الثورة الاشتراكية الصينية في عهد ماو (*)

 بقلم : د. عمار بوحوش

رئيس قسم علوم التنظيم بمعهد

العلوم السياسية والإعلامية بجامعة- الجزائر

 

تتميز الثورة الإشتراكية في الصين عن الثورة الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي بعدة خصائص دقيقة، نابعة من الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للمجتمع الصيني. وإذا وقع اختيار لينين وستالين على منهجية معينة لأحداث نهضة صناعية بالإتحاد السوفياتي، فإن الظروف التي كان يعيشها شعبهما هي التي اقتضت أن يسلكا ذلك الطريق الذي قادهما إلى خدمة القضية الوطنية وتقوية بلدهما.

ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الخطة التي أتبعها (ماو تسي تونغ) وجماعته في الصين. فالتجربة الإشتراكية في هذا البلد الأسيوي مستمدة من الواقع الذي الذي يعيشه الشعب الصيني. ولهذا، ليس من الحكمة أن نتسرع ونصدر أي حكم على أن التجربة السوفياتية هي أحسن أو أسوأ من التجربة الإشتراكية الصينية. وما يجدر بنا أن نقوم به هو توضيح بعض الفوارق التي دفعت بكل قيادة أن تسلك سياسة وطنية تخدم المصلحة العليا لشعبها.

والحقيقة الأولى التي ينبغي أن نشير إليها هي أن الإتحاد السوفياتي في
عام 1917 لم يكن متخلفا، بالمعني الدقيق لهذه الكلمة، إلا إذا قارناه بالدول الأوروبية المتقدمة. ولكن الصين الشعبية في عام 1949 كانت في مؤخرة الدول وكانت غير قادرة على توفير الأكل لسكانها. ولو أخذنا سنة 1928 التي وضع فيها أول مخطط خماسي بالإتحاد السوفياتي، وأخذنا سنة 1952 التي كانت البداية لتطبيق المخطط الخماسي في الصين لوجدنا أن انتاج الإتحاد السوفياتي من الفولاذ يفوق انتاج الصين بما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة بالنسبة لكل فرد في كل من الإتحاد السوفياتي والصين. ونفس الشيء يقال عن مدخول الفرد السوفياتي الذي كان يفوق مدخول الفرد الصيني بحوالي أربع أو ثماني مرات. (1)

والمشكل الثاني الذي جعل وضعية الصين مختلفة عن وضعية الإتحاد السوفياتي. هو أن السكان يتزايدون بسرعة مذهلة، وخلق هذا التزايد مصاعب للقادة الصينيين سواء من ناحية توفير الغذاء أو ضمان الشغل للأفراد الذين بلغوا سن العمل.

وإذا كان عدد سكان الإتحاد السوفياتي قد ارتفع من 150 مليون إلى 161 مليون خلال الفترة الممتدة من سنة 1928 إلى نهاية 1932، فإن عدد سكان الصين قد بلغ في سنة 1950 ما يقارب 600 مليون نسمة، وهذا يعني أن سكان هذا البلد الآسيوي العملاق صار يفوق سكان الإتحاد السوفياتي بأربع مرات عند بداية تطبيق المخططات الخماسية في البلدين (2). وإذا كان عدد السكان في الإتحاد السوفياتي يقدر في سنة 1976 بحوالي 260 مليون نسمة، فإن عدد سكان الصين قد بلغ 800 مليون نسمة. وفي الفترة الممتدة من 30 جوان 1953 إلى 31 ديسمبر 1957، ازداد عدد سكان الصين بما لايقل عن 64 مليون نسمة، في حين لم تتجاوز الزيادة في الإتحاد السوفياتي 14 مليون نسمة.

والمشكل الثالث الذي واجهته، ولا زالت تواجه الصين، لا ينحصر في تزايد السكان بشكل سريع بل يتمثل أيضا في مشكل الأرض التي لا تكفي لتوفير الغذاء لهؤلاء السكان. وحسب بعض التقديرات، فإن نسبة الأراضي الصالحة للزراعة تقدر بحوالي خمسة هكتارات لكل مواطن صيني. وفي نهاية 1957، كان نصيب الصيني الواحد من الحبوب لا يتجاوز 290 كيلوغرام، أي 40 ك.ع. أقل من القوات الضروري لتغذية أي إنسان في الصين. أما في الإتحاد السوفياتي فإن نصيب الفرد في نهاية المخطط الخماسي الأول، أي سنة 1932 التي انخفض فيها الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ، كان يزيد عن 460 كيلوغرام من الحبوب(3).

والمشكل الرابع الذي واجهته الصين هو أن قيادة البلاد تركت الفلاح الصيني يعاني بمفرده من الإستغلال ويبيع أولاده لكي لا يموتوا جوعا أو لكي يحصل على أموال تمكنه من دفع الديون المتراكمة عليه، لأن كبار الملاك لا يعذرونه إن صعب عليه تسديد ثمن الأرض التي يكتريها منهم (1). والواقع أن عجز القيادة عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية المواطن الصيني من الإضطهاد والمجاعة، قد جعل سكان الريف على استعداد لمساندة كل من يتمرد على رجال الإقطاع في كل قرية صينية.

وخلافا لوضعية الفلاح السوفياتي، فإن الفلاح الصيني كان يستغله القادة المحليون ثم الحكومة المركزية التي كانت تستعين بعناصر اشتهرت بترهيب السكان بقصد الحصول على الضرائب الدورية من الفلاحين. ثم أن الفلاحين الصينيين كانوا يعيشون في محيط مغلق بحيث أنهم يحصلون على غذائهم من قراهم فقط، والحكومة المركزية لا تبالي بهم ولا تهتم بأوضاعهم ما دام يوجد بكل قرية ما يكيفها لتغذية سكانها.

 

حتمية القيام بثورة تحريرية وطنية في الصين

       فالمشكل الأساسي بالنسبة للصين الشعبية، إذن، هو أن القيادة كانت عاجزة عن تحقيق الوحدة الوطنية، ولم تكن تحرك ساكنا اتجاه اليابان والإتحاد السوفياتي، وبريطانيا، وفرنسا التي كانت تعمل من أجل إبقاء الصين دولة ضعيفة خاضعة لنفوذها. وإذا كان سكان الإتحاد السوفياتي يعانون أعباء الديكتاتورية القيصرية، فإن الصينيين كانوا يعانون مشاق الحروب الأهلية التي كانت تعقب استلام الحكام الجدد السلطة السياسية في بلادهم. ومن يقرأ تاريخ الصين يعرف حقيقة أساسية عن هذا البلد، وهي أن انتقال السلطة من شخص إلى آخر كان يصحبه صراع دموي في أغلب الأحيان. وقد أعطت هذه الحروب بين الشخصيات المرموقة في قيادة الصين، القادة العسكريين الفرصة ليتحكموا في المناطق الخاضعة لنفوذهم من غير صعوبة. وبدون شك، فإن هذه العوامل ساهمت إلى حد كبير في إبقاء الصين ضعيفة وغير قادرة على مواجهة الخصوم الذين كانوا يحيطون بها من كل جانب.

ونقطة الضعف الثانية هي أن عزلة هذا الشعب الآسيوي عن الشعوب الأوروبية المتقدمة قد حال دون حصول الصينيين على التكنولوجيا من الدول المصنعة. ففي القطاع الزراعي لم يحصل أي تقدم ملموس وبقي الفلاح يستعمل الآلات التقليدية التي لم تساعده على رفع انتاجه وتحسين وضعيته المادية والمعنوية. ويمكن أن ينجر هذا الحكم نفسه على القطاع الصناعي الذي بقي هزيلا إلى غاية 1949 حيث لم يستوعب في تلك السنة أكثر من ثلاثة ملايين عامل من جملة 550 مليون صيني وصينية(1).

ونقطة الضعف الثالثة هي أن الحكام الصينيين لم يبذلوا أي جهد في ميدان توسيع رقعة الأرض الصالحة للزراعة ولم يقوموا بأية مبادرة لإنشاء قنوات للري وتمكين طبقة الفلاحين من الحصول على القوت الضروري للسكان.

وقد اقترن هذا الإهمال في القطاع الزراعي بمشكلة أخرى زادت أمور كل عائلة فلاحية صينية تعقيدا وتتمثل هذه المشكلة في قانون الوراثة بالمجتمع الصيني حيث جرت العادة أن تقسم الأراضي بين الورثة على أساس المساواة بين جميع الأفراد. ومعنى هذا أن قطعة الأرض الموروثة تتجزأ وتقسم إلى قطع صغيرة يصير من الصعب استغلالها بطريقة مفيدة (2).

والمشكل الرابع يكمن في احتكار  كبار التجار وملاك الأرض تسويق الحبوب إلى الخارج لأنهم كانوا يتسابقون إلى الثراء وكانوا يبحثون عن أية طريقة تمكنهم من الثروة في أسرع وقت ممكن. وهذا التسابق بين التجار قد أدى إلى ارتفاع أسعار الأرض وارتفاع أجرة كراء المزرعات وتخفيض فترة تأجير الأرض حتى يتسنى للملاك أن يرفعوا الثمن عند تجديد العقد.

وكانت النتيجة الحتمية لهذا التهافت على الثروة، أن استحال على الفلاحين تسديد ثمن إيجار الأرض وخاصة في المناطق التي تضاعفت فيها أسعار كرائها
أو ارتفعت أكثر من ثلاث مرات عن سعرها الحقيقي في فترة وجيزة.

وبطبيعة الحال، يعد التوسع التجاري في تسويق الحبوب خطة مدبرة لتجويع السكان، لأن الإنتاج المحلي لا يكفي لتغذية عددهم الهائل الذي يتزايد بإستمرار، وتصدير جزء من ذلك الإنتاج إلى الخارج يعني حرمانهم من الحصول على الغذاء الأساسي للحياة.

ونقطة الضعف الخامسة هي أن الصين أصبحت مسرحا للتدخلات الأجنبية، وصارت أقدام الدول الأجنبية تدوس كرامتها في وضح النهار وبدون حياء. وزيادة عن ذلك، فإن الحروب الأهلية والتمردات التي كانت تقوم بها الجماعات المتضررة، قد أنهكت قوى الحكومة المركزية حتى أصبحت عاجزة عن مواجهة الضغوط المتوالية عليها من الداخل والخارج.

والشيء الذي يتفق عليه جميع الكتاب بشأن الصين، أن الأخطار الداخلية والخارجية التي كانت تهدد كيانها هي التي دفعت الوطنيين إلى تنظيم الفلاحين والقيام بحرب تحريرية لتخليص بلادهم من السيطرة الأجنبية وإنشاء حكومة وطنية قادرة على توفير الأمن والإستقرار السياسي فيها. وقد أصبحت الحرب التحريرية ضرورة حتمية بعد أن دأبت الدول الكبرى، مثل الإتحاد السوفياتي، واليابان، بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، على اخضاع الصين وجعلها دولة ضعيفة وعميلة لهم. فكانت الشركات الأجنبية تتحكم في الإستثمارات الموجودة بالبلاد وكانت القوانين الأجنبية تحمي الأجانب الذين يستغلون خيراتها لصالحهم الخاص.

وعلى سبيل المثال ينبغي أن نقول أن خطة الدول الصناعية لم تقتصر على إبقاء الصين دولة تسير في فلكها، بل كانت تستهدف أيضا إعطاء الأجانب الذين يعملون حصانة قانونية. فلم تكن القوانين تنطبق على أصحاب الثروات الأجانب وإنما كانت تطبق عليهم قوانين بلدانهم. ثم أن الصينيين الذي كانوا يتعاملون مع الأجانب قد أصبحوا يخضعون للقوانين الأجنبية (1). وانطلاقا من هذه الحقيقة، بدأ الوطنيون في الصين ينظمون أنفسهم ويسعون لفك تلك الأغلال الفولاذية التي ضربتها الدول الكبرى حول عنق بلدهم لأنه ما دامت البلاد لعبة في يد الدول المصنعة فلن يكون هناك أي تقدم صناعي أو زراعي فيها. وبالإضافة إلى ذلك فإن ضعف الحكام، وتواطؤهم مع الدول الأجنبية التي أصبحت تحميهم وتوجههم حسب مصالحها قد أقنعا ماو تسي تونغ وجماعته بأن تشييد مجتمع اشتراكي يتطلب إيجاد قيادة وطنية ثورية لا ترضى بالمساومات ولا تقبل التفاوض مع الأجانب لأنه من غير المعقول العمل في إطار النظام الحالي الذي يخدم مصالح الدول القوية التي تتحكم في مصير الصين. والشيء الذي لا يخفى على أي أحد أن مشكل الصين قد ازداد تعقيدا بسبب الحروب التي كانت تدور فوق أراضيها، ومزقت وحدتها وألحقت بإقتصادها الوطني خسارة كبيرة. ففي عام 1894 أعلنت اليابان الحرب عليها، وبعد سنة واحدة تمكنت حكومة طوكيو من إلحاق هزيمة بالجيش الصيني واحتلال نواحي (شانتونغ) و(منشوريا).

ولولا تدخل روسيا، وفرنسا، وبريطانيا لكان في إمكانها أن تحتلها كلها وتخضعها لنفوذها. وسبق لها أن تعرضت في عامي 1860 و1861 لهجوم فرنسي وبريطاني وكانت نتيجته التسليم والإعتراف بنفوذ الدولتين الكبيرتين في تلك المنطقة.

وفي مطلع الثلاثينيات، احتلت اليابان جزءا من الأراضي الصينية ورفضت أن تنسحب منه بالرغم من النداء الذي وجهته إليها عصبة الأمم.

وعندما توالت الضغوظ والتدخلات الأجنبية لإبقاء لصين ضعيفة وممزقة، أعد الوطنيون خطتهم السياسية والعسكرية والتنظيمية المضادة التي تمكنهم من تحرير بلادهم واستعادة كرامتها وسيادتها. وهكذا نجد اشتراكيتهم قد أنبنت على الأسس التاليــة :

 

  1. أن سكان الريف هم الدعامة الرئيسية للثورة، لأنه لا يمكن أن يحصل أي تقدم في الصين إلا إذا تحرك الريف وساند سكانه الثورة الوطنية التي تحررهم من العبودية والخضوع للأجانب ورجال الإقطاع في داخل البلاد.

 

  1. أن النظام السلمي الذي يأتي في شكل معارضة للنظام السياسي الموجود في البلاد غير مجد. ولهذا لا يمكن قبول أي تحالف مع القوى غير الثورية. أما المناضلون الحقيقيون فهم الذين يؤمنون بتحرير بلادهم ويلتحقون بصفوف الحزب الطليعي الثوري.

 

  1. إن لحظة العمل الثوري تعتمد القضاء على جميع أنواع استغلال الفلاح الصيني وجلبه إلى جانب القيادة الثورية لأن تحريره من سيطرة رجال الإقطاع وملاك الأرض يكون قاعدة أساسية للتحرير الوطني. وإذا نجح الحزب الشيوعي الصيني في الحصول على تأييد الفلاحين الصينيين، فإنه يكون بذلك قد خلق لنفسه تأييدا شعبيا يصعب على أية حكومة أو قوى أجنبية أن تصمد في وجهه لمدة طويلة. ولكي تنجح القوى الثورية في خلق التأييد الجماعي لقضية تحرير الصين، لابد أن تقوم بتجنيد الفلاحين في كل قرية وتجعلهم يشعرون أنهم يجسدون عظمة الأمة الصينية وقوتها.

 

  1. أن تنشئ قوات التحرير جيشا نظاميا يعمل وفقا للتعاليم التي يتلقاها من قيادتها. وبهذه الطريقة استطاعت قوات التحرير أن تخلق النواة الأولى للجيش الوطني الصيني الذي غير مجرى الأمور في الصين الحديثة(1).

 

الخطة الإشتراكية بالصيــن

 

على الرغم من الحقائق التي أشرنا إليها بشأن اختلاف الوضعية الخاصة بالصين عن وضعية الإتحاد السوفياتي، فإن الخطة الإشتراكية تعتبر واحدة ولكن التطبيق العملي للنظرية الماركسية اللينينية هو الذي أخذ طابعا خاصا في كل بلد. وجاء اختلاف الطرق المتبعة لإقامة مجتمع اشتراكي نتيجة طبيعية لأن طريقة وصول الشيوعيين السوفياتيين إلى الحكم كانت مختلفة عن طريقة وصول الشيوعيين الصينيين إليه. وإذا كان قادة الحزب الشيوعي السوفياتي قد ناضلوا في المدن وانتهزوا فرصة سقوط القيصر لكي ينفردوا بالسلطة، فإن قادة الحزب الشيوعي الصيني قد خاضوا حربا تحريرية دعمها الفلاحون الصينيون الذين كانوا يعيشون في بؤس ومجاعة. ولعله من تحصيل الحاصل أن لا تسلك ثورة النخبة الحضرية نفس الطريق الذي تسلكه ثورة الفلاحين الشعبيـة.

ولكن النقطة الأساسية التي ينبغي أن نضعها نصب أعيننا عندما تتحدث عن الإشتراكية هي أن هناك عدة عوامل مشتركة تجمع بين المجتمعين الإشتراكيين هي أن هناك عدة عوامل مشتركة تجمع بين المجتمعين الإشتراكيين، الصيني والسوفياتي، اللذين يفوق عدد سكانهما مليار نسمة. ومن جملة العوامل المشتركة التي يمكن اعتبارها خطة اشتراكية موحدة، نخص بالذكر المبادئ الآتيـة :

 

  1. وجود حزب شيوعي يعمل وفقا للإستراتيجية الماركسية اللينينيـة.
  2. إستيلاء البروليتاريا على السلطة بوسائل ثورية تحت قيادة الحزب الشيوعي..
  3. إنتهاج سياسة بروليتارية تهدف إلى محاربة الطبقات المستغلة (بكسر الغين) عن طريق التحالف بين البروليتاريا وطبقة الفلاحيـن.
  4. تأميم الصناعات وإنشاء التعاونيات الجماعية في القطاع الزراعـي.
  5. مواصلة النضال الأممي ومحاربة الإمبرياليـة(1).

ولعل الجانب الإيديولوجي الذي نال إعجاب قادة الصين هو فكرة لينين المتعلقة بالدور الأساسي الذي تستطيع أن تلعبه أية دولة ثورية في مجتمع تحرري مثل الصين. وهذا الرأي المتمثل في تقوية أجهزة الدولة ومراقبتها لجميع التطورات الإجتماعية والإقتصادية قد سجله الزعيم السوفياتي في كتابه ” الدولة والثـورة “.

وقد أدرك القادة الصينيون، منذ البداية، أن انتصارهم في أول أكتوبر 1949 على جماعة تشانكاي تشيك الموالية للدول الرأسمالية، وتحرير القوى المنتجة في المناطق الريفية من نفوذ رجال الإقطاع، لن يكون لهما معنى إلا إذا تم توطيد السلطة الثورية وتقوية أجهزة الدولة. وكان طبيعيا أن يولي ماوتسي تونغ وأنصاره توحيد الصين وخلق دولة صينية عصرية قادرة على توفير الأمن وتجنيد جميع الطاقات البشرية لتحقيق الأهداف المنشودة أهمية كبيرة، لأن تأخر الصين يكمن أساسا في التفكك السياسي وتسلط جماعات إقطاعية على السكان وإستنزاف خيرات البلاد لصالح الطبقة الصينية المتعاونة مع السماسرة الأجانـب.

وبالإضافة إلى دعم السلطة الثورية وتقوية الدولة الصينية، انتهج قادتها سياسة اشتراكية قريبة من سياسة الإتحاد السوفياتي، وهي تأميم وسائل الإنتاج والإستيلاء على رؤوس أموال الطبقات الثرية في البـلاد. وبعد أن كانت تلك الإستثمارات موجهة للمشاريع التي تجلب الأرباح الطائلة لأصحابها بواسطة استغلال الفلاحين الصينيين وخنق الصناعات الوطنية التي تتنافس مع الصناعات الأجنبية، تحولت إلى أموال وطنية تستعمل لتطوير القطاع الفلاحي وبناء المجتمع الصينـي.

وتتمثل الخطة الثالثة التي ضبطتها القيادة الصينية واعتمدت عليها لإخراج الصين من صف الدول المتأخرة إلى صف الدول المتقدمة في القضاء على النظام الإقطاعي الذي هو أحد الأسباب الرئيسية في الإنحطاط الإنساني بالصين. والحقيقة التي ينبغي أن نشير إليها هنا أن القادة الوطنيين الصينيين لم يكتفوا بتصفية الطبقة الإقطاعية في بلادهم، بل عمدوا أيضا إلى تكوين الفلاحين وتعليمهم حتى يمكن للثورة أن تعتمد عليهم في معركة البناء كما إعتمدت عليهم في معركة التحرير. وهذه النظرية الصينية قريبة من نظرية فرانز فانون الذي يرى أن الثورة تخلق الإنسان الجديد الذي يرتقي إلى مستوى الوظائف الجديدة المتمثلة في توعية الجماهير وإدخال تغييرات أساسية على العلاقات الإجتماعية(1).

وتعد الإستراتيجية الصينية المتجسدة في إعطاء تطوير الريف الألوية منطقية، لأن المجتمع الصيني مجتمع زراعي، وتقدم الصين يتوقف على تطوير القطاع الزراعي واستغلال طاقات الملايين من الفلاحين لتوفير الغذاء الكافي لشعبها. ولهذا السبب نلاحظ أن القادة الصينيين لم يتطرقوا إلى قضية تجنيد الطبقتين المثقفة والبورجوازية في المدن ودفعهما إلى خدمة الثورة إلا بعد أن تعززت السلطة الثورية في الريـف.

وقد كان شعارهم بعد تحقيق النصر هو أن الذين لم ” يكونوا شيئا ” طوال آلاف السنين أصبحوا منذ الآن ” كل شـيء “(2).

أما الوسيلة التي استعملوها لتحقيق الأهداف المسطرة في برامجهم فهي تعبئة الجماهير من الناحية السياسية والإيديولوجية. وتزعم هذه الحملة الحزب الشيوعي الصيني فأنشأ المجالس القروية، وأعطى الفلاحين، الذين لم يكونوا يملكون أي شبر من الأرض، حق إتخاذ القرارات وتغيير مجرى الأمور بكل قرية صينية. وتشكلت في كل مجلس بلدي عدة لجان كل واحدة منها مكلفة بقطاع معين. وعندما شمر عمال التعاونيات الفلاحية عن سواعدهم للعمل، تلقوا الدعم المالي والمعنوي من الحزب نفسـه.

وساهمت هذه المساندة المستمرة للفلاحين إلى حد كبير، في نجاح التجربة الإشتراكية الصينيـة.

كما لعب الحزب الشيوعي الصيني دورا هاما في توجيه السياسة. وعلى سبيل المثال، كانت إطارات الحزب تتولـى :

 

  • إعداد الدستور أو أية وثيقة وطنيـة.
  • إعطاء التعليمات بمشاركة أعضاء اللجنة المركزية في مجلس الـوزراء.
  • ملء المناصب الحساسة في الدولـة.
  • مراقبة الإنتخابات على جميع المستويـات.
  • الإشراف على وسائل الإعـلام.
  • القيام بضغوط على المنظمات لكي تتماشى مع سياسة الحـزب. (1)

وحسب إحصائية 1956، فإن الفلاحين كانوا يشكلون 69,1% من مجموع أعضاء الحزب بينما كانت نسبة العمال لا تتجاوز 14% والطبقة المثقفة 11,7% وبقية الفئات 5,2% (2) وفي الفترة الممتدة من عام 1950 إلى عام 1961، ارتفعت نسبة العضوية في الحزب من خمسة ملايين إلى سبعة مليون عضـو.

لكن الملاحظة التي تجدر الإشارة إليها هي أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني المتكونة من 100 عضو وعدد مماثل من المنظمات الجماهيرية، لا تعتبر السلطة العليا في البلاد. فوظيفتها الأساسية هي تجسيم القرارات التي تتخذها القيادة وتطبيقها في المجال العملي بعد أن يوافق المؤتمر الوطني الشعبي على ذلك. وتعد القرارات السياسية من اختصاص المكتب السياسي الذي هو عبارة عن اللجنة الدائمة للحزب ويعمل بتنسيق مع رئيس مجلس الـوزراء.

 

والنقطة الأساسية التي ينبغي أن لا تغيب عن الأذهان هي أن الفلاحين الثوريين يشكلون نسبة عالية في الجيش أيضـا. وحسب الإحصائيات المتوفرة عن هذا الموضوع، فإن 58% من أفراد القوات المسلحة الصينية ينتمون إلى الطبقة الفلاحية، والباقي (38%) ينتمون إلى الطبقة العاملة في القطاع الصناعي وبقية القطاعات الأخـرى(1).

والصينيون، مثل السوفياتيين، اعتمدوا على المخططات الإقتصادية التي اعتبروها قاعدة أساسية لبناء مجتمع إشتراكي، غير أن الصينيين الذين شرعوا في تطبيق مخططهم الخماسي سنة 1953 لم يركزوا على الصناعات الثقيلة، مثلما فعل السوفياتيون، ولكنهم حاولوا تنظيم الشعب وتعبئة الجماهير لكي تساهم في بناء الوطن سواء بدعم التعاونيات الزراعية أو بمحاربة الفساد الذي كان يسود المجتمع الصينـي.

وهكذا كانت الأهداف الرئيسية للمخطط الخماسي الأول محاربـة :

  • الرشـوة.
  • التلاعب بالأسرار الإقتصاديـة.
  • سرقة ممتلكات الدولـة.
  • الفساد والإختلاسـات. (2)

أما في المخطط الخماسي الثاني (1958-1962) فقد ركز الصينيون مجهوداتهم على مضاعفة الإنتاج في القطاع الصناعي بنسبة 100% بعد أن كانت هذه النسبة 90% في المخطط الخماسي الأول. كما خصصوا وقتهم لزيادة الإنتاج الفلاحي بنسبة 53% بعد أن سجل ارتفاع في انتاج هذا القطاع بلغت نسبته 23% في المخطط الخماسي الأول (3)، وفي المخطط الخماسي الثالث (1963-1967) خصص الجانب الكبير من الإستثمارات لتمويل مشاريع الطاقة النووية وإنتاج الأسلحة العسكرية التي يحتاجها الجيـش.

 

 

الخلاف الصينـي السوفياتـي

 

لقد ذكرنا أكثر من مرة أن وضعية الصين مختلفة عن وضعية الإتحاد السوفياتي، لأن القادة الصينيين أتبعوا خطة تطوير الريف العظيم وتنظيم الدولة الإشتراكية قبل أن ينتقلوا إلي خوض معركة التصنيع، وربطوا تقدم الصين بتحسين وضعية الريف وتجنيد سكانه لخوض معركة الإنتاج والقضاء على التخلف. ولكن الخلاف الأساسي يكمن في النظرية التي اعتمدت عليها الصين للوصول إلى الحكم وجعلتها قاعدة للعمل فيما بعـد.

فالحزب الشيوعي الصيني الذي تأسس في فاتح جويلية 1921 قد جعل من نفسه حزبا جماهيريا، وليس حزبا يجمع نخبة من المثقفين الثوريين الذين يعملون بالمدن الكبرى من أجل الدفاع عن الطبقة الشغيلة وإقامة جتمع إشتراكي. وهذه الطريقة الأخيرة هي التي اتبعها الحزب الشيوعي السوفياتي فجعلت تجربته مخالفة للتجربة الصينية. وعند تأسيس الحكومة الاشتراكية في الصين يوم فاتح أكتوبر 1949 بلغ أعضاء الحزب الشيوعي الصيني 1.000.000 عضو بينما لم يكن يتجاوز عددهم 57 شخصا يوم تأسيسه في عـام 1921.

والنقطة الأساسية التي نلفت النظر إليها بصفة خاصة هي أن اعتماد الحزب والجيش في الصين على الفلاحين وتجنيدهم لتحرير البلاد من المتواطئين مع الغرب، قد أتى بنتائج إيجابية لم يكن لها مثيل في الإتحاد السوفياتـي.

فالفلاحون الفقراء الذين كانوا يشكلون 80% من الجيش الصيني في فاتح أكتوبر 1949 قد استطاعوا أن يتحرروا من الحكم الإقطاعي وأن يساهموا في اتخاذ القرارات وتوجيه دفة الحكم. وانتقال السلطة إلي الفلاحين الذين كانوا ” لاشيء  ” فأصبحوا
” كل شيء ” يعني أن الصينيين جادون في تحسين وضعية المزارعين وبنا دولة صينية حديثة (1) ولا يفوتنا أن نسجل بأن النجاح الكبير الذي حققه الحزب الشيوعي الصيني يكمن في ذلك التحول الإجتماعي الهام الذي حدث بفضل إنشاء التعاونيات الفلاحية التي لقيت إقبالا وتأييدا من الفلاحين الفقـراء. (2)

ثم أن الصينيين كاوا يعلقون آمالا كبيرة على الثورة البلشفكية التي كانت تمثل بالنسبة للآسيويين الذين ما زالت حركاتهم التحريرية ضعيفة في بنيتها. لكنهم أصيبوا بخيبة أمل بعد أن رفض السوفياتيون إقامة علاقات مساواة حقيقية بين حزبهم وبين الأحزاب الأخرى في العالـم.

وقد ظهرت هذه السياسة بوضوح في بولونيا والمجر سنة 1956 عندما قضت القيادة السوفياتية على العناصر الشيوعية المناهضة لها. ولم يقبل الصينيون هذا التصرف لأنهم يرون أن الحزب الشيوعي في كل بلد، أداة للعمل الثوري، ولا يمكن تجريده من سلطته أو إخضاعه لأية قوة أجنبيـة(1).

والمشكل الآخر الذي نفر قادة الصين من قادة الإتحاد السوفياتي هو الضغوط التي أصبح يمارسها البولشفيكيون على الصين الشعبية لكي يجبروها على المشي في ركابهم بدون نقاش. وتبدو بعض مظاهر تلك الضغوط في سحب الخبراء السوفيات منها عام 1958 وإحجام الحكومة السوفياتية عن إمدادها بالمعدات الصناعية الأساسية في نهضتها الإقتصادية، وتعتقد القيادة الصينية أن معاقبتها وإجبارها على مباركة كل خطوة يتخذها الإتحاد السوفياتي، سياسة منافية لمبدأ ” التضامن الثوري “.

وأكثر من هذا، انتهج خروتشوف سياسة معادية لها على طول الخط، فزار الولايات المتحدة سنة 1959 وقبل فكرة عقد مؤتمر قمة مع القادة الغربيين في سنة 1960. كما دعا إلى عقد مؤتمر دولي للأحزاب الشيوعية بقصد إدانة الصين الشعبية واعتبارها مسؤولة عن دفع العالم الإشتراكي إلى هاوية الحرب مع العالم الرأسمالي. وإذا كان خروتشوف من المحبذين لفكرة التعايش السلمي مع الغرب ومن الداعين إلى تجنب حرب نووية، فإن الصينيين قد اعتبروا هذه السياسة بمثابة مؤامرة محاكة ضد بلادهم. فنزع السلاح يعني عندهم إبقاء الصين دولة زراعية تدور في فلك الدول الكبرى. كما يعني تجميد الوضع بحيث تبقى الدول الكبرى تتحكم في العالم، وتبقى الصين معزولة وغير معترف بها من الدول المصنعة.

وقد يكون الموضوع الذي إستاء الصينييون منه أكثر من غيره هو تقرب قادة موسكو إلى الدول الأوربية التي ما زالت تسيطر على عدد من شعوب العالم الثالـث. وعيب السوفيات في نظرهم أنهم كانوا يعتقدون بأن من مصلحتهم المحافظة على صداقة الغرب ولا يهمهم وضع استراتيجية يمكن إتباعها تجاه الشعوب التي ما تزال تناضل من أجل نيل حريتها واستقلالها. وعلى العكس من ذلك كان الصينيون يلحون على الدوام بضرورة وضع مقاييس ثورية تكون قاعدة عمل لجميع القوى الإشتراكية في العالـم.

ولعل أبرز ظاهرة يمكن الإشارة إليها كمثل على هذه السياسة اللاثورية ما فعله خروتشوف حينما صادق ديغول على حساب الشعب الجزائري المناضل. ولكي لا يثير غضب فرنسا المستعمرة أحجم على الإعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة عند تأسيسها.(1)

ولكن الصين التي فجرت قنبلتها الذرية الأولى يوم 16 أكتوبر 1964، أصبحت مثل الإتحاد السوفياتي، تبحث عن أي طريق يخرجها من عزلتها ويوصلها بالعالم الخارجي بغض النظر عن نوعية الدول التي تتعاون معها. فهي الآن تتعامل بدورها مع الولايات المحدة، زعيمة العالم الرأسمالي وتتبادل معها البضائع التي قدرت قيمتها في نهاية 1974 بحوالي 935 مليـون دولار (2).

وما أصبح يثير مخاوف قادتها هو محاولة القادة السوفياتيين محاصرتها من كل جانب وخاصة بعد أن تحررت جنوب فيتنام وصار الوطنيون في اللاووس يسيطرون على الوضع. فالإتحاد السوفياتي يقوم بمحاولات عديدة لإقناع الفتناميين واللاوسيين بالإستغناء عن صداقة الصين والتعامل معه فقط. ونفس الضغوط يمارسها الآن على اليابان حيث لم يتردد في تهديدها لتختار بين الوقوف معه أو مع الصين الشعبيـة. وتستهدف هذه الضغوط حرمان الصين من قطف ثمار نجاحها في إعانة الوطنيين الفيتناميين والكامبوديين على إلحاق هزيمة بحلفاء الدول الغربية في آسيا. كما تعتبر خطة مدبرة لتعكير صفو العلاقات التجارية التي أصبحت تربط بين الصين واليابان وخاصة أن الثانية قد صارت المصدر الرئيسي للأولى في المعدات والآلات الصناعية التي تعينها على نجاح خطط تنميتها الإقتصادية. ففي عام 1973 بلغت قيمة المبادلات التجارية بين حكومتي طوكيو وبكين ما لا يقل عن ملياري دولار. (1)

وبطبيعة الحال، لن يغفر الصينيون لبرجنيف ما فعله في تشيكوسلوفاكيا سنة 1968، حيث أرسل جيشه إلى ذلك البلد المستقل، وطرد منه الزعيم ” دوبيتشيك ” وجماعته. وجاء هذا التدخل في الشؤون الداخلية لبلد اشتراكي مستقل باسم حلف وارسو بينما هو يشكل في حقيقته تعسفا واعتداء على حرمة تشيكوسلوفاكيا وسيادتها. وكما هو معروف فإن ” مبدأ برجنيف ” يتضمن تقديم المساعدة السوفياتية لكل بلد يتعرض لأخطار تهدد أمنه وكيانه. ويخشى الصينيون الآن تطبيق هذا المبدأ عليهم وخاصة لما أصبح الأسطول البحري السوفياتي يحاصرهم من كل جهة.

وقد استفحل الخلاف بين الصينيين والسوفياتيين في هذه السنوات الأخيرة بسبب إصرار بريجنيف على عقد مؤتمر دولي تشارك فيه جميع الأحزاب الشيوعية في أوربا خلال شهر فيفري سنة 1976، (وهو الشهر الذي عقد فيه الحزب الشيوعي السوفياتي مؤتمره الخامس والعشرين). ففي شهر نوفمبر سنة 1975 انعقد مؤتمر دولي ببرلين الشرقية، شارك فيه 28 وفدا يمثلون مختلف الأحزاب الشيوعية لأعداد الإستراتيجية التي تتبناها الأحزاب الشيوعية. لكن المؤتمرون اختلفوا فيما بينهم، وتفرقوا بدون أن يحددوا موعدا لمناقشة هذا الموضوع. وضاعفت هذه المحاولة، لعقد مؤتمر شيوعي تتزعمه القيادة السوفياتية، هجومات الصين الشعبية على الإتحاد السوفياتي الذي يتهم بزرع بذور التفرقة بينه وبين الصين، وإنجر عن ذلك إنشقاق الأحزاب الشيوعية.

وقد إتضح من مؤتمر برلين أن الأحزاب الشيوعية بألمانيا الشرقية، وتشيكوسلوفاكيا، وبلغاريا، والبرتغال، لا تعارض الزعامة السوفياتية، ولكن الأحزاب الأخرى في يوغوسلافيا، ورومانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبريطانيا، وفرنسا، رفضت أن تكون ظلا للحزب الشيوعي السوفياتي. ويقال أن بريجنيف قد تنازل عن مبدأ إخضاع الأحزاب الشيوعية للقيادة السوفياتية لكي لا يكون عرضة للهجومات الصينية، لكن أغلبية قادة الأحزاب الشيوعية أصرت على ضرورة إتباع سياسة وطنية تمكنها من خدمة قضاياها والمشاركة في حكومات إئتلافية، إذ اقتضى الأمر. وإذا كان من حق الإتحاد السوفياتي مصادقة الغرب وتنمية التعاون معه، فمن حق هذه الأحزاب أن تخدم مصالح شعوبها وتتكيف مع الظروف الداخلية لكل بلد (1).

 

الصــراع علـى السلطــة

 

ليس هناك مبالغة إذا قلنا أن المشكل الرئيسي الذي يشغل بال كل متتبع لأحداث الصين، سواء في الداخل أو في الخارج، هو معرفة الطريق الذي يسلكه الزعيم الجديد للصين ” هو اكوفو فينغ Houa Kuo Feng ” بعد تعيينه خليفة لماو تسي تونغ كأمين عام للحزب الشيوعي الصيني يوم 10 أكتوبر 1976. ومعنى هذا أنه جمع بين منصبين هامين وهما رئاسة الحكومة (الذي كان يشغله شواين لاي) ومنصب الأمين العام للحزب (الذي كان يشغله ماو تسي تونغ).

لعل كثيرين قد تساءلوا عن بواعث الموقف المفاجئ الذي اتخذه ماو تسي تونغ عندما قرر إدخال تغييرات على الحزب الشيوعي الصيني في سنة 1965 بعد أن أسسه وبناه على هياكل وأنظمة ساعدته على إحراز  أكبر الإنتصارات العسكرية والسياسية. والجواب عن ذلك أن ماو تسي تونغ قد أقدم على تجريد حزبه من السلطات المخولة له لما شعر أن رفقاءه وتلاميذه بدأوا يعدون العدة للإستيلاء على السلطة وتوجيه الصين حسب مزاجهم الشخصي. وبالرغم من التنظيم المحكم للخطط التي رسمتها العناصر المشرئبة للحكم، فإن الرئيس ماو تسي تونغ قد استطاع أن يعزل خصومه في الحزب عن حلبة السياسة في مدة قصيرة. وبهذا النجاح أثبت الزعيم الصيني أن تقدمه في السن لا يعني عجزه عن قهر منافسيه، وأنه من الأفضل لمن يتلهف على الحكم أن يعمل لإنجاح التنمية الإشتراكية بالصين بدلا من إظهار تحديه للقيادة الوطنية.

إلا أن تفوقه على منافسيه لا يعني إنتهاء مشكل الصراع على السلطة أو تحديد السياسة الصينية تجاه المشاكل الرئيسية داخل البلاد وخارجها.

وإذا كان الأمريكيون قد تقربوا إلى الصين الماوية فإن مصلحتهم اقتضت ذلك منهم. أما قادة الإتحاد السوفياتي ففضلوا الإنتظار حتى ابتعاد الزعامة الماوية عن الحكم لأنه كان من المستبعد أن تقبل أي تحالف معهم إلا إذا قبلوا بشروطها المتعلقة بقيادة العالم الإشتراكي ومشاركتها في تحديد المعالم الرئيسية لسياسة الدول التابعة للكتلة الإشتراكية.

وكيفما كان الحال، فإن الأيديولوجية الإشتراكية قد تعززت في الصين بفضل التغييرات التي أدخلت على البنية الإجتماعية عقب نجاح الثورة وتأكد أن رحيل القائد الكبير لا يمكن أن يؤثر على المكاسب الإشتراكية الصينية تأثيرا سلبيا. والسبب في هذا أن الثورة الإشتراكية الصينية قد غيرت العلاقات الإنسانية ومكنت ملايين الفلاحين الفقراء أن يتعلموا ويساهموا في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

وأعطت هذه المكاسب الحياة الإجتماعية في الصين طعما آخر للحياة العادية ومن المستبعد أن يؤدي اختفاء القائد الذي جاهد في سبيل تحقيقها إلى زوال المزايا الثقافية والإجتماعية والإقتصادية التي نمت وتحققت في ظل هذه الزعامة(1). ويعتبر الصراع على السلطة ظاهرة ملازمة لكل مجتمع يمر من مرحلة الثورة الوطنية إلى مرحلة الإستقلال وبناء المجتمع الإشتراكي.

إن أسلوب معركة التحرير يختلف عن أسلوب تنظيم السلطة وتجنيد جميع الطاقات لمعركة البناء والتشييد. والمحرك الأساسي الديناميكي لكل حزب ثوري هو شخصية القائد الذي يؤثر على مجرى الأحداث ويحدد الإختيارات السياسية والإقتصادية. وحسبما قال لنين : فإن السلطة العليا بالحزب هي التي تعطي الأيديولوجية مفهومها الصحيح بحيث تكتسب جميع القرارات التي يوافق عليها القائد، صفة الشرعية، ويتولى تصفية المواضيع فلا يبقى إلا الإختيار بين طريقين : طريق الإشتراكية وطريق الرأسمالية(1).

والنقطة الثانية التي اعتبرها لينين العمود الفقري للتنظيم الثوري هي أنه ينبغي للحزب أن يحافظ على وحدة صفه بحيث يكون عمله موافقا لرأي أغلبيته. والسؤال الذي يطرح هنا : كيف يمكن التوفيق بين حق الزعيم في تحديد سياسة الحزب وبين العمل وفقا لمبدأ القيادة الجماعية ورأي الأغلبية ؟.

إن السماح للقائد أن يضع الخطوط العريضة لسياسة البلاد قد اصطدم بالنظرية الثانية التي تخول الأغلبية حق اتخاذ القرارات الجماعية والمحافظة على الوحدة الوطنية.

ففي الوقت الذي كان فيه ماو تسي تونغ يسعى لتقوية أيديولوجية حزبه وإبقاء جميع العناصر الثورية المناضلة تعمل منسجمة تحت قيادته، قامت العناصر الواعية منها بأعمال تهدف إلى بناء مؤسسات قوية للدولة وجعلها وحدها القادرة على البت في جسام الأمور واتخاذ القرارات المصيرية. ولكنه فسر هذه السياسة التي أقرتها أغلبية العناصر المناضلة في حزبه، بأنها تدبير لتنحيته من الحكم بعد أن قاد الحزب منذ 1935.

وتحول بذكاء إلى الشعب فإستعان به على خصومه، والتفت إلى الجيش فوجده هادئا ومطيعا، وطلب من قادته أن يتحركوا لتأديب العناصر التي تسعى للإستئثار بالسلطة.

والغريب في الأمر أن الشخص الذي دعا إلى تقوية الحزب وتنظيمه تنظيما دقيقا هو نائبه السيد ” ليو Liu ” الذي احتل هذا المنصب منذ سنة 1942. وتميزت الفترة الممتدة من عام 1953 إلى غاية 1959 بإتباع منهج القيادة الجماعية والسلم الإداري في الحزب، وبالثقة المتبادلة بين ماو تسي تونغ ونائبه. لكن في بداية الستينات بدأ مفهوم القيادة الجماعية يتغير وأصبح ” ليو ” وواحد من رفقائه (1) يتحملان وحدهما مسؤولية  توجيه الحزب واتخاذ القرارات اللازمة. وبمعنى آخر صار الحزب الشيوعي الصيني يشبه إلى حد كبير الحزب الشيوعي السوفياتي، إذ أصبحت الأمانة العامة هي السلطة  الحاكمة بالبلاد.

وفي شهر ديسمبر 1964 تحرك ماو تسي تونغ وبدأ يهاجم نائبه والعناصر التي أخذت تسير في طريق الرأسمالية. ولإسترجاع نفوذه وسلطته على الحزب اعتمد أسلوبا يتضمن مبدأين أساسيين هما : التصحيح والعودة إلى الخط الجماهيري. ولتأليب الجماهير الشعبية على المنظمات الحزبية، أصدر بيانا يتضمن ثلاثا وعشرين نقطة اعتبرها مبادئ رئيسية  لسياسة الحزب والمنظمات الشعبية التابعة له. وفي شهر جانفي 1965 أعلن  عن ميلاد الثورة الثقافية وتصعيد عمليات التطهير في الحزب.

والواقع، أن الثورة الثقافية كانت نقطة انطلاق للصراع الحقيقي بين إطارات الحزب والرئيس ماوتسي تونغ. لكنه استعمل شعار ” الثورة الثقافية ” كمذهب سياسي يعني إتباع ” الأيديولوجية الصحيحة “. ومن قبل زعامة ماوتسي تونغ أعتبر من ” أحسن تلاميذه ” ومن اعترض على ذلك أعتبر من المنشقين الذين لم يلتزموا بالنظرية اللينينية-الماوية (Revisionists).

 

تطور نظام الحكم بالصين

 

نـــوع الحكــم الفتـــرة

نوع القيـــادة

مؤسسات الدولة تحت زعامة الحزب 1962 1966 الحــزب
حركة شعبية تحت زعامة القائد الكبير 1966 1967 القائد الكبيــر
نخبـــة مـن الجيــش 1967 1971 الجيــش
مؤسسات الدولة تحت زعامة الحزب 1971 الحزب + القائد

الكبير + الجيش

 

والخلاصة أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي قد توقفت عن أعمالها بعد أن ضايقت أعضاءها المنظمات الجماهيرية الجديدة التي أصبح ” الحراس الشيوعيين ” Red Guards يقودونها.

وعلى مستوى النواحي، حلت اللجان الجهوية محل المنظمات الوطنية للحزب، وبذلك تسنى للرئيس ماوتسي تونغ أن يسترد سلطته ويقيم علاقات مباشرة مع الجماهير.

كما استعان أيضا بالجيش وأعطى قادته تعليمات أن يساندوا العناصر اليسارية المؤيدة له. إلا أن استعادته السلطة، خلق وضعية جديدة بالبلاد. ففي صيف 1967 كادت الحرب الأهلية أن تنشب بين العناصر اليسارية في منظمة ” الحراس الشيوعيين ” وبين قادة الجيش.

وكانت خطة العناصر اليسارية تستهدف أبعاد الجيش عن السلطة بدعوى أن قادته ينتمون إلى الطبقة الرأسمالية. وهكذا تصاعدت خلال فترة وجيزة عمليات خطف كبار الضباط في الجيش وأسلحتهم وجاءت فرصة مواتية لفرض رقابة على تلك العناصر اليسارية التي شعرت أنه في إمكانها أن توجه ضربة قاضية إلى الجيش وتعزله مثلما عزلت إطارات الحزب في السابق.

وفي يوم 5 سبتمبر 1967 تلقى الجيش تعليمات من الرئيس ماوتسي تونغ مفادها أن مهمة الجيش هي توفير الأمن في البلاد وأيقاف الصراع الذي يدور بين العناصر المتخاصمة. وقويت بذلك سلطة القادة العسكريين الجهويين فاتخذوا إجراءات صارمة ضد ” الحراس الشيوعيين ” وأوقفوهم عند حدهم(1).

وفي نفس الوقت الذي كان يعمل فيه الجيش من أجل تقوية نفوذه والتخلص من العناصر اليسارية، شرع ماوتسي تونغ في التمهيد لعقد المؤتمر التاسع للحزب وانتقاء العناصر التي تساعده على تنفيذ مشاريعه.

وفي شهر أفريل 1969 انعقد المؤتمر التاسع للحزب واختار ماو تسي تونغ النخبة الجديدة للهيأة المركزية للحزب المتكونة من القوى السياسية الثلاث :

 

1- الجيش (44%).

2- المنظمات الجماهرية (29%).

3- الإطارات الحزبية القديمة (27%).

وقد تكون أهم نتيجة تمخض عنها ذلك المؤتمر هي تعيين وزير الدفاع السيد (لين بياو Lin Piao) نائبا للرئيس ماوتسي تونغ. فهذا الإختيار اعتبر بمثابة تعيين خليفة للرئيس المتقدم في السن، وعلى الشعب الصيني والعالم كله أن يتقبل الوضع الجديد ويأخذ بعين الإعتبار الأيديولوجية السياسية التي يرغب السيد ” لين بياو ” في تطبيقها. كما أن المؤتمر التاسع للحزب قد أدخل تغييرا جذريا على نوع العلاقات التي تربط بين الزعيم الكبير ماوتسي تونغ واللجان، الجهوية. فالتقارير التي تحررها اللجان تبعثها إلى رئيس الحزب مباشرة وهو يتولى اتخاذ القرارات ويجيب عن الأسئلة التي يطرحها أي مسؤول في أية لجنة جهوية، وفسر هذا بالحرص على إبقاء رأس الحبل في يده ووضع العناصر الموالية له في مركز القيادة في إطار التنظيم الجديد.

والشيء الذي يستحق الذكر أن الرئيس الصيني قد أقدم على طرد 80% إطار من الحزب، مع أنه كان يعطيه على الدوام، أهمية كبيرة لأنه مكنه من الإنتصار في حرب التحرير وساعده على الإستمرار في السلطة مدة 25 سنة (1949-1976).

والحقيقة التي ينبغي تسجيلها عن ” الثورة الثقافية ” الصينية أن الرئيس ماو استخدمها وسيلة لإستعادة نفوذه، وامتطاها الجيش أيضا للوصول إلى الحكم. وكما يبدو من الخطوط العامة للثورة الثقافية، فإن التوجيهات الرئيسية لا تختلف في الجوهر عن العمليات التي كان الحزب يقوم بها في السابق.

ولكن الرئيس ماوتسي تونغ صاغ تعليماته في أسلوب جديد يوحى بأنه قرر أن ينقذ الثورة من الإنحراف ويعيد العناصر الضالة إلى الطريق السليم. وبهذه الطريقة أثار حماس الجماهير واسترد ثقتها في قيادته. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما هي
” الثورة الثقافية ” الصينية، وجوابه على ذلك أنها خطة سياسية تستهدف التمسك بالأصالة الثورية وتقوم الأواصر التي تربط إطارات الأمة الصينية بالفلاحين المبعثرين في الريف.

وبما أن الموضوع متشعب ومغزاه سياسي أكثر مما هو ثقافي، فإننا نذكر المبادئ الأساسية، ونترك الحقائق للقارئ لكي يستخرجها بنفسه. فأهداف ” الثورة الثقافية ” تتلخص فيما يلي :

 

  • تطهير المدن من الشبان العاطلين الذين يجوبون الشوارع.
  • مضاعفة الإتصالات بين إطارات الدولة في المدن والفلاحين في الريف.
  • العمل على تخفيض الفوارق بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية.
  • المساهمة في العمل اليدوي وعدم الترفع عن ذلك.
  • تجنيد الشبان لخدمة الريف.
  • إعطاء المكافآت والتشجيعات لكل من ساهم في زيادة الإنتاج.
  • إتباع نظام المركزية.
  • إصلاح التعليم وربط المناهج التعليمية في الجامعات بحاجيات الشعب(1).

ولكن الظروف تغيرت فجأة في مطلع السبعينات، وشرع ” لين بياو” في تغيير نظام الحكم تدريجيا وإبعاد ماوتسي تونغ عن السلطة شيئا فشيئا…

لقد استغل وزير الدفاع الصيني فرصة تعيينه رئيسا للهيأة المكلفة بإعداد دستور جديد، فوضع برنامجا يقضي بإنتخاب رئيس الجمهورية وترشيح أحد رفقائه لهذا المنصب الجديد. وكان رد الفعل أن أبعد الرئيس ماوتسي تونغ الضباط الذين كانوا يحكمون منطقة بكين (العاصمة) وعوضهم بضباط من أنصاره وبادر بإتخاذ قرارات تقضي بإسناد السلطة العليا بالبلاد للحزب وجعل الجيش يخضع لأوامر اللجنة المركزية التي يرأسها.

وفي الفترة الممتدة من 24 إلى 28 أوت 1973، انعقد المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني لوضع استراتيجية جديدة واختيار النخبة التي تحل محل أفراد القوات المسلحة الذين كانوا يتمتعون بنفوذ كبير قبل أن يضع الرئيس ماوتسي تونغ حدا لنشاطهم. وتقرر أثناء مداولاته السرية أن تقام هياكل سياسية جديدة. ومن القرارات التي اتخذت في ذلك المؤتمر :

 

1- اختيار خمسة نواب للرئيس ماوتسي تونغ (بدلا من نائب واحد).

2- العمل وفقا لنظرية القيادة الجماعية (بعد طرد الحكام العسكريين الجهويين من مناصبهم والتخلص من اليساريين في الحزب والجيش).

3- زيادة عدد الأعضاء في اللجنة المركزية للحزب بـ 40 عضوا بحيث بلغ عدد أعضائها 319. وهذه الزيادة كانت متعمدة لتقوية العناصر الممثلة للحكومة والحزب وتخفيض نسبة العسكريين.

4- تعيين شخصيات مدنية في المناطق الجهوية لكي تشتغل مع الحكام العسكريين الجهويين، وبذلك تضمحل قوة الضباط وتزداد قوة القادة المدنيين. (2)

وتعد هذه القرارات السياسية بمثابة انتصار للعناصر المعتدلة في الحزب التي كانت تعمل باستمرار لإستعاذة نفوذ الحزب وتقوية سلطته.

وموافقة الرئيس ماوتسي تونغ على القيادة الجماعية وإعطاء الحزب السيادة يعنيان أن الصين تسير الآن في طريق تحقيق الإستقرار والأمن في ربوعها تحت رعاية الحزب وإشرافه. كما أن توحيد السلطة يؤشر أن الصين مقبلة على دعم علاقاتها التجارية والديبلوماسية مع الخارج ووضع حد لحياة العزلة التي كانت تعيشها منذ اليوم الذي انتصر فيه الثوار على شنكاي شيك وجماعته.

 

الأيديولوجية تتعارض مع التنميــة

 

       الحقيقة، أن المشكل الكبير الذي يواجه الصين لا يكمن في معرفة الطريق الذي يسلكه خليفة الرئيس ماوتسي تونغ، وإنما يكمن في الخلاف الموجود بين الأهداف الثورية وأهداف التنمية الإقتصادية، وفي الفرق  الشاسع بين الأيديولوجية الثورية التي تقوم أساسا على المساواة، وبين الفعالية في العمل والبناء، وفي تعلق القائد الكبير بالسلطة واعتماده على الجماهير الشعبية بينما يتطلب بناء المجتمع الإشتراكي وجود حزب بروليتاري يسعى لتقوية الهياكل الأساسية للدولة(1).

وبعبارة أخرى، فإن المقاييس التي كانت معتمدة في فترة التحرير قد تجاوزتها الأحداث وأصبحت غير مجدية في فترة التنمية والتشييد الإشتراكي. لهذا، فإن الأديولوجية التي كانت معتمدة في البداية كقاعدة لخلق الوئام والوحدة في صفوف المناضلين خلال معركة التحرير، لابد أن تعوض بغزارة المعلومات ومعرفة الظروف الدقيقة للمجتمع وذلك في فترة دعم النظام الإشتراكي. وما يدفعنا أن نقول أن توفير المعلومات يعتبر شرطا أساسيا للنجاح في أي عمل هو أن القرارات التي تتخذ تكون صائبة وبناءة في حالة حصول المسؤولين على الحقائق الأساسية التي تفهمهم كل مشكل على حقيقته. والمعلومات الدقيقة تأتي، بطبيعة الحال، من ورشات العمل ومن الأفراد الذين يمارسون عملهم اليومي في المزرعة وفي المصنع وفي الإدارة.

 

الشعارات الثورية والسياسية الواقعيــة

 

الإعتبارات السياسية الشعارات الثورية السياسة الواقعية
1) الأيديولوجيـة الأيديولوجية (تكون شاملة) الممارسة اليومية (الأيديولوجية عملية)
2) السياسة العامة الثورية (تهدف إلى المساواة) التنمية (تتطلب الفعالية)
3) السلطــــة قيادة فردية (تعتمد على الجماهير) حزب طلائعي (يدعم المؤسسات الدولية)

 

       ونفس الشيء يمكن أن يقال عن ظاهرة الشعارات الثورية التي تتضمن عادة، المناداة بالعدل والمساواة والفرص المتساوية للمواطنين، فتعتبر هذه الشعارات غايات في حد ذاتها ولا يوجد أي عيب بها. لكن المشكل هو أنها قد تفقد معناها، إذا لم تقترن بزيادة الإنتاج وتحسين وضعية السكان بطريقة ملموسة.

والصين الشعبية قد تضررت بصفة خاصة من قلة الفعالية في ميدان التنمية الصناعية والتنمية الزراعية، ويرجع هذا إلى الخلافات العقائد بين الأفراد واتجاهاتهم السياسية. فالخبير الذي لا ترضى عنه العناصر السياسية والحزبية قد يستغني عن خدماته الفنية وتحرم البلاد من قدراتها العلمية. وهذا ما حدث بالضبط في سنة 1965 عندما عمد ” الحراس الشيوعيون ” إلى اضطهاد العديد من العناصر المعتدلة بدعوى عدم ولائها للزعيم ماوتسي تونغ.

وبالإضافة إلى ذلك فإن التنمية تتطلب دعم مؤسسات الدولة وتقوية الأجهزة القادرة على المراقبة ومتابعة نفوذ المتهاونين في أعمالهم، لكن تقوية أجهزة الدولة الصينية تعني في هذه الحالة، اضمحلال نفوذ الزعيم الصيني الكبير. ثم إن هذا الصراع على السلطة بين المستفيدين من تجميد الوضع، وبين الذين يسعون لإدخال تغييرات جوهرية على النظام الثوري، لا يعود بالفائدة على المجتمع الصيني ما دامت الطاقات تصرف في التسابق من أجل الوصول إلى السلطة وليس في العمل وتعبئة الطاقة بقصد البناء.

ولو عدنا إلى تاريخ الصين وراجعنا تطوراتها السياسية لوجدنا قياداتها قد استخدمت الجيش أكثر من مرة لأغراض سياسية. ولهذا لا يعد ما استعمله الزعيم ماوتسي تونغ سنة 1965 في إطار الثورة الثقافية شيئا جديدا على حياة الصين والصينيين.

إلا أن الشيء الجديد هو أن الجيش الصيني قد أصبح الآن يستعمل أداة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية بالبلد. وعلى عكس ما حصل في الإتحاد السوفياتي الذي خصص على الدوام جزءا كبيرا من ميزانيته للأسلحة والدفاع، فإن الصين قد دفعت بجيشها إلى معركة البناء الداخلي.

 

التخطيـط الزراعي بالصيـن

 

       إن ما يعجب به المرء في آسيا هو إقدام الصين على تطوير القطاع الفلاحي بطريقة إشتراكية. وكانت الحكومة الصينية واقعية مع نفسها،  عندما اتخذت قراراتها الإشتراكية، ومدركة أهمية توفير الغذاء الأساسي لمآت الملايين من أبناء الشعب الصيني الذين يتزايد عددهم بكثرة من يوم إلى آخـر.

وامتازت التجربة الصينية في الميدان الفلاحي بتعايش القطاع الخاص مع القطاع العام، ويدل هذا على وعي الحكومة وواقعيتها وتعلقها بإنعاش التنمية الإقتصاديـة.

والسؤال المهم هنا: لماذا تراجعت عن قرارها القاضي بفرض نظام التعاونيات على القطاع الخاص ؟ إن هناك أكثر من سبب لتراجعها عن فرض النظام التعاوني. الأول، هو عدم رغبة الفلاحين في الإنضمام إلى هذا التعاون حتى يتأكدوا أن التعاونيات التي أقامتها الحكومة قادرة على توفير العيش لهم. ولا يعني هذا كمية الحبوب والمواد الغذائية التي تنتجها التعاونيات الحكومية فقط بل يعني أيضا توزيع هذه المحاصيل.

والسبب الثاني الذي دفع الحكومة إلى تشجيع القطاع الخاص هو رغبتها في الإعتماد عليه ليسد النقص في بعض المحاصيل التي يحتاجها الشعب ولا توفرها تعاونياتها. وبالإضافة إلى كل هذا، فإن الحكومة قد أدركت أن تعاونياتها تنقصها الكفاءة والفعالية في استغلال الأرض، الشيء الذي نتج عنه انخفاض في عدد الخنازير والمحاصيل الزراعية. كما أن سوء الإدارة في القطاع العام أدى إلى نقص الإنتاج وعدم تسميد الأرض، وتولد عن ذلك فقدان بعض الحبوب التي كانت متوفرة في السابق.

وللتغلب على هذه الصعاب قررت الحكومة الصينية تقسيم الإنتاج إلى
قسمين : فالقطاع العام يتكفل بتوفير المواد الغذائية الأساسية للأعمال الصناعية والقطاع الخاص يتكفل بتوفير الخنازير والخضر للشعب وعمال الصناعة. ويمكن تلخيص السياسة التي اتبعها الحكومة الصينية في الميدان الزراعي فيما يلـي :

 

  1. لقد إبتدأ الإصلاح الزراعي بطريقة براغماتية حيث قرر قادة الصين الإعتماد على التقدم التقني في الفلاحة وتنظيم الفلاحين في تجمعات تعاونية وأيجاد تخطيط شامل للأراضي الشاسعة التي يكون لها أثر كبير على الإنتاج الزراعـي.

وحرصا من الحكومة الصينية على النجاح في تطوير القطاع الزراعي تدريجيا قام الحزب الشيوعي بمجهودات متواصلة لإقناع الفلاحين بالعمل في تعاونيات ولم تفرض عليهم سياسة معينة ما داموا لا يشكلون أي خطر على التعاونيات الحكومية.

ومن خلال ذلك التنافس المنظم بين القطاعين الخاص والعام ظهرت جوانب الضعف في كل قطاع. وفي الحال، بادرت الحكومة إلى علاج ذلك الضعف قبل الإنتقال إلى المرحلة القادمـة.

وقد خلقت قدرتها على معالجة المشاكل التي واجهت التعاونيات الخاصة
أو العامة نوعا من الثقة بين القيادة والفلاحيـن.    وفي آخر الأمر، قبل الفلاحون بمبدأ العمل المشترك مع بعضهم البعض، وأصبحوا يؤيدون التغييرات الجديدة التي أدخلتها حكومتهم على القطاع الزراعـي.

 

  1. إن رغبة القيادة في تطبيق سياسة الإصلاح الزراعي، بأية صفة كانت، واقعية ولم يكن يهمها إدخال النظم الإشتراكية بقدر ما كان يهمها رفع الإنتاج الفلاحي. من ذلك أنه عندما فشل القطاع الإشتراكي في تربية الخنازير التي تمول الصين باللحوم، قررت الحكومة الصينية في الحال السماح للقطاع الخاص أن يربيها لتوفير اللحوم للشعب بأرخص ثمن ممكن. وقد اتخذت هذا القرار الواقعي بالرغم من تعارض مبدأ تعزيز القطاع الخاص مع الشيوعيـة.

 

  1. برزت مشكلة المركزية في الإدارة وفشل الحزب الشيوعي في التوعية الإجتماعية لأن الإنتاج انخفض في بعض السنين في حين كان من المفروض أن يرتفع. ولكي تزداد فعالية للتعاونيات وإنتاج القطاع الخاص، سمحت حكومة الصين الشعبية للموظفين الصغار بانتقاد رؤسائهم واطلاعها على العيوب التي توجد بالإدارة. وبهذا الأسلوب استطاعت أن تعرف الحقيقة من أفواه الفلاحين وتوافق على التغييرات التي تفيد البلاد وتزيد في الإنتاج ولو تعارض ذلك مع مبدأ العقيدة الشيوعيـة(1).

 

الصين تخـرج من عزلتــها

 

إن الصين الإشتراكية، مثل الإتحاد السوفياتي، قد انطوت على نفسها في الخمس والعشرين سنة الأولى من حياة الثورة لكي تتفرغ للتنمية الإقتصادية وتقوية الهياكل السياسية للدولة الإشتراكية. كما عملت، في هذه المرحلة الأولى، على فك ذلك الحصار الذي ضربته حولها الولايات المتحدة وحلفاؤها في جنوب شرق آسيا.

وليس هناك شك أن الخلاف الموجود بينها وبين الإتحاد السوفياتي يرجع في الأصل إلى رغبة حكومة موسكو في اقتسام القيادة مع حكومة واشنطن وإبقاء الصين قوة دولية من الدرجة الثانية (2). وقد تأزم أكثر منذ 1964 بسبب امتلاك الصين القنبلة الذرية واحتمال استعمالها ضد الإتحاد السوفياتي المجاور لها. وحسب بعض الدراسات، فإن الإتحاد السوفياتي قد درس موضوع القضاء على القوة النووية الصينية قبل أن تشكل خطرا عليه بشن هجوم على منطقة سنكيانج Sinkiang التي تكاد تكون مهجورة  السكان ولكنها غنية بمادتي الأورانيوم والبترول، وفيها يقع مركز إجراء التجارب النووية. إلا أن الولايات المتحدة حذرته من عاقبة ذلك الهجوم، واشترطت أن تقترن سياسة المهادنة (Détente) بالمحافظة على الوضع الحالي.

ثم إن القادة السوفياتيين قد شعروا بأن الهجوم على الصين، وهي دولة اشتراكية مثل بلدهم قد يجلب لهم العار ويشوه سمعة بلادهم في جميع دول العالم.

لهذا فضلوا حلا آخر وهو التحلي بالصبر إلى أن يختفي الزعيم ماوتسي تونغ من مسرح الأحداث السياسية. وأملهم الآن بعد وفاته يوم 9 سبتمبر 1976 أن تكون وفاته بداية عهد جديد مع القادة الصينيين الذين خلفوه في الزعامة(1).

لقد استطاع الصينيون أن يفكوا الحصار المضروب حولهم بفضل التضامن والتفاهم مع دول العالم الثالث التي لا تنتمي إلى أحلاف عسكرية في كتلتي الشرق والغرب. وفي عام 1971 استرجعت بلادهم مقعدها في منظمة الأمم المتحدة وأصبحت الممثل الوحيد للشعب الصيني. ثم توالت  عليها الإعترافات من جيرانها الذين كانوا يسيرون في فلك الدول الغربية فاعترفت بها استراليا والفليبين واليابان وتايلاندا. وأكثر من هذا، أصبح رؤساء دول العالم الغربي يتقربون إليها ويتوسلون أن يقابلهم الرئيس ماوتسي تونغ. وهكذا زارها الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون (في فيفري 1972) ثم خلفه السيد جيرالد فورد (في ديسمبر 1975). وفي عام 1973 زارها الرئيس الفرنسي السابق السيد بومبيدو.

ولعل الحدث الكبير الذي سيكون له أثر كبير على مستقبل الصين هو القضاء على العناصر الموالية للولايات المتحدة في الفيتنام وكمبوديا في عام 1975. إن هذا يعني وجود جيران وطنيين اشتراكيين، ومن شأنه أن يساعد على توفر الأمن والتفرغ للبناء الداخلي.

كما أن انهيار حلف جنوب شرق آسيا (Cento) وحله نهائيا سنة 1978 سيكون بمثابة انتصار آخر على الأحلاف المعادية لها. ومن غير المستبعد أن تلعب الصين دورا هاما في تقوية التعاون الإقتصادي بين دول المنطقة التي عاشت في صراع مستمر مع الأجانب الذين لم يتوقفوا عن التدخل في شؤونها منذ القرن التاسع عشر.

ومنذ ديسمبر 1972، أي عقب زيارة الرئيس الأمريكي السابق نيكسون لها وتحسن العلاقات السياسية بين الجانبين، بدأت حكومة بكين تعمل من أجل توسيع أفق التعاون الإقتصادي مع الدول الأجنبية. وحسب بعض الدراسات، فإنها تعاقدت مع شركات أجنبية لشراء مركبات صناعية يتراوح ثمنها بين 2,2 و2,5 مليار دولار أمريكي خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 1972 إلى غاية مارس 1975 (1). وابتداء من سنة 1975، شرع الصينيون في بناء مركبات كمياوية تقدر تكاليفها السنوية بحوالي 800 مليون دولار. وينتظر أن ينتهوا من البناء سنة 1978.

وإذا كانت الثروة البترولية هي التي ساعدت الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي على دعم صناعتهما وتمكينهما من انتهاج سياسة اقتصادية مستقلة، فإن الصين الشعبية قد أصبحت هي الأخرى دولة مصدرة للبترول. ومع أن البيان الذي أصدرته حكومتها في شهر ديسمبر 1975 وأعلنت فيه أن انتاجها من البترول أصبح يفوق حاجياتها بكثير، لم يتضمن أية احصائيات دقيقة عن الكمية التي تنتجها سنويا، فإن التقديرات الأولية لسنة 1974 قد سجلت أن الإنتاج الصيني قد بلغ 65 مليون طن.

وأفادت الإحصائيات التي نشرت مؤخرا أنها صدرت عام 1974 مالا يقل عن ستة ملايين طن من البترول، وتكون بذلك حصلت على عائدات مالية من العملة الصعبة قدرت بحوالي 500 مليون دولار أمريكي(2).

وتشكل هذه الكمية من البترول المصدر إلى اليابان وكوريا وفيتنام حوالي 8% من مجموع العائدات المالية للتجارة الصينية. ويتكهن الخبراء أن الكمية التي تصدرها الصين في عام 1975 لن تقل عن عشرة ملايين طن. وفي عام 1980 يبلغ مجموع ما تصدره الصين إلى اليابان حوالي 30 أو 50 مليون طن من البترول.

وتعتبر هذه الأرقام التقريبية معقولة ومنطقية إذا عرفنا أن مجموع الإنتاج البترولي الصيني يصل سنة 1980 إلى حدود 200 مليون طن(3).

والشيء الملاحظ أن السياسة الصينية مشابهة لسياسة دول عدم الإنحياز
أو ما يطلق عليها في بعض الأحيان بالدول النامية. ولو تعمقنا في دراسة الإستراتيجية الصينية لوجدنا أن الدولة الصينية، مثل دول العالم الثالث تسعى لإحتلال مكانتها الطبيعية في المؤسسات المالية الدولية والقضاء على الكتل الرأسمالية التي تريد المحافظة على امتيازاتها الإقتصادية. كما أن الصينيين، مثل أغلبية سكان الدول النامية، يعملون الآن بالدرجة الأولى لإستكمال حريتهم السياسية بالحرية الإقتصادية. فإذا كانت البلاد قد تحررت من الهيمنة الأجنبية وجماعة شنكاي شيك في عام 1949 فإن المعركة الآن أصبحت تتمثل في دعم التنمية الريفية وتقوية الهياكل الإقتصادية الصينية.

غير أن الشيء الذي تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الصينيين ينظرون إلى العالم الخارجي من زاوية مختلفة عن الزاوية التي تنظر إليه بقية الدول. فالعالم، بالنسبة لحكومة الصين الشعبية، ينقسم إلى ثلاث كتل واضحة المعالم. الأولى تتكون من الكتلتين الكبيرتين (الولايات المتحدة الأمريكية، والإتحاد السوفياتي). والكتلة الثانية تتكون من دول أوروبا الغربية واليابان، وهي دول رأسمالية صغيرة تملك قوة محدودة ليست في مستوى الكتلة الأولى. أما الكتلة الثالثة فتتشكل من الدول النامية التي تضم حوالي 90% من سكان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية(1).

وهذا التقسيم يعني أن الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية واليابان تمثل الكتلة الإمبريالية بينما تمثل دول العالم الثالث طبقة الفلاحين والعمال. ولهذا، فإن الصين الشعبية تساند الحكومات الوطنية في دول العالم الثالث وتتحالف معها ضد الكتلة الرأسمالية. كما أن الدول غير المنحازة تقف إلى جانب الصين في قضاياها العادلة مثل نضالها لتحرير جزيرة تايوان وضغوطها المتوالية على الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة تشنكاي شيك، بالإضافة إلى سحب القوات الأمريكية من جزيرة فورموزا الصينية.

 

تقييـم خطة التنميـة الصينيــة

 

إن أكبر ميزة اقتصادية في التخطيط الإشتراكي الصيني هي الإعتماد على النفس وعدم انتظار المساعدات الخارجية لتطوير البلاد. وهذا الإتجاه في السياسة الصينية مستمد من الثقافة والعادات الوطنية التي غرست في أذهان الصينيين الإعتماد على العمل وعدم التوسل إلى الأجانب لكي يتكرموا بإنقاذهم من الأزمات التي يواجهونها.

وعندما نقول أن الصين أتبعت سياسة الإعتماد على النفس، فإننا نقصد بذلك أن قادتها قد أدركوا منذ البداية أن العمل الأساسي هو تسخير طاقات الملايين من الشبان الصينيين لخدمة البلاد وتطويرها في أسرع وقت ممكن. ومعنى هذا حل المشكل الكبير وهو أيجاد عمل لكل مواطن صيني. وبذلك، استطاعت الصين أن تنتج ما يكفيها لسد حاجيات شعبها، ثم الإستعانة بإستيراد ما ينقصها من مواد غذائية في حالة عدم قدرتها على إنتاج ما يكفي مواطنيها.

والميزة الثانية، بالنسبة للتجربة الإشتراكية الصينية، هي أن نظام اللامركزية قد أعطى ثماره المرجوة حيث أن كل مقاطعة وكل دائرة وكل بلدية تقوم بإعداد خطة للتنمية تمكنها من حل مشاكلها الإقتصادية (1). والشيء المثير في هذا التنظيم هو أن المسؤولين المحليين يتحملون مسؤولية حرث الأرض وحصد غلاتها. وإذا قصروا في أداء وجباتهم فإنه يحق للسكان أن يحاسبوهم على أعمالهم ويطالبوا بإعفائهم من مناصبهم. وخوفا من السكان المحليين والمسؤولين في الحكومة المركزية، لا يتراخى أي مسؤول في المقاطعة أو البلدية في أداء عمله اليومي.

والميزة الثالثة هي أن الصينيين قد خلقوا نوعا من التضحية المشتركة والتضامن بين العمال والفلاحين والجنود. فكل فئة تعمل لتقوية البلاد وتقديم الخدمات للمواطنين. وإقناع هذه الفئات بمبدأ التعاون وخدمة الصالح العام، قبل المصلحة الخاصة، قد قضى على الأفكار البالية التي كانت سائدة في المجتمع الصيني والمتمثلة في عدم المبالاة بالضعفاء ووجود نخبة من الرأسماليين الذين يسخرون كل شيء لفائدتهم الخاصة.

وكما أشار بعض الكتاب، فإن أكبر نجاح حققته الثورة الصينية، لا يكمن في تغيير العلاقات الإجتماعية فقط بل يتمثل أيضا في خلق نوع جديد من التفكير وإتباع أساليب عصرية في المعاملات اليومية (2). وتعد هذه التطورات انتصارا للفئات المحرومة التي اكتسبت حقوقا جديدة وتمكنت من القضاء على جماعات الضغط التي حاولت على الدوام المحافظة على التشكيلات القديمة للمجتمع الصيني.

ولعل النقطة الأساسية التي ينبغي أن نوضحها هنا هي أن القضاء على الطبقية وأصحاب النفوذ المادي في الصين لا يعني أن الطبقة التي كانت محرومة قد أصبحت طبقة ذات امتيازات اجتماعية. فنظرية ماوتسي تونغ حول هذا الموضوع تقول أنه لا توجد أية فوارق مهنية أو طبقة في الصين. ولهذا، جاء بمعادلته المشهورة التي يقول فيها:

1- لا فرق بين العمل الفكري والعمل اليدوي.

2- لا فرق بين المدينة والريف.

3- لا فرق بين الصناعة والفلاحة(1).

والواقع أن التجربة الصينية قد اكتسبت أهمية كبيرة لأنها لا تفيد الصين وحدها ولكنها تفيد العالم الثالث أيضا. والسبب في ذلك هو أن مشاكل الصين تكاد تكون مماثلة للمشاكل التي تواجهها الدول النامية ومنها توفير الغذاء للعدد الكبير من السكان، وإحداث صناعات وطنية، وتمكين العاطلين عن العمل من العثور على وظائف تساعدهم على كسب العيش، وتخفيض نسبة التضخم المالي التي ترتفع بسرعة مدهشة(2).

ولكن اختلاف الظروف الجغرافية والنظم السياسية والإقتصادية هي التي تتحكم في خطط التنمية الوطنية في كل بلد. فإذا كانت الصين دولة عظيمة زاخرة بالمواد الخام، فإن عددا من الدول النامية لم تكتشف ثرواتها الباطنية حتى الآن. كما أنه إذا كان من الصعب على الدول الإستعمارية أن تحرم أبناء الطبقة الراقية في الصين من مواصلة تعلمهم العالي، فإن أبناء العديد من الدول النامية لم يتمكنوا من الحصول على القسط الكافي من العلم الذي يمكنهم اليوم من تقديم المساعدة الفعالة لحكوماتهم الفتية التي تواجه نقصا فادحا في الإطارات التقنية.

ثم إن نجاح التجربة الصينية لا يمكن فصله عن القدرة الفائقة التي أظهرها الزعيم الراحل شواين لأي خلال تقلده منصب رئاسة مجلس الوزراء منذ أكتوبر 1949 إلى يوم وفاته في 9 جانفي 1976، حيث يرجع إليه الفضل في خلق المؤسسات والهياكل الأساسية للدولة الصينية. كما أن شواين لاي هو الذي مثل الصين في مؤتمر باندونغ بأندونيسيا في سنة 1955 وأظهر أهمية الترابط الكبير بين مصالح دول العالم الثالث ودولة الصين. ومنذ ذلك التاريخ وهو يعمل بإخلاص لإعانة قادة الدولة النامية على حل مشاكلهم الإقتصادية ويناصرهم في قضاياهم العادلة(1).

أما الآن وبعد اختفائه من مسرح الحياة، فإن الوقت وحده هو الذي سيكشف ما إذا كان خليفته السيد ” هواكو فينق ” Houa Kuo Feng قادرا على تسيير الصين بطريقة ديناميكية ودعم مكاسبها السياسية والإقتصادية في الداخل والخارج. وقد كان رئيس الوزراء الجديد يشغل منصب وزير الأمن العمومي في حكومة السيد
شواين لاي.

وكيفما كان الحال، فإن تقدم الصين في الميدان النووي أو القطاع الفلاحي والتنمية الصناعية، قد قادها إلى نوع جديد من التحديات الداخلية والخارجية.

ففي ميدان التنمية الزراعية الذي اعتبرناه خطة صينية ناجحة، لم توفق الصين في إنتاج ما يكفيها من الحبوب. وكانت تستورد في الستينات كل سنة كمية من القمح تتراوح بين 3 و5 ملايين طن.

وإذا كان استيراد القمح من الخارج لم يتجاوز 3,4 مليون طن في سنة 1972، فإن الكمية المستوردة في عام 1973 قد بلغت 7,3 ملايين طن(2).

وفي عام 1974م اضطرت الحكومة الصينية لإستيراد 6,9 مليون طن. كما أن تقديرات 1975 تشير إلى أن الكمية المشتراة من الخارج تقدر 5,5 مليون طن.

وبطبيعة الحال، فإن الإلتجاء إلى الخارج للحصول على القمح لا يعني أن الصين قد أخفقت في مشاريع التنمية الزراعية، لأن الإحصائيات أثبتت أن هذا البلد قد حقق ارتفاعا في نسبة الإنتاج الزراعي في السنوات الأخيرة لا يقل عن 7% (3). ولهذا، فإن السبب في الإستيراد هو تزايد السكان بنسبة تفوق نسبة الإنتاج السنوي.

والمشكل الثاني الذي تعاني منه الصين هو انكماشها على نفسها في الميدان العلمي  وعدم توفقها في إقامة برامج تبادل ثقافي مع الخارج. والشيء الأكيد أن قلة الإحتكاك بالدولة المصنعة لن يساعد الصين على تحقيق نهضة عاجلة في ميدان التقنية واكتساب الخبرة العلمية(1).

والمشكل الثالث الذي تتخبط فيه الصين هو أنه يصعب عليها تجنيد جميع الطاقات الإنسانية المتوفرة لديها للعمل والإستفادة منها بطريقة ملموسة بدون أن تنشئ صناعات ثقيلة بالبلاد. وإذا كانت الإستراتيجية الصينية معاكسة للإستراتيجية السوفياتية بحيث اختارت حكومة بكين أن تعطي الأولية للقطاع الفلاحي، فإن هذا الإختيار قد كان في محله في المرحلة الأولى ولكن لم يعد هناك ما يبرره في الوقت الحاضر. فالقطاع الفلاحي قد تشبع الآن، والقطاع الصناعي هو وحده الكفيل بإستيعاب طاقات الملايين من الشبان الصينيين الذين يدخلون سوق العمل في كل سنة(2).

وفي الميدان الخارجي، تحاول الصين فك الحصار المضروب حولها من طرف الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية. ولكن ضعف إمكانياتها المادية والصناعية لا تسمح لها بمنافسة الدول القوية سواء في ميدان تقديم القروض المالية أو تزويد حلفائها بالأسلحة العصرية والمعدات الصناعية. ولهذا، فإن الصين ستبقى قوة ذات نفوذ من الدرجة الثانية إلى أن تتمكن من تطوير صناعاتها الثقيلة وتكون قادرة على تقديم الخدمات الفعالة للدول التي تتعامل معها. ولكن الصين لم تتوقف عن محاولاتها الرامية لفك الحصار المضروب حولها. فهي تعارض بشدة سياسة الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي في أوروبا المتمثلة في تخفيض الأسلحة وإقامة مناطق نفوذ لهما. وسبب ذلك أن الصين ترفض فكرة جعل أوروبا الشرقية منطقة نفوذ سوفياتية وأوربا الغربية منطقة نفوذ أمريكية، لأنها هي الأخرى تريد تقوية مبادلاتها التجارية مع أوروبا الشرقية والغربية. وأكثر من هذا، فإن الحكومة الصينية قد طالبت بقبولها عضوا ملاحظا في منطقة السوق الأوروبية المشتركة. كما نددت بوجود الأساطيل الأمريكية والسوفياتية في عرض البحر الأبيض المتوسط(1).

وفي إفريقيا وأمريكا اللاتينية تسعى الصين لكسب أصداقء جدد وذلك عن طريق تزويد بعض الحكومات بقروض خالية من الفوائد (بينما يطالب الإتحاد السوفياتي بفوائد سنوية لا تقل عن 2,5%). كما حاولت الصين أن تتساهل مع الدول النامية التي تتعاون معها وذلك بتمديد أجل إعادة دفع القروض إلى 50 سنة (في حين يعطى الإتحاد السوفياتي مهلة تكون في حدود 30 سنة). وبالنسبة لحكومة الشيلي في عهد الرئيس أليندى، فقد أمدت الصين الحكومة الإشتراكية الشيلية بإعانات مالية لا تقل عن 60 مليون دولار، بينما كانت إعانات الإتحاد السوفياتي لهذا البلد لا تتجاوز 50 مليون دولار(2).

وفي أزمة أنغولا، إتضح أن الإتحاد السوفياتي الذي أيد الحركة الشعبية لتحرير أنغولا قد أراد أن يثبت للصين ويبرهن لدول العالم الثالث بأنه مخلص في مساندته لقضايا التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية (3). كما أن هذا التأييد غير المشروط يعتبر بمثابة دليل قاطع على أن الإتحاد السوفياتي لا يتواطأ مع الأمريكيين في القضايا المصيرية، كما تقول الدعاية الصينية.

 

 

المـراجـــع

 

1- الخطيب (محمد فتح الله)، ” النظام السياسي في الصين الشعبية “، القاهرة، مطبعة جامعة القاهرة، 1967.

2- زيتون (محمد مسعود)، ” الصين والعرب عبر التاريخ “، القاهرة، دار المعارف، 1964.

3- سنور (ادغار)، ” النجم الأحمر فوق الصين “، (ترجمة كمال أبو الحسن)، بيروت، دار الطليعة، 1970.

4- كاردل (ادوارد)، ” الإشتراكية والحرب، حول الإنتقاد الصيني لسياسة التعايش “، (تعريب موريس صقر)، بيروت، دار العلم للملايين، 1961.

5- مورافيا (البيرتو)، ” الصين : الثورة الثقافية “، (ترجمة وحيد النقاش)، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (طبعة ثانية)، 1972.

 

BIBLIOGRAPHY

 

 

  • DUN, John.- Modern Revolutions. London: Cambridge University Press, 1972.
  • Gillbert, Etienne.- La voie chinoise : la tonguemarche de l’économie. 1949. 1974. Paris : P.U.F. 1974.
  • HAWKINS, John, N.- Mao Tse Toung and Education : his thoughts and Techniques. Hamden, The shoe string Press, 1972
  • Hu, Chi-Hs.- Mao tsé Toung et la construction du socialisme. Paris : Seuil, 1975.
  • Leo, Yueh-Lin Liu.- China as a Nuclear power in wold politics. London, Mc Millan Press, 1972.
  • Martinet, Gilles.- Les cinq Communismes. Paris, Seuil, 1971.
  • OSKENBERG, Michel (Eidtor).- China’s Development experience. New York, Preager, 1973.
  • Schram, Stuart R. (Editor).- Authority, participation and Culturel change in china. Cambridge : Cambridge University Press, 1973.
  • Telwes, Frederick C.- Provincial Leadership in china : The Cultural Revolution and its aftermath. Ithaca Y. Cornel University Press, 1974.
  • Walker, Kenneth R.- Planning Chinese Agriculture. London: Frank Cass and company Limited, 1965.
  • WOLF, Eric, R.- Peasant Wars of the twentieth Century. New York: Harper and Row Publishers, 1973.
  • Yang, Gladys.- Silent China: selected writing of LU XUM. London : Oxford University Press, 1973.

(*) دراسة منشورة في مجلة السياسة الدولية، القاهرة، عدد 46، 1976، ص 24-45.

(1)  Hu Chi-Hsi, Mao Tsé Toung et la construction du socialisme, Paris : Seuil 1975, p 8.

(2)  Eric R. Wolf, Peasant wars of the Twentieth Century : China. New York : Harper and Row Publishers, 1973, pp 103-118.

(3)  Hu Chi-Hsi, Op-Cit, p 9.

(1)  John Dunn, Modern Revolutions. London : Cambridge University Press, 1972, p 82.

(1)  Gilles Martinet, Les Cinq Communismes, Paris : Seuil, 1971, p 136.

(2)  Wolf, Op-Cit, p 127.

(1)  Wolf, Op-cit, p 117.

(1)  Franz Shurmann, In The International Encyclopedia of social Sciences, New York : Me Millan Company & Free Press, 1968, p 419.

(1) انريكا كولوتي بيشل، الثورة المتواصلة، (ترجمة فؤاد مرقص، نبيل مهاني)، بيروت، دار الحقيقة للطباعة والنشر، 1971، ص 28-29.

(1) نفس المصدر، ص 40.

(2) نفس المصدر، ص 19.

(1)  Encyclopedia Britanica, (Edition of 1968), p 600.

(2)  Ibid, p 600.

(1)  Wolf, Op.cit, p.  152-153.

(2)  Encyclopedia Britanic (Edition of 1968), p 595.

(3)  Encyclopedia Britanic (Edition of 1968), p 595.

(1)  Wolf, Op-Cit, pp. 149-153.

(2) انريكا كولوتي بيشيل، المرجع السابق، ص 27.

(1) نفس المرجع، ص 99.

(1) المرجع السابق، ص 190، وبالفعل، فإن الإتحاد السوفياتي لم يعترف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية اعترافا ” واقعيا De Facto ” إلا يوم 8 أكتوبر 1960.

(2)  Alexander Eckstein, « China’s Trade Policy and Sino-American Relations », Foreign Affairs, Vol 54, N° 1, October, 1975, p 135.

(1)  William Lockwood, Asian Triangle : « China, India, Japan », Foreign Affairs , Vol 52, N° 4, (July) 1974, p 837.

(1)  Flora Lewis, The New York Times, November 24, 1975.

(1)  Byng-Joon Ahn, « The Cultural Revolution and China’s Search for Political Order », China Quarterly, N° 58 (April – June) 1974, p 252.

(1)  Teng, Hsiao-P’ing.

(1)  Byung-Joon Ahn, « The Cultural Revolution and China’s Search for Political Order », China Quarterly, N° 58 (April-June) 1974, p 273.

(1)  Frederick C. Teiwes, « Before and After The Cultural Revolution », China Quarterly, N° 58, (April-Jun) 1974, pp 333-348.

(2)  Richard Wich, « The Tenth Party Congress : The Power Structure and The Succession Question », China Quarterly, N° 58, (April- June) 1974, p 238.

(1)  Byung-Joon Ahn, « The Cultural Revolution and China’s Search for Political Order », China Quarterly, N° 58 (April-June) 1974, p 254.

(1)  Kenneth R. Walker, Planning in Chinese Agricilture : Socilization and The Private Sector, 1956-62, London : Frank Cass and Company Limited, 1965.

(2)  Newsweek, December 8, 1971, p 12.

(1)  Lawrence Freedman, In The Guardian, Issue of March 22, 1974.

(1)  Alexander Eckstein, « China’s Trade Policy and Sino-American Relations », Foreign Affairs, Vol 54, N° 1 (October) 1975, p. 140.

(2)  Alexander Eckstein, « China”s Trade Policy and Sino-American Relations », Foreign Affairs, Vol 54, N° 1 (October) 1975, p .141.

(3)  Ibid, p. 141.

(1)  Robert A. Scalpino, « China and the Balance of Power », Foreign Affairs, Vol 52, N° 2, (January) 1974, pp 357-358.

(1)  Paul M. Sweezy, « China’s economic Strategy  », Monthly Revew, Vol. 27, N° 3 (July-August) 1975, pp. 7-8.

(2)  Paul  M. Sweezy, « China’s economic Strategy  », Monthly Revew, Vol. 27, N° 3 (July-August) 1975, pp. 7.

(1)  Ibid, p 8.

(2) للمزيد من الإطلاع عن مجهودات الصينيين لجعل تجربتهم نموذجا تقتدي به معظم الدول النامية في العالم الثالث، نقترح مراجعة دراسة قيمة نشرت في خريف 1972 في بريطانيا، وعنوانها :

« Chinese Society and Chinese Foreign Policy » (By : Wang Gungwu) in International Affairs, Vol. 48, N° 4, (October) 1972, p p 216-224.

(1)  « China after Chou » Time Magazine, issue of January 19, 1976.

(2)  Alexander Eckstein, « China’s Trade Policy and Sino-American Relations », Foreign Affairs, Vol. 54, N° 1 (October) 1975, p 152.

(3)  Time Magazine, issue of January 19, 1976, p 19.

(1)  Jurgen, Domes, The International Politics of China. 1949–1972 (translated by : Rudiger Machetzki. London : C. Hurst, 1973, p p. 226–244.

(2)  Harry Magdoff, « China : Contracts with the U.R.S.S. » Monthly Review, Vol. 27, N° 3, 1975, p p 12-57.

(1)  Léon Trivière, «  Le défi de la Chine à l’U.R.S.S. ». Etudes. Février 1974, p p 201-228.

(2)  Ibid, p p 218-219.

(3)  C.L. Sulzberger, « Brezhnev’s cruise to China », The International Herald Tribune, issue of January 17-18, 1976.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *