المغرب العربي وصعوبات التحول السياسي الجزائر لا تملك برنامجا اقتصاديا يغري المستثمر الأجنبي*

 

من واشنطن: د. عمار بوحوش**

 

في الفترة الممتدة من 23 إلى 26 نوفمبر 1991 عقدت جمعية دراسات الشرق الأوسط بالولايات المتحدة وكندا مؤتمرها السنوي بفندق الهيلتون بالعاصمة الأمريكية، واشنطن، وحضر هذا اللقاء الدولي الهام ما يزيد عن 2000 أستاذ وباحث وخبير في قضايا شمال إفريقيا والشرق الأوسط وإيران وتركيا. وخلال أربعة أيام، تطرق الأساتذة المختصون إلى جميع القضايا التي تتعلق بالعالم العربي والعالم الإسلامي من سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وذلك في إطار برنامج هذا اللقاء الدولي الذي برزت فيه عدة مجموعات عمل متخصصة في مواضيع دقيقة ومحددة. ومن المواضيع الشيقة التي حظيت باهتمام كبير في هذا اللقاء العلمي:

  • الحاكمون والمحكمون في الشرق الأوسط
  • التمرد والمقاومة
  • القضايا الساخنة في المغرب العربي
  • التصوف في الاسلام والمناخ السياسي
  • القانون والمجتمع
  • عدم استعمال العنف كبديل عند المقاومة الفلسطينية
  • الأساليب الحديثة لتدريس اللغة العربية.
  • العلاقات بين اللغة العربية المعاصرة والفكرانكوفونية.
  • الديمقراطية في العالم العربي
  • الإسلاميون في العالم العربي
  • حرب الخليج والنظام الدولي الجديد
  • العلاقة بين السنة والشيعة.

وبالإضافة إلى هذه المواضيع التي لفتت انتباه الكاتب، هناك عشرات  المواضيع التي تطرقت إليها اللجان العلمية في المؤتمر وتمتد من موضوع حروف العلة إلى اللغة العربية، إلى العلاقة بين الزوايا والبربرية في شمال إفريقيا.

وفي إطار هذا اللقاء الدولي، قامت الجمعيات العلمية المتخصصة في قضايا المغرب العربي، والدراسات الفارسية والتركية، واللغة العربية بعقد ندوات علمية حول القضايا السياسية والتطورات الجديدة في كل موضوع مذكور أعلاه.

وبالنسبة لجمعية دراسات المغرب العربي التي يرأسها حاليا الأستاذ وليام زارطمان، من جامعة جون هوبكنز بالعاصمة الأمريكية، فقد عقد المختصون في شؤون المغرب العربي عدة ندوات علمية شارك فيها أساتذة مختصون من فرنسا (مثل جان لوكا) ومن جامعة تونس وجامعة محمد الخامس بالمغرب الأقصى ومن حوالي 20 جامعة أمريكية توجد بها مراكز الدراسات المتخصصة في المغرب العربي.

وتميزت جلسة صباح يوم الأحد 24 نوفمبر 1991 بالندوة الخاصة بالمغرب العربي التي نظمها المعهد الأمريكي لدراسات المغرب العربي حيث ترأست الجلسة الأستاذة سوزان وولتز (من جامعة فلوريدا الدولية) وشارك في تقديم العروض جون انتيليس (مدير مركز دراسات المغرب العربي بجامعة فوردهام الموجودة بمدينة نيويرك) والأستاذة دونا باون (من جامعة برينكهام يونق) والأستاذة كيرن فيفر (سميث كوليج) والأستاذة ليزا أندرسون (من جامعة كولومبيا).

وحسب هؤلاء الخبراء في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، فإن حكومات شمال إفريقيا مصرة على القيام بالإصلاحات السياسية وذلك بوسائلها الخاصة ولا تقبل أن يكون للحركات الإسلامية أي دور في تغيير مجرى الأمور. وحول هذه النقطة تضاربت الآراء واختلف المتخصصون في الموضوع، فمنهم من اعتبر الإصلاحات غير ديمقراطية وغير عادلة إذا لم تشارك في ذلك جميع الحركات الوطنية والأحزاب السياسية، وهناك من اعترض على مشاركة الإسلاميين في هذا التغيير لأنهم غير مؤمنين بالديمقراطية ويريدون فرض وجهة نظرهم بالقوة (واستشهدوا بآراء رئيس الحكومة التونسية وآراء رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في الجزائر السيد سعيد سعدي ورئيس حزب الطليعة الإشتراكية السيد الهاشمي شريف). وقد اجمع المتدخلون في النقاش على أن الحركات الإسلامية ستتجه إلى العنف في المستقبل لتحقيق أهدافها بعد أن أغلقت السلطات في وجهها أبواب المشاركة والمساهمة في التغيير السياسي بهذه البلدان، واستاء أحد الأساتذة التونسيين من تعليق أحد المتدخلين الذي قال بأنه من غير الإنصاف عدم السماح للحركات الإسلامية أن تنشئ أحزابا سياسية وأن تساهم في الحياة السياسية مثل بقية الحركات السياسية الأخرى، فقال: ماهي مساهمة أية حركة سياسية تدعي أن بقاء النساء في البيوت وتخليهن عن وظائفهن للرجال سوف يحل مشكل البطالة!

ولكن الهدوء عادة للقاعة بعد الانتقال للحديث عهن المشاكل الاقتصادية التي هي جوهر المشكل الحقيقي الذي تواجهه كل دولة في شمال إفريقيا. وقد اتفق المتدخلون على نقطة رئيسية وهي أن الجزائر التي كانت تتمتع بدخل مالي كبير من البترول لغاية 1985 هي التي يعاني اقتصادها من تدهور متواصل سوف تكون له انعكاسات سلبية على السكان. ومشكلة الجزائر حسبما يرى الخبراء تتمثل في صعوبة التحول من نظام اشتراكي مبني على احتكار الدولة لوسائل الإنتاج إلى نظام ليبرالي تسوده المنافسة واقتصاد السوق. ثم إن مؤسسات الجزائر لا تستطع أن تشتغل بدون دعم مالي قوي من طرف الدولة، وخاصة أن الجزائر تعتمد على مصدر واحد للدخل وهو البترول. وعليه، فإن عوامل متعددة مثل عدم وجود تنويع في مواردها الأولية وإهمالها للزراعة وانتشار البطالة قد أدت إلى إصابة الاقتصاد الجزائري بشلل جزئي.

أما بالنسبة لتونس والمغرب، فإن الأزمة الاقتصادية كانت لها انعكاسات سلبية على اقتصادهما لكن بشكل أخف من الجزائر وذلك بسبب اعتمادهما على استيراد المواد الغذائية، وحصولهما على مساعدات سخية من أصدقائهما، وكذلك وجود مؤسسات اقتصادية تعمل بصفة نظامية وعندها مردود مالي وفوائد اقتصادية معتبرة.

وحسب آراء الخبراء فإن الجزائر هي العمود الفقري لاتحاد المغرب العربي، لكن مشكلتها أنها لا تملك برنامجا اقتصاديا مدروسا يغري أي مستثمر أجنبي ويشجعه على إعطاء دعم للاقتصاد الجزائري، ثم إن التونسيين والمغاربة الذي تمكنوا من سن قوانين مغرية للاستثمارات الأجنبية يعانون، مثل الجزائر، من الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة وتحول الاستثمارات الأمريكية والأوروبية إلى شرق أوروبا. فالكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة قد قلل من فرص تصدير بضائع دول المغرب العربي إلى أمريكا الشمالية… وعليه فإن التنمية الاقتصادية بدول المغرب العربي مرتبطة بتطوير العلاقات الاقتصادية مع دول مجموعة السوق الأوروبية المشتركة المطلة على البحر الأبيض المتوسط وذلك لأن هذه الدول غير قادرة على منافسة بضائع ألمانيا وبريطانيا في القارة الأوروبية ولا يمكن لتجارتها أن تزدهر  إلا في أسواق دول المغرب العربي القريبة منها.

وتكهن معظم الخبراء والأساتذة بأن مستقبل دول المغرب العربي يتوقف على الاستثمار في الفلاحة وتوفير الغذاء بدون استيراد، وتوفير مناصب عمل للملايين من الشبان الذين يدخلون سوق العمل كل سنة. وأكد الخبراء أن دول المغرب العربي ستبقى هي المصدر الوحيد لتوفير اليد العاملة التي تشتغل بثمن زهيد في دول السوق الأوروبية المشتركة، وأشار أحد المتحدثين إلى نقطة أخرى هامة وهي أن حرب الخليج وانتقال الجامعة العربية إلى القاهرة والتقارب في العلاقات بين دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة سوف ينجم عنه انعدام التعاون الاقتصادي بين دول المغرب العربي. ودول الخليج العربي ولهذا فلا توجد أية قوة اقتصادية تساند دول اتحاد المغرب العربي، وعلى قادة هذه الدول أن يعتمدوا على أنفسهم والاستثمار في الزراعة وتوفير الغذاء لمواطنيهم ببلدانهم.

وفي الميدان التعليمي والتربوي أشار أحد الخبراء إلى أن مشكلة دول المغرب العري تتمثل أساسا في عدم وجود هيآت وعلماء جامعيين يستثمرون العلم والمعرفة والتكنولوجيا ويوظفوهم لصالح المواطنين. والمشكل في رأيه، أنه لا توجد رغبة لدى المسؤولين السياسيين للاعتماد على العلماء والباحثين في خلق نهضة تكنولوجية حديثة في جميع المجالات. فالجامعات أصبحت تعطي الشهادات للتوظيف ولا تساهم بصفة إيجابية في تطوير المجتمع وإجراء التجارب وتقديم الاقتراحات البناءة لخلق تقدم اجتماعي ملموس في كل الميادين.

وعند مناقشة قضية البحث العلمي أشار أحد المتكلمين إلى أن فرنسا قررت في هذه الأيام إنشاء معهد لدراسات المغرب العربي في باريس، فرد عليه أحد الأساتذة بأن ذلك ليس عمل جاد، ولكنه لم يوضح أسباب ذلك. وأشار متحدث آخر إلى أن مراكز الأبحاث الحقيقية ينبغي أن تقام في بلدان المغرب العربي وليس في الخارج.

وفي معرض الكتب لاحظت أن هناك كتاب جديد عن شمال إفريقيا  بعنوان “السياسة والمجتمع المعاصر في شمال إفريقيا” وقد شارك في تأليفه الأستاذ وليم زارطمان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة جون هوبكنز والأستاذ وليم مارك حبيب، وعدد صفحاته 280، أما ثمنه فهو 44 دولارا أمريكيا (أي حوالي 880 دينار جزائري). وقد حدثني الأستاذ الفرنسي “جان لوكا” بأن العدد القادم لمجلة “مشرق المغرب” التي تصدر بباريس في هذا الشتاء سيخصص للجزائر، وبأنه قد قام بإعداد دراسة خاصة بالجزائر ستنشر في العدد القادم.

أما الكتاب الذي تحصلت على نسخة وهو خاص بالجزائر فقد نشر في باريس في خريف 1991 تحت إشراف الدار اللبنانية للنشر “لوريان: وعنوانه “الجزائر” ويحتوي هذا الكتاب على حوالي 12 دراسة عن الانتخابات البلدية في سنة 1990، وسعي جبهة التحرير للبقاء في الحكم، ومحاولة قادة الجبهة الإسلامية إقامة دولة إسلامية، والتحالفات بين الأحزاب الديمقراطية، والبيرسترويكا الجزائرية والانفتاح في الجزائر، واللغة والديمقراطية، والنساء المتحجبات ومشاكل التعليم العالي ببلدنا.

ولعل الشيء الذي يدهش الإنسان من هذه الدراسات التي تنشر في الخارج بسهولة تامة هو أن الجزائري المقيم بوطنه لا يستطيع أن ينشر أبحاثه عن بلده في حين تقوم ديار نشر أجنبية بنشر الإنتاج الفكري المجتمع لديها عن الجزائر حتى يبقى محفوظا للأجيال القادمة ولا ينقرض بعد وفاة أصحابه. أنها ظاهرة عجيبة وغريبة لا يستوعبها العقل، ولكن هذا هو الواقع المر والمؤلم للمثقفين الجزائريين الذين ستندثر مخطوطاتهم الفكرية بمجرد وفاتهم وتتهمهم الأجيال القادمة بأنهم كانوا كسالى ولم يساهموا في إثراء تراث وطنهم!

*  مقال منشور بجريد ة المساء، عدد 27-28 ديسمبر.

**  أستاذ زائر بجامعة ويسكونسون في الولايات المتحدة الأمريكية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *