العمال المغتربـون ضحايـا الأزمـات (*)

بقلم : الدكتور عمار بوحـوش (**)

 

في يوم 19 فيفري 1976 أعلن رئيس وزراء فرنسا، آنذاك السيد جاك شيراك بأنه : ” ينبغي أن لا تكون في فرنسا أية بطالة، لأن هناك مليون عامل عاطل، بينما يوجد مليون وتسعمائة وظيفة في يد الأجانب “. وكان هذا التصريح بمثابة تأكيد وتدعيم للفكرة التي تبلورت في أذهان أعضاء مجلس أرباب العمل بفرنسا، حيث أوصى رئيس هذا المجلس الأخير الحكومة الفرنسية بضرورة ” تحريض العمال الفرنسيين على أخذ بعض الوظائف التي توجد بيد العمال الأجانب في الوقت الحاضر ” (1).

وبالفعل، فقد صدقت الشركات الفرنسية هذه التهمة الموجهة للعمال الأجانب، وبدأت تلفت انتباه العمال الغير الوطنيين بأنهم يسرقون، بطريقة غير مباشرة، قوت أبناء فرنسا. ومع أنه كان بإمكان السلطات الفرنسية أن تصارح الشعب الفرنسي بأن الكساد الإقتصادي هو ظاهرة عالمية، تسود جميع الدول الصناعية، وبأن العمال الأجانب ليسوا هم السبب في انتشار البطالة، ولكن الشيء الذي حصل هو أن السلطات الفرنسية عمدت إلى البحث عن الإجراءات الكفيلة بالتخلص من العمال الإفريقيين، والإستغناء عن خدماتهم بأية صفة كانت، ما دامت هناك حظوظ كبيرة لتعويضهم بعمال فرنسيين.

وعندما تقوم فرنسا بهذه الأعمال، فهي  تحاول أن تجعل من العمال الأجانب كبش الفداء، بحيث يدفعون ثمن أزمة اقتصادية لا دخل لهم فيها. كما أنها تتنكر، في الحقيقة، لذلك الجميل الذي أسداه العمال الأجانب للإقتصاد الفرنسي منذ عشرات السنين. ولعل وجود هؤلاء العمال الأجانب فوق الأراضي الفرنسية في يومنا هذا، إنما يعبر عن ذلك الدور الأيجابي، الذي قام به العمال الأجانب لإنعاش الإقتصاد الفرنسي، ويدل أيضا، على الأهمية الكبيرة التي يعطيها رجال الإقتصاد والسياسة في فرنسا إلى الطاقة البشرية الأجنبية، المسخرة لخدمة وتنمية مشاريع البناء، والتوسع الإقتصادي بفرنســا.

 

الجوانب المالية تطفي على الجوانب الإنسانيـة

 

       يستفاد من تصريحات بعض المسؤولين الفرنسيين أن الهدف من أيقاف الهجرة إلى فرنسا منذ يوم 3 جويلية 1974، هو عدم جلب بطالين جدد، ما دام يوجد بفرنسا عدد لا يستهان به من المتوقفين عن العمل. ويستفاد من الإحصائيات الفرنسية المنشورة في شهر جوان من عام 1977، أن عدد الأفراد الذين يبحثون عن عمل يقدر عددهم بـ 1.150.000، أي 5,2% من القوى الشغيلة القادرة على العمل(1).

وأكثر من ذلك، أعلن مسؤول فرنسي كبير يوم 28/07/1977 في حديث إلى صحيفة ” لوموند ” بأن فرنسا تخشى قيام اضطرابات اجتماعية في البلاد، وذلك إذا لم تتوفق الحكومة في دمج العمال الأجانب بالمجتمع الفرنسي، أو لم تحقق نوعا من التوازن الإجتماعي بين جميع فئات المجتمع الفرنسي. وزعم السيد ” بول ديجو ” الذي كان يعتبر هو المسؤول الأول في الحكومة الفرنسية عن مصير العمال الأجانب
(سنة 1976)، بأن اضطرابات اجتماعية حادة ستشهدها فرنسا في المستقبل، وهذا في حالة عدم نجاح حكومة السيد ” ريموند بار ” التغلب على الأزمة الإقتصادية، وإسناد الوظائف الجديدة إلى حوالي 80.000 من العمال الفرنسيين العاطلين(2).

ثم إن رجال الصناعة في فرنسا قد استغلوا الكساد الإقتصادي لكي يمارسوا ضغوطا معنوية على العمال المغتربين. فقد أوضح أحد العمال الجزائريين في حديث لمراسل ” لوموند ” في العدد الصادر بتاريخ 17/07/1977، بأن إدارة المصنع الذي يشتغل فيه قد قامت (في سنة 1976) بتخفيض راتبه البسيط، إلى الحد الأدنى الذي يسمح به القانون، ثم أعطته الإختيار بين قبول هذا الراتب، أو التخلي عن منصبه، أو العودة إلى بلاده. وقد قبل العامل الجزائري أن يبقى في وظيفته، لأنه كما قال : ” لي أسرة، ومن واجبي أن أوفر لها العيش، مع العلم بأنني واثق أن العمال الفرنسيين لن يقبلوا القيام بالعمل الذي أقوم به “(1).

كما أن رجال الأعمال يسببون إزعاجات كبيرة للعمال المهاجرين، تتمثل، بصفة خاصة، في إجبارهم على العودة إلى بلدانهم، قبل أن يصلوا إلى سن التقاعد بسنوات معدودة، ولعل أحسن مثل نسوقه لتوضيح هذه الظاهرة، ما قاله أحد المسؤولين الفرنسيين لعامل جزائري أراد أن يأخذ عطلته السنوية في شهر أوت، حيث قال له المسؤول الفرنسي : ” لا يمكنك أن تأخذ عطلتك في هذا الشهر، لأنه مخصص للفرنسيين فقط “(2).

وفي يوم 28 سبتمبر 1977، أعلن كاتب الدولة المكلف بالعمل اليدوي في وزارة العمل الفرنسية، أن الحكومة قررت أيقاف العمل بالقانون الذي يسمح لزوجات العمال الأجانب، وأطفالهم أن يلتحقوا برب الأسرة، الذي يعمل في فرنسا، كما أن الحكومة الفرنسية مستعدة لمنح 70.000 فرنك فرنسي كتعويض لكل عامل مهاجر يوافق على العودة إلى وطنه الأصلي.

وفي نفس اليوم، أي 28 أكتوبر 1977، قامت السلطات الفرنسية بإتخاذ إجراءات جديدة، تدخل في إطار تشديد القيود على العمال الأجانب، وإجبار أكبر عدد ممكن منهم على مغادرة الأراضي الفرنسية. وحسب التعليمات الجديدة التي أعطيت للشرطة، ووكالات الحكومة المتخصصة في تشغيل العمال، فإنه لن يسمح لعائلات العمال المغتربين أن يلتحقن بالعامل المهاجر، الذي يشتغل بفرنسا، وذلك لمدة ثلاث سنوات. كما تقرر أن تعرض فكرة التعويضات من الآن فصاعدا، على جميع العمال المهاجرين الذين اشتغلوا في فرنسا لمدة 5 سنوات أو أكثر (3). ومعنى هذا، أن العلاوة التي تقدر بـ 10.000 فرنك فرنسي تعطي للعاطلين عن الشغل، الذين تريد أن تتخلص منهم فرنسا، وتقدم أيضا، لأولئك الذين يشتغلون، لكن لا يرون مانعا في العودة إلى بلدانهم، وترك وظائفهم بفرنسا. المهم، هو أن فرنسا تتمكن، بأية صفة كانت، أن تتخلص من أكبر عدد ممكن من العمال المهاجرين.

والواقع أن خطة تشجيع العمال الأجانب على العودة إلى بلدانهم، مقابل تعويض مالي يقدر بـ 10.000 فرنك فرنسي، هي عبارة عن حيلة، استعملت للتخلص من العمال المغتربين. فقد أوضح السيد روني لومي « René Lomet » الكاتب العام لشؤون الهجرة بالكونفدرالية العامة للعمال، بأن العامل الذي يبعد أو يطرد من وظيفته وله أربعة أطفال، وزوجة لا تشتغل، يستطيع أن يحصل على تعويض مالي لا يقل عن 19.000 فرنك فرنسي جديد (1).

وبعبارة صريحة، فإن حكومة السيد ” ريموند بار ” تحاول أن تتكلم بلغتين مختلفتين إلى الشعب الفرنسي من جهة، وإلى العمال المغتربين من جهة أخرى. فبالنسبة للشعب الفرنسي، تريد قيادته الحالية، أن تعطي فكرة لجميع المواطنين الفرنسيين الذين سيدلون بأصواتهم الإنتخابية، سواء في معركة اختيار النواب الجدد بالجمعية الوطنية، أو في معركة اختيار رئيس الجمهورية، بأن العمال الأجانب هم الدخلاء الذين زادوا في حدة الأزمة الإقتصادية التي تتخبط فيها فرنسا. ولتدعيم هذه الحجة، إلتجأت وزارة المالية الفرنسية إلى نشر بيانات دورية عن العجز في ميزان المدفوعات الفرنسية. وحسب المعلومات الواردة في الوثائق المنشورة، فإن العجز في ميزان المدفوعات في سنة 1976 قد بلغ 27.5 مليار فرنك جديد
(أي 5,5 مليار دولار) (2).

والواقع هو ان نسبة التحويلات المالية للعمال الأجانب لا تتجاوز 3% من مجموع الأموال المحولة للخارج، إذ لا تزيد قيمة الأموال التي يبعث بها العمال إلى عائلاتهم عن 10 مليارات من الفرنكات سنويا(3).

 

أما بالنسبة للغة التي تستعملها السلطات الفرنسية مع العمال الأجانب، فإنها تتلخص في إثارة ضجة حولهم، وجبرهم على مغادرة الأراضي الفرنسية، وعودتهم إلى بلدانهم، لخلق أزمات اجتماعية، وسياسية، وإقتصادية هناك، بدلا من البقاء في فرنسا، والتسابق مع العمال الفرنسيين على الوظائف الشاغرة. ومع أن السلطات الفرنسية حريصة على عدم استعمال كلمات نابية، تمس كرامة العمال بصفة مباشرة،

جنسيات العمال الأجانب بفرنسا

في أول جانفي 1977

 

البرتغاليـــون 882.541
الجزائريـــون 803.986
الإيطاليـــون 552.298
الإسبــانيــون 13.791
المغاربـــة 347.984
التـونسيــون 174.486
البولانـديــون 82.329
اليوغوســلافيــون 79.199
البلجيكيـــون 64.498
بقية دول السوق الأروبية المشتركة 98.231
من دول إفريقيا الســوداء 94.431
لاجئـــون 98.860
جنسيـات أخــرى 412.602
المجمــــوع 4.205.303

 

 

فإنها تقول للعمال الأجانب بأن فرنسا ليست في حاجة إليكم في الوقت الحاضر، بعد أن قمتم بتشييد اقتصادها، وساهمتم في انقاذها من الخراب، والدمار، الذي حدث بها عقب الحرب العالمية الثانيــة.

والغريب في الأمر، أن نجد السلطات الرسمية تتذرع بهذه التبريرات الواهية، في حين أن العام والخاص يعلم بأن البطالة مست العمال الأجانب أكثر مما مست غيرهم، فيكف يتهمون، إذا، بإحداثها ؟ وإذا كانت فرنسا تعاني من التضخم المالي، أليس العمال الأجانب هم الذين تضرروا منه، بحيث صار من الصعب عليهم الإدخار، وإرسال أي نصيب لعائلاتهم، وقوتهم الشرائية قد ضعفت بشكل رهيب ؟.

وزيادة على كل ما تقدم، فإن الإحصائيات الفرنسية نفسها تثبت أن طرد العمال الأجانب لن يحل أزمة البطالة. فطرد 250.000 من العمال الأجانب لن ينتج عنه سوى ملء 80.000 وظيفة فقط من تلك الوظائف التي كان يوجد بها العمال الأجانب.

وإذا كانت فرنسا تشتكي من كثرة السكان الأجانب، فإن وجود 77% من العمال الأجانب بفرنسا في سنة 1977 لم يتغير إطلاقا بالنسبة لما كان  عليه في سنة 1931، حيث كانت توجد بفرنسا نسبة 7.7 من العمال الأجانب (1) .

كما أن الإحصائيات الفرنسية تؤكد أن 92% من العمال الأجانب يقومون بأعمال بسيطة، والعمال الفرنسيون لا يقبلون القيام بها لأسباب صحية.

وبخصوص تحويلات العمال الأجانب إلى بلدانهم، فإن الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن نسبة تحويل العملة الفرنسية من طرف العمال المغتربين إلى عائلاتهم قد انخفضت بشكل ملحوظ في النصف الأول من سنة 1977، لكن نسبة العجز في ميزان المدفوعات الفرنسية، ارتفعت بما لا يقل عن 4 مليارات من الفرنكات الجديدة(2).

وخلاصة القول، حول الإزعاجات التي تسببها السلطات الفرنسية للعمال الأجانب، أنه من العار على أي مجتمع متحضر أن يتنكر لتلك المجموعات البشرية، التي ساهمت في بناء صرح الإقتصاد الفرنسي في أيام المحن والشدائد، ويدير ظهره لهؤلاء الناس الناشطين في فترة الكساد الإقتصادي، التي تعم جميع دول العالم في
يومنا هــذا.

إن العمال الذين تحاول السلطات الفرنسية طردهم، والتخلص منهم بأية صفة كانت، هم الذين صنعوا سيارة من جملة 4، وشيدوا عمارتين من جملة 4، وبنوا كيلومترا من كل 3 كيلوميترات في الطرقات الفرنسية(1).

وبدون شك، فإن الضغوط التي تمارس على العمال المهاجرين لكي يرحلوا عن فرنسا، ستنتج عنها خسائر كبيرة لا تعوض بالنسبة للعمال المغتربين. فالعمال الذين يتحتم عليهم التخلي عن وظائفهم بصفتهم أجانب يخسرون :

1) تكوينهـم المهنــي.

2) المنــح العائليــة.

3) الضمــان الإجتماعي.

4) حــق التقاعــد.

 

المصاعب الإقتصادية لا تحلها المضايقات

 

لعله قد اتضح من خلال التحليل الدقيق للأحداث الإجتماعية، بأن فرنسا، مثل بقية دول العالم، تعاني الآن من كساد اقتصادي لا دخل للعمال المهاجرين فيه، ومن غير المعقول أن يدفعوا ثمن أزمة اقتصادية عادية لم يتسببوا فيها.

وتمشيا مع هذا المنطق، قررت السلطات الفرنسية في عام 1975 تخصيص أموال صغيرة لتدريب العمال المهاجرين، وتمكينهم من اجادة بعض المهن الفنية، وبذلك يتسنى لهم العودة إلى بلدانهم، وملء المناصب التقنية الشاغرة هناك. وحسب الخطة التي وافقت عليها الحكومة الفرنسية، فقد تكفل ” صندوق العمل الإجتماعي ” بتوفير 50% من الأموال المخصصة للتدريبات المهنية، ثم تتولى وزارة الخارجية
أو قسم التعاون مع الخارج تمويل المشروع بنسبة 30%، والنسبة الباقية التي هي 20% تأتي من أموال صندوق التكوين المهني. لكن في النهاية، لم يستفد من هذه المزايا سوى 300 عامل، كلف كل واحد منهم الحكومة الفرنسية حوالي 60.000 فرنك جديد. وفي عام 1977 تقرر إعطاء فرص التدريب لحوالي 500 عامل آخر، (أي ثلث العدد المفروض تدريبه). لكن التجربة قد اعتبرت فاشلة، لأن الأموال المخصصة لهذا المشروع غير كافية ولا تفي بالغرض. وبناءا على ذلك، فإن الحكومة الفرنسية هي التي تتحمل مسؤولية فشل هذه الخطة، وليس العمال.

أما بالنسبة للإقتراح الذي تسعى الحكومة الفرنسية لتطبيقه، والمتمثل في إجبار 100.000 أو 150.000 من العمال الأجانب على العودة إلى بلدانهم، حتى يتسنى للمواطنين الفرنسيين العثور على أماكن عمل شاغرة، فإن هذا الحل لن يؤدي إلى تسوية مشكلة البطالة في الأمد القريب، أو البعيد.

لقد دلت تجربة ألمانيا الغربية، أن انخفاض نسبة العمال الأجانب من 11,6% في أكتوبر 1973 إلى 9,7% في منتصف 1976، وذهابهم إلى بلدانهم لم يقلل من نسبة البطالة، بل على العكس من ذلك، ارتفعت بعد مغادرتهم (1)، ثم أن الإحصائيات الفرنسية نفسها، تؤكد أن من بين 1.000.000 عاطل وعاطلة عن الشغل بفرنسا، توجد 550.000 امرأة لا تملكن المؤهلات التي تسمح لهن القيام بأعمال معينة. (2)

ومع أن حملة التخلص من العمال المهاجرين شاملة، ولا تقتصر على فئة معينة، فإن الصحافة الفرنسية تعطي انطباعات لقرائها بأن البلد النامي الوحيد الذي يستطيع استيعاب أكبر عدد من عماله المهاجرين هو الجزائر (3). هل معنى هذا أن تقدم الجزائر يسمح لفرنسا أن تجبر عددا كبيرا من العمال الجزائريين على العودة إلى بلادهم بأية صفة كانت ؟ إن هذا التبرير لا يمكن قبوله، لأنه من حق كل عامل أن يقرر مصيره بنفسه، ويتحمل، بالتالي، مسؤوليته الكاملة، تجاه عائلته، وعمله في المستقبل.

وكل ما في إمكان الجزائر أن تعمله في إطار تسهيل عودة العمال إلى بلادهم، هو تشجيعهم على الإستقرار في وطنهم، ومنحهم العديد من المزايا المتمثلة في نقل الأدوات والأثاث إلى بلدهم، وذلك بإعفائهم من الضرائب الجمركية. ثم أن الجزائر كانت قد خطت خطوات شاسعة في هذا الميدان، إذا تشير بعض الإحصائيات إلى أن 60.000 من العمال المهاجرين الذين دخلوا البلاد في سنة 1976 قد استقروا نهائيا في أرض الوطن. كما أن 75.000 من جملة 500.000 من العمال الذين قدموا إلى أرض الوطن خلال صيف 1977، قد يمكثون بالجزائر ولا يرجعون إلى فرنسا(1).

إن عودة العمال المغتربين إلى بلدهم بصفة طبيعية يمكن أن تتم بدون التجاء السلطات الفرنسية إلى القيام بضغوط شديدة على العمال الذين كانوا دوما وراء إنعاش الإقتصاد الفرنسي. لقد لاحظت خلال صيف 1977، أن العدد الكبير من العمال المهاجرين يعيشون في قلق نفسي لا مثيل له. ومن جملة الأسباب التي جعلتهم ينظرون إلى وضعيتهم المتدهورة نظرة تشاؤمية، نخص بالذكر العوامل الآتية :

 

1) المعاناة من قلة الدخل، وذلك بسبب اشتغالهم بقطاعات اقتصادية لا تتطلب مهارات فنية.

 

2) غلاء المعيشة، وارتفاع نسبة التضخم، بحيث لم يعد في إمكان العامل أن يحول أي نصيب مالي إلى عائلته بالجزائر، لأن دخله الشهري أصبح لا يكفيه لتغطية نفقات إقامته بمفرده في فرنسا(2).

 

3) صعوبة العثور على أية وظيفة أخرى، في حالة ما إذا انخفضت نسبة أرباح الشركات التي يعمل بها العمال، أو أعلنت عن إفلاسها.

 

 

4) بعض العمال الذين وقع تسريحهم من الشغل لا يستطيعون أن يسجلوا أنفسهم في قائمة العاطلين عن الشغل، لأنهم يخشون أن تطردهم فرنسا (1). وقد أكد هذه الحقيقة أحد العمال الذين حدثت لهم هذه المشكلة، إذ أوضح أنه لا يحصل على القوت، إلا من خلال البحث عن الفضلات في المزابل أثناء الليــل. (2)

 

5) بما أن العامل المهاجر يوفر الغذاء الضروري لنفسه في فرنسا، ولعائلته بالجزائر، فهو لا يستطيع أن يدخر أي شيء من راتبه المتواضع. فلو توقف عن الشغل وعاد إلى بلده، ماذا يكون مصير أسرته التي يتوقف مصيرها على الأجر الشهري الذي تتقاسمه مع العامل ؟ ثم هل من السهل العثور على عمل مماثل لذلك الذي كان يقوم به في دار الغربة ؟ وأكثر من ذلك، ما هي نسبة حظه في العثور على سكن ملائم ؟؟!.

 

6) أن العمال يتساءلون : ما هو القصد من المناورات الرامية لإغراء العمال بقبول مكافأة مالية، تقدر بـ 10 آلاف فرنك، مقابل الموافقة على مغادرة الأراضي الفرنسية بصفة نهائية ؟ إن العدد الكبير من العمال يتعجبون : ” كيف يمنحون 10 آلاف فرنك عن الخدمات التي أسدوها إلى الإقتصاد الفرنسي لمدة عشرات السنين ؟ إنها جائزة مزيفــة ” (3).

 

 

خاتمـــة :

 

       إن حقوق العامل المغترب بأوروبا أصبحت مهضومة، وعلى الدول المشاركة في ندوتي هلسنكي، وبلغراد، والتي تعهدت بإحترام حقوق الإنسان أن تلتزم بهذه السياسة داخل حدودها. وبما أن فرنسا تعتبر من الدول الموقعة على اتفاق هلسنكي، فإنه يتحتم عليها أن تحترم حقوق العمال الأجانب، الذين صرفوا طاقة شبابهم في خدمة وانعاش الإقتصاد الفرنسي، ثم فجأة وجدوا أنفسهم فئة مطرودة وغير مرغوب في إقامتها بالبلد المضيف.

وأكثر من ذلك، فإنه من غير اللائق أن لا تتدخل السلطات الفرنسية، وتتخذ الإجراءات الصارمة، ضد أولئك الذين يسيئون إلى العمال المغتربين، ويعتدون عليهم في وضح النهار. فهذه التصرفات الطائشة تتنافى مع الموقف الذي اتخذه رئيس الجمهورية الفرنسية نفسه، السيد جيسكار ديستانغ في شهر أفريل من عام 1975، عندما صرح خلال زيارته للجزائر، قائلا :

” إننا نولي أهمية كبيرة، كما تعلمون، لوجود جالية جزائرية كثيرة العدد، تعمل في بلادنا، وتساهم في تنمية اقتصادنا. وقد أصبح تفهم الشعب الفرنسي لإنشغالاتها المشروعة، وحاجياتها، يزداد يوما بعد يوم. إن حكومتي تنوي استخدام كل الوسائل اللازمة، لكي تضمن لتلك المجموعة البشرية، الكرامة، والطمأنينة، وأيضا، لتعمل
بعدئذ على أن يكون العمال قادرين، إذا آن الأوان، على أن يساهموا في تنمية
بلدهــم “(1).

وإذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد أفتى في شهر أكتوبر من عام 1977، بأنه ليس من حق الحكومة الفرنسية أن تصدر المرسوم المتعلق بمنع عائلات وأبناء العمال المغتربين من الإنضمام إلى رب الأسرة، الموجود بفرنسا، فهذا يؤكد اعتراض سلطة قضائية عليا بفرنسا على الإجراءات الغير إنسانية، التي تتخذها السلطات السياسية، ضد العمال المغتربين.

 

وبدون شك، فإن التصرفات الفردية، واتخاذ الإجراءات الضارة بالعمال من الجانب الرسمي، هي التي تسببت في إلتجاء العمال الأجانب إلى النضال، بقصد جلب أنظار أبناء المجتمع الفرنسي، إلى المشاكل الأليمة التي يعانون منها. فبعد أن خابت آمال العمال الأجانب في المنظمات اليسارية، وفي السلطات الرسمية، قرر زعماء جاليات العمال الأجانب، عدم دفع ثمن الكراء للشركة الفرنسية
” سوناكوترا SONACOTRA ” التي تملك وتسير عمارات العمال الأجانب.

والهدف من هذه الحركة، هو مقاومة الظلم المسلط على العمال المغتربين من طرف بعض المسؤولين في المؤسسات الحكومية، بحيث يقررون رفع أثمان الكراء بدون مراعاة لظروف العمال، وتوفير العيش لأنفسهم في بلاد الغربة، ولعائلاتهم في أرض الوطن.

وبدلا من أن تتفهم السلطات الفرنسية ظاهرة عدم الرضاء عن القرارات الإرتجالية، قامت بإلقاء القبض في سنة 1976 على 16 من العمال المغتربين وأمرت بطردهم، منهم 8 ينتمون إلى الجزائر. وأثناء التحقيق في قضايا عدم دفع الإيجار، اتضح أن مدير إحدى العمارات الكبرى، هو من أصحاب الأقدام السوداء، وبأنه يمقت عمال أبناء شمال إفريقيا. وخلال إجتماع عام بالعمال، توجه ذلك الأروبي الذي كان يوجد بالجزائر، إلى العمال الأفارقة وقال لهم : ” إنه من الصعب التعامل مع الجزائريين وأنني أعرفهم جيدا خلال الحرب “. وفي اجتماع آخر قال نفس الشخص : ” إنني أحب أبناء الجزائر، وأفهمهم.. ولكن عمال أفريقيا السوداء هم عبارة عن حيوانــات “(1).

من كل ما تقدم، يتضح أن المشاكل لا تحل عن طريق سوء المعاملة والإساءة إلى العناصر التي ساهمت ولازالت تساهم في نهضة فرنسا بل تحل عن طريق الحوار، والتفهم لقضايا العمال المغتربين. إن حرمان العمال من أبسط حقوقهم، وعدم احترام كرامتهم، لا يقبلها أي شعب يعتبر نفسه عريقا في الحضارة، وأحد المدافعين عن حقوق الإنسان. والشيء الذي ينبغي أن لا يخفى عن الأذهان، هو أن الهجرة تركة من تركات عهد الإستعمار، تسعى الجزائر حاليا، لمحو آثارها. وتمشيا مع هذه الخطة، فقد تقرر إيقاف الهجرة إلى فرنسا منذ شهر سبتمبر 1973 واتخذت جميع الإجراءات الضرورية لتسهيل عودة العمال المغتربين إلى بلدهم الجزائــر.

 

 

 

 

(*) دراسة منشورة بمجلة الثقافة، العدد 41، (أكتوبر – نوفمبر)، 1977، ص 101-112.

(**) أستاذ بجامعة الجزائر

(1)  Jean Benoit, Le Monde, Numéro du 18 Juin 1977.

(1)  The International Herald Tribune, July 14, 1977

(2)  Jean Benoit, Le Monde, du 28 Juillet 1977.

(1)  Le Monde, du 17 Juin 1977.

(2)  Le Monde, du 18 Juin 1977.

(3)  Le Monde, du 28 Juin 1977.

(1)  El-Moudjahid, du 9 Juin 1977.

(2)  The International Herald Tribune, March 15, 1977.

(3)  Le Monde, du 19-20 Juin 1977.

(1)  Le Monde Diplomatique, N° 282, September 1977, p 9.

(2)  Le Monde, du 19-20 Juin 1977.

(1)  Le Monde, du 19-20 Juin 1977.

(1)  Le Monde, du 19-20 Juin 1977.

(2)  Jonathan Kandell, The New York Times, July 11, 1977.

(3)  Le Monde, du 19-20 Juin 1977.

(1)  El-Moudjahid, du 9 Juin 1977.

(2) سعدي بزيان، الشعب، العدد الصادر يوم 27/08/1977.

(1) تزعم السلطات الفرنسية أنه كان يوجد بفرنسا يوم 31 مارس 1977 ما يقارب 106.543 من العمال المغتربين العاطلين عن الشغل، منهم : 37.400 من الجزائر، (لكن العدد الذي يتلقى تعويضات من الحكومة الفرنسية
لا يتجاوز 15.918)، 12.245 من البرتغال، 11.963 من المغرب، 11.268 من دول السوق الأروبية المشتركة، 8.777 من إسبانيا، 7.958 من تونس، 6.458 من دول إفريقيا السوداء، 2.299 من يوغوسلافيا، و9.175 من جنسيات مختلفة (وردت هذه الإحصائية في صحيفة ” لوموند ” الفرنسية، في العدد الصادر بتاريخ 19-20 جوان 1977).

(2)  Jean Benoit, Le Monde, du 17 Juin 1977.

(3) من أروع الدراسات التي نشرت حول هذه النقطة، تلك التي نشرتها جريدة ” الشعب ” في عددها الصادر بتاريخ 27/08/1977 للأخ سعدي بزيان.

(1)آفاق عربية “، عدد 61 (مارس – أفريل) 1976.

(1)  Jams F. Clarity « Militancy Grips Foreign Workers in France », The International Herald Tribune, May 11, 1976.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *