السبت , 25 مايو 2019

السلطة الرئاسية هي أُمّ السلطات في الجزائر

بقلم

الأستاذ عمار بوحوش*، جامعة الجزائر (3)

 

عندما يتعرض أي باحث للنظام السياسي في الجزائر وأساليب العمل التي انتهجتها الحكومات الجزائرية منذ 1996،  ينبغي عليه أن يشير إلى حقيقة جوهرية وهي أن دستور 1996 جاء ليوسع ويدعم نفوذ رئيس الدولة. فإذا كان دستور 1976 قد جاء ليكرس الحكم الفردي والطرح الاشتراكي، فإن دستور 1989 قد كرس التعددية الحزبية وإحداث قطيعة مع النظام الاشتراكي. ثم جاء بعده دستور 1996 وأفسح المجال لرئيس الجمهورية لكي يمارس صلاحيات سياسية بحيث يكون الرئيس هو المهيمن على الوضع السياسي في الجزائر.

وبالفعل، فإن مشكل الزعامة في الجزائر مطروح بشدة، لأن التفكير السائد الآن هو أن كل زعيم حزب أو جمعية أو منظمة يعتبر نفسه زعيما ساطعا والبقية تدور في فلكه، أي أن القائد يبحث عن العناصر الموالية له وعندهم استعداد لإظهار الولاء له، بحيث يستفيد أولئك الأنصار من الغنائم والامتيازات التي يحصلون عليها في حالة نجاحه في الوصول إلى كرسي الرئاسة. ولعل أحسن من عبر عن هذه الفكرة الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني السيد عبد الحميد مهري عندما قال يوم 02 جانفي 2008 :” لقد تعودنا منذ الاستقلال في جميع المحطات المفصلية والخطيرة التي عرفتها بلادنا أن نفكر في الجزائر كرئاسة، ويؤجل أو نستبعد التفكير فيها كدولة، وحتى التفكير في الرئاسة كان ينصب على الرجل أكثر مما ينصب على المؤسسة” ([1]).

نستخلص من ما تقدم، أن الإصلاحات السياسية التي قام بها الرئيس زروال في سنة 1996 وخاصة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية، قد مهدت الطريق للسيد عبد العزيز بوتفليقة لكي يمارس الصلاحيات الجديدة ويفرض نفسه كزعيم وحيد في البلاد. لقد كان عبد العزيز بوتفليقة هو مرشح الأقوياء غداة تنظيم الانتخابات الرئاسية يوم 15 أفريل 1999، ونجح في استمالة الناس وتبيان نقاط قوته المتمثلة في معرفته الدقيقة بطريقة تفكير العسكر و لعبة التوازنات داخل المؤسسة العسكرية، وتعويله على رصيده الشخصي في مجال العلاقات الدولية، وإلمامه بما يدور في كواليس السلطة.

يبدو أن السيد عبد العزيز بوتفليقة كان يحرص أشد الحرص منذ البداية على تمتعه بصلاحيات سياسية واسعة هذه المرة، وهذا ما شجعه على العودة إلى الحلبة السياسية في سنة 1999، بعد أن رفض عرضا مماثلا في سنة 1994 وخاصة عندما شعر أن سلطاته قد تكون محدودة وأنه يخاف من مواجهة الاستئصاليين. فقد قال الجنرال خالد نزار أن مدير المخابرات العسكرية في سنة 1994 أخبره أن ” بوتفليقة يود أن يكون وحده على رأس الدولة”. كمــــــا عبّر بــوتفليــــقة عن أمله، أمـــــــام الجنرال نزار، بأن لا تكون جمــــاعته من      ” الاستئصاليين” ([2]).

وكيفما كان الحال، فإن سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ وصوله إلى الرئاسة في يوم 15 أفريل 1999، ارتكزت على محاور رئيسية يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

  1. استثمار عائدات النفط في بناء الطرقات والطريق السيار بين شرق البلاد وغربها.
  2. استثمار أموال الثروة النفطية في بناء الجامعات والمدارس والمستشفيات وتدارك النقص في الهياكل والبناءات الضرورية لتقديم الخدمات للمواطنين.
  3. تدعيم القطاع ألفلاحي وإعطاء قروض للمزارعين ومربي الأبقار وإعفاء مربي الدواجن من الضريبة الإضافية.
  4. توفير مناصب شغل جديدة للعاطلين عن العمل بحيث انخفضت نسبة البطالة في الجزائر من %27 إلى %09 في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
  5. قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمبادرات تمثلت في إدخال إصلاحات على المنظومة التربوية، العدالة والدولة، وهي الإصلاحات التي لم يتم نشرها والتعرف على محتواها أو الاطلاع عليها وبقيت محفوظة في الرئاسة، مثلما يقول رئيس اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية الأستاذ الدكتور بن علي بن زاغو رئيس جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا الموجودة بباب الزوار بالعاصمة ([3]).
  6. لقد اشتهرت العهد الرئاسية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة (1999-2014) بمبادرته الخاصة المسماة ” مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية ” الذي صدر بمرسوم رئاسي رقم 05-278 مؤرخ في 9 رجب 1426 ه الموافق لـ 14 أوت 2005 والمتضمن استدعاء هيئة الناخبين للاستفتاء عليه يوم الخميس 29 سبتمبر سنة 2005. ونظرا لأهمية هذه المبادرة وسعيه الكبير لنجاحها وإخراج الجزائر من محنة الإرهاب الأعمى الذي أثار الرعب في نفوس المواطنين وشوه سمعة الجزائر في المحافل الدولية، فإننا سنتعرض إلى هذه المبادرة في الفقرات التالية بشيء من التفصيل.

 

مضامين سياسة الوئام المدني

لعل أصعب عملية سياسية يمكن أن يواجهها أي رئيس هي اتخاذ قرارات جريئة بشأن إنهاء العنف وعودة الأمن والسلم إلى ربوع الوطن، وخاصة إذا عرفنا أن الرئيس السابق ليامين زروال قد قرر تقليص عهدته الرئاسية ومغادرة قصر المرادية بسبب الضغوط التي مورست عليه من طرف زملائه المعارضون لإبرام أي اتفاق مع الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت تسعى للإطاحة بنظام  الحكم وإقامة دولة ثيوقراطية مخالفة للنظام الديمقراطي المتعارف عليه في الجزائر. ولهذا، قامت محاولة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على أساس تنازلات متبادلة بين التيار العلماني المعارض لأي مصالحة، والتيار الأصولي المسلح الذي يرفض أي تفاوض مع رجال السلطة الذين أوقفوا المسار الانتخابي في بداية 1992 وحرموهم من الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات التشريعية.

والإشكال، في الحقيقة، يكمن في أن الجميع كان يعرف ويدرك أن الجيش هو الذي أتى بالرئيس بوتفليقة إلى الحكم، وبدون مساندة غير مشروطة من طرف الجيش، لا يستطيع الرئيس أن يقوم بأية مبادرة ناجحة لأية مصالحة وطنية. ولهذا حاول الرئيس أن يكون معتدلا وراغبا في تحقيق نوع من التوازن بين مطالب الجيش ومطالب الجماعات المسلحة. ولهذا ظهر الرئيس مرنا ومتفهما لمطالب كل طرف. ولكي يرضى القادة العسكريون المعارضون للأصوليين، قام الرئيس بوتفليقة باتخاذ إجراءات عملية تتعلق بترضية الطرف العسكري وذلك بإعلانه إقصاء الحزب المحظور وعدم السماح للإسلاميين بإعادة تشكيل هذا الحزب من جديد. كما منع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ من القيام بأي نشاط سياسي وذلك بدعوى أن هؤلاء الإسلاميين كانوا قد عبثوا بالدين وبتعاليمه، وهم من سبب الفتنة الدموية([4]). وترضية للجانب ألآخر أدعى الرئيس بوتفليقة أن سبب العنف هو عمل الجيش عندما أوقف المسار الانتخابي في بداية 1992. وفي رأيه، أن كل ضرر يلحق بالحياة المؤسساتية لبلد ما، هو في بعض الأحيان عنف ([5]).

وكيفما كان الحال، فقد تدعم موقف الرئيس بوتفليقة بإجراء استفتاء وطني يوم 29 سبتمبر 2005م على مشروع ميثاق السلم والمصالحة الوطنية حيث تم طرح السؤال التالي على الناخبين: هل أنتم موافقون على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي اقترح عليكم؟ وكانت إجابة الجزائريين بالموافقة بأغلبية %97,38، أي أن 14,057,371 من بين 14,606,344 صوتوا بنعم ([6]).

وتدعمت إجراءات الوئام المدني بدخول المراسيم الرئاسية الأربعة المتضمنة تنفيذ أحكام ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر حيز التنفيذ يوم 27/02/2006 م، بعد أن صادق عليها مجلس الوزراء ووقعها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وفي يوم 4 مارس 2006 صادق نواب المجلس الشعبي الوطني على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، ثم أحيل المشروع على مجلس الأمة الذي صادق عليه في اجتماعه بتاريخ 15/02/2006 م.

ويشمل الأمر الرئاسي المتضمن تنفيذ ” ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ” الذي صادق عليه مجلس الوزراء، نقاطا أساسية يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

  1. يمنح الأمر الرئاسي المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة 06 أشهر لعناصر الجماعات المسلحة للاستفادة من تدابير إبطال المتابعات القضائية والعفو، أو تخفيف العقوبات واستبدالها لأخطر عناصر التنظيمات المسلحة الذين كانو يقفون وراء المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الأماكن العامة. كما يشير الأمر المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في إحدى مواده إلى أنه في إمكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة” اتخاذ مبادرات أخرى إذا اقتضت الضرورة ” لتجسيد ما جاء في بنود ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وهذه إشارة واضحة إلى أن أحكام الأمر ستضمن تسوية نهائية لملفات ” التائبين ” الذين سلموا أنفسهم إلى السلطات بدءا من تاريخ انتهاء العمل بقانون الوئام المدني في 13 جانفي 2000 م.

وبموجب أحكام الأمر الرئاسي فإن كل سفارات الجزائر والمصالح القنصلية في الخارج ستكون مفتوحة أمام عناصر شبكات الدعم للجماعات المسلحة أو المسلحين الفارين خارج البلاد أو الأشخاص الملاحقين غيابيا في قضايا الإرهاب لتسوية أوضاعهم وفق البيانات الواردة في التصريح الذي يحررونه خطيا ويدونون فيه أهم المعلومات حول هوياتهم الحقيقية، ومكان نشاطهم والعتاد الذي كان يستخدمونه في دعم الجماعات المسلحة، مع التعهد كتابيا بالتخلي عن النشاط الإرهابي ([7]).

  1. السلطات المختصة بتنفيذ إجراءات ميثاق السلم والمصالحة الوطنية هي:
  • السفارات والقنصليات الجزائرية.
  • النواب العامين.
  • وكلاء الجمهورية.
  • مصالح الأمن الوطني.
  • مصالح الدرك الوطني.
  1. وفقا للمادة 10، لا تطبق الإجراءات المنصوص عليها في المواد 5، 6، 7، 8 على الأشخاص الذين ارتكبوا أفعال المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المفجرات في الأماكن العمومية أو شاركوا فيها أو حرضوا عليها.
  2. يستفيد الأشخاص الذين صدرت بحقهم إجراءات إدارية للتسريح من العمل من طرف الدولة، من العودة إلى مناصب العمل السابقة أو إعادة إدماجهم في عالم الشغل أو عند الاقتضاء الاستفادة من تعويض تدفعه الدولة في إطار التشريع المعمول به (المادة 25).
  3. تنص (المادة 26) على حظر ممارسة أي نشاط سياسي لأي فرد تمتع بالعفو عنه، إذا كان شارك في الأعمال الإرهابية، سواء اعترف أو رفض الإقرار بمسؤوليته في وضع وتطبيق سياسة تمجد العنف ضد الأمة ومؤسسات الدولة.
  4. كل شخص انقطعت أخباره ولم يعثر على جثته بعد التحريات بكل الوسائل القانونية التي بقيت بدون جدوى، يمكن إصدار حكم قضائي بوفاته، والشرطة القضائية هي المكلفة بكتابة محضر معاينة فقدان الشخص المعني على إثر عمليات البحث. يسلم المحضر إلى ذوي حقوق المفقود أو إلى شخص ذي مصلحة في ذلك، في أجل لا يتجاوز سنة واحدة ابتداء من نشر الأمر الرئاسي في الجريدة الرسمية. وعليه، فالقاضي هو الذي يصدر الحكم بوفاة المفقود بناء على طلب من أحد ورثته أو من كل شخص ذي مصلحة في ذلك أو من النيابة العامة.
  5. وفقا للمادة28، والمادة 38، يحق للأشخاص ضحايا المأساة الوطنية الحصول على تعويض تدفعه الدولة في حالة استيفائهم وحصولهم على حكم نهائي بوفاة الهالك.
  6. لا يجوز معاقبة أقارب إي فرد شارك في العمليات الإرهابية بسبب أعمال فردية قام بها أحد أقاربهم باعتباره المسؤول الوحيد عن أفعاله أمام القانون.
  7. تستفيد الأسر المحرومة التي ابتليت بضلوع أحد أقاربها في الإرهاب، من إعانة تمنحها الدولة بعنوان التضامن الوطني ( من الصندوق الخاص للتضامن الوطني).
  8. لا يجوز الشروع في أي متابعة، بصورة فردية أو جماعية، في حق أفراد قوى الدفاع والأمن للجمهورية، بجميع أسلاكها بسبب أعمال نفذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ونجدة الأمة والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الديمقراطية الشعبية.

وخلاصة الموضوع أن وثيقة المصالحة الوطنية كانت متوازنة وملبية لرغبات قادة الجيش وقوات الأمن والوطنيين، لأنهم لعبوا دورا حاسما في التصدي للجماعات المسلحة التي التجأت إلى العنف بقصد زعزعة أركان الدولة الجزائرية، ومرضية أو مقبولة كذلك للجماعات المسلحة التي وافقت على إيقاف العنف والخروج من المعركة بأقل الخسائر أو الأضرار. فالدولة تعهدت برفع المضايقات نهائيا عن الأشخاص الذين استفادوا من سياسة الوئام المدني، وقبلت بالتسوية المالية والإدارية لوضعية العمال الذين تم طردهم من وظائفهم، والتكفل بأسر الجماعات المسلحة ومنحهم مساعدات مالية وذلك بقصد إعادة الثقة بينهم وبين الدولة وكسبهم لصالح هذه الأخيرة.

وكيفما كان الحال، فإن الغاية من المصالحة الوطنية هي تجاوز الفتنة والعودة إلى السلم ومواصلة عملية التنمية. لقد كان الانشغال الكبير للمسؤولين في الدولة هو كيف يمكن للدولة أن تسيطر على الوضع والعمل بقصد بناء الوطن. ولهذا، نلاحظ أن الخطاب السياسي كان يتسم بالاعتدال والابتعاد عن التطرف. فإذا كانت القيادة العسكرية هي القوة الفعلية التي فرضت مبدأ إقصاء الحزب المحظور من الحياة السياسية بدعوى الالتجاء إلى العنف، فإن رئيس الدولة عبد العزيز بوتفليقة قد مارس الضغط على العسكريين لكي يقبلوا بقواعد اللعبة، ولمح إلى أن سبب العنف أيضا، عمل الجيش وخاصة عندما أوقف المسار الانتخابي. ففي رأيه ” أن أي ضرر يلحق بالحياة المؤسساتية لبلد ما، هو في بعض الأحيان عنف ” ([8]).

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن ما كان يشغل بال الجزائريين ويخيفهم هو التدخل الأجنبي في الشؤون الجزائرية. فالجزائر، حكومة وشعبا، كانت تتخوف من تدويل الأزمة الجزائرية، ولذلك بادرت الحكومة بإعداد ميثاق السلم والمصالحة بين الجزائريين وقطع الطريق على الجماعات التي كانت تنادي بمحاكمة الذين كان لهم ضلع في ارتكاب جرائم قتل خلال الأزمة الجزائرية. وفي إحدى المناسبات، أتهم الجنرال خالد نزار رئيس الدولة السيد عبد العزيز بوتفليقة بأنه يتحالف مع المنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان وتتهم الجيش بارتكاب مجازر في الجزائر وتطالب بمحاكمة المسؤولين بناء على شكاوي ضحايا التعذيب. لكن الرئيس بوتفليقة حاول أن يستميل الجيش لصالحه وخاصة جناح محمد العماري، رئيس الأركان من خلال الدفاع عن المؤسسة العسكرية، قائلا: ” وبينما أنتم تحاربون هذه الهمجية باسم دولة القانون التي تتمثل مهمتها الأولى في ضمان حق الحياة والأمن، قامت بعض المنظمات بشن هجمات لا توصف ضد الجيش والمصالح الأمنية، واستندت في ذلك على أساس الدفاع عن محتوى حقوق الإنسان” ([9]). ولكي يثبت بوتفليقة عرفان الشعب بوطنية القوات الأمنية التي لولاها لما بقيت الدولة الجزائرية واقفة على قدميها، أدخل الرئيس فقرات في ميثاق السلم والمصالحة الوطنية تؤكد وطنية القوات الأمنية حيث جاء في هذا الميثاق: ” وكانت نجاة الجزائر بفضل ما تحلت به من وطنية وبذلته من تضحيات، وحدات الجيش الوطني الشعبي وقوات الأمن وكافة الوطنيين الذين اضطلعوا بصبر وحزم، بتنظيم مقاومة الأمة لمواجهة ذلك العنوان الإجرامي ألا إنساني ” ([10]).

وبإيجاز، فإن سياسة المصالحة الوطنية كانت من اجتهاد بعض المسؤولين في قيادة الدولة، وهذا ما أكده رئيس الجمهورية نفسه في إحدى خطبه في تجمع شعبي بقسنطينة يوم 22 سبتمبر 2005 حيث قال: ” لم يكن بالإمكان إشراك كل الجزائريين في صياغة الميثاق من أجل السلم والمصالحة” واعتبر هذه الصياغة ” اجتهاد من طرف أناس يؤمنون بوحدة هذا الشعب وبسلامة التراب الوطني ” ([11]).

أما المعارض عبد الحميد مهري، فيرى أن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ليس كافيا لأن المصالحة الوطنية في جوهرها تعني جمع كلمة الأمة على حل سياسي شامل لوضع حد نهائي للعنف، والاتفاق على حلول سياسية لمعالجة الأزمة. وحسب وجهة السيد عبد الحميد مهري فإن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية يدور حول محورين:

المحور الأول: يتضمن معالجة بعض مظالم آثار الأزمة، إنسانيا واجتماعيا، من خلال الإجراءات التي تتولى تنفيذها مؤسسات الدولة بعد الاستفتاء، وهذا ضروري للمصالحة وليس كل المصالحة.

المحور الثاني:حسب عبد الحميد مهري مسكوت عنه إعلاميا، وهو يرمي إلى تزكية سياسة أتبعت منذ إيقاف المسار الانتخابي وهي تعني ” اعتماد الإقصاء كوسيلة لمعالجة ظاهرة الإسلام السياسي، وكوسيلة للحيلولة دون تكرر” المأساة”، وهذه، كما يراها، مواصلة لخطة بدأت تتبلور منذ ترشح ليامين زروال لرئاسة الجمهورية. وحسب وجهة نظر السيد عبد الحميد مهري، فإن هذه الخطة تقوم على عدة عناصر:

  1. اتخاذ تدابير لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية الناتجة عن الأزمة.
  2. استبعاد كل بحث أو نقاش في الأسباب السياسية للأزمة.
  3. استبعاد كل أشكال الحوار مع القوى السياسية للبحث عن حل جذري للازمة.
  4. اللجوء إلى المراسيم أو التوجه للاستفتاء الشعبي مباشرة لتمرير مبادرات السلطة ([12]).

نستخلص من ما تقدم، أن موقف عبد الحميد مهري يتمثل في انتقاد موقف رئيس الجمهورية الذي أعد مشروع المصالحة الوطنية وأقصى فيه فئة من المواطنين وحرمهم من حق سياسي يكفله لهم الدستور. ففي رأيه الخاص أن معالجة ظاهرة الإسلام السياسي لا تعالج بهذه الكيفية، وإنما تعالج من خلال الحوار والمناقشة، مثلما جرى في سانت إيجيديو بروما حيث شاركت الأحزاب الفاعلة في الجزائر في حوار ومناقشة جماعية لإيجاد حل سياسي للأزمة في الجزائر. إن الإقصاء في رأيه، لا مبرر له وأنه تعدى على حقوق دستورية لفئة من المواطنين. فالحل الذي تبنته السلطة لا يحل المشكلة بقدر ما يؤجلها. وعليه، فإذا كانت الأزمة قد مست كافة أفراد المجتمع ولذلك يكون مقترح حل الأزمة ومعالجة نتائجها ليس مقدما من جهة واحدة، هي النظام السياسي، وإنما يكون المقترح مقدما من مختلف قوى المجتمع وخاصة النخب المثقفة والسياسيين والأطراف التي تأثرت بالمأساة الوطنية، وهذا يتطابق مع موقف جبهة التحرير الوطني الجزائري عندما كان عبد الحميد مهري أمينها العام لغاية 1996 ([13]).

وبالنسبة لضحايا أزمة الإرهاب، فقد اعترف فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان في منتدى ” المجاهد ” يوم 18 مارس 2006م أنه ليس بوسع السلطة الذهاب إلى أبعد مما فعلت، وأن عدد ضحايا الأزمة بلغ 000 200 قتيل ومن الصعب كشف كل الحقيقة حولهم ([14]).

وفي تصريح آخر، قال فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان في الجزائر أن التحقيقات التي قامت بها ” الخلية الخاصة ” حول المفقودين توصلت إلى اقتناع بأن مصالح الأمن تقف وراء اختفاء 6146 شخصا فقدوا في منتصف التسعينات من القرن العشرين، وهي الفترة التي عرفت فيها الجزائر تصاعدا كبيرا في أعمال العنف ([15]). وأكد فاروق قسنطيني أن المفقودين يعتبرون ضحايا الأزمة الوطنية وشدد على ضرورة إبعاد صفة الإرهابيين عنهم لأن هؤلاء المفقودين لم تدنهم العدالة كنشطاء في الجماعات المسلحة، وبالتالي فمن غير المعقول أن تطلق عليهم هذه العبارة.

تكاثر التجاوزات في ظل غياب المؤسسات

اشتكى رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في خطاب له أمام ولاة الجمهورية يوم 5 ديسمبر 2006م من التسلط البيروقراطي وقلة انشغال المسؤولين باحتياجات المواطنين واللامبالاة في الأداء.

وبصراحة غير معهودة قال رئيس الجمهورية في خطاب متلفز: ” إنني أعلم أنه من السهل أن يلتقي شخص في أمريكا بمسؤول كبير في البيت الأبيض وبإمكان شخص في روسيا أن يلتقي بمسؤول في الكرملين لكن من الصعب عندنا أن يلتقي مواطن بالوالي… لابد على الولاة أن ينزلوا لمقابلة المواطنين… أنا شخصيا وفي الموقع الذي أوجد فيه أجد أحيانا صعوبة في الاتصال بالولاة، هذا الكلام لا أقوله للصحافة وإنما في وجوهكم ” ([16])، ثم أبدى عدم رضاءه على تسيير الشأن العام وقال إنه ” متألم لاعتماد البلاد على مبيعات البترول ” ([17]).

والمشكل في رأي مهندس الإصلاحات السياسية والاقتصادية السيد مولود حمروش بعد إقرار التعددية الحزبية في دستور 1989، أن الخلل موجود في سياسة الدولة تجاه الأحزاب التي ليس لها برامج حزبية نابعة من الموالين لها، (كما هو موجود في الدول الغربية)، فالأحزاب تعمل أو تنشط على أساس بعض الشبكات التي كسرت مفهوم الدولة وحددت للدولة أدوارا تقوم بها وفقا لمصالحها الخاصة وهي من تقف وراء عرقلة المجتمع، وأدت إلى إفلاس الأحزاب وقضت على التمثيل السياسي والاجتماعي، و”أصبحنا نواجه شعبا فقد روحه الوطنية”. وأبدى السيد مولود حمروش أسفه للوضع الحالي والإصلاحات المزعومة حيث أكد أنه” تم التأسيس لمشروع مجتمع من دون استشارة المجتمع نفسه حول هذا التغيير “، وأشار رئيس الحكومة السابق إلى ” أن مشاريع الإصلاحات المفروضة على المجتمع من فوق، مآلها الفشل” ([18]).

وفي تصريح آخر لشخصية وطنية، تحمل دكتوراه في العلوم السياسية وله انتماء واضح للقيادة العسكرية في الجزائر التي لها تأثير بارز في السياسة للدولة الجزائرية، قال السيد شفيق مصباح ” أن تسيير الحياة السياسية في الجزائر يتم بطريقة إدارية لا تراعي الوضع الحقيقي للقوى السياسية المتواجدة في الساحة”. وعندما سئل شفيق مصباح، من يقف وراء هذه العملية، أجاب مصباح، أن ” المسالة لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق بنظام الحكم برمته، يمكنكم أن تستبدلوا المسؤولين الرسميين الحاليين بغيرهم ممن تشاءون، فستحصلون على نفس النتيجة. الإشكالية تكمن في طبيعة نظام الحكم الذي يرفض الاقتراع الحر، أي أنه غير مؤهل لمرحلة التحول الديمقراطي ” ([19]). وحسب تصور شفيق مصباح، وهو محلل سياسي مرموق في الجزائر، ” فإن النظام السياسي في الجزائر نظام رئاسي يسيطر فيه رئيس الجمهورية على كل الصلاحيات ” ([20]). وبإيجاز، فإن النظام السياسي الجزائري يستمد قوته ونفوذه ليس من الإرادة الشعبية وإنما من توفر سيولة مالية ضخمة ونوع من رضاء الدول الغربية لاعتبارات تجارية وأمنية محضة. وعلى خلاف بقية الدول العربية التي تمردت شعوبها على الديكتاتورية والإطاحة بالقادة المتعنتين والمتواطئين مع الغرب، فإن الحركة الإسلامية في الجزائر والمتمثلة في الأحزاب ذات التوجه الإسلامي ملتصقة بنظام الحكم وهي تتمتع باقتسام الريع البترولي وقادة الأحزاب يعيشون في بحبوحة مالية.

ولكي تتضح الصورة أكثر حول أسلوب العمل الحكومي في الجزائر وكيفية اتخاذ القرارات بطريقة فردية، نأتي هنا بشهادة الدكتور أحمد بن بيتور، أول رئيس حكومة في العهدة الأولى لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، حيث وصف بن بيتور الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالشخص التسلطي الذي ينغمس في الماضي ويعتمد بشكل كبير على الأشخاص والولاء وليس الالتزام بالعمل في إطار المؤسسات. واعترف بن بيتور أنه استقال بعد ثمانية أشهر من تعيينه رئيسا للحكومة وذلك بعد أن اكتشف أن الرئيس يحضر لإصدار مرسوم يلغي جميع ما قام به رئيس الحكومة لتنظيم سير وعمل المؤسسات العمومية ([21]).

نستخلص من ما تقدم أن الحكم الفردي هو سيد الموقف في الجزائر مادام رئيس الجمهورية هو الذي يقوم بتعيين أي شخص في منصب رئيس الحكومة أو وزيرا في أي منصب وذلك بغض النظر عن نسبة المقاعد التي حصل عليها أي حزب في الانتخابات التشريعية. وتأسف بن بيتور لغياب أية مادة صريحة في الدستور تجبر رئيس الجمهورية على إسناد رئيس الحكومة للحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، وهذا فتح الباب أمام رئيس الجمهورية لكي يتصرف على هواه، ويستدعي الشخص الذي يرغب في تعيينه رئيسا للحكومة إلى مكتبه لإبلاغه بأنه قام بتعيين تشكيلة حكومية وهذا بدون استشارة الشخص المقترح لرئاسة الحكومة. واعترف بن بيتور أن رئيس الحكومة المقترح ليس له الحرية في اختيار فريقه أو اقتراح بعض الكفاءات التي يعرفها أو المشهود لها بالكفاءة والخبرة في إطار تخصصها في الطاقم الذي سيشرف على تسييره. كما لا يمكن لرئيس الحكومة المقترح أن يرفض إسما من الأسمـــــاء ضمن قـــائمة أعضاء الحكومة التي يطلعه عليها رئيس الجمهـــورية ([22]).

وعليه، يبدو هناك أزمة في صناعة القرار في الجزائر، وبدون شك فإن غياب طبقة سياسية ذات بعد قوي في المجتمع وعندها تصور واضح لما ينبغي عمله، هي المشكلة الرئيسية التي تواجه الجزائر منذ 1962. إن انعدام قوى سياسية ذات وزن اجتماعي، جعل الأحزاب السياسية تتسابق لكسب ثقة الجيش ودفعه لممارسة تأثيره في الحلبة السياسية واختيار الشخصية الملائمة لقيادة البلاد. فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة استغل غياب وجود قوى سياسية مؤثرة واستعان بحركة مجتمع السلم المنافسة للإسلاميين الراديكاليين، واستعان كذلك بحزب التجمع من أجلالثقافة والديمقراطية الذي يرأسه سعيد سعدي لكي يتم إضعاف الإسلاميين الخطيرين على المجتمع الجزائري، واعتمد بصفة رسمية على حزب جبهة التحرير الوطني (FLN) وحزب التجمع الوطني الديمقراطي (RND) ، وهذه الأحزاب كلها تطالب ببقاء الجيش في الساحة وعدم انسحابه منها، لأن انسحاب الجيش سيعرض الجزائر لإنزلاقات خطيرة. وبعبارة أخرى، فإن الطبقة السياسية في الجزائر غير قادرة على خلق تكتل متجانس وقوي في الساحة السياسية، وتقدم للمجتمع الجزائري برنامج مجتمع تتضح فيه رؤية المستقبل، تضعه النخب الوطنية ورجال الاختصاص حيز التنفيذ، وبالتالي، لا يبقى الرئيس يعاني من غياب قوى اجتماعية مساندة له، ويحتمي بالجيش لفرض سلطته ونفوذه وترشحه للانتخابات الرئاسية تحت مظلة القيادة العسكرية. إن غياب القوى الاجتماعية أو تشتيتها وعجزها عن تقديم حلول ذات مصداقية لمشاكل المجتمع تجعلنا نفهم لماذا أعطت أحزاب الائتلاف الحكومي في عهد الرئيس بوتفليقة انطباعا للرأي العام الجزائري بأنها أدوات وأجهزة في خدمة الحكم، بدلا أن تكون مؤسسات سياسية تعبر عن قوى اجتماعية. إنه لمن الواضح أن هذه الأجهزة المتواجدة على مستوى مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني قد أصبح نوابها في السلطتين التشريعيتين بمثابة حاشية مساندة وخادمة وحارسة على تمرير المشاريع الحكومية حتى ولو كانت ليست في صالح الشعب ([23]).

صعوبات تعترض تجسيد سياسات الرئيس

منذ انتخاب رئيس الجمهورية في العهدة الأولى (15 أفريل 1999-18 أفريل 2004) ورئيس الدولة يسعى إلى إدخال إصلاحات جذرية على سياساته في مختلف المجالات. وقد خصص ما يزيد عن 150 مليار دولار أمريكي، للإنعاش الاقتصادي ([24])، غير أن برنامجه الاقتصادي واجه صعوبات ولم يتم تجسيده في أرض الواقع. واعترف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بأنه لم يعد يعرف أين هو الخلل، وقال بصراحة ” عملت كل ما استطيع، ومازلت أرى هذا الكم الهائل من المشاكل… لم أجد من ينفذ برنامجي بالطريقة التي أريد” ([25]).

ولعل الشيء المثير للعجب أن رئيس الحكومة نفسه غاضب هو أيضا من وزرائه. فلحد الآن ما تزال كل الوزارات تعرف المشاكل والقلاقل، وكلما تحصلت الوزارات على المزيد من الأموال كلما تضخمت فيها المشاكل وذلك على غرار وزارات الصحة والفلاحة والتجارة والتضامن والتشغيل والعمل والصناعة والشؤون الدينية. واستنادا إلى عدد من السياسيين: فإن الرئيس بوتفليقة قد فكر عدة مرات في استبدال رئيس الحكومة، غير أن ثقته في رئيس حكومته وعدم ثقته في الكثير من رجال السياسة الحاليين، بما فيهم رؤساء الأحزاب، حال دون اتخاذه القرار بتغيير رئيس الحكومة والاكتفاء بإجراء تعديل حكومي، في مسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من برنامج الإنعاش. ولاحظ الصحفي الفرنسي جون دانيال عند لقائه بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن هذا الأخير غير مقتنع بعمل الحكومة وأن الرئيس يبحث عن وزراء يجرون بوتيرة سريعة، لكنه لم يتمكن، لأسباب غير معروفة رسميا، من العثور عليهم([26]).

واضطر رئيس الجمهورية في شهر ماي 2006م إلى إقالة رئيس حكومته السيد أحمد أويحي المكلف بتنفيذ برنامج الرئيس، بسبب ضعف الأداء الحكومي وبطء في تنفيذ الإصلاحات السياسية، رغم المبالغ الضخمة التي ضخت من الخزينة العمومية ووضعت تحت تصرفه. وبينت المقالات الصحفية أن الرئيس وجه انتقادات لاذعة لأحمد أويحي محملا إياه مسؤواية ” عدم إبلاغه بالحقائق المتعلقة بتسيير وتنفيذ برنامجه وإعطائه أرقاما مغلوطة وغير صحيحة”. وفي يوم الثلاثاء 16 ماي 2006 قدم السيد أحمد أويحي استقالته إلى السيد رئيس الجمهورية مادام أنه لا يتمتع بثقة رئيس الدولة.

وفي الحقيقة أن الخلاف بين الرئيس ورئيس حكومته هو سياسي بالدرجة الأولى، لأن رئيس الحكومة خالف رغبة رئيس الجمهورية في طريقة تعديل الدستور وتغيير المادة 74 من الدستور التي كانت لا تسمح لرئيس الجمهورية بالترشح لفترة رئاسية ثالثة. لقد اقترح السيد أحمد أويحي أن يتم تعديل الدستور من خلال نواب المجلس الوطني الشعبي، وهذه الطريقة لم تكن محبذة من طرف الرئيس، مع العلم أنها هي التي استعملها الرئيس بوتفليقة في سنة 2008. كما أن السيد أحمد أويحي كان يعارض سياسة الرئيس بوتفليقة في مجال المصالحة الوطنية، وكان يشوش عليه وتشويه صورته لدى الرأي العام. ولاحظ المتتبعون للشأن الجزائري أن أويحي كان يتخذ موقفا مناوئا لرئيس الجمهورية حيث يعلن أنه لن يترشح ضد الرئيس بوتفليقة في حالة ترشيح نفسه لعهدة ثالثة، لكنه يعلن أنه مستعد لتقديم أي خدمة للدولة الجزائرية. لقد أخذ الناس انطباعا عن السيد أحمد أويحي أنه يتصرف كرئيس للجمهورية خلال ذهاب السيد عبد العزيز بوتفليقة إلى فرنسا للعلاج، وهذا التصرف اعتبره رئيس الجمهورية غير لائق من طرف رئيس حكومته، وخاصة في الوقت الذي انتشرت في الشوارع شائعات تقول عن أويحي أنه رجل دولة وأنه من المرشحين الأوائل للانتخابات الرئاسية المقبلة لخلافة السيد عبد العزيز بوتفليقة، وبأنه مقرب من الجيش ومراكز القرار الحقيقية في البلاد وأنه لا يتحرك إلا بأمر منها ([27]).

ومشكل السيد أحمد أويحي أنه عنيد ولا يستسلم، فقد دافع عن سياساته ورد بطريقة غير مباشرة على رئيس الجمهورية بأنه يرفض المواجهة وقال ” أن فشل حكومته في تحقيق أهدافها هو فشل للجميع” ([28]). ومعنى هذا أن رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة يتحملون مسؤولية فشل الحكومة. وأكد أن بعض الأطراف تسعى لتحطيمه كرجل سياسي وبإيعاز من جهات لم يحددها. وأنكر بشدة أن يكون هو وحده الذي قام بتسريح آلاف العمال وغلق المؤسسات ([29]).

وزعم السيد أحمد أويحي ” أنا أزعج البعض” و الجهات التي تسعى لعزلي هي ” لوبي الحاويات”، وقال: ” المال يحكم في الجزائر بضغط من دوائر مافياوية …. أنا متألم من الوضع الذي تعيشه البلاد” ([30]). ولمح إلى أن المشكل ليس في شخصي وإنما في منهجية العمل، و” إذا كــــــان تغيير الحكومة يسمح بتحسيــــن الوضع فسأصوت لذلك بأصــابعي العشرة ” ([31]).

وفي يوم 3 سبتمبر 2012 قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إبعاد السيد أويحي وتعويضه بالسيد عبد المالك سلال الذي كان وزيرا للموارد المالية في حكومة أويحي، وبعد مدة وجيزة، تراكمت عليه الضغوط والمناوشات بينه وبين أعضاء حزبه (التجمع الوطني الديمقراطي) فقدم استقالته من الحزب يوم 4 جانفي 2013، وبذلك تم طي ملف الصراع بينه وبين رئيس الدولة الذي كان يتقاسم معه السلطة التنفيذية لكنه لا يثق في وزيره الأول ويعتبره مسؤولا عن فشل تنفيذ البرنامج الرئاسي.

السعي لاسترجاع كامل الصلاحيات الدستورية للرئاسة

سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة واضحة وضوح الشمس منذ بداية عهدته الأولى في أفريل 1999، إنه لا يريد أن يكون ثلاثة أرباع الرئيس، قالها عدة مرات، ولا يقبل أن يكون هناك منافس للرئاسة في اتخاذ القرارات والتحكم في جميع المؤسسات الأمنية والسلطتين التشريعيتين والسلطة القضائية التي لا تتحرك إلا بأوامر من الرئاسة، لأن رئيس الدولة هو الذي يمضي على جميع المراسيم والتعيينات في المناصب العليا بالجزائر.

وبعبارة أخرى، إن الرئيس بوتفليقة كان يتخوف من الاستئصاليين أو أصحاب حزب فرنسا كما كان يسميهم بعض المناضلين التابعين لجبهة التحرير الوطني الجزائري. إن القادة العسكريين الذين هربوا من الجيش الفرنسي والتحقوا بجيش التحرير، كانوا يتمتعون بنفوذ كبير في الدولة، والرئيس كان يدرك أنه وصل إلى السلطة بمساعدتهم ولا يمكن أن ينجح في تسيير شؤون الدولة بدون دعمهم، ولذلك كان يتعامل معهم بحذر، ويتجنب خلق أية مجابهة معهم. إنه قد حفظ الدرس من الرؤساء السابقين الذين اختلفوا مع (Les D.A.F) أو الهاربون من الجيش الفرنسي الذين التحقوا بالثورة، وتمكنوا من تنحية الرئيس أحمد بن بلة سنة 1965، والرئيس الشاذلي بن جديد في بداية 1992، وإجبار الرئيس ليامين زروال على تقليص عهدته الانتخابية في سنة 1998.

لكن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المعروف بدهائه السياسي وقدرته الكبيرة على المراوغة واستعمال سياسة فرّق تسد، لأنه سياسي محترف، كان ينتهج سياسة تحكمه في زمام الأمور وإثبات عدم صحة إدعاءات هوف روبرت  Hugh Roberts  المتخصص في الشؤون الجزائرية بأن إتخاذ القرارات في الجزائر لا يتم في إطار المؤسسات الرسمية وإنما يتم بسرية في مؤسسات الظل، وبأن الجيش هو مصدر السلطة وأن السلطة السياسية فيها تفويض للمدنيين الذين يعتبرون ملحقين وتابعين لمن بيدهم السلطة ([32]).

ومنذ البداية، أي في سنة 1999 شرع الرئيس بوتفليقة في تنفيذ الإصلاحات التي تثبت قدرته على انتهاج سياسات تخرج الجزائر من الأزمات السياسية والأمنية التي كانت تتخبط فيها. وكانت المبادرة الأولى تخص المصالحة الوطنية وإعلان الإعفاء عن الإسلاميين المتورطين في الحرب الأهلية وخاصة الذين لم يرتكبوا جرائم قتل ولم يعتدوا على المواطنين. وفي استفتاء 16 سبتمبر 1999 وافق الشعب بنسبة  %98.5 على قانون المصالحة الوطنية. واستفاد الرئيس بوتفليقة من هذا التأييد الشعبي لسياسته الوطنية وتغلب على معارضة العسكر لأي تفاهم مع الجماعات الإسلامية المسلحة ([33]).

وفي يوم شهر ديسمبر 2003، أي في الوقت الذي بدأ الرئيس بوتفليقة يهيئ نفسه للانتخابات الرئاسية (العهدة الثانية) أصدر قائد الأركان اللواء محمد العماري بيانا داخليا للجيش قال فيه أن القوات المسلحة لا تفضل مرشح على آخر وهي محايدة وأن الجيش محايد والتنافس بين المرشحين في الانتخابات الرئاسية مفتوح والشعب هو الذي يختار الشخص الذي يراه مناسب لرئاسة البلاد ([34]). ونال موقف اللواء العماري تأييد الجنرال خالد نزار، والجنرال المتقاعد شفيق مصباح حيث أعلنا صراحة عن تأييدهما للمترشح المنافس لبوتفليقة السيد عي بن فليس.

غير أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة اعتمد خطة فرّق تسد بين عصب الجيش واستمال نسبة كبيرة من العسكريين إلى صفه حيث ساندوه في موقفه الرامي لتشبيب الجيش والاعتماد على المهنيين والأخصائيين الذين تخرجوا من مدارس الجيش والجامعات الجزائرية. وبالفعل فقد كسب الرئيس بوتفليقة الرهان ونجح في الانتخابات الرئاسية بنسبة %84.99 وخسر رئيس الأركان المعركة وتمكن الرئيس بوتفليقة من إبعاده من منصبه يوم 4 أوت 2004 وذلك بعد أن تخلى عنه كبار الضباط في الجيش الذين انحازوا إلى صف بوتفليقة.

وفي نفس السنة، أي 2003 بدأ الصراع على الترشح للانتخابات الرئاسية في سنة 2004 بين بن فليس وبوتفليقة. فقد قال علي بن فليس لعبد القادر حجار المعروف بتأييده المطلق لرئيس الجمهورية ” أنه يجب على حزب جبهة التحرير أن يتخلص من الوصاية وأن لا يخضع لأحد ولم يعد الحزب مطية لأحد لأن يكون رئيسا ” ([35]). وفي اجتماع المؤتمر الثامن لجبهة التحرير الوطني الجزائري المنعقد في شهر مارس 2003 قرر المناضلون ترشيح السيد عي بن فليس للانتخابات الرئاسية وأعلنوا أن المناضلين في جبهة التحرير هم الذين يقررون بكل سيادة الخط السياسي والنهج الذي يرونه كفيلا بتعزيز مكانة الحزب في المجتمع والسماح له بالاستجابة لطموحات الشعب الجزائري إلى غد واعد. كما رفض المناضلون في المؤتمر الثامن أن يتحول الحزب إلى لجنة مساندة لبوتفليقة أو لغيره لأن الحزب يرغب في القيام بدوره كحزب سياسي في إطار التعددية الحزبية المنصوص عليها قانونيا. وكان رد فعل رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة هو إبعاد عي بن فليس من رئاسة الحكومة بالرغم من تمتع حزب جبهة التحرير الوطني بالأغلبية في المجلس الشعبي الوطني، وطرد الوزراء الذين أظهروا ولائهم للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني. وعندما قرر مجلس الدولة ” عدم الاختصاص ” ورفض إلغاء المؤتمر الاستثنائي للحزب الذي تم فيه ترشيح بن فليس للانتخابات الرئاسية، تحرك الرئيس بوتفليقة وقام بتنحية أبرز قضاة المجلس وهما أحمد بليل الرئيس السابق لمجلس الدولة والقاضي عيسى يعلاوي لأنهما أصدرا القرار الذي أغضب رئيس الجمهورية ([36]). وبدعم من السيد يزيد زرهوني وزير الداخلية، تقرر خلق ” الحركة التصحيحية ” لجبهة التحرير الوطني بزعامة عبد العزيز بلخادم، والسماح للحركة التصحيحية بعقد اجتماع وتزكية المرشح عبد العزيز بوتفليقة لرئاسة الجمهورية. ولعل الشيء المثير في الموضوع أن الرئيس بوتفليقة قد انتصر على بن فليس بفضل انتهاج سياسة فرّق تسد، حيث مالت الأغلبية الساحقة من الضباط إلى صف بوتفليقة وتخلت عن بن فليس المدعوم من أقلية صغيرة كان يتزعمها اللواء محمد العماري رئيس الأركان. وحسب المعلومات الواردة في أجهزة الإعلام المكتوبة، فإن تواجد الرئيس بوتفليقة في الحكم لمدة 5 سنوات وبراعته في تقديم خدمات كبيرة للاقتصاد الفرنسي والاقتصاد الأمريكي، خاصة في مجال البترول، بالإضافة إلى التعاون الوثيق بين الحلف الأطلسي والجزائر، ولذلك نال الرئيس بوتفليقة تأييدهما وتفضيله على رئيس آخر للجزائر. وقد لاحظ أحد الباحثين أن فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية سارعتا إلى الاعتراف بشرعية الانتخابات والاعتراف ببوتفليقة كرئيس للجزائر قبل أن يثبت المجلس الدستوري شرعية ونزاهة الانتخابات الرئاسية في الجزائر ! وأرجع الباحث ارتياح فرنسا لسياسة الرئيس بوتفليقة وتدعيمها له بقصد المحافظة على الاستقرار السياسي في شمال إفريقيا([37]).

وكيفما كان الحال فقد نجح بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية بنسبة  %84.99، وحصل بن فليس على %6.42 وجاب الله على %5.02 وسعيد سعدي على  %1.94، ولويزة حنون على  %1 وعلي فوزي رباعين على %0.63.

نتائج الانتخابات الرئاسية في عهد بوتفليقة

الانتخابات الرئاسية: 15 أفريل 1999*

المترشحون الحزب عدد الأصوات نسبة أصوات الناخبين
عبد العزيز بوتفليقة مرشح حر 7,445,045 %73,5
أحمد طالب الإبراهيمي 1,265,594 %12,5
عبد الله جاب الله حركة الإصلاح الوطني 400,080 %4
مولود حمروش جبهة القوى الاشتراكية 214,160 %3
مقداد سيفي 226,139 %2,2
يوسف الخطيب 32,179 %1,2
·       الناخبون: 10,652,623 النسبة : %60,25

 

الانتخابات الرئاسية: 8 أفريل 2008*

المترشحون الحزب عدد الأصوات نسبة أصوات الناخبين
عبد العزيز بوتفليقة التجمع الوطني الديمقراطي 8, 651,723 %84,99
علي بن فليس جبهة التحرير الوطني 643,951 %6,42
عبد الله جاب الله حركة الإصلاح الوطني 511,526 %5,02
سعيد سعدي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 197,111 %1,94
لويزة حنون حزب العمال 101,630 %1
علي فوزي رباعين عهد 54 63,761 %0,63
·       الناخبون: 10,508,777  من أصل 18,097,255 مسجل  

 

 

 

الانتخابات الرئاسية: 9 أفريل 2009*

المترشحون الحزب عدد الأصوات نسبة أصوات الناخبين
عبد العزيز بوتفليقة مرشح حر 12,991,705 %90,24
لويزة حنون حزب العمال 604,258 %4,22
موسى تواتي الجبهة الوطنية 330,570 %2,31
محمد جهيد يونسي حركة الإصلاح الوطني 176,674 %1,37
علي فوزي رباعين عهد 54 133,129 %0,93
محمد السعيد مرشح حر 132,242 %0,92
·        الناخبون:15,351,305من أصل 20,595,683 مسجل    النسبة  :     %74,11

 

وبالمناسبة فقد برزت خلافات عميقة بين المؤسسة العسكرية والرئيس عبد العزيز بوتفليقة في سنتي 2002 و 2003 وهي خاصة ببعض الملفات والقضايا المطروحة في الساحة السياسية الجزائرية. ومن جملة القضايا الساخنة في ذلك الوقت مسألة العفو الرئاسي على العناصر الإسلامية المسلحة وتعيين الرئيس بوتفليقة وزيرا للدفاع. وفيما يتعلق بالموضوع الأول، فإن الرئيس بوتفليقة قد أصدر قانون المصالحة الوطنية وأكد في هذا السياق أنه غداة توليه مقاليد قصر المرادية وجد اتفاقا مع ما يسمى بالجيش الإسلامي للإنقاذ عند استلامه للسلطة، وكان عليه التصرف وفق هذه المعطيات. لكن الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش الجزائري نفى أن يكون الجيش قد أبرم أي اتفاق مع عناصر الجيش الإسلامي للإنقاذ، بل ذهب إلى حد القول أنه يتحدى أي مؤسسة من مؤسسات الدولة أن يكون بحوزتها وثيقة هذا الاتفاق. ثم تفاقمت الأزمة بين الرئيس والجيش وخاصة عندما أعلن قائد الأركان عدم رضاه عن تعيين الرئيس وزيرا للدفاع يوم الإعلان عن تشكيل حكومة علي بن فليس يوم 17 جوان 2002. ففي ذلك المرسوم الخاص بتشكيل الحكومة (رقم 02-208) نصت المــــادة رقم 2 ” أن يتولى رئيس الجمهورية مهـام وزير الدفاع الوطني” ([38]). وتعد هذه المادة حسب الملاحظين سابقة أولى في تاريخ مراسيم تعيين أعضاء الحكومة منذ الاستقلال، بدليل أنها لم ترد في المرسوم الرئاسي رقم 2000/257 الصادر بتاريخ 26 أوت 2000م المتعلقة بتعيين أعضاء حكومة بن فليس الأولى ولا في المراسيم التي قبلها والخاصة بتعيين أعضاء الحكومات السابقة، مع العلم أن المادة 77 من الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية ” هو القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية” ([39]).

وبإيجاز، فإن المحللين استنتجوا أن رئيس الجمهورية أراد أن يؤكد عزمه على استرجاع كافة صلاحياته الدستورية ولا بد أن لا تكون منقوصة، وهو ما يعني أن هذه المادة لا تدع مجالا للشك من أن رئيس الجمهورية يتولى مهام وزير الدفاع وليس وزارة الدفاع الوطني. ومعنى هذا أن الصيغة التي أتى بها رئيس الجمهورية، حسبما وردت في المادة 2 من المرسوم الرئاسي، فإن المؤسسة العسكرية قد فقدت الكثير من الصلاحيات والسلطات حيث أن رئيس الجمهورية بإمكانه إصدار مراسيم تفويض بالإمضاء لكل من يختاره وذلك بغض النظر عن رتبته العسكرية.

الأحزاب والسلطة التشريعية تدور في فلك السلطة التنفيذية

بطبيعة الحال، يتمرد الأفراد ويثورون على الوضع السائد في بلدهم، لكن المشكل هو أنه من الممكن إسقاط السلطة أو الحكم القائم، غير أنه من الصعب مراقبة من يأخذ السلطة إذا لم تتوفر الأدوات الديمقراطية. وحسب السيد مولود حمروش، فإن مشكلة نظام الحكم القائم تتمثل في كونه نظاما لا يعمل إلا لمصالحه الخاصة، فالسلطة القائمة تطورت إلى شبكات مصالح، تتحرك في كل مناطق البلاد، ” تستعمل الشعور الجهوي والشعور الديني والمصالح المالية لتوظيف الأشخاص، لذلك تحولت العصب (Clans) إلى شبكات مهيمنة على المجتمع” ([40]). وبناء عليه، فإذا رأينا ثورات شعبية وشباب يتظاهرون ضد السلطة وضد المسؤولين المحليين فإن الشبكات المحلية هي التي تتصدى لهم وتحرمهم من قطف ثمار ثورتهم، لأن هذه الشبكات هي التي تهيمن وهي التي عينت النواب والمنتخبين المحليين الذين أظهرت الأحداث أنهم يدافعون عن السلطة، ولا يمثلون الشعب ولا يعبرون عن طموحاته. وعليه، فالمجتمع يخضع لإرادة شبكات المصالح والموظفين وليس لقانون أساسي هو الدستور. فالمفروض في دولة القانون أن الدولة هي الحارسة للحريات والحق، ومن واجب الدولة أن تحدد حرية القوى حتى لا تحدد حرية الآخرين، ومن واجبها كذلك أن تفتح باب الحرية للضعيف حتى لا يهمش، وأن لا يتعرض للقمع والرقابة.

وحسب رأي مفكر عربي، أن الديمقراطية في أقطارنا العربية ليس لها من يحميها، ومن هنا تحولت إلى مزاج للحاكم، إذا حققت له ما يريد صفق لها، وإذا لم تتحقق النتائج التي حددها سلفا أجهضها، وبالتالي، فالديمقراطية في كل أنظمة الوطن العربي فاقدة الحماية ([41]).

وبطريقة فيها دعابة وسخرية ولكن بواقعية وتحليل دقيق للأوضاع الباهتة لدور الأحزاب السياسية في الجزائر، ادعىنفس المفكر أن الناس يعرفون أن السياسة لا علاقة لها بما يعيشونه، ولن يحصل ذلك إلا إذا تغيرت السياسة رأسا على عقب. إن عهد الثورات قد ولى ولم يترك لمجتمعاتنا سوى هامش للشغب ! وتأسف لظاهرة واضحة وهي أن المواطن الناخب لا دور له في عملية تغيير السياسات. ومعنى هذا أن من حق النواب وقادة الأحزاب أن يقولوا أن لا دور للمواطن في مكانتهم الاجتماعية المرموقة، وهم بالتالي ليسو ملزمين بتبني همومه، ولكنهم ملزمون بالدفاع عن الجهات التي جعلت منهم ساسة ومسؤولين. مثلا، في سنة 2006 كان لحزب جبهة التحرير الوطني الأغلبية في المجلس الشعبي الوطني (199 مقعد من جملة 389، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي 47 مقعد فقط) ولكن رئيس الحكومة ليس من جبهة التحرير الوطني ! إنه من حزب التجمع الوطني الديمقراطي. هذا أمر عجيب، لأن المنطق يفرض أن تكون رئاسة الحكومة من نصيب الحزب الذي له الأغلبية في البرلمان، لكن الواقع يختلف عن نظريات الديمقراطية المألوفة، لأن الدستور الحالي، أي دستور 1996، يسمح لرئيس الجمهورية أن يختار رئيس الحكومة من أي حزب، وحزب جبهة التحرير الوطني تخلى عن حق تعيين رئيس حكومة منه ([42]). والشيء الملاحظ هنا أن الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني السيد عبد العزيز بلخادم قد أغتاظ في سنة 2003 عندما أعلن علي بن فليس أن حزب جبهة التحرير الوطني يعتبر نفسه حزب معارضة للرئيس بوتفليقة، وردّ بلخادم في جواب مقتضب على تصريح بن فليس: كيف يمكننا أن نتحول إلى حزب معارض ونحن نملك الأغلبية في مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني !! ([43]).

ولعل أحسن توضيح حول موضوع الانتخابات نجده في مقال للمحامي المرموق مقران آيت العربي الذي كان في يوم من الأيام الرجل الثاني في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي يرى أن الانتخابات في الجزائر تخضع لقوانين تضعها السلطة قصد البقاء في الحكم وتتم عن طريق ترشيحات تتحكم فيها قيادات الأحزاب وكبار الشخصيات في مجال المال والأعمال، سواء عن طريق التزوير أو الاتفاق المسبق الصريح أو الضمني بين السلطة وقيادات الأحزاب حول الحصص (أو الكوطات)، وكل هذه الوسائل مجتمعة في ” النظام الانتخابي” الجزائري، ولا يمكن التوصل إلى جميع هذه” التقنيات” في عملية انتخابية واحدة إلا بفضل” عبقرية” السلطة والأحزاب ([44]).

وعليه، إذا كانت الانتخابات وسيلة من وسائل ممارسة الديمقراطية، فإنها صارت في بلادنا، بعد ” تجربة طويلة” وسيلة للبقاء في السلطة مع إشراك قيادات بعض الأحزاب في حكومات متعاقبة للحصول على حصتها من الريع البترولي، بدلا من مشاركتها في السلطة الحقيقية لمحاولة التغيير ([45]).

وفي تحليل آخر، يرى لحسن جاب الله، الذي يملك خبرة كبيرة في مجال الإعلام والاتصال، واكتسب مهارات لا تقدر بثمن من خلال ممارساته في وزارة الإعلام والثقافة تم إشرافه على إدارة الإعلام بالرئاسة في عهد الرئيس ليامين زروال، أن الأحزاب السياسية غير قادرة على استعمال التقنيات الجديدة للاتصال والتواصل مع الناخبين ولذلك هناك لامبالاة وعدم اهتمام المواطنين بالحملات الانتخابية. كما أن المشكل، في رأيه، يكمن في غياب تأطير سياسي للشباب وتسليم المشعل لهم. وهناك قناعات عند بعض الناخبين، في رأيه، بأن الانتخابات البرلمانية هي مسابقة توظيف لشغل مناصب برلمانية أو للهاربين من العدالة الباحثين عن الحصانة. كما أن هناك قناعة عند نسبة كبيرة من المواطنين رسختها المعارضة بأن لعبة الانتخابات محسومة مسبقا وأن التزوير سيكون لا محالة ([46]).

وفي نفس السياق، أعلن رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في خطاب له بمدينة سطيف في شهر ماي 2012 بمناسبة ذكرى مجازر 8 ماي 1945 أن الوقت قد حان لنقل المشعل إلى الشباب الجزائري وتمكينه من المشاركة في الانتخابات التشريعية وتحمل مسؤولية قيادة البلاد. وبكل صراحة قال بوتفليقة أن جيل الثورة ” طاب جنانو” ودعي الشباب إلى تحمل المسؤولية، وشدد على ضرورة صون الأمانة، وهي كلمات كان لها تأثير كبير في نفوس المواطنين الذين فهموا من خطاب الرئيس أن ” الشباب فقد الثقة في المسؤولين الحاليين ([47]).

كما ركز الرئيس بوتفليقة في خطابه الشهير بسطيف على الشفافية في الانتخابات التشريعية المقررة في 16 ماي 2012 وخاصة بعد تعيين قضاة في اللجنة الوطنية للإشراف على الانتخابات التشريعية، وإفساح المجال لأحزاب سياسية جديدة تسعى لتجنيد الشباب وضمه إلى صفوفها. وأشار الرئيس بوتفليقة في هذا الخطاب إلى مشكل التدخل الأجنبي والظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم العربي فقال: ” أنا واثق بأن شباب الجزائر الذي تخرج بالملايين من المدرسة الجزائرية، الواعي والمتفتح على عالم المعرفة الحديثة وتكنولوجية الاتصال، المدرك لتحديات العولمة ومخاطرها سيتصدى لمن يتربص بالبلاد شرا، وواثق بأنه سيتصدى لدعاة الفتنة والتفرقة وحسابات التدخل الأجنبي” ([48]).

نستخلص من ما تقدم، أن الأحزاب السياسية في الجزائر لا تملك برامج انتخابية ذات مصداقية، والناخب، بصفة عامة، يصوت على الشخص الذي يحظى بإعجابه وليس على البرنامج الذي سطره الحزب. وبطبيعة الحال، لا يخفى على أي إنسان أن حزبي السلطة: جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، بالإضافة إلى حركة مجتمع السلم في عهد أبو جرة سلطاني الذي تم استبداله سنة 2012 بالطبيب عز الدين مقري، كانوا يشكلون التحالف الرئاسي ويقومون بتنفيذ برنامج الرئيس عيد العزيز بوتفليقة بدلا من برامجهم الانتخابية ! ومعنى هذا، التخلي عن مبادئ الأحزاب التي التزموا بها أمام قواعدهم الحزبية والالتزام بتوجيهات وتعليمات رئيس الدولة الذي أنهى مهام السيد أحمد أويحي في سبتمبر 2012 وأحجم عن مساعدته عندما أطاحت به قيادات حزب التجمع الوطني الديمقراطي في سنة 2013. كما أن عبد العزيز بلخادم تم إقصاؤه من الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني وتبخرت أحلامه في الترشح للرئاسة عام 2014. وباختصار، أن الأمناء العامين للتحالف الثلاثي تم طردهم من أحزابهم التي كانت تسير في فلك الرئاسة.

إن مشكلة كل حزب في الجزائر تتمثل في الانفراد بالسلطة، والابتعاد عن البرنامج الخاص بكل حزب، وانتشار الفساد والاعتماد على ” الشكارة” لشراء الذمم بقصد الحصول على المراتب الأولى في الانتخابات التشريعية، بالإضافة إلى قطع الصلة بالمنظمات الجماهير وقواعدهم في الولايات، وتفشي المحسوبية والمحاباة في اختيار المسؤولين داخل مختلف أجهزة هذه الأحزاب ([49]).

وإذا صدقنا الأخبار التي تنشر في الصحف اليومية، فإن مرشحي الأحزاب في الانتخابات التشريعية، يلهثون وراء المال والحصانة النيابية والحصول على امتيازات اجتماعية وليس تمثيل المواطنين في السلطتين التشريعيتين. وحسب دراسة منشورة في الشروق اليومي بتاريخ 13 ماي 2012، فإن النائب يحصل على مرتب شهري لا يقل عن 000 350 دينار جزائري، يدخل فيها 000 120 دينار جزائري من أجل السكن على أساس أن النائب يستأجر سكنا لائقا في مدينته، وتمنحه الدولة كذلك 000 80 دينار جزائري للطعام خلال نشاطاته في ولايته، ويدخل في راتبه أيضا 000 50 دينار جزائري للحصول على هاتف نقال. كما يسمح القانون للنائب أن يحصل على منحة أو سلفة من دون فوائد تصل إلى 000 150 دينار جزائري يسددها بطريقة مريحة. وفي حالة تنقله إلى الخارج في مهمة عمل يتحصل النائب أو النائبة على مبلغ مالي بالعملة الصعبة تتراوح بين 1500 و3000 أورو. ولعل أكبر ميزة يحصل عليها البرلماني هي الحصانة البرلمانية التي يسيل لها لعاب النواب وخاصة رجال المال والأعمال حيث تمنحهم قانونيا عدم متابعتهم بجنحة القذف خلال العهدة الانتخابية. إن البطاقة البرلمانية التي يحصل عليها النائب، يكتب عليها اسمه ولقبه وصورته والدائرة الانتخابية التابع لها وأمد العهدة الانتخابية المقدرة بخمس سنوات، أي بالنسبة للبرلمانيين الحاليين إلى غاية 2017، مع العلم أن نساء البرلمان بلغ عددهن 145 امرأة في انتخابات 2012 بعد أن كان الرقم 30 امرأة في المجلس السابق ([50]).

الانتخابات التشريعية يوم 30 ماي 2002

قائمة الأحزاب التي حصلت على مقاعد عدد الأصوات النسبة المقاعد
1.    حزب جبهة التحرير الوطني 2,632,705 % 35,52 199
2.    التجمع الوطني الديمقراطي 630,241 % 8,50 48
3.    حركة الإصلاح 746,884 % 10,08 43
4.    حركة مجتمع السلم 573,801 % 7,74 38
5.    الأحرار 789,492 % 10,65 29
6.    حزب العمال 355,405 % 4,80 21
7.    الجبهة الوطنية الجزائرية 234,530 % 3,16 08
8.    حركة النهضة 265,495 % 3,58 01
9.    حزب التجديد الجزائري 162,308 % 2,19 01
10 . حركة الوفاق الوطني 139,919 % 1,89 01

المجموع :    389نائب

 المصدر: القائمة منشورة في صحيفة الخبر يوم أول جوان 2002

عدد المسجلين: 13,981,042 عدد الأوراق الملغاة:876,342
عدد الناخبين: 8,287,340 عدد الأصوات المعبر عنها:7,410,998
نسبة المشاركة:%46,09 نسبة الامتناع:%54
عدد المقاعد في البرلمان:389  

 

الانتخابات التشريعية يوم 17 ماي 2007

قائمة الأحزاب التي حصلت على مقاعد عدد الأصوات النسبة المقاعد
1.      حزب جبهة التحرير الوطني 1,315,686 %34,96 136
2.      التجمع الوطني الديمقراطي 591,310 %15,68 61
3.      حركة مجتمع السلم 552,110 %6,68 52
4.      الأحرار 569,986 %8,48 33
5.      حزب العمال 291,312 %6,68 26
6.      التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية 192,490 %4,88 19
7.      الجبهة الوطنية الجزائرية 239,563 %3,34 13
8.      الحركة الوطنية من أجل الطبيعة والنمو 114,767 %1,80 07
9.      حركة النهضة 194,067 %1,29 05
10 . حركة الشبيبة والديمقراطية 132,268 %1,29 05
11. التحالف الوطني الجمهوري 126,444 %1,03 04
12. حركة الوفاق الوطني 122,501 %1,03 04
13. حزب التجديد الجزائري 103,238 %1,03 04
14. حركة الإصلاح الوطني 144,880 %0,77 03
15. حركة الانفتاح 143,936 %0,77 03
16. الجبهة الوطنية للأحرار من أجل الوئام 112,321 %0,77 03
17. عهد 54 129,300 %0,51 02
18. الحزب الوطني للتضامن والتنمية 119,353 %0,51 02
19. الحركة الوطنية للأمل 99,179 %0,51 02
20. التجمع الوطني الجمهوري 84,348 %0,51 02
21. التجمع الجزائري 100,079 %0,26 01
22.الجبهة الوطنية الديمقراطية 78,865 %0,26 01
23. الحركة الديمقراطية والاجتماعية 51,219 %0,26 01
عدد المسجلين: 18,446,627 نسبة المشاركة:%35–
عدد الناخبين: 8,014,594 نسبة الامتناع:%65–
عدد الأوراق الملغاة:991,610 عدد الأصوات المعبر عنها:7,022,984
عدد المقاعد في البرلمان:389  

Source : El-Watan du 19 mai 2007 المجموع: 389 نائب

 

 

الانتخابات التشريعية يوم 16 ماي 2012

قائمة الأحزاب التي حصلت على مقاعد عدد الأصوات النسبة المقاعد
1.      جبهة التحرير الوطني 1, 324,363   221
2.      التجمع الوطني الديمقراطي 557,037   70
3.      تكتل الجزائر الخضراء 475,049   47
4.      جبهة القوى الاشتراكية 118,275   21
5.      الأحرار 694,190   19
6.      الجبهة الوطنية الجزائرية 198,544   09
7.      الحركة الشعبية الجزائرية 232,776   07
8.      الفجر الجديد 165,600   06
9.      الحركة الوطنية للتضامن والتنمية 132,492   05
10 . جبهة التغيير 114,372   04
11. عهد 54 173,981   04
12. التحالف الوطني الجمهوري 120,201   03
13. الجبهة الوطنية للعدالة الاجتماعية 109,331   03
14. الحركة الوطنية الاجتماعية 140,223   03
15. التجمع الجزائري 114,481   03
16. التجمع الجمهوري 117,549   02
17. الحركة الوطنية 114,625   02
18. حزب المستقبل 174,253   02
19. حزب الكرامة 129,427   02
20. حزب الوطنيين الأحرار 115,631   02
21. حزب الشباب 102,663   02
22.حزب النور الجزائري 48,948   02
23. حزب التجديد الجزائري 115,018   01
24. الجبهة الوطنية للأحرار 101,000   01
25. الحركة الوطنية من أجل الوئام 107,000   01
26. حركة الانفتاح 116,384   01
عدد المسجلين: 21,348,664 نسبة الامتناع :%57,1
عدد الناخبين : 9,056,178 عدد المقاعد في البرلمان:462
عدد الأصوات المعبر عنها:7,549,059 نسبة المشاركة :%42,9
عدد الأوراق الملغاة :1,507,668 تركيبة البرلمان: رجال: 317 (%61,68) النساء: (%39,31)

المصدر: النهار، 16 ماي 2012                                                             المجموع: 462

 

 

وزيادة على ما تقدم فإن النواب الذين انتهت عهدتهم يحصلون على منحة نهاية العهدة البرلمانية والتي تعادل 12 شهرا للنواب المشاركين في العهدة البرلمانية السابقة. أما النواب الجدد في سنة 2012، فإن كل نائب منهم ( وهم 462 نائب ونائبة) يحصلون على منحة التنصيب التي تقدر بـ 000 700 دينار جزائري وهي خاصة بتسديد نفقات الإيواء واللباس والنقل للنواب الجدد ([51]).

وبالنسبة للثلث الرئاسي في مجلس الأمة، فقد لاحظ الناس يوم 3 سبتمبر 2012، أي يوم تشكيل حكومة عبد المالك سلال أن الرئيس قام بمكافأة الوزراء الذين فشلوا في مهامهم الوزارية في حكومة أحمد أويحي، كما يقول عبد الله جاب الله، وقام بتعيينهم نوابا بمجلس الأمة! وأشار السيد عبد القادر بوجوراس، عضو المكتب السياسي لحزب الجبهة الوطنية الذي يرأسه تواتي، إلى ” أن مجلس الأمة تحول إلى مجلس لمكافأة أشخاص قاموا بمهام محددة لصالح السلطة ” بينما كان من المفروض أن يكون مجلس الأمة ممثلا لنخبة المجتمع ويتوفر على خبرة أبناء الوطن من الوجوه المثقفة ([52]).

إنه لمن الواضح أن السلطة التشريعية في الجزائر تعتبر بمثابة سلطة مساندة لرئيس الحكومة وليس مخول لها رقابة أعمال السلطة التنفيذية. لقد أثار هذا الموضوع نائب في المجلس الشعبي الوطني سنة 2008، لكن رئيس المجلس أجاب النائب نور الدين آيت حمودة بأن إدارة المجلس تلقت تعليمات من رئيس الحكومة السيد عبد العزيز بلخادم بأن لا توجه أسئلة النواب إلى رئيس الحكومة سواء كانت كتابية أو شفهية وإنما يقتصر توجيه الأسئلة إلى السادة الوزراء. وهذا معناه حرمان النواب من ممارسة الرقابة على أعمال الحكومة، وهذا يتعارض مع المادة 133 من الدستور التي تنص على أنه يمكن لأعضاء البرلمان استجواب الحكومة في إحدى قضايا الساعة، ولا فرق في ذلك بين وزير ورئيس الحكومة([53]).

كما تلتجئ السلطة التنفيذية إلى التشريع بأوامر ما بين دورتي البرلمان في ملفات تعد من صلاحيات المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة. إن المبالغة في التشريع بأوامر يدل على هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وعدم وجود فصل بينهما. كما أن هذا الأسلوب المتمثل في التشريع بأوامر، يحرم البرلمانيين من مناقشة الملفات الكبرى، ويمنعهم من تعديل بعض المواد لأن البرلمان يقتصر دوره في حالة التشريع بأوامر على المصادقة على ما وقعه الرئيس فقط ([54]).

الفساد يؤزم الوضع

المشكل في السياسات الجزائرية هو أن الأحزاب السياسية ليس لها برامج انتخابية وليس لها توافق أو اتفاق على خطط سياسية توحد المواطنين بحيث أنه يمكن لأي شخص أن يؤسس حزب ويجمع الأنصار حوله، ثم طلب الاعتماد من وزارة الداخلية وعقد جمعية عامة لتزكيته والدخول في الحملات الانتخابية. غير أن الزعامة الحزبية تظهر عارية عندما يتضح لاحقا أن نقص الأموال لتمويل الحملات الانتخابية واعتماد القادة على المناصرين في الأحزاب بدلا من الاعتماد على الكفاءات هي العناصر الرئيسية لضعف الحكومات وتمرد المواطنين عليها.

وحسب مدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط، حسني عبيدي، فإن رئيس الدولة منذ 1999 حاول بجميع الوسائل توسيع الدائرة الحاكمة لإدخال قوى جديدة تكسر الاحتكار الأمني والعسكري للقرار السياسي والاقتصادي. وبمعنى آخر، فإن رئيس الجمهورية الذي يعتمد على 3 أحزاب تشكل التحالف الرئاسي، يسعى ” لتوسيع رقعة النافذين وتنويع مراكز صنع القرار تمهيدا لتفكيك الحلقة الأقوى وهي المؤسسة الأمنية” ([55]).

إن الحكم الفردي والاعتماد على المؤيدين والأنصار وعدم وجود خطط موحدة للمواطنين، هي التي تحول الأحزاب إلى مقاولات سياسية للربح السريع. إن حزب جبهة التحرير الوطني يحصل على 10 ملايير سنتيم من 248 نائب في الغرفتين ( 40 مليون سنتيم عن كل نائب تدفعها الدولة للحزب)، وتتدعم خزينة حركة مجتمع السلم بـ 2 مليار سنتيم، تأتيها من خزينة الدولة ( لأن تكتل الجزائر الخضراء يتمتع بوجود 51 نائب في الغرفتين). واعترف السيد قاسة عيسى، المكلف بالإعلام في جبهة التحرير الوطني، أن أصحاب المال مرحب بهم في الحزب ومن لا يستطيع دفع المال للحزب عليه أن لا يتقدم للترشح ([56]).

وفي يوم 13 ديسمبر 2009، كشفت الصحافة الوطنية أن الرئيس عيد العزيز بوتفليقة أمضى على تعليمة موجهة لرئيس الحكومة آنذاك السيد أحمد أويحي، عبر فيها عن قلقه الشديد من ارتفاع مؤشرات الفساد في كثير من القطاعات. وأوضح الرئيس في الوثيقة التي تحمل رقم 13، أن الحكومة مطالبة بمجموعة من الإجراءات المستعجلة في إطار الوقاية من الرشوة ومحاربتها. وتتلخص تعليمات رئيس الجمهورية إلى رئيس حكومته في ضرورة       ” معالجة مؤشرات الفساد كظهور علامات سريعة على ثراء الموظف “، وطلب الرئيس بوتفليقة من رئيس حكومته أن يركز على ” تحيين الإجراءات القانونية الخاصة بالتصريح بالممتلكات لكل أعوان الدولة…إن التصريح بالممتلكات إجراء يجب أن يطبق على كل الإطارات المتواجدين في كل المستويات ويجب على الإطار التصريح بممتلكات زوجته وأبنائه، وأن يقدم مبررات لأي تطور في ممتلكاته الفردية والعائلية” ([57]).

وبإيجاز، فإن التصريح بالممتلكات مفروض قانونيا على كل المسؤولين، بمن فيهم رئيس الجمهورية، وكلهم مطالبون بالكشف عن ما يملكون لدى الرئيس الأول للمحكمة العليا والسلطات مطالبة بنشر ممتلكاتهم في الجريدة الرسمية، لكن لا أحد منهم يخضع لهذا الإجراء.

وقد أولت التعليمة الرئاسية أهمية كبيرة للصفقات العقارية حيث طالب رئيس الجمهورية رئيس حكومته بالتحكم فيها ” لأنها تحمل ميزة حساسة كونها تسمح بتبييض الأموال غير الشرعية”. وقد أمر الرئيس وزيره الأول بتعزيز مراقبة العمليات المصرفية والتهرب الجبائي التي اعتبرها ” آفة تغذي الفساد وتضعف الدولة” ([58]). وتضمنت التعليمة رقم 13 تعليمات عن ضرورة إعداد قوانين جديدة لتقوية إجراءات التصريح بالمداخيل، ” الهدف منها محاربة الأدوات التي تخفي الاقتصاد الموازي والتهرب الجبائي والتي تشجع النشاطات غير الشرعية”. وطالب الرئيس بوتفليقة الحكومة بالإسراع في اتخاذ تدابير معينة على الصعيد المؤسسي، أهمها إقامة الديوان الوطني لمحاربة الفساد الذي استحدث في نوفمبر 2006 وتكون مهمته، حسبما وضحته التعليمة، إعداد سياسة وقائية من الرشوة على الصعيد المحلي والصعيد الدولي. وطالب رئيس الحكومة بـ ” تعزيز عمل الدولة عن طريق إنشاء ديوان مركزي لقمع الرشوة كأداة يتم تفعيلها في الميدان مما يسمح بمضاعفة جهود ردع جرائم الفساد بطرق قانونية “. كما أمر بوتفليقة السيد أحمد أويحي بتجديد تشكيلة خلية معالجة المعلومات المالية التي أنهت عهدتها، وبضرورة تنشيط دور مجلس المحاسبة والمفتشية العامة للعمل والبنك المركزي بخصوص محاربة الفساد.

ومن جهته، اعتبر رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) محمد العربي خليفة ولد في خطاب له يوم 6 جويلية 2013 أمام نواب المجلس خلال الجلسة الختامية للدورة الربيعية للبرلمان أن ” نهب أموال الشعب جريمة لا تغتفر” وأكد أن القضاء الذي يتمتع بالاستقلالية هو المؤسسة الوحيدة للفصل في التحقيق والاتهام، داعيا إلى عدم تسييس الفساد أو تحزيبه([59]).

وفي الحقيقة توجد مؤسسات وآليات لتطبيق القوانين الخاصة بمحاربة الفساد والرشوة، غير أن هذه المؤسسات شبه مشلولة ولا تحرك ساكنا. وقد حاول الرئيس ليامين زروال تفعيل مجلس المحاسبة في سنة 1995 إلا أن محاولته باءت بالفشل. ولهذا قرر في 2 جويلية 1996 إنشاء المرصد الوطني لمراقبة الرشوة. وحسب المرسوم الذي أصدره الرئيس ليامين زروال، فإن الغاية من إنشائه هي مكافحة الرشوة والشفافية على التعاملات الاقتصادية وذلك من خلال جمع المعلومات عن الراشين والمختلسين وتقديم ملفاتهم إلى السلطة القضائية لمحاسبتهم. إلا أن عدم استقلالية السلطة القضائية واستفحال نفوذ الشخصيات القوية وتداخل السلطات بين المؤسسات الحكومية حالت دون تطبيق النصوص القانونية الواردة في الرسوم الرئاسي الخاص بالمرصد الوطني لمراقبة الرشوة. ولذلك قرر رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة حل المرصد الوطني لمراقبة الرشوة يوم 12 ماي 2002.

وفي نفس السياق، أنشأ الرئيس ليامين زروال بموجب مرسوم رئاسي وسيط الجمهورية وهو مؤسسة رقابية مستقلة تراقب الرقابة الخارجية على أعمال الإدارة وتسييرها وتحافظ على حريات وحقوق المواطنين. وتعتبر السويد، حسبما يقول رجال القانون، هي الدولة الرائدة في تأسيس هذا النظام الرقابي الذي أطلقت عليه اسم ” الأمبودسمان ombudsman ” وهي تجربة رائدة في هذا المجال عمرها 192 سنة، وما تزال السويد تسير بهذا النظام إلى اليوم. وللأسف الشديد فإن هذه التجربة في الجزائر دامت 3 سنوات فقط، حيث قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بإلغائه بمرسوم رئاسي صدر يوم 2 أوت 1999 ([60]). ويقال أنه فشل ولم يجب إلا على  %46 من طلبات المواطنين.

وفي يوم 20 فبراير 2006 أصدر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مرسوما جديدا رقم 06-01 مؤرخ في 20 فبراير 2006 يتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، جاء فيه ضرورة ” إلزام الموظف العمومي بالتصريح بممتلكاته ” (المادة4). يشمل هذا التصريح بالممتلكات في بداية التعيين في المنصب وعند نهاية الوظيفة، رئيس الجمهورية، أعضاء البرلمان، رئيس المجلس الدستوري وأعضائه، رئيس الحكومة وأعضائها، رئيس مجلس المحاسبة، محافظ بنك الجزائر، السفراء، القناصلة والولاة، القضاة. إن المسؤولين المذكورين أعلاه ملزمون بالتصريح بممتلكاتهم أمام الرئيس الأول للمحكمة العليا وتنشر قوائم الممتلكات في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية خلال الشهرين (2) المواليين لتاريخ تسلم المهام أو تاريخ انتخاب المعنيين (المادة 6).

وفي تقييم شامل عن آثار ونتائج العمل بقانون الوقاية من الفساد ومكافحته، أعلن فاروق قسنطيني في تقريره لرئيس الجمهورية سنة 2013 ” أن الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومحاربة الرشوة التي يرأسها إبراهيم بوزبوجن مشلولة تماما وغير موجودة تقريبا… وقد تطلب الأمر 4 سنوات لتنصيبها” ([61]). وأكد قسنطيني في تقريره أن الدولة ” تملك نزعة أيجابية في مكافحة الفساد، ومع ذلك كل شيء يبعث على الاعتقاد بأن الفساد تحول إلى مؤسسة قائمة بذاتها”. وزعم قسنطيني أن الدولة أظهرت إرادة سياسية لمكافحة هذه الآفة، غير أنها مطالبة بوضع آليات وطنية رقابية وقمعية بطريقة واعية وجادة. وباختصار، فقد جاء في التقرير الذي يشمل 202 صفحة والموجه لرئيس الجمهورية، أنه يمكن اعتبار الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد والديوان المركزي لقمع الفساد، مؤسستين ولدتا ميتتين في المهد لأن الواقع يثبت تفاقم آفة الفساد.

إن المشكل، في رأي رئيس اللجنة الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان، يكمن في عدم وجود قضاء مستقل يتمتع بصلاحيات قوية، وعدم وجود شخصيات نزيهة لقمع الفساد. لقد أكد السيد قسنطيني وأعضاء اللجنة التي أعدت التقرير أن أعضاء هيئة بوزبوجن لا تتوفر فيهم هذه الميزة، مع أن السلطات راعت في اختيار أعضائها السبعة شروط المصداقية والنزاهة، مع العلم أن هؤلاء الأعضاء تم تعيينهم للمهمة بمرسوم رئاسي([62]).

وأبرز، فاروق قسنطيني في تقريره تناقضات سلطة العدالة في الجزائر والأداء الشاحب للقضاة الجزائريين. إن القضاة يتمتعون بسلطات غير محدودة أمام المواطن العادي، بينما سلطتهم في غاية التواضع أمام الشخصيات ذات النفوذ المادي والسياسي والإداري. وبالتالي، فإن هيبة القاضي تبدأ وتنتهي عند المواطن البسيط، بينما تنعدم أمام أصحاب النفوذ ([63]). وزعم قسنطيني أن هناك ظلم وأن المتهمين يواجهون محنة لا نهاية لها على مستوى إحدى هيئات الطعن وهي المحكمة العليا. فالتقارير تشير إلى أن رئيس المحكمة العليا قدور براجع يملك مستشارين تسند إليهم معالجة الملفات حسب قدراتهم الشخصية. غير أن الملفات العالقة مكدسة على مستوى المحكمة العليا بشكل يفوق الخيال، وتقدر بالآلاف ([64]). وحسب تقرير منظمة ” شفافية دولية” الصادر بألمانيا في سنة 2012، فقد أدرجت الجزائر في المرتبة 105 في مؤشر الدول الأكثر فسادا في العالم، بينما جاءت تونس في المرتبة 75 والمغرب 88 ([65]).

 

الايجابيات والسلبيات في السياسات الجزائرية

في مطلع القرن الواحد والعشرين

عندما دعمت قيادة الجيش الوطني الشعبي في أفريل 1999 المرشح للرئاسة السيد عبد العزيز بوتفليقة، كان الهدف من ذلك هو الاستفادة من خبراته ومهاراته في مجال السياسة الدولية، بالإضافة إلى انتمائه إلى الشرعية الثورية وتفهمه الكبير للسياسة التي كان ينتهجها الرئيس هواري بومدين الذي كان يتصف بالقيادة النزيهة والإخلاص في خدمة الوطن. وفي العهدة الانتخابية الأولى (1999-2004) كان هناك هامش كبير من التفاهم بين الرئيس والداعمون له في قيادة الجيش، وبفضل هذا الانسجام تمكنت الجزائر من تشتيت الجماعات الإرهابية وسيطرت القوات الأمنية على معاقل الإرهاب واستتب الأمن في المدن الكبيرة بعد أن تعهدت الدولة بالعفو عن الجماعات المسلحة التي تلتزم بقوانين الوئام المدني والمصالحة الوطنية فيما بعد.

وكيفما كان الحال، فإن سياسات الرئيس عبد العزيز قد نجحت في تحقيق الأهداف المرسومة بنسبة كبيرة وذلك بفضل ارتفاع دخل البترول من 56,12 مليار دينار جزائري في سنة 1999 إلى 1792,80  مليار دينار جزائري سنة 2010. إن هذا التزايد الهائل للثروة في الجزائر قد ساعد الجزائر على بناء الطرقات السريعة، بناء المستشفيات، بناء المساكن، توفير التعليم للتلاميذ والطلبة في كل المستويات ودفع الديون الخارجية التي تجاوزت 33 مليار دولار أمريكي.

وحسب الإحصائيات المنشورة في سنة 2013، فإن الدولة الجزائرية توفر لحوالي  1,3 مليون طالب في الجامعات مقاعد بيداغوجية ومنح دراسية لـ   809,015 (%71,2) طالب وطالبة. ويؤطر هؤلاء الطلبة 48,101 أستاذ/باحث، منهم  13,011 أستاذ من ذوي الرتب العالية، أي 4,284 أستاذ تعليم عالي، 5,023 أستاذ محاضر صنف”أ” 4,135 أستاذ محاضر صنف “ب”. وحسب بيانات وزارة التعليم العالي فإن معدل التأطير الوطني تقدر بـ: أستاذ لكل 24 طالب ([66]).

كما أن الثروة البترولية للجزائر قد تم توظيفها في العلاقات الخارجية بحيث تمكنت القيادة الجزائرية من إقامة علاقات وطيدة مع فرنسا والولايات الأمريكية. فبالنسبة لفرنسا، أقامت الجزائر مع فرنسا تعاونا وثيقا في مجال بيع النفط إلى فرنسا والدول الأوروبية عامة التي تعتمد على %15 من الغاز الجزائري. ونظرا لتوفر فائض مالي لدى الجزائر، سارعت الشركات الأوروبية لغزو السوق الجزائري والمشاركة في المناقصات الدولية لبناء المساكن والمستشفيات والجامعات.. أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تحرص على استقرار الجزائر وتوفير الأمن والحماية للاستثمارات الأمريكية في النفط الجزائري، فإنها أصبحت من أكثر الدول تدعيما للقيادة الجزائرية.

إلا أن سياسات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد تعرضت لعدة نكسات وارتباكات بعد مرضه في سنة 2005، ودخوله في مواجهات مع القطب الإستئصالي في الدولة الجزائرية. فالمرض أجبر الرئيس على تخفيف تنقلاته في الداخل والخارج، وانشغاله بصحته ومعالجة نفسه، واعتماده على عناصر من الموالين له ولكن تنقصهم الخبرة والكفاءة المهنية. ولهذا انتشرت عمليات الفساد والاختلاسات المالية وتدمر الناس من الفضائح الاقتصادية في الجزائر. إن فضيـــحة ” الخليفة ” للطيران والبنك، كلفت الاقتصاد الجزائري خسارة تقدر بـ400 13 مليار سنتيم([67]). وبالتواطؤ مع مسؤولين كبار، استطاع عبد المؤمن خليفة أن يخدع المواطنين والمؤسسات الوطنية ويستولي على أموالهم في وضح النهار، واشترى أسطولا يتكون من 21 طائرة، وبلغ عمال شركة ” الخليفة” 000 13 عاملا ورقم أعماله 2000 مليار دولار، ويمشي محروسا بـ 18 حارسا ([68]). كما اندهش الجزائريون من فضيحة مالية أخرى ألحقت ضررا كبيرا بالاقتصاد الجزائري والمتمثلة في نهب أموال البنك الوطني الجزائري (BNA) من طرف عبد الرحمان عاشور الذي اختلس 32 مليار دينار جزائري، وفي يوم 5 جوان 2009 حكمت عليه محكمة سيدي أمحمد بالجزائر العاصمة حضوريا بـ 18 سنة سجنا.

إن فضائح “سونطراك” التي كشفتها إدارة المخابرات الجزائرية وإدارة المفتشية العامة للمالية منذ 15 جويلية 2006 هي التي ضربت سمعة الجزائر الدولية في العمق، خاصة وأن الخزينة الجزائرية تحصل على %98 من مداخيل الدولة من العملة الصعبة. ونتيجة لفضائح الفساد في مجموعة السوناطراك أضطر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى عزل أو إبعاد خليل شكيب، المسؤول الأول عن قطاع المحروقات في الجزائر منذ 1999 إلى غاية ماي 2010، وتعويضه بالسيد يوسف يوسفي في التغيير الوزاري الذي جرى يوم 28 ماي 2010. لقد كشفت تقارير المفتشية العاملة للمالية (التابعة لوزارة المالية الجزائرية) أن المسؤولين في سوناطراك، مثل شكيب خليل وزير الطاقة والمناجم ومحمد مزيان المدير العام للشركة البترولية تعاملوا بطريقة غير شرعية وغير قانونية مع شركات أجنبية وخالفوا قانون الصفقات المالية في قضايا تخص اللجوء إلى شركات المناولة، تضخيم التكاليف، تزوير الفواتير، التهرب الضريبي وشراء لوازم وتجهيزات مكلفة من موردين أجانب بقيم مبالغ فيها تصل إلى 60,287 مليون دينار جزائري فيما يخص سوناطراك، و 125 مليون دينار جزائري تخص وزارة الطاقة. وقد بلغ عدد الصفقات غير القانونية بسوناطراك وحدها 27 مشروعا بقيمة 125 مليار و 450 مليون دينار جزائري، يضاف إليها 24 صفقة أخرى تخص قطاعات أخرى بقيمة إجمالية تقدر بـ 185 مليار و 712 مليون دينار جزائري ([69]).

ولعل الشيء الغريب في مسلسل الفساد في قطاع المحروقات هو ملف “كيلوغ براون أند روث ” الأمريكية التي وقعت فيها اختلاسات مالية كثيرة و تم حلها في ظروف غامضة. غير أنه بعد حلها من طرف الوزير شكيب خليل، وتحويل جميع مشاريع “كيلوغ براون أند روث” إلى شركة “سايبام الجزائر ” التي فازت وفي ظرف قياسي بمشاريع تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار في ظرف 3 سنوات، وهي التي كان دفتر طلبيتها في الجزائر لا يتجاوز 30 مليون دولار إلى غاية عام 2006 . وقد فتحت النيابة العامة تحقيقات في موضوع الاختلاسات يوم 10 فبراير 2013 ، ووعد الوزير يوسف يوسفي أعضاء المجلس الشعبي الوطني بعدم التسامح مع أي شخص يثبت تورطه في قضايا الفساد التي هزت مجموعة سوناطراك بعد فتح تحقيق في إيطاليا حول عمولات تلقاها مسؤولون جزائريون لتسهيل حصول مجموعة “إيني” الايطالية على صفقة بقيمة 11 مليار أورو ([70]).

وفي قطاع وزارة الأشغال العمومية، تعرض مشروع الطريق السيار إلى اختلاسات ونهب للمال العام، فقد اعترف مسؤول كبير متورط في الفساد المالي بأنه استفاد من 10 ملايير سنتيم بالعملية الوطنية و30 مليون دولار بالعملة الصعبة بفضل مساهماته في تدليل الصعاب أمام المجتمع الصيني المشرف على انجاز أجزاء من الطريق السيار([71]).

وإذا كان للسياسات العامة في الجزائر ايجابياتها وسلبياتها، فإن أكبر سلبية يمكن الإشارة إليها هنا هي تعديل الدستور وإلغاء المادة 74 من الدستور 1996 التي كانت تنص على تحديد العهدة الرئاسية بـ 5 سنوات، وخمس سنوات أخرى في العهدة الثانية ، لكن لا يحق لأي مترشح للرئاسية لعهدة ثالثة. فالرئيس الذي كان يعاني من المرض منذ 2005، وسنه تجاوز71 سنة، أصر على إصدار القانون رقم 63 المؤرخ في 16 نوفمبر 2008 والذي بموجبه، بعد موافقة المجلس الدستوري والبرلمان بغرفتيه، تم تعديل المادة 74 بحيث صارت كالتالي: “مدة المهمة الرئاسية 5 سنوات يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية ” ([72]). كما نصت المادة 77 من هذا القانون على حق الرئيس تعيين رئيس الحكومة وإنهاء مهمته في أي وقت يشاء !.

وإذا كان الاستئصاليون وخاصة القادة العسكريون الهاربون من الجيش الفرنسي الذين التحقوا بالثورة قد ساهموا بقدر كبير في وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، وتمكينه من فرض نفوذه واستئثاره بالقرارات السياسية الحاسمة، فإن نفوذ هؤلاء الضباط قد تقلص في العهدة الثانية لرئيس الجمهورية. لقد قالها الرئيس بوتفليقة مرارا وتكرارا بأنه لا يريد أن يكون ثلاثة أرباع الرئيس وأنه مصمم على استرجاع جميع سلطاته الرئاسية، مثلما كان هواري بومدين. وبالفعل فقد استقوى بإبعاد اللواء العربي بلخير من الرئاسة في سنة 2005 وقام بتعيينه سفيرا في الرباط، ونجح في إقالة اللواء العماري قائد الأركان في عام 2004، وإرسال الجنرال التواتي إلى التقاعد الذي التحق بالجنرال خالد نزار، وتلاهم اللواء إسماعيل العماري الذي غيبه الموت يوم 28 أوت 2007. إن اختلافهم مع الرئيس بشأن برنامج الرئيس للمصلحة الوطنية وبسط نفوذهم في مؤسسات الدولة منذ وصول الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الحكم واعتراضهم على تعيين أي شخص عسكري لا يخدم توجهاتهم السياسية والأمنية والاقتصادية، كانت معروفة لدى جميع الجزائريين. واعتمد الرئيس بوتفليقة على الدهاء والمناورة ونجح نسبيا في استرجاع السلطات والصلاحيات التي منحها الدستور لرئاسة الجمهورية بدون أن تحصل مصادمات ومناوشات مكشوفة بين الرئيس بوتفليقة وكبار المسؤولين في الجيش، مثلما حصل مع الرئيس بوضياف والرئيس ليامين زروال الذي فضل تقليص عهدته الرئاسية والانسحاب من الساحة السياسية في سنة 1998، والرئيس الشاذلي بن جديد الذي اجبر على الاستقالة في جانفي 1992.

وفي شهر ماي 2013 كشفت وسائل الإعلام الجزائرية عن إحدى الخطط المخفية لوجود جهاز أمني أنشأته وزارة الداخلية في سنة 2003 بقصد جمع المعلومات وتحليلها والتصدي لأية مجموعة أمنية تشوش على الرئاسة الجمهورية أو أية مجموعة من المواطنين المناوئين لسياسات رئيس الجمهورية. ولم يتعرف الناس على وجود “المركز العملي الوطني للمساعدة على القرار” الذي تم استحداثه في سنة 2003 من طرف وزير الداخلية والجماعات المحلية آنذاك، يزيد زرهوني، الرجل القوي في منظومة الحكم سابقا، إلا يوم 28 ماي 2013، وذلك عندما صدر مرسوم تنفيذي يحمل رقم 13-156، مؤرخ في أفريل 2013 يتضمن حل المركز المذكور أعلاه. ولم تعلن السلطات الرسمية حتى الآن عن تاريخ شروع المركز في العمل ولا اسم مديره. وبمعنى آخر أن الناس لم يتعرفوا على وجود هذا المركز الأمني إلاّ يوم إلغائه ! واتضح من خلال صلاحياته أن مختلف أجهزة الأمن كانت مطالبة برفع المعلومات إليه أثناء الأزمات وهي : الشرطة والدرك. وبهذا المعنى، تعاظمت سلطة الوزير الداخلية الموالى للرئيس واتسعت لتطال مجالات أجهزة أمنية أخرى. ويبدو أن سبب إلغائه في سنة2013 بأن أجهزة أمنية أخرى أقلقها وجود هذا المركز فمارست الضغط لإلغائه. وبينت وسائل الإعلام أن وزير الداخلية الذي تم استبعاده من هذا المنصب في ماي 2010، كان يبحث عن جمع المعلومات الحساسة عن ما يجري في البلاد ووضعها تحت تصرفه لكي يستفيد منه جناحه وجناح الرئيس([73]).

إنه لمن الواضح أن مشكل الوفرة المالية وسخاء الدولة مقارنة بالأزمات الاقتصادية التي مرت بها الجزائر منذ 1962، قد تسبب في رفع القدرة الشرائية وتهافت الناس على العقار والسيارات وتحويل الأموال إلى الخارج بطريقة غير قانونية. فالإحصاءات المنشورة في الإعلام الجزائري يوم 14 جويلية 2013 تشير إلى اقتناء الجزائريين لـ 3500 فيلا وشقة بإسبانيا بأسعار تتراوح بين 35000 و300000 أورو. وبما أن البنوك الجزائرية لا تسمح بتحويل العملة الصعبة للخارج ، فإن هذا المؤشر يدل على وجود فساد مالي وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج والغش في المعاملات المالية ([74]).

وبالنسبة لسياسة التنمية الاقتصادية، فإن الجزائر لازالت تعاني من غياب نظرة واقعية وبعيدة المدى للتخلص من مبدأ الاعتماد الكلي على قطاع المحروقات لتوفير 98% من واردات الجزائر في مجال العملة الصعبة. فالمؤسسات الخدماتية تعاني من قلة التنظيم وصعوبة الحصول على السيولة المالية الكافية، والقطاع الخاص لازال مهمش ولا ينتج بما فيه الكفاية. وقد أكد الخبير الدولي محمد بهلول أن الجزائر تعاني من تأجيل أو تجميد أو تحويل كل القرارات الإستراتيجية في مجال الاستثمار، بسبب عدم وضوح الأفق مع كل ما يحمله ذلك من انعكاسات كارثية على الاقتصاد الوطني. وأكد المحلل الاقتصادي بأن الجزائر أكثر من أي وقت مضى، في أمس الحاجة لسلطة سياسية قوية بالنظر للرهانات المستقبلية الحالية وضرورة البت في عدة ملفات كبرى تهم الأجيال القادمة : كاستغلال  الغاز الصخري، انخفاض الطاقات التقليدية، استغلال الطاقات الشمسية وتطوير الطاقات البديلة والمتجددة ([75]).

إن النظام الرئاسي الجزائري مهمين على الساحة السياسية. فالسلطة التنفيذية هي التي تتحكم في آليات التنفيذ، وتعتمد على الجيش والقوات الأمنية، المدنية والعسكرية، وتملك الوسائل المادية الكافية لتنفيذ القوانين وحماية وجودها وحماية القوانين التي تطبقها على من يخرج عن القانون، بينما نلاحظ تغييب السلطة التشريعية وغياب السلطة القضائية. المفروض أن تساهم السلطات الثلاث في حماية الديمقراطية وحرية التعبير وتوفير العدل والمساواة. لكن النظام الرئاسي الفردي لا يحمي إلا نفسه ونظام حكمة ما دامت السلطة التشريعية والسلطة القضائية مغيبة. لقد أكد الأستاذ الكبير محند إسعد قبل وفاته أن “النظام المؤسساتي في أي بلد ،رئاسيا أو برلمانيا، لا يغير الأمور إلا إذا كان النظام يعمل في إطار احترام المؤسسات. ويمكن القول بأنه بحكم التجربة التي عاشها بلدنا منذ 1963، فإنه غير مستعد للنظام البرلماني،لأن ذلك يفترض أن يكون هناك برلمان يمارس صلاحياته، فهل برلماننا يمارس صلاحياته؟ “([76]).

نفهم من هذا أن المشكل ليس في تعديل الدساتير والمواثيق لأن هذه المواثيق والدساتير لا تعتبر إلا وسائل يستعملها الإنسان لتحقيق غايات معينة، وأن فاعليتها تبقى مرتبطة بمدى تمسك واضعها بها واحترامه لها، قبل الأشخاص المكلفين بتنفيذها ([77]). ولهذا فالنظام الرئاسي الفردي المغلق هو الذي يصبح فيه الرئيس هو المحور في كل شيء ما دامت السلطات متمركزة في مؤسسته. فالدستور مثلما قال فاروق قسنطيني “لا يكرس استقلال السلطة القضائية ” ولذلك لا يمكنها حماية الديمقراطية والعدالة والمساواة ([78]) إن انتعاش الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية يتطلبان توازن بين السلطات واقتسام المسؤوليات ومحاسبة من يخطئ (accountability) ووجود توافق اجتماعي (consensus) على مشاريع العمل في الدولة.

 

*) البريد الالكتروني : ammar.bouhouche@gmail.com

1) الخبر، 24 جانفي 2008.

[2] ) الحياة (اللندنية)، 18 أكتوبر 2008.

[3] ) Ben Ali Ben Zaghou, ‘’ je regrette que le rapport de la commission de reforme n’ait pas été rendu public ‘’ , El-Watan, Dimanche le 14 Avril 2013 P7.

 

[4] ) معمري بن عيسى، “ المصالحة الوطنية في الخطاب السياسي الجزائري 2004-2008م ” رسالة ماجستير، نوقشت بكلية العلوم

السياسية والإعلام، جامعة الجزائر (3)، 2011.

[5] ) نفس المصدر الآنف الذكر ونفس الصفحة.

[6] ) البوابة الرسمية لخمسينية استقلال الجزائر: www.djazair50.dz

[7] ) أنظر الموقع : مراسيم تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر.

1) Rachid Tlemcani , Election et élites en Algérie : paroles des candidats. Alger : chihab, 2003, p.224

[9] ) خالد نزار، بوتفليقة الرجل والحصيلة، الجزائر: دار النشر أبيك، 2003، ص 178.

[10] ) “مشروع ميثاق الميثاق من اجل السلم والمصالحة الوطنية” المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 55، الصادر بتاريخ 15 أوت

2005.

[11] ) الشروق اليومي، العدد الصادر يوم 23 سبتمبر 2005، ص3.

[12] ) معمري بن عيسى، ” المصالحة الوطنية في الخطاب السياسي الجزائري، 2004 – 2008 ” ، رسالة ماجستير نوقشت بقسم

العلوم السياسية، جامعة الجزائر (3) سنة 2011.

[13] ) معمري بن عيسى، ” المصالحة الوطنية في الخطاب السياسي الجزائري، 2004 – 2008 ” ، مذكرة ماجستير نوقشت بجامعة

الجزائر (3) 2011م، ص99-102.

[14] ) الخبر، العدد الصادر يوم 19 مارس 2006م.

[15] ) الحياة، أول افريل 2005م.

[16] ) الشروق اليومي، العدد الصادر يوم الأحد 6 ديسمبر 2006، ص3.

[17] ) نفس المرجع الآنف الذكر.

[18] ) اليوم، العدد الصادر يوم 20 أوت 2009

[19] ) شفيق مصباح، ” فات أوان الإصلاحات واستقرار البلاد صار على كف عفريت” ، الشروق اليومي، 18 جوان 2012، ص7.

[20] ) نفس المرجع الآنف الذكر.

[21] ) أحمد بن بيتور، ” بوتفليقة شخص تسلطي والأمة الجزائرية في خطر”، المحقق، العدد 131، العدد الصادر في 13-19 سبتمبر

2008.

[22] ) أحمد بن بيتور، “هكذا تعين الحكومات في الجزائر ” الشروق اليومي، العدد الصادر يوم 11 جوان 2012.

[23] ) الخبر الأسبوعي، العدد 119، الصادر في 12-17 جوان 2001.

[24] ) المحقق، العدد 105 الصادر في الفترة الممتدة من 15-21 مارس 2008.

[25] ) نفس المرجع الأنف الذكر.

[26] ) المحقق، العدد 105، 15-21 مارس 2008م.

[27] ) الشروق اليومي، 7 جوان 2012.

[28] ) الشروق اليومي، 5 جانفي 2013.

[29] ) نفس المرجع الآنف الذكر.

[30] ) الشروق اليومي، 3 جوان 2012.

[31] ) نفس المرجع الآنف الذكر.

  1) Hugh Roberts « le pouvoir executif est le veritable lieu de representation politique par des réseaux occultes » El-Watan, 8 juillet 2012, p.5

Le texte en Français:/ «  l’armée source du pouvoir comme tout le monde le sait. Le pouvoir politique est donc un pouvoir délègue. Les politiques en tant que catégorie de personnels ça signifie les civils, ils passent pour des auxiliaires. Ce sont en fait des chargés de missions ».

 

[33]) Inmaculada szmolka, « Algerian Prisidential Elections of 2004 : An analysis of power relashionships in political

system » Mediterranean Politics, Vol.11 N°.1 (march) 2006, p.47.

3) Revue El Djeich, 10 mars 2004.

[35] ) الشرق الأوسط، 26 مارس 2004.

[36] ) الحياة (اللندنية)، 8 جانفي 2004.

[37]) Inmaculada szmolka, «The Algerian Presidential Elections of 2004 : An analysis of power   Relationships in the political system » Mediterranean Politics, Vol.11 N°.1 (march) 2006, p.53.

[38] ) ” بوتفليقة يتولى مهام وزير الدفاع”، الخبر، العدد الصادر يوم 14 جويلية 2002.

[39] )  نفس المصدر الأنف الذكر.

[40] ) حمروش مولود، ” السلطة تعمل خارج المجتمع والحل في تغييرها” ، اليوم 9 أوت 2001.

[41] ) فريد عبد الكريم، في ” ندوة المستقبل العربي: التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية ” قام بتنظيمها مكتب دراسات الوحدة

العربية في القاهرة يوم 20 ماي 1993, ص 105.

 

[42] ) المحقق، جريدة أسبوعية، العدد 10، الصادر بتاريخ 21-27 ماي 2006.

[43] ) عبد العزيز بلخادم، ” هل يعقل أن نكون حزب الغالبية ويضعنا بن فليس في المعارضة؟، الحياة، 9 نوفمبر 2003.

[44] ) مقران آيت العربي، ” انتخبوا …انتخبوا…والباقي لا يعنيكم”، الخبر، العدد الصادر يوم 11 سبتمبر 2007.

[45] ) نفس المرجع الآنف الذكر.

[46] ) لحسن جاب الله، ” ناخبون يعتقدون أن الانتخابات مسابقة لتوظيف البرلمانيين “ـ الخبر 5 ماي 2012.

[47] ) الأحرار، رقم 4333 الصادر يوم 12 ماي 2012.

[48] ) الأحرار، 12 ماي 2012.

[49] ) شفيق مصباح، الشروق اليومي، 6 جانفي 2013.

[50] ) الخبر، العدد الصادر يوم 13 ماي 2012.

[51] ) النهار، العدد الصادر يوم 3 جويلية 2012.

[52] ) الشروق اليومي، العدد الصادر يوم 9 جانفي 2013.

[53] ) عاطف قدادرة، ” البرلمان يتخلى عن ممارسة الرقابة على الحكومة”، الخبر، العدد الصادر يوم 12 جويلية 2008.

[54] ) الخبر، العدد الصادر يوم الأحد 29 جويلية 2007.

[55] )  حسني عبيدي، ” وضع الجزائر الحالي شبيه بما عرفته تونس في نهاية حكم بورقيبة”، الخبر، العدد الصادر يوم 26 جوان

2013 ، ص2.

[56] ) ” الشكارة تحول الأحزاب إلى مقاولات سياسية للربح السريع”، الشروق اليومي، العدد الصادر يوم 25 نوفمبر 2012.

[57] ) ” الرئيس يأمر أويحي بإخضاع المسؤولين لمراقبة خاصة ومستمرة”، الخبر، العدد الصادر يوم 10 جانفي 2010.

[58] ) نفس المرجع الآنف الذكر.

[59] ) الشروق اليومي، العدد الصادر يوم 7 جويلية 2013.

[60] ) الشروق اليومي، العدد الصادر يوم 3 سبتمبر 2012.

[61] ) الخبر، العدد الصادر يوم 10 جويلية 2013.

[62] ) نفس المصدر الآنف الذكر.

[63] ) نفس المصدر الآنف الذكر.

[64] ) نفس المصدر الآنف الذكر.

[65] ) الخبر، العدد الصادر يوم 6 ديسمبر 2012.

[66] ) النهار، 8 جويلية 2013.

[67] ) الشروق اليومي، 20 فيراير 2007.

[68] ) الشروق اليومي، 23 جانفي 2007.

[69] ) منتديات النهار الجديد أون لاين، 10 ماي 2013.

[70] ) الجزائر اليوم ،24 فبراير 2013

[71] ) النهار ، 22 افريل 2013

[72] ) الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ، قانون رقم 08-19 مؤرخ في 15 نوفمبر 2008

[73] ) الخبر، 28 ماي 2013

[74] ) النهار الجديد ،14 جويلية 2013

[75] ) محمد بهلول “الجزائر في تيه اقتصادي منذ 15 سنة” الخبر ،26 جوان 2013

[76] ) الخبر الأسبوعي ،عدد 469 ،23-29 /02/2008

[77] ) سعيد بوشعير ،الخبر 27 ماي 2013

[78] ) الخبر، 10 جويلية 2013.

شاهد أيضاً

التعليم العالي في حاجة إلى تغيير نوعي

بقلم عمار بوحوش، أستاذ جامعي                                        مقدمة      لقد عايشت مسيرة التعليم العالي في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *