة الفرنسية واستعادة الوطنية في كل بلد. وهكذا تأسس حزب “نجم شمال إفريقيا” في باريس عام 19256، الذي كان يضم شخصيات مرفوقة من أقطار المغرب العربي الذين كانوا يعيشون في فرنسا، وتأسست “جمعية الطلبة المسامين في إفريقيا الشمالية” في باريس عام 1927 وأقيمت اتصالات وثيقة بين أعضائها بقصد الحوار ومناقشة القضايا الوطنية التي تهم بلدان المغرب العربي، وتعريف أبناء الشعب الفرنسي بالقضايا العادلة لأبناء شعوب المغرب العربي. وفي يوم 15 فبراير 1947 انعقد بالقاهرة “مؤتمر المغرب العربي” وانتخب السيد عبد الكريم الخطابي أمينا عاما له. وفي الفترة الممتدة من 27 إلى 30 أفريل 1958، انعقد بطاجنة ذلك المؤتمر التاريخي الذي شارك فيه حزب الإستقلال المغربي والحزب الدستوري الحر (التونسي) وحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري. وفي هذا الإجتماع الهام للأحزاب الرئيسية في كل من المغرب وتونس والجزائر، تقرر : الشروع في العمل المشترك لبناء وحدة المغرب العربي، وتكوين جبهة مشتركة  الإستغلال ثروات المنطقة، والتفاوض مع دول السوق الأوربية المشتركة ككتلة مغربية موحدة، وإنشاء مجلس استشاري يتمثل دوره النظر في المصالح المشتركة لأقطار المغرب العربي وإصدار توصيات بشأنها للحكومات المعنية.

وقد تميزت مرحلة الكفاح من أجل التحرر والإستقلال بدول شمال إفريقيا بانصهار الأحزاب الوطنية في حزب واحد قوي لمواجهة قوات الإحتلال التي كانت تنتهج سياسة “فرق تسد”. وعندما تحقق الهدف المنشود المتمثل في نيل الإستقلال، عادت الصراعات الداخلية إلى الأحزاب الرئيسية في كل بلد، وانشغل كل حزب بالبناء الداخلي وتضاربت في المواقف بسبب إختلاف التوجهات السياسية لكل دولة مستقلة في المغرب العربي.

والحقيقة الأولى التي ينبغي أن تقال عن الأحزاب في دول المغرب العربي منذ 1962، إلى يومنا هذا هي أنها أحزاب نضال وليست أحزاب مجموعات مهنية وبرامج إنتخابية تعكس إنشغالات القاعدة. وهذا معناه أن الشخصيات القوية المنتمية إلى حركات التحرر الوطني هي التي كانت على الدوام تؤثر في مسار الأحزاب وتصنع القرارات الفاصلة في أي موضوع، وليست القاعدة هي التي تبدي إنشغالاتها وتتخذ المواقف الحاسمة في المواضيع التي تحظى باهتمام المواطنين. ولهذا فإن النفوذ السياسي للشخصيات القوية في كل مجتمع قد طغى على كل الأحزاب إلى درجة أن برامج الأحزاب أصبحت مرتبطة بقيم ووجهات نظرا لشخصيات البارزة في الحكم.

 

والظاهرة الثانية التي نلاحظها في أحزاب دول المغرب العربي بعد الإستقلال هي الحرص على وحدة الفكر بحيث أن التعددية الحزبية لم تكن فكرة محبذة بسبب الخوف من الانشقاقات والتمزق الداخلية وقيام صراعات محلية قد تؤثر سلبيا على الوحدة الوطنية لكل دولة. ولهذا كانت السياسات المتبعة من طرف كل نظام سياسي تتصف بالمرونة وعدم الحسم في القضايا الحيوية. والقصد من ذلك هو استقطاب أحزاب المعارضة واستعمال الأحزاب المناهضة لسياسة أية حكومة ضد بعضها البعض. ومن خلال الاتهامات المتبادلة بين رجال المعارضة تحاول كل حكومة أن تتعرف على الأفكار والخلفيات الموضوعية لكل مواجهة سياسية، ثم تحاول ترضية العناصر الحزبية التي تميل إليها.

وهناك أيضا ظاهرة ثالثة نلاحظها في أحزاب المغرب العربي وهي غياب طبقة وسطى منتجة من رجال الصناعة ورجال الأعمال الذين يتعاونون مع رجال الأحزاب ويساهمون في خلق رأس مال وطني منتج ويرفع من مستوي الدخل الوطني بحيث يكون حافزا للعمال حتى ينتجوا ويحققوا نهضة اقتصادية واجتماعية تستفيد منها كل الفئات. ونتيجة لغياب لهذا التعاون بين المفكرين ورجال الصناعة والعلماء من جهة والأحزاب الوطنية في المغرب العربي من جهة ثانية، استطاعت البيروقراطية أن تفرض قيودها وتحدد أسعار المواد انطلاقا من مكاتبها وتتحكم في توزيع الموارد وتبديد الثروات الطبيعية. كما برزت في الساحة المغاربية فئات بورجوازية طفيلية لكنها متمكنة وقادرة على التحكم في السوق الموازية. وبطبيعة الحال،فإن النتيجة الحتمية لقلة الإنتاج وانتشار السوق السوداء هي تقوية نفوذ الجهاز البيروقراطي وحصوله على امتيازات كبيرة واعتماد الدول عليه بعيوبه وسيئاته مقابل الحصول على ولائه وإخلاصه.

كما توجد بدول المغرب العربي ظاهرة رابعة بالنسبة للتعددية الحزبية وهي إن السلطة الحاكمة لا تلتفت إلى الأحزاب المعارضة إلا في حالة وجود أزمات وتتجاهلها في الظروف العادية. وهذا معناه إهمال دور الأحزاب الصغيرة وعدم إقحامها في العمل والمشاركة في الحوار والإتفاق على منهجية عمل موجد في صنع القرار الوطني. ونتيجة لهذا التفكك والتباين في المواقف تبقى الأحزاب متنافرة وسياساتها غير متجانسة ومواقفها متضاربة والثقة بين قادتها مفقودة. ونستخلص من هذه الظاهرة أن العيب الموجود في سياسة الأحزاب الرئيسية بدول المغرب العربي أنها لا تسمح للآخرين بأن يدلوا بدلوهم في قضايا الساعة التي تهم بلدانهم، مع العلم أنهم قد يكونوا أحسن أو أفضل منهم. والتحدث إلى أحزاب المعارضة لا يحصل إلا في حالة وجود مشاكل صعبة أو  العجز عن حل مشاكل عويصة بمفردها.

والظاهرة الخامسة تتمثل في غياب الديمقراطية الحقيقية داخل ا|لأحزاب، وهذا ما دفع ببعض المعارضين أن يشتغلوا في الخفاء أو في جنح الظلام، ولهذا سيكون من الصعب الآن على من كان يعمل في الخفاء أن يعمل في العلانية، ومن حقه أن يقول بأنه يمثل بلاده أحسن تمثيل ويطلب من أبناء مواطنيه أن يعطوه فرصة لكي يقود بلاه كما يشاء ويتسامحون معه مثلما تسامحوا مع من كان محتكرا للسلطة لمدة طويلة من الزمن.

وباختصار، فإن الأحزاب الرئيسية في دول المغرب العربي قد عملت وساهمت بقسط وافر في بلورة روح النضال والانتماء الوطني وخلق روح التضحية. لكن مشكل هذه الأحزاب أنها لم تتمكن من خلق ميكانيزمات قوية أو مؤسسات متماسكة للتفكير والتأمل والبحث عن وسائل فعالية لخدمة الجماهير وتقديم الخدمات الضرورية لرقيها وتقدمها. ولهذا تميزت أعمال ومواثيق الأحزاب المغاربية  بالشعارات والخطب السياسة المثيرة والوعود البراقة بالعمل على تحسين مستوى جميع الفئات الإجتماعية. أما محتوى برامجها فيقرر من أعلى، واحتكار السلطة أو عدم وجود منافسة حقيقة لا يدفع للاجتهاد والتفتح على المجتمع وقضاياه. ونتيجة لذلك بقيت أحزاب المعارضة مهمشة، وأهداف الأحزاب الحاكمة لا تعبر عن الواقع الإجتماعي بقدر ما تعبر عن آراء فوقية تعكس أفكرا فردية للزعامات القوية.

 

ما العمل في ظل القوانين البالية؟

إنه لمن الواجب أن نشير منذ البداية إلى أن الأحزاب في المغرب العربي تعمل بذهنية العالم الثالث وفي بيئة متوترة ومختلفة عن البيئة الأوروبية المعتمدة كأسلوب العمل. وقصدي من ذلك أن الأحزاب تحاول أن تعمل في إطار قانوني مختلف عن الإطار القانوني المطبق في  أروبا حيث توجد مؤسسات قوية للدولة وحرية التعبير وحقوق الإنسان شيء مقدس. إما الإطار القانوني للعمل في بلداننا النامية  فتتحكم فيه وتؤثر فيه الجماعات القوية المنظمة التي لها قوى اجتماعية في أرض الواقع. وجوهر المشكل في هذا الموضوع أن التأثيرات على القانون تخضع للضغوط السياسية والاعتبارات الأيديولوجية والميول الشخصية للعناصر القيادية. وبكلمة أخرى، فإن صانعي القرار يأخذون بعين الإعتبار، عند سن القوانين، الضغوط التي تفرضها عليهم الجماعات القوية والمؤثرة في مجري الأمور. وهذا معناه أن الجماعات القوية في المجتمع والميول الشخصية لأعضاء القيادة السياسية عندهما مفعول قوي في المجتمع يفوق مفعول الوانين التي تأخذ طابعا شكليا لكن لا قيمة لها في الميدان التطبيقي.

كما أن قوة ونفوذ القادة السياسيين الذين يسيطرون على الساحة السياسية باسم حزب أو مجموعة قوية متحكمة في السلطة، تؤثر في القوانين وتطغى عليها إلى درجة أن الإداريين يعملون بناء على الإتصالات والعلاقات التي تربطهم بمسؤوليين في نظام الحكم أكثر مما يعملون على تطبيق القوانين الرسمية التي تصبح حبرا على ورق. وهذا السلوك والتصرف ناتج عن عدم وجود منافسة ووسائل إعلام قادرة على كشف الحقيقة ومؤسسات تشريعية تمثل مختلف الشرائح الإجتماعية.

وقد كانت النتيجة الحتمية لسياسة التحكم والتوجيه من أعلى، وعدم وجود محاسبة على الأعمال غير القانونية وانعدام المتابعة هي انغلاق قنوات  الإتصال وصعوبة أجراء الحوار واستفحال المشاكل بحيث أفرزت هذه المعضلات وضعا جديدا يصعب الدفاع عليه. وهذا ما دفع بالمواطنين إلى المطالبة بالحقوق والحماية القانونية وحرية التعبير والحوار ومشاركة المواطنين في صناعة القرارات المدعومة من طرف القاعدة. وعندما لا يتوفر الإطار القانوني لحماية حقوق العمال وعقبهم في الأجور المناسبة المجهودات التي يبذلونها، يلتجئ هؤلاء إلى الاضرابات والمظاهرات والضغط على السلطة الإعادة النظر في النصوص القانونية وإدخال التعديلات اللازمة على إجراءات العمل البالية. وهكذا احتدم، الصراع بين العمال والمسيرين إلى درجة إن الإنتاج انخفض ووجد الناس صعوبات في التزود بالمواد الأساسية بانتظام وبسعر معقول أو في متناول غالبية المواطنين.

وبطبيعة الحال، فإن انخفاض الإنتاج واختفاء بعض السلع من السوق وبروز المضاربة هي عناصر أو عوامل لا يمكن التحكم فيها بقوانين طبيعية أو وضعية لأن الاخلال بقانون العرض والطلب يؤدي إلى أبطال سيران القوانين العادية والتقاليد والعرف المعمول بها في الظروف العادية. وهكذا تتفاقم حدة الصراع بين المستفيدين من تدهور الأوضاع وبين المواطنين المتضررين الذين يأملون أن تحميهم الدولة بقوانينها وتعاقب الطفيليين والإنتفاعيين باتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة ضدهم.

ونتيجة لهذه الظروف الصعبة التي تمر بها حكومات المغرب العربي برزت إلى الوجود الإصلاحات الدستورية والسياسية والإقتصادية التي تهدف إلى السماح للأحزاب بحرية العمل والعودة إلى العمل في القاعدة وخلق تنظيم سياسي قوي يعبر عن القوي الإجتماعية وعن الانشغالات الحقيقية للموطنين في أرض الواقع. وهذا معناه أننا في المغرب العربي شعرنا بالحاجة إلى إنشاء أحزاب قادرة على تقديم الإختيارات والبدائل للموطنين والتزام الرجال المنتمين إلى قيم وإيديولوجية في كل حزب، بتطبيق وتنفيذ السياسات التي تقرها القاعدة. وبهذا الأسلوب الفعال تتخلص الأحزاب العتيقة والمهيمنة على الساحات السياسية منذ حروب التحرير  الوطنية في كل بلد، من الظاهرة السلبية المتمثلة في الدعوة إلى تجنيد الناس و تأييد السياسات المرسومة من طرف السياسيين في مختلف المستويات، وتتحول الأحزاب الجديدة إلى تنظيم سياسي قادر على التحاور بين العناصر المنتمية إلى كل حزب وإعطاء الفرص للمواطنين لكي يشاركوا في صناعة القرار وإسناد تنفيذه إلى من يتجاوب معه ويتحمل مسؤولية تحقيق ما تم الإتفاق عليه والذي يجسم الإرادة الشعبية للمواطنين المنتمين إلى الحزب الذين أظهروا إنتماءهم إليه. والعمل بهذه الطريقة سيحقق نتيجة أكيدة تتمثل في القضاء على المسؤولين الإداريين الذين ينصبون أنفسهم وسطاء بين القيادة التي في العادة تنبع منها القرارات وبين المواطنين الذين يتوسلون إليهم أن يتكلفوا بحل مشاكلهم والإستجابة لمطالبهم. والشيء الجديد في هذا الأسلوب الفعال هو أن رجال القاعدة هم الذين يؤثرون في صنع القرارات وتطبيقها وبالتالي يكون لهذا النوع من التنظيم الإجتماعي جمهور يصعب على أي بيروقراطي أن يصمد في وجهه أو يعتدي على اختياراته.

 

 

الفرق بين الديمقراطية الحقيقية والديمقراطية الشكلية

 

إن التعددية الحزبية في واقع الأمر قد تحقق نتيجة إيجابية إذا كان الهدف منها هو الحرص على توفير الديمقراطية لأبناء الشعب والعمل على أيجاد حكومات قوية في بلدان المغرب العربي تعمل في إطار جماعي، وقد تكون الديمقراطية سلبية إذا كانت التعددية الحزبية فارغة من محتواها وعبارة عن أحزاب لها طابع شكلي. والديمقراطية الحقيقية هي التي تقوم على أساس وجود جبهة تشكل قوة وطنية متماسكة وعندها برنامج سياسي يحظى بتأييد قاعدة شعبية. لقد بات من المؤكد أن كل مجتمع ينشد الإزدهار والتقدم يتعين عليه أن توجد ببلاده حكومة تساندها جبهة قوية. وقد أصبحت هذه الظاهرة ضرورة ملحة وذلك بسبب التعقيدات الإجتماعية وانشغال الأفراد بقضاياهم الشخصية وضياعهم في متاهات الديمقراطية الشعبية، أي أنه لم يعد في إمكان الأفراد أن يجدوا الوقت الكافي للتفكير في مشاكل الساعة، أو لا يملكون المعلومات الكافية لإصدار أحكام صادقة عن التطورات الإجتماعية والسياسية. وبعبارة أخرى، أن الأفراد العاديين لا يؤثرون في مجرى الأحداث ودورهم غير فعال، ولهذا، فإن الأغلبية الساحقة من المواطنين يعتمدون على القيادة الحزبية لكي تضع لهم البرامج السياسية المعبرة عن إنشغالاتهم وتستعين بالخبراء المرموقين لدراسة قضاياهم الأمنية والغذائية والتعليمية واقتراح والبدائل والحلول الممكن تطبيقها وتوظيف الرجال الأكفاء القادرين على تطبيق القرارات النابعة من القيادة ومن أبناء المواطنين المتواجدين في القاعدة.

وإذا تحققت هذه الفرضية فإن الديمقراطية تتحول إلى حقيقة ملموسة لأن الجبهة القوية التي تقدم برنامجا وينتقيها الشعب على أساسا تستطيع أن تخلق نظاما برلمانيا يسمح لنوابها بالتحاور والتشاور في برلمانهم، وتبادل الآراء والأفكار مع القوى المختلفة والمتواجدة في مقر السلطة التشريعية. وانتهاج سياسات مبنية على المنافسة وحرية التعبير ووجود مناخ ديمقراطي حقيقي للعمل يعني أن الجبهة التي تقود الشعب يكون لها:

  • حكومة تنتهج سياسة مستمدة من البرنامج العام للجبهة.
  • قادة إداريين متعلقين ومنتمين لقيم ومبادئ الجبهة يعملون بنزاهة وإخلاص لتجسيد تلك المبادئ على أرض الواقع.
  • تقديم برامج للمواطنين لكي يوافقوا عليها ويرفضوها وذلك بالموافقة على برامج الأحزاب المنتمية للجبهة المنافسة.
  • الشجاعة الكافية للدخول في منافسة شريفة مع جبهة أخري قوية،والمجموعة القوية التي يحظى برنامجها بأغلبية الأصوات هي التي تقود حكومة قوية عندها أغلبية شعبية.
  • القدرة على توحيد الآراء واتفاق الناس على المبادئ الأساسية والثوابت الرئيسية للأمة بحيث لا يكون هناك تطرف.
  • إرادة للاعتراف بأن مصلحة الوطن تقتضى وجود تنافس أو صراع بين قوة تحكم وقوة تعارض، بين قوة تسعى للمحتفظة على ما هو موجود وقوة تسعى إلى تحقيق ما ينبغي أن يكون.

وباختصار، فإن الدور الرئيسي للجبهة في أي بلد من بلدان المغرب العربي يسعى إلى تحقيق نهضة حقيقية بالبلاد، يتمثل في وضع برنامج سياسي توضح فيه المعالم الرئيسية، وتتوحد فيه أفكار الرجال المنتمين إليه، وتتعاون جميع العناصر المنتمية إليه لتحقيق تلك الأهداف المسطرة. وبعبارة أخرى، أن مهمة الأحزاب المتحالفة والمنتمية لجبهة مشتركة ومتماسكة تتمثل في التخفيف من حدة الخلافات وتجنب التطرف، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

والسؤال المطروح هنا: ماهو نوع الحكومة القوية التي تريدها كل دولة في مغربنا العربي؟ هل نأخذ بنظام فرنسا المتمثل في تشكيل الحكومة والبرلمان وهو الشيء الذي يعني وجود أقليات حزبية تقود الحكومة؟ أم نأخذ بنظام الحكم الموجود في الدول الأنجلو ساكسونية والقائم على أساس وجود جبهتين أو حزبين قويين يتنافسان على السلطة والحزب الذي يحظي برنامجه بأغلبية المواطنين هو الذي يقود البلاد؟ وطبعا،هناك النموذج الثالث الموجود في الهند والمكسيك حيث يوجد حزب قوي يضم القوى الثورية المعتدلة في البلاد، وتنافسه على السلطة الأحزاب الصغيرة التي تمثل الجماعات السياسة المتطرفة  في اليمين واليسار ولا تحظى بتأييد شعبي واسع.

لقد أتيت على ذكر هذه النماذج الثلاثة لأنواع الحكم لأبين حقيقة جوهرية وهي إن جو الديمقراطية والتعددية الحزبية وانتعاش المنافسة الحرة على المناصب النيابية في بلداننا المغاربية قد يترتب عنه تشت  الآراء وبروز صراعات حادة بين عناصر أو مجموعات متطرفة، وبالتالي، عدم الإتفاق على سياسة وطنية في كل بلد. وقد علمتنا تجاربنا السابقة في كل من تونس والجزائر والمغرب درسا لا يمكن أن ننساه وهو أننا توفقنا في تحرير بلداننا من الهيمنة الأجنبية في الخمسينات  والستينات من هذا القرن  بفضل عملية توحيد الصفوف التي قامت بها الثورات، والتخلى عن فكرة التعددية الحزبية والتركيز على العمل الجماعي لتحرير البلدان الثلاثة من العدو المشترك الذي شعر الجميع بظلمه وقسوته. ولهذا ينبغي أن نفرق بين أوضاع فرنسا ونوعية الديمقراطية والتعددية الحزبية الموجودة بها، وبين التفتح الديمقراطي والتعددية الحزبية التي بدأت تنتعش في بلداننا المغاربية وبدون شك، فإن ما يناسبنا هو خلق جبهات وليس خلق أحزاب صغيرة تتصارع فيما بينما. وفي رأي أنه من الغلط أن نقوم بتقليد فرنسا سواء في ممارسة الديمقراطية أو التعددية الحزبية لأن هذا الأسلوب يستند على مقومات وطنية فرنسية. أما في بلد أننا النامية فإن وجود ديمقراطية شكلية وأحزاب صغيرة تضم فئات لها مصالحها وأصولها الفكرية والإيديولوجية، وهي أصول تجمع بين كل المتناقضات، قد يترتب عنه خلق تصدع وانشقاق في الوحدة الوطنية. وعليه، فإذا كانت الأوضاع قد تغيرت في المغرب العربي وبدأت تعكس الروح الديمقراطية والمنافسة الحرة بين التجمعات السياسية الراغبة في الوصول إلى الحكم، فإن ذلك لا يعنى أن مصلحة هذه البلدان تقتضى الاقتداء بفرنسا وتقليدها في التعددية الحزبية أو إفساح المجال أمام الجماعات المتطرفة أن تتصارع وتشتت صفوف أبناء المغرب العربي.

إن الديمقراطية الحقيقية عن التي تفرز المنافسة الحرة ويقبل المتنافسون في ظلها بقرار وذلك مثلما حصل في نيكاراغوة في السنوات الأخيرة. أما الديمقراطية الشكلية أو السلبية فتتمثل في وجود أحزاب بغير برلمان تتفاعل فيه الحياة السياسية وتتبادل القوى المختلفة مركز السلطة. وقد كان الاستعمار في عهد الاحتلال يعمد إلى تدعيم التعددية الحزبية وذلك بقصد استغلال الأحزاب ذات الجذور العرقية أو الانتهازية لكي تكون له عونا في تنفيذ سياسته وإهدار الإرادة الشعبية، وبذلك أسيء استعمال الديمقراطية.

 

 

خلاصة واستنتاجات

إننا نعيش في وقت بدأت تكثر فيه التنظيمات الإقليمية وتزول الحواجز الجمركية وتنتقل رؤوس الأموال والتكنولوجيا بدون قيود وذلك بحثا عن أرباح كبيرة وضرائب قليلة. كما أننا نمر الآن بفترة تاريخية وفي مجتمع تغيرت فيه المفاهيم، وأصبحت حكوماتنا تسعى لاجتذاب اٌستثمار الأجنبي وإلغاء احتكار الدولة للنشاط التجاري والمساواة بين القطاعين العام والخاص. وهذه التوجهات الجديدة تتطلب منا أن نعكف منذ الآن على خلق ميكانيزمات التكيف مع المستندات في هذا العالم المتغير وإعداد القوانين الجبائية والاستثمارية التي تمكننا من الحديثة التي تساعدنا على تحسين المردود وتوفير الاحتياجات الضرورية لأبناء شعوبنا.

إن التعددية الحزبية ظاهرة جيدة إذا عرفنا كيف نوظفها لخدمة قضايا شعوبنا المغاربية، وستكون وبالا علينا إذا تحولت إلى قوى داخلية تسير في ركاب دول أجنبية. ولهذا ينبغي علينا أن ندرك قبل فوات الأوان أن قوة دولنا مستمدة من وجود حكومات قوية تعمل في لإطار برنامج حزبي بحيث يكون قادرا على تقديم الإختيارات الحقيقية المعبرة عن آراء المواطنين واحتياجاتهم أو انشغالاتهم الرئيسية في الحياة. والشيء المهم في هذا الإطار اتفاق الأحزاب في كل بلد على ثوابت وطنية وتقريب وجهات النظر بين الجماعات المتنافسة على السلطة إلى درجة أن هذا الإختيارات التي تبنى عليها السياسة العامة تتقيد بها جميع الفئات. وفي هذا السياق يتعين على المناضلين في الجبهات الوطنية أن يعتمدوا على المفكرين والمتخصصين ويستعينوا بهم في توضيح الرؤيا المستقيلة ويتحاوروا مع المناضلين في القاعدة ويتوصلوا إلى اتفاق تام حول السياسات التي ينبغي انتهاجها لحل المشاكل الرئيسية  التي يواجهها المواطن المغاربي في الريف أو المدينة. وإذا اتضحت الرؤيا يمكن للحكومة التابعة من القيادات الحزبية المنتمية والمتعلقة بالبرامج التي أقرتها الأغلبية الشعبية أن تنتقل إلى ميدان العمل وتفضل في القضايا بفعالية وكفاءة عالية.

وباختصار، فإن التعددية الحزبية في دول المغرب العربي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا تغير أسلوب العمل وركزنا على خلق ميكانيزمات التكييف القادرة على بلورة الوعي الوطني وتحفيز الناس للعمل. ولكي ننجح في خلق الانتماء الوطني وتقوية مؤسسات دولنا بمنطقة المغرب العربي :

1 – ينبغي أن تكون عند قادة الأحزاب المغاربية الشجاعة الكافية للتحاور والتشاور والتوصل إلى اتفاق أو بلورة فكر موحد يعبر عن أماني وطموحات أبناء شعوب المغرب العربي. وبهذا الأسلوب يمكن الحد من نشاطات الجماعات السياسية التي تخدم مصالح ضيقة والتي أصبحت تشكل قوة ضغط وفرض آرائها المتطرفة على القيادة السياسية في كل بلد مغاربي. وبهذا النوع من العمل نستطيع أن نتوحد والعمل جماعيا في إطار جبهات وطنية قوية لحماية تراثنا المشترك وقيمنا العربية الإسلامية من التشتت والإيديولوجيات المتطرفة.

2 – يتعين علينا أن نغير أسلوب العمل على مستوى حكوماتنا و مؤسساتنا العليا في كل دولة بحيث لا تكون سياسات الوزارات من صنع أفراد وميولهم الشخصية وتوجهاتهم الثقافية وإنما تكون من صنع مجموعات العمل المتكونة من الخبراء وأصحاب المهارات الذين تحال إليهم القضايا لدراستها والبث فيها بموضوعية.

3 – توجيه الاهتمام إلى المشاكل الحقيقية والقضايا الجوهرية التي  تهم المواطن بصفة مباشرة وفتح المجال له لكي يعبر عن آرائه في القضايا التي تهمه. وبكلمة أخرى، يجب الابتعاد عن سياسة الشعارات البراقة وتعويضها بسياسة الانشغال بالقضايا الحقيقية التي  تواجه المواطنين في القاعدة.

4 – تحويل الصراع بين الأفراد إلى صراع حول الأفكار والأساليب الفعالة لتنمية المهارات وانتصار الموضوعية علمي الديماغوجية.

5 – ضرورة وجود برنامج حزبي متكامل يلتف حوله الرجال المنتمون له على كل المستويات بحيث يكون هناك انسجام في الفكر والعمل على جميع مستويات مؤسسات كل الدولة.

6 – تدعيم الجانب الإعلامي وفسح المجال أمام الصحافة لكي تكشف مساوي خطط العمل وهفوات المسؤولين عن التنفيذ ومحاسبة كل من يخطى في وظيفته، وبذلك يتحتم على كل مسؤول أن يكون منضبطا في أعماله.

7 – إن الواقع يفرض علينا أن نعمل ونشجع المبادرات التابعة من بلدانا المغاربية ونكافئ من يتفائ في خدمة منطقتنا، وبذلك نستطيع أن نتغلب على مشكل جوهري في بلادنا وهو الفراغ السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وعليه ينبغي علينا أن نخلق قوة اجتماعية مؤشرة يحسب لها حسابها على مستوانا في منطقة المغرب العربي وعلى المستوى الدولي.

8 – لقد لاحظنا في السنوات الأخيرة أن كل دول العالم تعمل على تكييف قوانينها وخلق ميكانيزمات جديدة للعمل، ويتعين علينا نحن في دول المغرب العربي أن ندرك بأن القوانين الحديثة قد تطورت الآن وأصبحت تأخذ بعين الإعتبار الوضع الجديد السائد في العالم والمتمثل في التعاون المشترك وخدمة المصالح المشتركة للتعاون الفعال وخاصة في ميدان التكنولوجيا إن التركيز على التعامل بين الدول لم يعد يقوم على أساس المفاهيم الضيقة للسيادة الوطنية والقوانين المحلية والحماية الجمركية لأن الدول قد أدركت الآن أن أسواق دول العالم مفتحة في وجه المواطنين للاتصال بالخارج وبأسواق المال والهجرة للعمل وشراء الأسهم والحصول على فوائد. وهذا معناه تلاشي فكرة القومية والتفتح على أسواق عالمية تؤثر فيها الشركات العملاقة في ميادين الأقمار الصناعية والكومبيوتر والاتصالات السريعة. إنه لمن الواضح أن هذه التغيرات السريعة التي تحدث في العالم تدفعنا اليوم إلى مراجعة قوانيننا حتى نستطيع  أن نساير ركب التقدم والحضارة ولا نعطي الفرصة لغيرنا ليتهمنا بأن قوانينا جامدة ولا تساير روح العصر ولذلك لم نتمكن من الحصول على المال والتكنولوجيا وتعذر علينا تنمية مواردنا وتدفق القروض والتكنولوجيا الحديثة على بلداننا النامية.

*  بحث مقدم لملتقى: اتحاد دول المغرب العربي الذي عقد بتونس من 3 إلى 5 ماي 1993.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *