المفهـوم الحديـث لعلــم الإدراة*

بقلــم
د. عمار بوحوش
أستاذ بجامعة الجزائر

 

 

منذ أيام قلائل، وبالتحديد يوم 26 سبتمبر 1983 تقرر في اجتماع مجلس الوزراء إعادة التنظيم الإداري في الجزائر وفتح فرع للجامعات الجزائرية في ميدان التسيير أو الإدارة العامة. وبطبيعة الحال، فإن هذا القرار الحيوي يلقى ترحيبا كبيرا من الطالب الذي يواصل دراسته بالجامعات ومن كل مسؤول في الإدارة الجزائرية يرغب في الحصول على معلومات فنية في ميدان التسيير الإداري. إن علم الإدارة اليوم عبارة عن جسم متكامل من المعلومات والأفكار التي تساهم في تقريب الإدارة من المواطن وتوفير حاجاته الضرورية. وعلى هذا، فعلم الإدارة يستمد قوته من النظريات الحديثة المتمشية مع روح العصر، ومن اعتماده كأسلوب عمل تجنيد الطاقات والإمكانيات المتوفرة بالبــلاد.

ونظرا لأهمية موضوع الإدارة والرغبة التي أظهرتها القيادة في فتح تخصصات جديدة خاصة بها في الجامعات الجزائرية وخاصة في هذا الوقت الذي قررت فيه الدولة إعادة هيكلة المؤسسات وتبسيط إجراءات العمل للتغلب على بعض الصعوبات البيروقراطية، ارتأينا أن نعطي لمحة بسيطة عن علم الإدارة والخصائص التي يتميز بها بحيث يأخذ القارئ الكريم فكرة واضحة عن هذا الحقل الهام من حقول المعرفة الذي يعتبر أداة لتقديم المجتمعات الراقية في عصرنا هذا.

 

 

مدخل إلى علــم الإدارة

 

       كل مجتمع في يومنا هذا يزخر بالمنظمات التي تسعى إلى تنظيم أعمالها وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. إن نجاحها أو فشلها في تحقيق ما تصبو إليه يتوقف على نوعية الأداء الإداري وفعاليته ومقدرة قادتها على تحديد الأهداف التي تلبي رغبات المجتمع وخلق أنظمة عمل جيدة تمكنها من تجنيد الموارد البشرية والمادية وتوجيهها بمهارة فائقة حتى تستطيع أن تصل إلى أهدافها المنشودة. لكن أدوار المنظمات والمؤسسات العامة أو الخاصة. في كل بلد والتفاعل بين مختلف الأجهزة الإدارية ونوع التعاون الذي يقام بين مختلف المنظمات الحكومية والخاصة. يختلف من وقت إلى آخر ومن نظام رأسمالي إلى نظام إسلامي أو اشتراكي. ففي الأنظمة الغربية نجد التفاعل بين المنظمات الإجتماعية يتأثر بفلسفة المنافسة والحرية المطلقة في العمل وعدم تدخل الحكومة في الصراع القائم بين هذه المنظمات إلا إذا خرجت عن الإطار القانوني المرسوم لنشاطها وتجاوزته. أما في الأنظمة الإشتراكية، فإن التفاعل بين المنظمات يتحدد ويرتبط بمفهوم مركزيات المنظمات ونظام المؤسسات العامة التي تدار مركزيا من الداخل وتراقبها الحكومات لتأكيد ولاء التنفيذيين للسلطة السياسية العليــا.

ولهذا، فإن لكل مجتمع فلسفته الخاصة به وله منظمات ومؤسسات تمارس نشاطها وفقا لأسلوب الإدارة والفلسفة التنظيمية التي أقرتها القيادة السياسية في البلد. كما أن وجود الطاقات البشرية المؤهلة مهنيا ووجود الإمكانيات المادية بكثرة، يؤثران في عمليات التنمية الإدارية ويساهمان في تقوية أو إضعاف الهياكل الإدارية التي تنشأ قصد تقديم الخدمات للمواطنين ومساعدة كل إنسان للحصول على الحاجات التي يصعب عليه أن يوفرها لنفسه بمفرده.

ففي داخل المجتمع العربي مثلا، نجد أن دول الخليج العربي تمتلك الثروة المالية التي تساعد الإدارة العربية في هذه الدول على توفير حاجات مواطنيها بسرعة ما دامت العائدات النفطية متوفرة بكثرة. لكن المشكل هو نقص هذه الإدارات للإطارات الوطنية الكافية لمتطلبات التنمية المحلية في دول الخليج العربي. أما في بعض الدول العربية الأخرى كسوريا والأردن ومصر والجزائر وتونس والمغرب، فإنها تمتلك العناصر البشرية المؤهلة والقادرة على إحداث نهضة إدارية شاملة في وقت قصير، إلا أن الإمكانيات المادية المطلوبة غير متوفرة حسب المرغوب فيه.

إن هذه الإختلافات في فلسفة التنظيم وفي طرق التحكم في الأجهزة الإدارية وأساليب توظيف القوة العاملة والتخطيط لها، هي العوامل الرئيسية التي  تتحكم في العمليات الإدارية وتنعكس عموما على الدور الرئيسي الذي تقوم به الإدارة في أي مجتمع. ثم إن القيادة التي تهدف إلى تحقيق سياسة عامة دقيقة، تحدث بدورها أثرا ملموسا في نوعية التنظيم الذي ينبغي أن يؤخذ بعين الإعتبار. فالإدارات العامة، ملزمة بالإستجابة لرغبات القادة السياسيين والعمل وفق التعليمات والأوامر والإستراتيجيات التي تأتي من الإدارة العليا.

وكما نرى في مفاهيم علم الإدارة. فإن فلسفة الإدارة مستمدة من البيئة والأوضاع الإجتماعية السائدة في كل بلد والغاية المرجوة من الأهداف المطلوب تحقيقها. فهناك الدولة التي تهمها الفعالية في العمل بينما نجد دولة أخرى يهمها توظيف الأفراد واعطاؤهم فرصا لكسب ما يرتزقون به. وهناك الدولة التي تسعى إلى خلق النوعية في العمل وفي الخدمات بينما هناك دولة أخرى تهتم بالكمية وليس بالنوعية. كما نجد أن بعض الحكومات تتبع سياسة التوازن بين المنظمات وإفساح المجال لها لكي تعمل بحرية ومنافسة شريفة، في حين نجد دولا أخرى تفضل أسلوب التخطيط المركزي الذي يضمن استخدام جميع الموارد الوطنية المادية والطبيعية والبشرية بطريقة علمية وعملية وإنسانية حتى يمكن تحقيق الخير لجميع أفراد الشعب وتعبئة الإقتصاد لإقامة مجتمع أكثر عدالة ومساواة.

 

تعاريف ومفاهيم في علـم الإدارة

 

       قبل أن نتعرض لتعاريف ومفاهيم رئيسية في علم الإدارة يجدر بنا أن نوضح حقيقة هامة هي أن منهجية الإدارة تختلف بإختلاف الظروف البيئية والأيديولوجيات السائدة في كل مجتمع. كما أن التنظيم الإجتماعي ينعكس على التنظيم الإداري. ونستخلص من هذه الحقائق أن نظرة المفكرين إلى علم الإدارة تختلف بإختلاف التصور الذي يحملونه في أذهانهم عن دور الإدارة في المجتمع الذي عاشوا فيه.

 

1) التعريـف الأول : الإدارة عبارة عن مؤسسة تقوم بتنفيذ السياسة العامــة

 

الإدارة هي الجهاز التنفيذي المكلف بتطبيق قوانين الدولة وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين في إطار القوانين المرسومة والأهداف التي وضعتها القيادة السياسية في خططها السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

وعليه، فإن علم الإدارة يهتم خاصة برؤساء الحكومات والبرلمانيين الذين تنتخبهم الشعوب لكي يناقشوا السياسة العامة للدولة ويحددوا أهدافها الدقيقة ويعطوها صفة المشروعية ثم يحيلوها على الجهاز التنفيذي لتحويلها من نظريات إلى أعمال ملموسة.

ونفهم من هذا أن الإدارة في مفهوم كثير من المفكرين هي تنظيم يهدف إلى حل مشاكل الناس عن طريق تعاون جماعي بين الأفراد بحيث تقدم جميع الخدمات للمواطنين وفق قواعد عامة وقوانين محددة، روعي عند وضعها مصلحة أبناء الشعب والمصلحة العامة. وحسب هذا المفهوم، فإن الإدارة العامة عبارة عن مؤسسة تتكون من عناصر بشرية وأدوات مادية جاءت بها الدولة ووضعتها في خدمة المواطنين لتطبيق القوانين التي سنتها القيادة السياسية والسلطة التشريعية وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين. وعن طريق هذه المؤسسات الحكومية تقوم الدولة في أي مجتمع بدورها الحيوي المتمثل في المحافظة على الأمن وتحقيق العدالة الإجتماعية والإشراف على التعليم وتوفير الخدمات الصحية والإجتماعية لجميع المواطنين.

وعليه، فإن الإدارة تمثل إحدى الأجهزة الرئيسية في الدولة المكلفة بتنفيذ المهام المسندة إليها من القيادة السياسية. وحسب هذا المنطلق فإن دور الإدارة لا يتجاوز هذا الخط الفاصل بينها وبين المنظمات الإجتماعية التي تسعى إلى تحليل الأوضاع وتخطيط سياستها العامة وفق مصالحها الخاصة بها.

وإذا تمعنا قليلا في هذا المفهوم وجدناه ناقصا ولا يفي بالغرض. فمن الناحية المنهجية نلاحظ بسرعة أن علم الإدارة يقوم أساسا على دراسة الأوضاع الإدارية والتعرف على ظروف العمل والواقع المعاش أثناء القيام بالعمل، وليس على مبدأ تنفيذ تعليمات الحكومة المركزية فقط. إن تحليل الوظائف واستخلاص النتائج واختيار أحسن البدائل قد أصبحت بمثابة أساليب أساسية للعمل في المجال الإداري. كما نلاحظ أيضا من الناحية الأيديولوجية أنه من الغلط اعتبار مصالح جميع الفئات الإجتماعية متساوية وأن الدولة قادرة دوما على تحقيق المساواة بين الأقوياء والضعفاء من مواطنيها. فالتغييرات الإجتماعية تفرض على الإدارات العامة أن تقوم بدراسة موازين القوة وسلوك القادة الإداريين والتعرف على الجهات التي ينتمون إليها.

 

2) التعريف الثانـي : الإدارة عمليـة تنظيــم

 

       الإدارة عملية تنظيم وتحليل وإدارة القوى البشرية والمادية لتحقيق الأهداف والمشاريع التي أعدتها الحكومة. ويلاحظ هنا أن هذا التعريف يختلف عن التعريف الأول اختلافا جوهريا، إذ أن الإدارة ليست أداة تنفيذ فقط وإنما هي وسيلة فعالة في التخطيط وتجنيد الأفراد العاملين لخدمة الجمهور ومراقبته وجعله يتماشى وسياسة الدولــة.

فبالنسبة للعديد من الأفراد فإن الإدارة العامة عبارة عن علم يهتم بتنظيم الإنسان وتوجيه طاقاته وجهوده بحيث يتمكن من تحسين مستوى الإنتاج وارتفاع مستوى كفاءته في العمل. وتأتي هذه النظرية كتكملة لنظرية الإدارة كمؤسسة. فالتنظيم قد جاء ليوحد الأهداف المشتركة للناس ويربط بين المصالح المشتركة ككل إلى درجة أن المؤسسات تصبح أداة للتوازن الإجتماعي بعد أن كانت أداة في يد أصحاب المال والنفوذ السياسي والطبقات الأرستقراطية. ويلاحظ هنا أن مفهوم الإدارة الحكومية وإنما يتعداه إلى أبعد من ذلك، إذ أن الإدارة تعني هنا أية مؤسسة يتم فيها التعاقد بين العمال والإدارة العامة للمؤسسة للقيام بمهام معينة مقابل الحصول على أجر معين، سواء كان يوميا أو شهريا.

واعتمدت نظرية الإدارة المرتبطة بالتنظيم على فلسفة العقل والرشادة في العمل. وقد كان أحد قادتها البارزين فريدريك تايلور الذي بلور فكرة الإدارة العلمية والتي كانت تهدف في الأساس إلى زيادة الإنتاج عن طريق تدريب العمال، منحهم مكافآت مادية لتشجيعهم على مضاعفة جهودهم واعتماد خبراء متخصصين في ميادين الإشراف والمتابعة والمراقبة. وبفضل الأساليب الجديدة في الإدارة، حسب وجهة نظر تايلور، يستطيع العمال أن يحصلوا على مكافآت مالية تمكنهم من التغلب على المشاكل المالية، وصرف طاقاتهم في الأعمال المفيدة والإبتعاد عن الصراعات الطبقية بين العمال والإدارة وخلق جو جديد تسوده الثقة المتبادلة بين العمال والإدارة.

إلا أن هذا المفهوم للإدارة قد تغير بمرور الزمن وأصبح لا يتماشى وروح العصر. فتسخير العامل في أغراض المؤسسات الصناعية واعتباره آلة في يد أصحاب المال والنفوذ، بالإضافة إلى بروز تكنولوجيا متطورة أصبحت تهدد العمال بالبطالة واحلال الآلة محلهم، قد أديا إلى تغيير مجرى الأمور. كما أن المنظمات والنقابات أصبحت تتصارع فيما بينها لدعم نفوذ قادتها وتقليدهم مناصب سياسية ووظائف عليا بالدولة قد أثرت عكسيا في نظرية التنظيم الإداري.

 

3) التعريف الثالث : الإدارة هي تحليل الوظائف والهياكل ووضع الإستراتيجيــات

 

الإدارة تحليل وتعديل الوظائف ووضع الإستراتيجيات التي تساهم بها الدولة في رفع مستوى الدخل وخلق الظروف الملائمة التي تجعل أبناء الشعب يتمتعون بحياة سعيـدة.

ونستنتج من هذا التعريف أن دور الحكومة اقتصادي وسياسي واجتماعي
ولا يقتصر على تقديم الخدمات وإنا يمتد إلى جميع القطاعات الحيوية للمجتمع ككل. فعن طريق السياسات التي تقررها القيادة، يستطيع الإداريون أن يؤثروا في المجتمع ومستقبله سواء على مستوى العائلة أو المدرسة أو الجامعة أو المؤسسة الإدارية.

وهذا المفهوم للإدارة قريب من المفهوم السابق الذي أشرنا إليه آنفا والمتمثل في التنظيم واستعمال العقل وتجنيد العمال وحفزهم لخدمة مؤسستهم. وحسب هذا المفهوم فإن كلمة الإدارة تعني تحليل الوظائف ودراسة المهام وانشاء الهياكل الملائمة لكل تنظيم. وقد أتى بهذه النظرية المفكر الفرنسي هنري فيول في عام 1916. فالوحدات الإدارية في أية مؤسسة تقوم بواجباتها المناطة بها لكي تحقق الأهداف العامة للمؤسسة، وهذا يتطلب وضع استراتيجية متكاملة لجميع الوحدات، وتقسيم العمل بين العمال ووحدات الإنتاج، ووضع الخرائط التنظيمية والهياكل الضرورية التي يتعين على المؤسسة الإعتماد عليها سواء أثناء التوظيف أو إنجاز الأعمال.

وتمتاز هذه النظرية بتركيزها على الجوانب الإستراتيجية والعملية في أية مؤسسة، لأنه يتعين على المسؤولين أن يدرسوا ويحللوا كل قطاع أو وحدة إدارية ووضع المخطط التنظيمي لها حتى تتمكن المؤسسة، في النهاية، من خلق وحدات إنتاجية قادرة على توفير الحاجات الإجتماعية والتغلب على الصعاب التي تبرز من حين إلى آخــر.

بيد أن هذه النظرية القريبة من نظرية ماكس ويبر الذي يعتبر البيروقراطية جهازا متخصصا في الإدارة وقادرا على توجيه الأمور حسب أهوائه تعاني بعض النقائص التي تطغي عليها. فالقيادات السياسية والإدارية عندما تخطط وتوجه قد تسن القوانين التي تسمح لها ببسط نفوذها والتحكم في الآخرين. كما أن الجماعات المنظمة التي تؤثر في القرارات السياسية قد تسيطر على كل شيء ومصالحها الخاصة تؤخذ بعين الإعتبار عند اتخاذ القرارات أكثر من المصلحة العامة. ثم أن فكرة الدقة في التخطيط ووضع الإستراتيجيات وحسن التوجيه، محدودة وكل شيء يتوقف على أخلاق الأفراد الذين يشرفون على التسيير والذين بيدهم السلطة واتخاذ القرارات النهائية (1)، وذكائهم وقيمهم

 

4) التعريف الرابـع : الإدارة هي فن التوجيه والمعرفة الصحيحة لإحتياجات المجتمع

 

الإدارة فن توجيه القيادة والمعرفة الصحيحة لما يريد القائد من مساعديه أن يقوموا بعمله لكي تتحقق الأهداف المنشودة بأحسن طريقة ممكنة. ومن الواضح أن هذا التعريف يمتاز بالتركيز على الدور الإيجابي للقائد في إقناع العمال بالتجاوب مع خططه، واعتماد أحسن الأساليب لتحقيق النتائج المطلوبة. كما يستمد هذا التعريف قوته من الجمع بين القيم الإجتماعية وفنيات العمل في الإدارة. (2)

بعد أن حصل تقدم في التكنولوجيا وإلمام كبير بفنيات التخطيط وحسن استغلال المعلومات، أصبح السؤال المطروح بالنسبة لرجال الإدارة هو : كيف يمكن خلق الجو المناسب للعمل ووضوح الأهداف المنشودة بالنسبة للقادة الذين يضعون الإستراتيجيات والعمال الذين تسند إليهم مهمة التنفيذ؟ وفي رأي هيربرت سايمون الذي يعطي اتخاذ القرارات الصحيحة في الإدارة، أهمية كبيرة أن القيادة هي التي تعطي الإدارة معناها لأن القادة الذين يستعملون ذكاءهم ويجيدون فن توجيه الآخرين والتأثير فيهم ويعرفون أنواع التكنولوجيا المراد استعمالها لتحقيق الأهداف المنشودة، هم الذين يمكن أن يعول عليهم الإنسان لحل مشاكله بمهارة ومقدرة فائقة. ويستخلص من هذا الرأي أن علم الإدارة هو فن المعرفة الصحيحة لما ينبغي أن يوضع هدفا، ثم إقناع العمال والتأثير فيهم بحيث يحققون الأهداف المرسومة بأحسن الطرق العلمية المتوفرة في وقت الإنجــاز. (1)

إن هذا المفهوم مرتبط بتصرفات الناس وبقيمهم الإجتماعية ورغبتهم في العمل لتحقيق المصلحة العامة وترجيحها على المصلحة الخاصة. فمن الناحية النظرية، يبدو أن ما قاله هذا المفكر صحيح ويعبر عن الحلول الجذرية للمشكلات العويصة التي تواجهها الإدارة المعاصرة والمتمثلة في عدم وضوح الرؤية بالنسبة للإهداف، والتهاون في التخطيط، واتخاذ القرارات الإرتجالية. لكن المشكلة هنا هي كيف يمكن التحكم في عمليات اختيار الرجال الذين يعرفون كيف يعملون بذكاء، والتأكد بأنهم يحملون قيما أخلاقية عالية، وعندهم إلمام واسع بفنيات التكنولوجيا وفن إقناع العمال بتنفيذ خططهم المرسومة. إن المشكلة الرئيسية التي تواجه المجتمع الحديث، عامة، هي وضع الرجال الأوفياء في المناصب العليا، وليس بالضرورة أصحاب المعرفة أو من يحملون أخلاقا عليا ويتمتعون بكفاءات معترف بها محليا ودوليا.

 

5) التعريف الخامس : الإدارة هي الحفز والتعاون بين العاملين ومؤسساتهم

 

الإدارة هي الإرادة والمقدرة على تنظيم العاملين وحفزهم بحيث أن مجهوداتهم وطاقاتهم تصرف في تحقيق الأهداف المشتركة. والفكرة الأساسية التي يمكن الخروج بها من هذا التعريف هي أن الإدارة تهدف في الأصل إلى تحديد الأهداف المشتركة ثم تجنيد الأفراد للعمل وحثهم على التعاون فيما بينهم وبين الإدارة حتى يساهم الجميع في خدمة القضايا المشتركة التي يمكننا أن نسميها المصلحة العامة. ولعل المشكلة التي تطرح هنا : كيف يمكن فصل مصالح الأفراد عن مصالح المؤسسات ومصالح الجمهور ؟، فلكل مصلحته الخاصة به وأهدافه البعيدة المدى، ومن الصعب الإتفاق على أية خطة لا تلبي الإحتياجات الأساسية لأي طرف. فبعد انتشار التعليم وتوسع نفود الدولة في ميادين التشريع وسن القوانين التي تحمي العمال من الإجراءات التعسفية والإعتراف بحقوقهم الكاملة في المساواة والعدالة الإجتماعية والديمقراطية في التنظيم ” أصبح مفهوم الإدارة هو إيجاد الوسائل التي تساعد على خلق نوع من التفاهم والإنسجام بين القادة الإداريين وقادة العمال عن طريق الحوار وتحسين ظروف العمل وتنظيم المؤسسات حسبما تقتضي مصلحة الإدارة ومصلحة العمال. وبكلمة أكثر وضوحا، فإن هدف الإدارة هو حفز العمال وتشجيعهم على الإنتاج وخلق ثقة متبادلة بين المؤسسات والعاملين فيها. فالمنظمات العمالية والمؤسسات الإدارية قد قبلت فكرة التعايش ومهادنة بعضها البعض، وإعطاء العاملين الذين يطمحون لتحسين مستواهم المادي والحصول على مناصب عليا أهمية كبيرة إذا أظهروا كفاءة في العمل، وإعطائهم فرص التكوين وتحسين مستواهم المهني حتى يفيدوا ويستفيدوا أثناء مزاولتهم العمــل “.

إن هذه الأفكار والمفاهيم قد برزت خاصة في كتابات العديد من المفكرين أمثال كريس رجيراس والكاتبة المرموقة ميري باركر فوليت وعالم النفس المشهور ابراهام ماسلو والمفكر المشهور دوغلاس ماك كريجور الذين اعتبروا التسلط الإداري والمركزية في اتخاذ القرارات والتنافس على الزعامات وعلى المال، من أسوأ العوامل التي تضر بمصالح العمال والمؤسسات الوطنية في أي بلد. فالقادة الإداريون في رأيهم، مطالبون بالبحث عن أساليب أكثر جوهرية للتعامل مع العمال الذين هم رأس مال أية مؤسسة حتى يمكنهم اجتياز العقبات التي تواجههم في العمل بثقة وأمان. كما أن المنظمات في رأي هؤلاء الكتاب مطالبة بإعادة النظر في هياكلها وتطويرها حسبما تقتضي ظروف العمل والبيئة والتخلي عن فكرة جمع الأرباح بأية صفة كانت. (1)

إن نظرية الحفز والتعاون بين العاملين ومؤسساتهم قد خففت من الضغوط التي تمارسها المؤسسات على العمال، وخاصة القيود التي تجبرهم على الإنصياع إلى أوامر رؤسائهم وحرمانهم من لقمة العيش إن هم أقدموا على تحدي المسؤولين الإداريين، لكن المشكل الذي ترتب على هذا الأسلوب الجديد في الإدارة هو أن العمال يحرصون على المطالبة بحقوقهم ومكافآتهم وترقياتهم إلى مناصب عليا ولا يحرصون بالمقابل على زيادة الإنتاج وتقديم الخدمات بطرق فعالة.

فالضمانات المعطاة لهم من نواحي المنصب والترسيم في الوظيفة ومزايا الضمان الإجتماعي قد دفعت بالعمال إلى بذل مجهود أقل والتباطؤ في أداء المهام والتراخي في القيام بالمسؤولية المسندة إليهم ما دام الراتب مضمونا في نهاية الشهر.

 

6) التعريف السادس : الإدارة هي المشاركة في تحديد الأهداف واتخاذ القرارات

 

الإدارة هي مشاركة العمال في اتخاذ القرارات والإستفادة من خبرتهم ومعرفتهم بأساليب العمل حتى تكون الأهداف واضحة للإدارة والعمال واستراتيجية العمل مستمدة من الواقع المعاش، وليس فقط من النظريات التجريدية. إنه لمن الواضح أن هذا التعريف يتميز عن غيره من التعاريف السابقة بالروح الديمقراطية وتقييم خطط العمل قبل الشروع في تنفيذها وتقاسم أعباء العمال والمسؤولية بين العمال والإدارة. إلا أن العقبة الكبيرة التي تعترض منهجيه المشاركة في اتخاذ القرارات هي أن أغلب الأفراد يفضلون القيام بالواجبات المسندة إليهم ولا يرغبون في إرهاق أنفسهم بأعمال أخرى إضافية. وتبرز أهمية المشاركة عندما يشعر الأفراد بالمسؤولية ويمارسون أعمالهم المطلوبة منهم على مستوى التنفيذ ومستوى إثراء الخطة والتخلص من الأخطاء قبل الشروع في تنفيذ خطة العمل.

ومن الظواهر الإجتماعية الهامة في النصف الثاني من القرن العشرين محاولات إشراك العمال والطلاب والفلاحين في الإجتماعات الإدارية والمساهمة في تحديد  الأهداف والإختيارات التي تسعى أية إدارة لتحقيقها في المدى البعيد والمدى القصير. وهكذا أصبح مفهوم الإدارة هو خلق التعاون الفعال بين القادة الإداريين والمنفذين الذين تنطبق عليهم القرارات المتخذة، لأن الأهداف لا تتحقق إلا إذا كان هناك إجماع على قبولها وتفهم واضح لأبعادها ووعي كامل بمراميها. لقد اقتنع العديد من المسيرين في الإدارات الحكومية والشركات الوطنية بأن نجاح المؤسسة يتوقف على تحديد الأهداف بطريقة جماعية مقبولة من طرف المخططين والإتفاق على إستراتيجية عامة مقبولة من طرف المخططين والمنفذين. وفي حالة ما إذا كان هناك نقاش شامل للأهداف العامة والتزم كل طرف بتنفيذ الخطة المدروسة، فإن مهمة المدير الإداري تكون سهلة للغاية وبالتالي يمكن تحقيق الأهداف المنشودة والمتفق عليها مقدما.

إن هذا المفهوم للإدارة قد انتشر وأصبحت المؤسسات تعقد الإجتماعات المشتركة بين المخططين والمنفذين وتحثهم على تقديم اقتراحات والتوصل إلى اتفاق شامل بشأن العمل في المستقبل. وبهذه الطريقة يتحول دور المدير الإداري إلى دور المتابعة والإشراف والتوجيه بدلا من القيام بدور الشرطي في المؤسسة، ويلاحظ هنا أن بعض المؤسسات تكافئ عمالها بتقاسم الأرباح ودفع العلاوات وتحسين مستوى الخدمات في حالة نجاح الخطة العامة المرسومة.

ولعل المشكل الكبير الذي تواجهه الإدارة في هذا الميدان هو قلة الوعي وعدم توفر الرغبة الصادقة للتعاون بين المسيرين وبين العمال وتخوف كل طرف من الطرف الآخر.

وإذا كان هذا النوع من الإدارة يتسم بالديمقراطية والعمل الجماعي ووضوح الأهداف، وهذه مزايا كبيرة، فإن العقبات الرئيسية التي تواجه الإدارة بالمشاركة في وضع الأهداف واتخاذ القرارات تتمثل في صعوبة الإتفاق على إستراتيجية موحدة، وكثرة التعديلات الكبيرة التي يتم إدخالها على أي مشروع بسبب الجدل الطويل والتباطؤ الكبير في اتخاذ القرارات، وتشتت السلطة.

 

7) التعريف السابع : الإدارة هي بلوغ الأهداف وتحقيق النتائج

 

الإدارة هي أن يتمكن الأفراد من رؤساء ومرؤوسين من القيام بجهود مشتركة ويتحدد دور كل فئة بحيث تستطيع المؤسسة أن تحقق النتائج المطلوبة بالأسلوب المتفق عليه بين الرؤساء والمرؤوسين.

فمن المفاهيم الحديثة في ميدان الإدارة أن القائد أو المسؤول الإداري الكبير هو الذي يلتزم بخلق الظروف الملائمة للعمل وتقييم خطط العمل وإدخال التحسينات الضرورية على إستراتيجية العمل، وبلوغ الأهداف المنشودة وتحقيق النتائج المطلوبة.

وحسب هذا المفهوم، فإن الإدارة تعني إثراء الخطة تحفيز العمال وإظهار الإستعداد لتغيير الهياكل غير الملائمة وإعطاء مسؤولية كاملة للعمال بحيث يتصرف حسبما يرى وحسبما تقتضي الظروف، والشيء المهم هو أن نتيجة العمل تكون في المستوى المطلوب وأن كل طرف يقوم بواجباته بدون تدخل من الطرف الآخر.

فالعبرة في الإدارة في الثمانينات هي الفعالية في العمل، والتركيز على
ما سيحصل في المستقبل، وإعطاء أهمية أكثر للعمال الذين يحققون النتائج الإيجابية، وتشجيع الإبداع بدلا من الإكتفاء بالروتين، وتدعيم العمل الجماعي. وحسب هذا المفهوم للإدارة فإن أهمية الإدارة تكمن في حتمية تغيير الأهداف عندما تقتضي الضرورة وبالتالي تغيير الوظائف بسرعة وإعطاء فرص للعمال لكي يثبتوا ذاتهم وتحسين مستواهم بالإضافة إلى الرغبة في الحصول على النتائج المنشودة وليس مراقبة نشاطات العمال والتحكم فيهم.

وتكمن قوة هذا التعريف في الحرص على خلق الفعالية في التنظيم وتحسين مستوى الأفراد العاملين. فالشيء المطلوب بالدرجة الأولى هو قدرة التنظيم على تحديد الأهداف مسبقا والتزام الرئيس والمرؤوسين بأداء الواجبات المسندة إليهم بأحسن الطرق وأنجعها، ومحاسبته على النتيجة في نهاية المطاف.

وبهذا الأسلوب تستطيع الإدارة أن تتخلص من الروتين وتخفيف الأعباء على نفسها وحصولها على النتائج المحددة في الخطة المتفق عليها.

ونستخلص من هذه المفاهيم والتعاريف أن علم الإدارة يتمثل في تخطيط السياسة العامة للدولة والبحث عن الأساليب الفعالة لوضع تلك الخطط حيز التنفيذ وتحويلها من نظريات على الورق إلى نتائج ملموسة يقطف ثمارها كل مواطن. وخلافا لما يتصور الكثير من الناس، فإن دور الإدارة لا يقتصر على تقديم الخدمات للمواطنين وحل مشكلات أبناء الشعب حسبما تنص عليه القوانين الجاري العمل بها فحسب، بل يمتد دورها إلى حماية جميع الأفراد من الظلم، وتوفير الأمن وفرض الضرائب وحرما الأفراد من القيام بأي عمل لا يروق لرجال الإدارة أن يقوم به أي مواطن. كما أن قوة الإدارة مستمدة من قوة السلطة المركزية، وبالتالي فإن علم الإدارة يهتم بصفة خاصة بتحديد الحقوق والواجبات للمواطنين، وتوزيع الثروات والأموال على المؤسسات لتمكينها من انجاز المهام المسندة إليها، وتوجيه الأفراد وتقديم المساعدة إليهم لإعانتهم على تنفيذ السياسة العامة للدولة بأحسن الأساليب العلمية التي يعرفها العقل البشري.

 

الخصائـص الرئيسيــة للإدارة

 

وانطلاقا من هذه الحقائق عن علم الإدارة يمكننا أن نقول أن الإدارة تقوم على الخصائص الآتية:

 

1) أن الإدارة مكملة لسياسة لأن القادة للسياسة هم الذين يقومون بتحديد الأهداف العامة للدولة، ورجال الإدارة المتخصصون يتولون عمليات تنفيذ القرارات التي اختارتها القيادة العليا بالبلاد.

2) أن الإدارة مرتبطة بالقانون لأن هدفها الأساسي هو تطبيق القوانين على المواطنين بالعدل والمساواة، لا فرق في ذلك بين غني وفقير.

3) أن الإدارة تجسم الديمقراطية الشعبية لأن الإداريين الذين يتم توظيفهم في المؤسسات يأتون من جميع الفئات الإجتماعية ويقومون بتنفيذ السياسة العامة للدولة التي وافق عليها أعضاء المجالس النيابية المنتخبون من طرف المواطنين.

4) أن الإدارة تقوم على أساس توزيع السلطات والصلاحيات وتقاسم أعباء المسؤوليات والقيام بالواجبات.

5) أن الإدارة عبارة عن ترجمة صادقة لجهد جماعي لتحقيق أهداف عامة ومشتركة.

6) أن الإدارة تعتمد على فكرة التدرج الإداري واختلاف مستويات المناصب الإدارية والتنسيق بين المسؤولين الإداريين.

7) أن الإدارة يغلب عليها طابع الدوام والإستقرار لفترات طويلة لأن العمل الإداري يعتمد على التأهيل العلمي والكفاءة الفنية، وهذا خلافا لوظائف السياسية التي تعتبر مؤقتة.

8) أن الإدارة تقوم على التنظيم الهيكلي الرسمي من الناحية النظرية، ومسرحا للمتنافسين على السلطة والنفوذ والطموحات المبالغ فيها بعض الأحيان.

9) أن الإدارة ترتكز على المعلومات المتجمعة لديها سواء من العاملين بأية مؤسسة أو عن القوانين والنصوص لتنظيمه والوثائق الفنية التي تضمن جميع المعلومات المتعلقة بالعمل المسند إلى أية مؤسسة.

10) أن الإدارة تهدف بصفة رئيسية إلى دراسة الطلبات المقدمة إليها من أفراد المجتمع المتعاملين معها واتخاذ القرارات الملائمة بشأن القضايا المعروضة عليها وذلك وفقا لقوانين الجاري بها العمل الإمكانيات المتوفرة.

 

هل الإدارة علم أم فــن

 

لقد تعرضنا في فقرة سابقة من هذه الدراسة إلى تعريف الإدارة وأشرنا إلى أنها هي توجيه المجهودات الإنسانية واستعمال الإنسان لمهارته ورفع مستوى كفاءته وتحقيق الأهداف المنشودة في مجال عمله، وهذا يعني أن علم الإدارة يستند على العنصر البشري الذي تحكمه قيم وعادات وتقاليد مختلفة تتطلب أحيانا مراعاة ظروفه الإجتماعية والسياسية والبيئية ودراية كبيرة بفهم الأهداف الإنسانية المخفية والمعلن عنها والتجاوب معها، فالتنفيذ إذا اعتمد على أسس علمية مخصصة وأهمل الإعتبارات السياسية المتداخلة في الموقف، قد يؤدي بالإدارة إلى اتخاذ قرارات غير سليمة وعواقبها وخيمة على القيادة أو الدولة ككل. إن أهم المقومات لعلم الإدارة هو العنصر البشري الذي يتوقف عليه وضع القواعد والقوانين وتوزيع العمل وتنسيقه. واختصار الخطوات التي يتكون منها والإجراءات التي ينفذ على أساسها، وتوجيه العاملين بما يتلاءم مع ظروف كل منهم، وكيفية التصرف حيال المشكلات الطارئة. وبناء عليه، فإنه يتعين على كل مسؤول إداري أن يراعي عند تنفيذ مشاريعه، ما يحكم العنصر البشري من قيم وعادات اجتماعية تختلف من فرد إلى آخر، وأن يسعى للتجاوب مع متطلبات الأفراد وقدرات كل فرد في المجموعة التي يشرف على أعمالها. وهذه المواقف الإنسانية المتباينة تفرض على الإنسان المسؤول أن يواجهها بحكمة واستعمال وسائله الخاصة في الإقناع وكسب ثقة المتعاملين معه، وهذه أمور تعتمد على فن الإقنــاع.

إن الإدارة، مثل بقية العلوم الإجتماعية، تعتمد على ذكاء ومهارات وقدرات الأشخاص وذلك في ميدان تطبيق أية خطة. والشيء المهم في العلوم الإنسانية، وبصفة محددة علم الإدارة، أن هذا العلم يختلف عن العلوم الدقيقة لأنه علم تطبيق ويتصدى لحل المشكلات الإجتماعية واستعمال أحسن الأساليب للحصول على نتائج معينة في زمن معين. وعليه، فإن الإنسان الكفء في الإدارة هو الذي يجمع بين استعمال التوجيه وعلم الإدارة الحديث من معرفة متطورة واستنباط قواعد العمل الإداري الدقيقة التي تحكم الإدارة. إن مقدرة الإنسان على فهم القضايا المطروحة أمامه لإبداء الرأي واتخاذ قرارات بشأنها، تتوقف على كفاءته العلمية ومقدرته على تنمية معلوماته واستخلاص النتائج المتوخاة بلباقة ومهارة. فهذا الجانب العلمي القائم على المعرفة والتكنولوجيا في مجال العمل، يعتبر ضروريا لفهم أوضاع الأفراد العاملين وتوجيههم بذكاء حتى يحصل الإنسان المسؤول على أحسن النتائج من جهود العناصر البشرية المجندة للعمل. ونستخلص مما تقدم أنه يمكن اعتبار الإدارة علما يقوم على مبادئ التخطيط والتحليل وإتباع قواعد قانونية محددة، وتعتبر أيضا بمثابة فن لأنها تتطلب قدرات ومهارات فنية خاصة لوضع هذه المبادئ والتوجيهات موضع التنفيذ وبذلك تصبح الإدارة الحسنة هي فن استخدام العلم في العملية الإدارية.

إن الإدارة تستمد قوتها ومكانتها المرموقة في أي مجتمع من السعي لخلق الفعالية وأيجاد قواعد التنظيم التي تحكم العلاقات بين المواطنين ومؤسساتهم الوطنية التي يتعاملون معها. فالإنسان يسعى بإستمرار إلى وضع القوانين التي تكون ملائمة وثابتة بحيث تخلق الإستمرارية والإستقرار في العمل والتنبؤ بما سيحصل في المستقبل. إلا أن هناك بعض المشكلات التي تحول دون توصل الإنسان إلى جعل الإدارة بمثابة علم تحكمه قوانين ثابتة وملائمة لكل زمان ومكان، والسبب في ذلك أن القيم الإجتماعية واختلاف وجهات النظر والتعامل مع قضايا اجتماعية متغيرة ومتطورة، تجعل من الصعب إصدار قرار مقبول للجميع، لأنه ليس هناك مقياس عالمي لإقتداء به والسير حسب أنظمة موحدة ومتفق عليها بين المفكرين في ميدان الإدارة. إن ديناميكية التغير في القضايا الإجتماعية وارتفاع مستوى التكنولوجيا ومماشاة روح العصر في التفكير وفي الإستجابة للرغبات الإجتماعية حسب الإمكانيات والطاقات المتوفرة، هي ظواهر صحية ومزايا جيدة بالنسبة لعلم الإدارة والعلوم الإجتماعية. كما أن اختلاف الظروف الإجتماعية والأوضاع الخاصة بكل مؤسسة أو قطاع إداري، تتطلب معالجة القضايا بأساليب مختلفة عن الأساليب الإعتيادية.

وبإيجاز، فإن الإدارة عبارة عن جهاز إداري يتطور ويتغير باستمرار لمواجهة التضخم السكاني وزيادة الطلب على خدمات الدولة والإستجابة لحاجيات وأذواق الأجيال الجديدة ومسايرة التكنولوجيا الحديثة في المجال الإداري.

فالإدارة لا يمكن فصلها عن الظروف والبيئة التي تعمل فيها إذ أنها تتكيف دائما بالعوامل السياسية والتاريخية والإجتماعية والأخلاقية السائدة والسبب في عدم اعتبارها علما مثل العلوم الطبيعية يرجع في الأصل إلى العوامل الآتية :

 

1) أن تصرف الإنسان لا يمكن ضبطه وتحديده في قانون معين، فأفكار الفرد تتغير من فترة إلى أخرى تبعا لتغير البيئة التي يعيش فيها أو نتيجة للتطورات التي تطرأ على حياته أثناء عمله واحتكاكه بأناس آخرين.

2) أن الأفراد عادة لا يبوحون بأسرارهم، خوفا من انتقادات الآخرين وهذا يحول دون حصولنا على المعلومات التي تمكننا من إصدار قرارات علمية مضبوطة.

3) أن القيم الإجتماعية تختلف بإختلاف الثقافات والعادات المتعارف عليها في كل بلد وبالتالي فإن ردود فعل الإفراد وتصرفاتهم تختلف من مجتمع إلى آخر.

4) أن أجهزة الإعلام المرئية والمكتوبة ومطالعة الكتب العلمية قد تدخل تغييرات جدرية على  عقول الناس وذلك يؤدي إلى تغيير الإتجاهات الفكرية والأخذ بأفكار جديــدة.

5) أن الأفراد لا يلتزمون عادتا بالحياد والموضوعية عندما يعبرون عن آرائهم في مواضيع حساسة وإنما يبدون آراءهم بطريقة متميزة حتى يتسنى لأفكارهم أن تنتشر ويقتنع الآخرون بها.

 

 

الإدارة أداة لتقـدم المجتمـعات

 

ليس هناك جدال في أن الدول المتقدمة في العمل الإداري هي أقوى الدول في عصرنا هذا، لأنها عرفت طريق الفعالية في التنظيم وحسن استغلال مواردها الطبيعية، وأظهرت المقدرة على توجيه الجهد البشري بحيث أدى حسن استخدام الجهد الإنساني إلى ما فيه النفع للمجتمع. إن الإدارة هي المقدرة على حسن استخدام المال وحسن استخدام الطاقات الإنسانية لإشباع حاجات المجتمع وتقديم الخدمات الضرورية له في الوقت المناسب. والإدارة بهذا المعنى هي المحرك الذي يعمل على تشغيل الطاقات التي يملكها المجتمع، أي أنها القوة الدافعة لتنمية تلك الطاقات حتى تزداد على الدوام وتتحسن إلى حال أفضل بإطراد.

فإذا كانت كل حكومة في مجتمع هي التي تقرر السياسة العامة التي تنتهجها، وتسن القوانين التي تساعدها في تحقيق العدالة الإجتماعية، وتحرص على حماية المواطنين من أي إجحاف بحقوقهم، وتسعى لتوفير الأمن والإستقرار حتى يشعر الناس بالطمأنينة وراحة البال، فإن هذه الإستراتيجية العامة التي تضعها أية حكومة، تعهد بتنفيذها وتحويلها من نظريات تجريدية إلى واقع ملموس، إلى رجال الإدارة العامة الذين يتحملون مسؤولية تنفيذ جميع الخطط وتقديم جميع الخدمات التي التزمت القيادة السياسية بها للمواطنين.

إن ترجمة سياسة الحكومة إلى أعمال ونتائج ملموسة وإعطاء المصلحة العامة معناها الحقيقي وتلبية حاجيات أبناء الشعب ورغباتهم، تعني أن الإدارة هي الركيزة
أو الجسر المتين الذي يربط بين الشعب وقيادته. فالإدارة هي التي تبعث الحيوية والنشاط في الجهاز الحكومي وتخلق الولاء للدولة والتعلق بها عن طريق تقديم الخدمات وتطبيق القوانين بموضوعية ومراقبة جميع الأعمال، المتعلقة بالأمن والعدالة الإجتماعية أو خرق قوانين البلاد. فالحكومة تستجيب لرغبات مواطنيها عن طريق الجهاز الإداري الذي يرجع إليه الفضل في نقل المعلومات والإحتياجات إلى القيادة السياسية وتقديم الإقتراحات البناءة لتلبية المطالب الشعبية، ثم يتولى تنفيذ تلك المشاريع المقترحة عندما تقرها السلطة السياسية.

وإذا كانت الشخصيات القيادة في الحكومة تتغير بإستمرار عند أي تعديل وزاري فإن المسؤولين الإداريين يواصلون العمل في غيابهم بحيث لا يتعطل العمل ويضمنون الإستمرارية في تقديم الخدمات للمواطنين. وسواء كان الوزراء جددا أو قدامى في مناصبهم، فإن المسؤولين الإداريين هم الذين يتولون عمليات جمع المعلومات وتحليلها وكتابة تقارير مفصلة عن الإحتياجات والإختيارات المطروحة ويقترحون الحلول المناسبة للمشكلات التي يواجهها أي مجتمع لأن رجال الإدارة يعتبرون الفئة المتخصصة والمعول عليها لحل أي إشكال يطرأ على المشاريع الإقتصادية والمعول عليها لحل أي إشكال. والهندسية والإدارية، إن المبادرة في العمل قد تأتي من القمة أو القاعدة، ولكن أصحاب الإختصاص الذين نطلق عليهم في معظم الأحيان كلمة ” تقنوقراطيين ” هم الذين يشاركون القادة السياسيين في صياغة الإقتراحات ووضع الخطوط العريضة للبرامج والمشاريع العامة التي تقوم الحكومة بدراستها والموافقة عليها لتأخذ طابع الشرعيــة.

إن ما أؤكده هنا أن فعالية العمل وجودة الخدمات التي تقدم للمواطنين، تتوقفان على إتقان الأداء في الإدارة وإعطاء الناس صورة حسنة عن حكومتهم، ثم أن القرارات التي  تتخذ في القمة مبنية على المعلومات التي جمعها رجال الإدارة وزودوا بها قادتهم. فإذا كانت المعلومات مستقاة من مصادر موثوق بها ومغربلة ومعبرة عن الواقع الإجتماعي فإن القرارات تكون صائبة ومفيدة للمجتمع.

إننا في عصر التكنولوجيا والإعلام الآلي أو الكومبيوتر والسرعة في اتخاذ القرارات وخزن المعلومات واستعمالها بدقة ومهارة عند البت في قضايا المصيرية التي تهم أمن البلاد وتوجيه طاقات أبناء الأمة إلى ما فيه مصلحة الجميع. والإداريون بصفتهم المؤتمنين على أسرار الدولة والمساهمين الرئيسيين في صنع القرارات وتنفيذها والمتخصصين العارفين بخبايا الأمور، هم الذين يشكلون القوة الإجتماعية التي تؤثر في مجرى الأمور، إيجابا أو سلبا.

إن تقدم أي مجتمع مرهون بمقدرة الإداريين على إظهار الكفاءة وتقديم الخدمات الأساسية لأبناء الشعب وتزويد القادة السياسيين بالمعلومات الدقيقة عن المواضيع الهامة حتى يتخذوا القرارات الصائبة. وبفضل الأدوار الإيجابية التي يقوم بها رجال الإدارة في مجتمعهم، يمكن تحقيق الأهداف الوطنية الآتية :

 

1) توفير الأمن وتقوية الثقة في النظام السياسي.

2) انتهاج سياسة موحدة ومقبولة من طرف الأغلبية.

3) التوفيق بين مصالح الأقليات ومصالح الأمة ككل.

4) توزيع السلطات بين الأجهزة المركزية والأجهزة الموجودة بالأقاليم.

5) إدخال عناصر التطوير والتحسين بالإدارات الرئيسية.

6) تقوية المؤسسات الإدارية وتنمية المهارات.

7) رفع المعنويات في العمل وخلق التعاون بين المواطنين والإدارات الوطنية.

8) حسن استخدام الثروات وتجنيد الطاقات لما فيه فائدة الجميع.

9) استعمال العقل في التخطيط وإعداد البرامج التي لها مردود.

10) خلق الفعالية وتحسين مستوى الأداء ورفع مستوى الخدمات.

11) دعم التعاون الجماعي والمشاركة في اتخاذ القرارات.

12) كسب احترام دول العالم وتقديرها.

إن هذه الأدوار الهامة التي تقوم بها الإدارة الواعية هي التي تساهم في تحديد الأهداف المشتركة التي تجسم مصلحة جميع المواطنين، وتساعد أيضا على تحقيق التعاون الجماعي الذي يعتبر ضروريا لأي نشاط إداري. فبوجود أهداف مشتركة وإستراتيجية متكاملة يمكن للإدارة القائمة على أسس متينة تجنيد الناس للعمل وخلق المؤسسات التي تستوعب العمل الجماعي وتسمح بتحويل الأفكار المجردة إلى حقائق ملموسة ومعبرة عن الصالح العام، ولعل أحسن مثل يمكن أن نأتي على ذكره هنا لتدعيم قولنا أن حسن الإدارة هو أساس التقدم والرفاهية في المجتمع الحديث، هي اليابان وألمانيا الغربية، وهما من الدول التي انهزمت في الحرب العالمية الثانية، لكن الإدارة الواعية والحازمة في هذين البلدين حولت المؤسسات المنهارة إلى مؤسسات حديثة وقائمة على أسس عصرية بحيث مكنت هذين البلدين من احتلال مركز الصدارة في التقدم في عصرنا الحالـــي.

* دراسة منشورة بجريدة الشعب، الأعداد الصادر ة أيام 11/ 12/ 13 أكتوبر 1983.

(1) نير ولوي غولدمان، باريس سيغرس، 1973، ص 27.

(2) مارشال وديموك وغلاديس، الإدارة العامة، نيويورك، هولت، تيهارت، 1969، ص 5.

(1)  هود كنسون، ص 10.

(1) المرجع نفسه.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *