الأحد , 12 يوليو 2020

الدور الذي ينبغي أن تلعبه البيروقراطية في نهضة الشعوب الحديثة(*)

بقلـــم

د.عمار بوحوش

 

(البيروقراطية) كلمة تطلق عادة على أصحاب المكاتب الذين يقدمون الخدمات اللازمة للأفراد في المصالح الحكومية. وفي غالب الأحيان يقصد بها إعطاء فكرة عن مماطلة البيروقراطيين وتقاعسهم في أداء واجباتهم الإدارية في الحال.ولو كانت البيروقراطية متهمة من طرف الجمهور فقط أو لها سمعة سيئة في الأوساط الشعبية لا غير لهان الأمر. ولكن الشيء الذي يلفت النظر في الموضوع هو تجاهلها لما يقع في وزارة أو مصلحة إدارية من تقدم وتطور. ففي كثير من الحالات تنسب علامات التقدم والمهارة الفنية إلى المديرين الذين وقع عليهم الإختيار لتسيير زمام الأمور بطريقة رسمية.

لكن الواقع هو أن البيروقراطية قد أصبحت الآن بمثابة العمود الفقري لكل هيأة إدارية أو مصلحة حكومية. فلم تعد أعمال البيروقراطية مقتصرة على الأعمال الروتينية وتنفيذ أوامر المديرين كما تأتي من أعلى، بل أصبحت في عصرنا هذا، النخبة الحيوية التي تساهم في إحداث ازدهار إقتصادي في أي مجتمع إذا كانت ذات كفاءة أو تحطيم مصيره إذا كانت خاملة وغير قادرة على مواجهة المشاكل العويصة التي تقف حجر عثرة في طريق التقدم الإنساني.

 

لماذا أصبحت البيروقراطية

حيوية في المجتمعات الحديثة؟

 

إن أهمية البيروقراطية ترجع بالدرجة الأولى إلى التخصص في الفروع العلمية والإنفراد بالمقدرة الفنية لأداء الأعمال المعقدة التي هي ضرورية لسير المصالح الإجتماعية. ونتيجة لهذا التخصص واكتساب المؤهلات العليا لتحسين الأوضاع الإقتصادية والتقدم الإجتماعي نجد البيروقراطيين يتمتعون بنفوذ واسع وآرائهم يتبناها القادة السياسيون في غالب الأحيان.

وعلى هذا نستطيع أن نقول بأن دقة العمل الذي يقوم به هؤلاء الأخصائيون هو الذي يضمن التقدم والنهضة لأي شعب أو التدهور من سيء إلى أسوأ إذا كانت التخطيطات المعدة غير شاملة وغير مبنية على أساس متين.

ومن العوامل الكبيرة التي زادت في أهمية البيروقراطية في يومنا هي:

  • أتساع مجال نشاط الحكومات في استثمار الثروات الوطنية وتعدد القوانين العامة التي تسير بمقتضاها المؤسسات الخاصة. فتعقيد المشاكل والتوتر الذي يسود العلاقات التي تربط العمال بالشركات الكبرى أصبحا يشغلان بال كل حكومة واعية وساهرة على صيانة مصلحة أبنائها. وفي الحقيقة، لم يعد هناك فرق كبير بين الدول الإشتراكية والرأسمالية في هذا المضمار. فالتوجيه الحكومي الذي تراعي فيه المصلحة العليا للشعب أصبح شيئا تفرضه الظروف السياسية الحساسة. ولعل الشيء الذي أعطى صبغة جديدة لاتساع أفق التخطيطات الحكومية هو ازدياد التعامل مع الدول الأجنبية وخاصة أن التنافس الدولي تجاوز النطاق الجهوي إلى الصعيد العالمي. وهذا ما جعل الحكومات تسعى إلى مجابهة التحدي من الخارج وتقوية أجهزتها للتغلب على الصعوبات التي تظهر في الداخل.
  • هناك النشء الجديد الذي ورث أشياء عديدة عن الآباء والأجداد وهي ليست من صنعه. وفي الغالب نجد الجيل الصاعد يقوم بمحاولة لقلب الأنظمة الحالية وخلق أنظمة جديدة تتماشى مع طرق تفكيره. وهنا يبرز الدور الهام الذي تلعبه البيروقراطية في تقارب وجهات النظر وسد الفجوة التي توصل بين الجيل الصاعد والكبار الذين يعيشون في حنين إلى العادات والتقاليد التي ترعرعوا فيها. وترجع ميزة البيروقراطيين ومقدرتهم على إقامة نوع من التوازن بين الفئات المتنافسة إلى كونهم على اتصال دائم بهم يوميا بحكم التعامل معهم باستمرار. ثم إن البيروقراطية لا تقوم بدور الوسيط والمصالحة بين الأجيال فقط وإنما هي أيضا مرآة لكل مجتمع. فنجد فيها أبناء الفلاحين والجنود وكبار الشخصيات السياسية ورجال الأعمال، وهذا يساعدها على معرفة ما يجري على مستوى كل فئة إجتماعية من جهة وبث آرائها وتوجيهاتها في مواضيع الساعة من جهة أخرى.
  • إزدادت أهمية البيروقراطيين في عصرنا هذا وذلك نظرا للتطور الكبير الذي حصل في المجتمعات حيث واكبت التطور المستمر للمجتمع خلال مروره من مرحلة الإستقرار والإعتماد على الزراعة إلى مرحلة الإنتقال المفاجئ من الريف إلى المدينة تمشيا مع التطور الصناعي الذي تشهده المدن الكبيرة. وقد نتج عن الهجرة إلى الأماكن الصناعية احتياج السكان الجدد إلى خدمات إضافية في جميع الميادين.

فالبيروقراطية مسؤولة عن إنشاء مصالح جديدة لمواجهة الزيادة في الطلبات من الوافدين على المدن من جهة وأيجاد الوسائل الكفيلة بالتغلب على التعقيدات التي تحدث في مجتمع المدينة من جهة أخرى. لقد رأينا كيف أن موظفي كل حكومة ليسوا مسؤولين فقط عن السكان القادمين من الريف وتوفير العمل للبالغين ولكنهم مجبرون أيضا على أيجاد المدارس لأبنائهم وتزويد العائلات الوافدة على المدن بالطعام الضروري. ومع كل المجهودات التي تبذل من طرف البيروقراطية لتخفيف أزمة الهجرة إلى الأماكن الصناعية والآهلة بالسكان، فإن كبريات المدن تعاني من الإرتباكات التي أحدثتها الهجرة الجماعية من الريف إلى المدينة.

  • تغيرت العلاقات التي تربط بين الأفراد بحيث لم يعد من السهل على البيروقراطيين تتبع المسائل الإجتماعية وتوفير اللازمة لسكان المدينة التي نشأوا فيها. لقد أصبح السكان يتدفقدون على كل مدينة ونتج عن ذلك تكوين ملفات جديدة في كل مدينة يتنقل إليها الأفراد الجدد. والشيء المهم هنا هو أن البيروقراطية مسؤولة عن تدوين كل الحقائق عن القادمين والراحلين من كل بلدة حتى يتسنى للدولة أن تعرف ما يملك كل واحد وما ينبغي أن يسدد للخزينة. وأكثر من هذا، أن موظفي الدولة ليسو مسؤولين عن تقديم الخدمات للأفراد القاطنين بالولايات التي تخضع لتصرفاتهم فقط ولكنهم مجبرون على أداء العمل بإتقان والتغلب على المشاكل قبل أن يستفحل أمرها،فتراكم المشاكل يؤدي إلى تحميل الأجهزة الإدارية ما لا طاقة لها به، وستكون نتيجة ذلك، بدون شك، إنهيار الهيكل الإداري الرسمي الذي أعد لمواجهة الطلبات الشعبية.
  • اكتسبت البيروقراطية أهمية كبرى في المجتمعات الحديثة ليس نتيجة للتخصص في الميادين العلمية المختلفة وافتقار المجتمعات للخبراء فقط لكن نظرا للتقدم العلمي والفني أيضا الذي جعل من البيروقراطيين نخبة حيوية لمواصلة السير نحو الرفاهية والإزدهار الإقتصادي. فكلما أحرزت أية دولة تقدما ملموسا وحققت بعض الأهداف المنشودة تطلب ذلك توسعا أكثر في الخدمات الإجتماعية والإعتماد على بيروقراطيين جدد لشغل الوظائف المقترح إنشاؤها، ولعل هذا واضح من تصميم الدول المتقدمة التي لا تحرص فقط على المحافظة على المستوى الفني الذي بلغته ولكن على مسايرة التطور وإحراز تقدم أكبر كل سنة، وذلك لأن زيادة السكان وتعقيد المشاكل قد يطغيان على التقدم الذي بلغته الدولة فيما مضى، ويمهد الطريق لفترة الإنحطاط والإنقراض إذا لم يتم التحكم في زمام الأمور.

 

مميزات البيروقراطية

 

لكي نفهم الخاصيات الرئيسية للبيروقراطية ينبغي أن نصفها بأنها تشبه إلى حد كبير الأنظمة العسكرية المتعارف عليها في دول العالم. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن أول بيروقراطية في العالم كانت هي الجيوش التي أعدت وجهزت بأحسن الأسلحة لصيان كيان الدول وتدعيم مكانتها. وعلى هذا الأساس، فالنظام البيروقراطي، عادة، يسير حسب التنظيمات التالية:

 

أولا:الهيكل التنظيمي الذي هو عبارة عن سلم تصاعدي- لترتيب المسؤوليات وتحديد العلاقة التي تربط بين المديرين ومساعديهم. والهدف من هذا النظام هو ضمان سير الأمور بتناسق من جهة، وتتبع أو معرفة الأفراد الذين لم يقوموا بواجبهم أحسن قيام، من جهة أخرى. فإذا قصروا في علمهم ونتج عن ذلك خلل في إدارتهم، أعفوا من مناصبهم، وإذا أظهروا براعة في أداء مهماتهم وقعت مجازاتهم سواء بالترقية أو الحصول على ماهية أعلى. وميزة الهيكل التنظيمي أيضا أنه يفتح المجال لكل فرد في المجتمع أن يحتل الوظيفة التي تناسب مستواه الثقافي ومقدرته الفنية. فالإنسان الذي أثبت في الميدان العلمي نبوغه وحصل على الشهادات العالية نجد أن المصلحة العامة تقتضي تعيينه في منصب يناسب مستواه الثقافي وخبرته الهامة. وكذلك الإنسان الشعبي الذي لم تتح له الفرصة لصقل عقله وتوسيع ميدان خبرته، فبإمكانه إيجاد وظيفة بسيطة لا تتطلب إجهاد الفكر ومسؤولية تتماشى مع مؤهلاته المتواضعة.

ثانيا: تقسيم العمل حسب الكفاءة لأن إتقان العمل لا يأتي إلا عن طريق تعيين الخبراء في المناصب التي هي من اختصاصاتهم. ولهذا نجد اليوم الهيات العلمية في جميع المعاهد والجامعات العالمية تعقد المؤتمرات السنوية وتمنح الجوائز القيمة تشجيعا منها للمختصين في شتى فروع العلوم ومساهمة في تقديم خدمات أكبر للإنسانية. وفي الحقيقة، فإن التخصص ليس هو أساس لأداء الخدمات بدقة وإتقان فقط، ولكنه شيء ضروري لإشباع حاجات الإنسان المتعددة وتطوير الموارد الوطنية حتى يتسنى للبلد أن لا يتخلف عن موكب التقدم والرقي. فمن هذا يتضح أن مسؤولية الموظف الحكومي لم تعد تقتصر على الأشياء البسيطة مثل بيع طوابع البريد أو جمع الضرائب أو تسليم الوثائق بل أصبحت صعبة وتشمل المهندس الزراعي ورجل القضاء الذي يغامر بحياته من أجل تحقيق إنتصار علمي لحكومته في ميدان القضاء. والتخصص من جهة أخرى، مفيد للبيروقراطية لأنه سلاحها القوي الذي تستعمله لتفرض وجودها على المجتمع الذي يستفيد من خبرتها. وفي الحقيقة لا نشعر بأهمية التخصص إلا يوم تشل الحركة في مصلحة حكومية. فمثلا، إضراب الطيارين عن العمل وتعطل المواصلات الجوية ينتج عنه حرماننا من وصول الرسائل البريدية المهمة بتلك السرعة التي تعودنا عليها.

ثالثا:تعتمد البيروقراطية على قوانين نظام عمل مكتوبة وذلك لكي يتسنى للموظفين أن يعملوا وفق خطة مضبوطة ونظام متناسق على جميع المستويات. فالعمل حسب قوانين الوظيفة يساعد على تحديد الأهداف التي يقوم بها الموظفون من جهة، ويتيح الفرصة للزبائن والرأي العام لمعرفة ماذا يجري في داخل المؤسسات وما هي الوسائل المتبعة لقضاء حاجاتهم في الإدارات المتعمدة. وهناك جانب آخر تجدر الإشارة إليه هنا ألا وهو الإعتماد في العمل الإداري على تطبيق القوانين التي يسري مفعولها على جميع الأفراد، وتجنب الآراء الفردية المحابية التي تتنافى والمصلحة العامة. فموظفوا الحكومة في كل ميدان يأخذون حذرهم ليس فقط من التورط في المشاكل التي قد تكون لها عواقب وخيمة على مستقبلهم ولكنهم حريصون جدا على صيانة مهنتهم وحمايتها من التصرفات الطائشة التي لها علاقة مباشرة مع ما يرتزقون منه. لقد علمت التجربة كل بيروقراطي أن الترقية في المناصب لا تأتي عفوا وإنما يحصل عليها الإنسان بالتفاهم مع رفقائه في العمل والجهد المتواصل لتحقيق الأهداف المنشودة دون اختلال أو خرق للأنظمة والقوانين التي يسري مفعولها. وقد رأينا مرارا كيف أن اكتشاف فضيحة أو انحرافا في إحدى الإدارات يؤدي إلى تحطيم مستقبل ذلك الفرد أساء التصرف ولم يتبع القوانين المتعارف عليها.

رابعا: من المميزات الهامة للبيروقراطية الفصل بين الملكية وتسيير الإدارة العمومية. والغرض من هذه الفكرة ليس هو تجريد الموظفين في المؤسسات العامة من صفة البيروقراطية وانطباقها على العاملين بالإدارات الحكومية كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما هو خلق جو من الثقة والإنسجام بين المسؤولين والعاملين. فوجود مدير على رأس مؤسسة لا يعني أن من حقه أن يعبث بها ويديرها كما يشاء. فالشرط الأساسي لتسيير أية مصلحة عامة أو خاصة هو مراعاة قوانين الدولة الإجتماعية والنظم الداخلية للمؤسسة، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في توطيد دعائمها ونجاحها في أداء مهمتها. والشيء الآخر الذي يهدف إليه هذا التمييز بين ملكية الإدارة وانتماء الموظفين إلى مؤسسات جماعية أو عمومية هو أن البيروقراطيين يقومون عادة بتكريس ثماني ساعات يوميا من وقتهم لأداء مهمتهم في حين أن صاحب المؤسسة الخاصة فقد يبقى في بيته ولا يقوم بعمل معين. ثم إن البيروقراطي في الغالب، متخصص في العمل الذي عين فيه بينما قد تكون هذه ليست حالة الإنسان الذي يقيم مشروعا للحصول على أرباح طائلة. وأكثر من هذا نستطيع أن نقول بأن الموظفين بصفة عامة، ينتمون إلى هيآت نقابية، أقيمت خصيصا للدفاع عن حقوقهم وحمايتهم من الإستغلال الفاحش الذي قد يقوم به أرباب الملكية الخاصة أو العامة، والإنسان الذي يملك لا يمكنه، بطبيعة الحال، أن يكون الخصم والحكم في آن واحد.

خامسا: تنفرد البيروقراطية بسلاح قوي هو التخصص أو إحتراف مهنة معينة واحتكار للأسرار الخاصة بتقدم المجتمعات ورقيها. فالكفاءة أساس الحصول على الوظيفة وهذا ما جعلها تحتل مكانة مرموقة في كل مجتمع. فإذا، هي دائما محط أنظار القادة الذين يرغبون في تزويدهم بنصائحها الدقيقة حتى يتسنى لهم إتخاذ القرارات الحكيمة. والجماهير، بدورها، تعلق عليها آمالها لقضاء حاجاتها وتحقيق أهدافها. وفي الحقيقة، أن الشعبية على كفاءتهم فقط ولكن لأنهم أيضا أدرى بأسرار كل كبيرة وصغيرة في مجتمعهم، وهذا سلاح آخر يستعملونه، عند الضرورة، لإقناع من له شك في قدرتهم على تغيير مجرى الأمور.

دور البيروقراطية في ميدان العمل

 

يستخف عادة بالبيروقراطية ويقال أنها تقوم بالأعمال الروتينية فقط. وهذا صحيح إلى حد ما، إذ أن معظم الواجبات المكتبية التي يقوم بها الموظفون بسيطة ولكنها ضرورية وتعتبر بمثابة شريان الدم الذي يضمن للإنسان الحياة ويمده بما يحتاجه من قوة وطاقة للتغلب على الأزمات. ونحن هنا لا نريد أن نتعرض مرة أخرى لأهمية البيروقراطية، لأن ذلك كان موضوع حديثنا آنفا، ولكن لتحليل الدور الفعال الذي  يقوم به هؤلاء الموظفين في كل مجتمع حديث.

  1. تلعب البيروقراطية دور تنفيذ القرارات التي تأتي من أعلى في مختلف الوزارات، وطريقة تطبيق القوانين دائما لها أثرها الفعال في نجاح المشاريع الجديدة أو فشلها. والشيء الملاحظ هنا أن أغلب القرارات تبقى غامضة أو مصاغة في قالب لين وذلك حتى يبقى المجال مفتوحا أمام الموظفين لتحليل الأبعاد الكبرى للمراسيم وتقرير ما إذا كانت المسائل التي تقدم إليهم تدخل في إطار أنظمة التشريع المعمول بها، أم لا. وفي الحقيقة، إننا عندما ذكرنا أن البيروقراطية تلعب جورا حيويا في المجتمعات الحديثة فلإنها هي التي تسهر على تنفيذ القرارات التي توافق عليها السلطات الرسمية عادة. وأما أردنا التأكيد عليه،أن قادة الدول يضعون ثقتهم الكاملة في موظفيهم الفنيين الذين تقع على عاتقهم مسؤوليات تمتد من ختم الأوراق إلى صنع دبابات للدفاع عن أمن وسلامة الوطن.
  2. عندما نتحدث عن اتخاذ القرارات التي يتخذها المسؤولين، سواء استجابة لرغبة شعبية أو بمبادرة حكومية، فإن البيروقراطيين هم الذين يقدمون التي الإقتراحات الخاصة بإدخال تعديلات جديدة أو التخلص من القوانين التي أصبحت بالية وغير شعبية. ثم إن دور البيروقراطيين لا يقتصر على تزويد المسؤولين الكبار بالنصائح الهامة التي هم في حاجة إليها بل يتعداه إلى أبعد من ذلك. فهم يعتبرون الآذان الصاغية لردود الفعل الشعبية والمحللون النفسيون لمعرفة مدى تحبيذ أو استياء الطبقات الشعبية من قرارات رجال القيادة. ومن هذا يتضح لنا أن احتكاك البيروقراطيين بالطبقات الكادحة ينتج عنه في غالب الأحيان،مبادرة المسؤولين باتخاذ الإجراءات التي يشعرون أنها مفيدة وتخدم المصلحة العامة. ولعل هذا أيضا جلي من حديثنا عن شؤون الساعة، فالأحاديث الشعبية سرعان ما تنقلب إلى أحاديث في المجالس الحكومية.
  3. هناك مسؤولية صياغة القوانين في قالب منمق ودقيق وإقناع العالم بصحة النظريات التي هي في حيز التطبيق. فالبيروقراطيون، نظرا لتخصصهم، هم الوحيدون الذين يسمح لهم مركزهم بضبط جميع القوانين وتحديد محتوياتها ثم تقديمها إلى المسؤولين،مصحوبة بجميع التبريرات التي اقتضت صياغة المراسم الهامة بطريقة معنية. والقضية هنا ليست فقط قضية صياغة القوانين بل هي أيضا مسألة ضمان المنصب وعدم الإستغناء عن الموظفين. فالبيروقراطي الذي يخطط لمشروع أو يقدم الضمانات الكافية لنجاحه إذا طبق بحذافيره، إنما هو في الحقيقة يدعم مكانته ويفرض وجوده على القادة الذين يصبحون على الدوام في حاجة ماسة إلى خبرته حتى يتنسى لهم أن يستفيدوا من النصائح الهامة التي يتوقف عليها مصير المشروع.
  4. تقوم البيروقراطية بدور الحكم بين الطبقات والأفراد وحتى الوزارات عند ما يقع خلاف مبدئي حول مسألة هامة من المسائل التي يتوقف عليها مصير أي كان هو طرف في الموضوع. وفي الغالب نجد مثل هذه الخلافات تتجسم في مواضيع الميزانية خاصة وأن كل هيأة إدارية أو وزارة ترغب في الحصول على نصيب أوفر من المال للقيام بمشاريع كبرى وترضية موظفيها بصفة عامة. والموضوع في النهاية يأتي إلى أيدي البيروقراطية التي تفصل بين الأطراف المعنية وتقرر من هو الطرف الذي يحرز على نتيجة مرضية وحقوقه المشروعة. وفي الحقيقة، ليس هناك شيء أكثر تعقيدا من القيام بدور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، لأنه يتعين على كل طرف أن يدخل في مساومات ويظهر حسن نيته، خاصة وأن التنازل عن بعض الأشياء قد يعتبره الخصوم عبارة عن ضعف منافسيهم وقلة نفوذهم في الإدارة. والطرف الآخر الذي تحرز قضيته على انتصار، يرى أن البيروقراطيين لم يقوموا بأي شيء زيادة عن واجبهم العادي بإعطاء كل ذي حق حقه. ولهذا نجد، في العادة، كل طرف يتهجم على البيروقراطيين ويتهمهم بأنهم لا يلبون المطالب الشعبية وبأنهم يقومون بتعقيد المشاكل أكثر من تسهيلها.
  5. تتحكم البيروقراطية في مصير الشعوب وذلك لكثرة المشاكل التي تواجه القادة وعدم وجود الوقت الكافي للتمعن في المسائل المقدمة إليهم. ونتيجة لذلك تؤدى ملفات المواطنين إلى يد البيروقراطيين يقومون بدور القيادة بدلا من تنفذ التعليمات القادمة من أعلى. ولعل أحسن مثل يعبر عن هذه الوضعية بالذات هو ما حصل في عهد الجمهورية الفرنسية الرابعة حيث إنعدم الإستقرار السياسي وعجزت القيادة عن توجيه الأمور فآلت السلطة إلى المسؤولين الإداريين. وبطبيعة الحال، فإن بقاء أي وزير فرنسي مدة ستة أشهر في الحكم، كمعدل عام، لا يسمح له حتى بالتعرف على المشاكل وتسطير سياسة مضبوطة. فلا تكاد تنتهي فترة تفهمه ودراسته لشؤون الساعة حتى يجد الحكومة التي ينتمي إليها قد سقطت ومرة أخرى، تبرر أزمة الفراغ السياسي في البلاد وتؤول السلطة السياسة إلى البيروقراطيين الفرنسيين الذين يجدون أنفسهم في مركز القيادة. ولم تتمكن الحكومة الفرنسية من استرداد نفوذها وسيطرتها على مجرى الأمور إلا يوم استولى ديغول على زمام القيادة في سنة 1958 وشرع في توجيه التعليمات إلى البيروقراطيين وتحديد صلاحياتهم.

 

 

 الانتقادات  الموجهة للبيروقراطيين

 

هناك من  يقول بأن النظام البيروقراطي، الذي تعرضنا له في حديثنا آنفا، شيء والواقع الذي نحياه في ظل البيروقراطية شيء آخر، وهذه تساؤل في محلة ويدفعنا بالتالي إلى ذكر بعض الانتقادات العامة التي توجه عادة إلى موظفي كل حكومة. وفي الوقت نفسه، نريد أن نلفت الأنظار إلى أن الأنظمة البيروقراطية تتكيف مع البيئة التي تؤدي بها عملها. فليس هناك نظام موحد تسير عليه جميع المنظمات العالمية. ولعل هذا يتضح لنا، من تصرف البيروقراطية الفرنسية التي كانت تحكم فرنسا في عهد الجمهورية الرابعة وذلك نظرا للخلافات الموجودة بين الأحزاب وعدم الإستقرار السياسي بحيث أصبح من الصعب على أية حكومة أن تسيطر على الوضع وتدير الأمور بدقة وفعالية. وهذا الفراغ السياسي مكن البيروقراطيين الفرنسيين من الإطلاع بمهام الحكومة والتحكم في فرنسا. وعندما استطاع ديغول أن يخلق الاستقرار السياسي ويحصل على الأغلبية في مجلس النواب،تخلت البيروقراطية عن دورها المزدوج واكتفت بتنفيذ قرارات الحكومة بدلا من إملاء سياستها على الشعب الفرنسي.

ولعل أهم الانتقادات الموجهة للبيروقراطيين هي احتكارهم للخبرات الفنية. فهم عادة يبخلون على القادة بما يعرفون إلا إذا حصلوا على امتيازات عديدة تجعلهم فوق الجميع. ثم إنهم أدرى من غيرهم بأسرار الدولة وما في ملفات الأفراد، وهذا ما يجعلهم في مركز المسيطر على كل شيء. ومن الأشياء التي نتجت عن هذين الميزتين أن أصبح البيروقراطيون يشكلون هيأة ذات امتيازات اجتماعية وفي مأمن من كل شيء خطير حتى ولو تهاونوا في أداء واجباتهم.

والنقد الأخر الذي يوجه عادة إلى البيروقراطيين هو أنهم متعطشون للنفوذ. فتارة يعتمدون على معارفهم في الإدارة ويتصرفون كما يحلوا، لهم وتارة أخرى، يقومون ببث الدعاية صد مسؤوليهم الكبار لتأليب مساعديهم والشعب ضدهم إذا هم وجدوا أن هؤلاء القادة حازمون ولا يتركون لهم مطلق حرية التصرف في الإدارة. وأكثر من هذا، أن البيروقراطيين يستغلون، إلى أبعد الحدود، الغموض الذي يوجد في بعض القوانين الجاري العمل بها، فيعطونها التفسيرات والتأويلات التي تناسب أذواقهم! وكل ما يريدون أن يحرزوا عليه من هذا التشدد في المعاملة هو إشعار زبائنهم بان لديهم نفوذ وسلطة وأن كلمتهم لها وزن في هذا المجتمع الذي يعيشون.

وهناك أيضا من يحاول أن يضع البيروقراطية في قفص الاتهام ويصفها بأنها لا تستجب لرغبات الشعب لأنه ليس هناك من يحاسبها ويتأكد من تجاوبها مع مطالب البلاد في الظروف الحرجة. وهذا ناتج عن اتساع حجم البيروقراطية الذي تجاوز الحد الذي يسمح للإنسان أن يوجه الموظفين ويتأكد من قيامهم بواجبهم بكل دقة وإمعان. وفي الختام نجد البيروقراطية ليست فقط بطيئة في الاستجابة للمطالب الشعبية ولكنها مغتصبة للسلطة السياسية في كل بلد. فمن العجيب حقا، أن نرى قادة كل بلد يجهدون أنفسهم ويضحون بكل ما يمكن من جهد وقوة لتسلم منصب القيادة وتحقيق مطامح شعوبهم، ثم تأتي بكل بساطة جماعة صغيرة من البيروقراطيين لتحتل المناصب الكبيرة دون تزكية أو محاسبة شعبية.

(*)  دراسة منشورة في مجلة الثقافة، عدد 7 (مارس) 1972، ص 26-38.

شاهد أيضاً

التعليم العالي في حاجة إلى تغيير نوعي

بقلم عمار بوحوش، أستاذ جامعي                                        مقدمة لقد عايشت مسيرة التعليم العالي في الجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *