الجمعة , 5 مارس 2021

المواطن وإدارتـه وجـها لوجــه*

بقلم:

عمار بوحوش، أستاذ علوم التنظيم

بمعهد العلوم السياسية والإعلامية

جامعة الجزائر

 

يعتبر النشاط الاداري من أهم العمليات والنشاطات الانسانية في حياة كل جماعة بشرية. ففي هذا الاطار تقوم الإدارة بتنسيق الجهود البشرية واستغلال الثروات الوطنية حتى يتسنى للمجموعات البشرية أن تحقق أهدافها المنشودة.

وانطلاقا من المفهوم للنشاطات الإدارية، فإن المواطن يعتبر إدارة بلديته هي المسؤولة عن مصيره وهي التي تتفانى في تقديم الخدمات الضرورية له.

وإذا كانت الإدارة فقد أنشئت بقصد تسهيل حياة المواطن وتقديم الخدمات له، فإن ذلك يتطلب تحديد العلاقة التي تربط بين المصالح الحكومية والمواطنين الذي يتعاملون معها. ولعل أكبر عقبة تعترض سبيل الترابط الإجتماعي وتقوية أواصر التعاون بين المسيرين في الإدارات الوطنية والمستفيدين من الخدمات العامة، هي انعدام الهياكل والإمكانيات التي تسمح بتلبية الرغبات وتحقيق المطالب الشعبية. وطالما لم توجد الهياكل الكافية وتتحدد مجالات العمل والتعاون بين أبناء الشعب وإداراتهم فلا يمكن لأي طرف أن يحصل على نتائج إيجابية بمعزل عن الطرف الآخر.

وعندما نقول أن العلاقة غير محددة بين المواطن وإدارته فقصدنا من ذلك هو أن الثقة التي يوضعها أبناء الشعب في المسؤولين بالمجالس البلدية والدوائر الرسمية لاتخاذ القرارات التي تخدم مصالحهم، لن تكون مجدية ما دامت السلطات المحلية ليست على إتصال وثيق بالمواطنين أو غير ملمة بمشاكل كل فئة إجتماعية. وعلى هذا، فالمسائل الحيوية التي تهتم بها السلطات المحلية والمتمثلة في التخطيط والتنظيم والتوجيه والقيادة والرقابة يصعب اتخاذ أي قرار سليم بشأنها إذا لم يبد المواطن استعداده للإفصاح عن رغباته ويلتزم من جهته بالامتثال وتطبيق الإجراءات التي تتخذ لخدمة المصلحة العامة.

وبدون شك، فإن المواطن يتعامل باستمرار مع الإدارات الحكومية سواء منها تلك التي تهتم بالشؤون المالية أو القانونية. وعند اتصاله بالإدارات التي يراجعها بشأن أموره، قد يواجه الإنسان صعوبات ويتعذر عليه الحصول على ما يريد. وإذا كانت التعقيدات ناتجة عن تضارب القوانين وغموضها، فهذه قضية من اختصاص الإدارات الحكومية التي تتكفل بمراجعة السلطات العليا في ذلك وتقديم الاقتراحات لتسهيل العمليات الإدارية. أما إذا كانت الصعوبات مفتعلة أو ناتجة عن التقصير في أداء الواجب، فهذه مسألة تتطلب منا الوقوف عندها برهة من الزمن للتمعن فيها. ولعل السؤال الذي يجدر بنا أن نطرحه هنا هو: كيف يمكن أن يدافع عن نفسه، إذا كانت الإدارة الحكومية لا تعامله بلطف ولا تنصفه في الحصول على حقه أو لا تبالي بمصيره؟ فماذا يستطيع المواطن البسيط أن يفعل في هذه الحالة ؟.

فإذا كانت هناك قوانين تحمي الإنسان الموظف وتضمن له الإستمرارية في العمل وكسب العيش، فمن الواجب أن تكون هناك قوانين، أيضا، تحمي المواطن البسيط من ظلم الأقوياء ومن عبث اللامبالين. وليست هناك مبالغة إذا قلنا بأن المشكل الأساسي الذي يعرقل تقدم المجتمعات الحديثة هو بالضبط ظاهرة الحرص على تطبيق القوانين بحذافيرها لكن بدون أن يكون هناك حرص مماثل على مصالح المواطنين، والمفروض في هذه الحالات أن تحترم حقوق المواطن مثلما تحترم القوانين لأن الإدارة أنشئت بقصد خدمة الإنسان وتسهيل أموره اليومية وليس بقصد التعالي عليه والتشبت بقوانين التي تحقق أهدافه المنشودة.

 

 

ضرورة القيام بثورة إداريــة

       إن الوقت بالنسبة لكل مواطن وكثرة تردده على إدارة البلدية يعتبر جهدا ضائعا سواء بالنسبة للفرد الذي يتحمل مشقة المواصلات والوقوف أمام شبابيك البلدية
أو بالنسبة للموظف الذي تتراكم عليه الأعمال ويصعب عليه ترضية زبائن بلديته. وأكثر من ذلك، ينبغي أن يصحب فكرة الحرص على الوقت وتقديم الخدمات في الإبان، عامل آخر يتمثل في تغيير العقليات نفسها. فالمواطن عندما يستعين بإداراته للتغلب على مشاكله يتوقع منها أن تتفهم نفسيته وتقدم له الخدمات المطلوبة بروح مرحة.

ولعله لا يخفى على أي أحد بأن المواطن يبحث بالدرجة الأولى عن الإحترام المتبادل، والفعالية، والتنظيم، والإنصاف، والدقة في العمل. وهذه المقاييس يمكن تواجدها في أية إدارة يتحلى أفرادها بالأخلاق العالية والرغبة الصادقة في تقديم الخدمات المطلوبة إلى المواطن الجزائري.

وانطلاقا من هذا المفهوم، فإن التصرفات الإنسانية التي تكون قدوة حسنة للآخرين هي التي تمهد الطريق للنجاح الحقيقي في ميدان التسيير. فالموظف الملتزم بواجباته والحريص على إنجاز المسؤوليات الملقاة على عاتقه هو الذي يستطيع أن يتخلص من المشاكل قبل أن تتراكم ويخلق الثقة في المؤسسة التي يعمل بها.

وعندما ننادي بضرورة القيام بثورة إدارية، فليس قصدنا من ذلك القضاء على الروتين الإداري فقط، بل نقصد أشياء أخرى لها اعتبار كبير في نفوس المواطنين الجزائريين، وذلك مثل إعطاء انطباع للمواطنين جميعا :

 

1)- بأن المواطن الجزائري يحظى برعاية دولته وأن الهدف الأساسي للمسؤولين في البلديات هو تقديم الخدمات له، وليس تمغيص حياته، مثلما كان يفعل المستعمر في الماضي.

 

2)- أن التسلط البيروقراطي لا يمكن أن يتفشى في مصالح البلديات، لأن المصلحة العامة تفرض على المواطن أن يخدم أخاه وليس التعالي عليه أو إساءة استعمال النفوذ ضد المواطنين البسطاء.

 

3)- أن فقدان الإحترام المتبادل بين الموظف والمواطن وانتشار الفوضى قد يترتب عليهما عواقب سيئة ونتائج خطيرة سواء بالنسبة لمستقبل المواطن أو الجمهور المتعامل مع الإدارات البلدية.

 

4)- أن الفعالية والكفاءة في العمل يتوقف عليهما مصير الموظف، فمن لا يجتهد لتجسيم المصلحة العامة وإعطاءها القيمة التي تستحقها، لا يمكن بقاؤه في مؤسسة يكون عالة عليها بدلا من تدعيمها ورفع شأنها.

 

5)- أن الجدية في العمل تكون هي المقياس الأساسي لممارسة أية وظيفة إدارية، فالموظف المخلص لمهنته ولوطنه هو الذي يعطي أهمية كبيرة لعمله بحيث يتحمل مسؤولية جميع الأعمال التي يقوم بها وتطمئن إليه نفوس المواطنين.

وبالإعتماد على هذه الأساليب، فقط يمكن أن تتوطد أواصر الثقة بين المواطنين واداراتهم وتزداد رغبة كل طرف في العمل وصرف وقته في العمليات المنتجة التي تعود بالفائدة على الجماهير وعلى الموظفين الرسميين بالإدارات الوطنية. إن التغيير وتطبيق الأساليب العملية في المجالات الإدارية لا يمكن أن يكون النجاح حليفه إلا إذا توفرت الصفات الخلقية والإرادة الصادقة والحزم في المسؤولية، وهي كلها صفات نابعة من السلوك الإنساني ونظرة الأشخاص إلى المواضيع التي تعرض عليهم لمعالجتها وإراحة الناس من همومها.

وانطلاقا من هذا المفهوم، فإن التقدم في كل بلدية مرتبط بنوعية الشخصيات التي وقع عليها الإختيار لقيادة المجموعات السكانية في كل ناحية.

وفي هذا الإطار، يتعين على جميع سكان البلديات أن يتعرفوا جيدا على الشخصيات التي تترشح للإنتخابات البلدية ثم يختاروا ويصوتوا على المواطنين الذين يمكن أن يعول عليهم لإحداث نهضات اجتماعية واقتصادية وثقافية وعمرانية بمنطقتهم. ولكي يكون للديمقراطية الشعبية معناها الحقيقي، فلا بد أن يأتي بعد الثقة التي وضعت في المنتخبين المحليين دور المحاسبة والتعرف على الإنجازات والعقبات التي حالت دون تحقيق أماني الجماهير الجزائرية. وعلى هذا، فإن مساهمة المواطنين في المناقشة وإبداء الرأي وعرض المسائل الحيوية على مجالسهم البلدية تعتبر أشياء ضرورية، لا يمكن الإستهانة بها.

المشاكل متراكمة وامكانيات البلديات محـدودة

تعتبر السلطات المحلية في كل بلدية مسؤولة عن توفير العديد من الخدمات التي يحتاجها سكان كل بلدية. وبالفعل، فإن مجالات العمل متعددة ومتنوعة، ثم إن السكان في كل بلدية يتوقعون من المسؤولين المنتخبين في بلدياتهم أن يتكفلوا بحل مشاكلهم على المستوى المحلي لأنهم أقرب إليهم من السلطات المركزية وأكثر دراية بالصعوبات التي يعاني منها كل مواطن ببلديته. ولهذا، فإن جميع الفئات الإجتماعية ترى أنه من  واجب بلدياتهم توفير مايلي:

1- العمل لكل عاطل.

2- التعليم لجميع الأطفال.

3- السكن للضعفاء.

4- بناء الطرقات وتعبيدها.

5- انشاء الصيدليات.

6- تكوين المصحات المركزية الطبية.

7- توزيع الصحف والمجلات.

8- انشاء دار الحضانة للأطفال.

9- توفير الملاعب الرياضية في البلديات.

10- جلب المياه الصالحة للشرب.

11- انشاء مجاري للمياه.

12- توفير الإضاءة.

13- خلق نوادي ثقافية للشباب.

14- توفير سيارات النقل العمومي سواء للعمال أو للتلاميذ.

15- توفير دار للسينما.

16- توفير مخيمات للشباب في العطل الصيفية.

17- تنظيم رحلات.

18- الإشراف على النظافة العامة.

19- توفير الأمن.

20- تجنيد السكان لخدمة مشاريع الثورة الثقافية والزراعية.

21- توفير ديار لإيواء الأطفال اليتامى.

22- ايجاد مطاعم لتوكيل الجائعين والشيوخ الذين لا أهل لهم.

23- السعي لبناء مراكز للتكوين المهني وتحويلها إلى ورشة عمل للمعوقين والغير القادرين على مواصلة الدراسة.

24- القيام بحملات لتطعيم جميع الأطفال والقضاء على الأمراض العضوية.

25- انشاء الحدائق وأماكن اللهو للأطفال حتى لا يتضرروا من جراء اللعب في الأماكن القــذرة.

26- تجنيد الشباب الذي يجوب الشوارع لمختلف مشاريع البناء والتشييد.

كل هذه المواضيع يعتبرها المواطن من اختصاص بلديته ويتوقع من السلطات المحلية أن تعينه على حل هذه المشاكل التي تنغص حياته. لكن السؤال المطروح هنا : هل في  إمكان البلديات أن تحقق أماني سكانها ؟.

والجواب على هذا السؤال واضح ولا يحتاج إلى كثير من التفكير، أنها لا تستطيع أن تلبي معظم هذه الرغبات الشعبية. إن الآمال المعلقة عليها شيء، وإمكانياتها المادية والمعنوية شيء آخر.

والمشكل الأساسي بالنسبة للبلديات هو أن قوانين الوظيف العمومي الحالية
لا تسمح لها بتشغيل الإطارات الكفئة التي تستطيع أن تستعين بها البلديات لإنجاز المشاريع التي تزعم تنفيذها.

القوانين الحالية، إذن، تعرقل مساعي رؤساء البلديات لتقوية الهياكل وجلب الإطارات التي يمكن أن يعول عليها لإحداث نهضة عمرانية واجتماعية واقتصادية في كل بلدية.

والمشكل الثاني الذي تعاني منه البلديات يكمن في عدم توفر الإعتمادات المالية التي تكفي لتمويل المشاريع المتعددة. وقد لاحظت في بعض البلديات المجاورة للعاصمة بأن الإعتمادات المالية المخصصة لبعض المشاريع لا تكفي حتى لتغطية تكاليف الدراسات الأولية للمشروع. وخوفا من الشروع في أي مشروع واستحالة إتمامه، كثيرا ما تحول دون إنجازه.

والمشكل الثالث هو أن البلديات لا تستطيع أن تقدم الخدمات الضرورية للمواطنين لأنها لا تحصل على العتاد الذي يسمح لها بتحويل البلديات إلى ورشات عمل. إن عدم وجود الآلات يعتبره بدون شك، من أهم العراقيل التي تحول دون تحرك البلديات لإنجاز المشاريع الممكن تحقيقها ماديا وتقنيا.

والمشكل الرابع الذي تعاني منه البلديات، وبالتالي يعاني منه كل مواطن، يتمثل في صعوبة الحصول على مواد البناء وسيارات النقل وآلات العمل. إن عدم وجود هيأة مختصة تقوم بتوفير وسائل العمل وأدواته، على مستوى الدائرة أو الولاية، قد جعل البلديات عاجزة عن مسايرة ركب التقدم الحضاري وغير قادرة على القيام بواجباتها تجاه المواطنين.

والمشكل الخامس هو أن البلديات التي تقوم بالأعمال الروتينية فقط قد وجدت نفسها مفصولة تماما عن السكان وذلك نتيجة لعدم وجود دوافع للتعاون المشترك في مختلف الميادين بين السكان وبلدياتهم. وإذا كان السكان ينظرون إلى بلدياتهم نظرة اليأس وعدم إعطائها أي اعتبار فذلك هو الذي جعل البلديات تنكمش على نفسها وتتحول إلى مجموعة من المكاتب والأفراد مجمدين في إحدى زوايا المدن الصغيرة.

وفيما يخص المشكل السادس المتمثل في عزوف الناس عن العمل بالإدارات البلدية لأنها لا تدفع الرواتب العالية ولا تمنح المزايا التي تعطيها الشركات الوطنية والإدرارات الحكومية، فذلك يعتبر من أهم العراقيل التي تحول دون وجود عناصر حازمة ومستعدة لإدخال روح الحيوية والديناميكية في الإدارات المحلية. ومعنى هذا، أن ادارات البلديات لا تستطيع أن تتنافس  مع بقية الإدارات الوطنية لجلب العناصر الكفأة والمهيأة لتدعيم البلديات في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. وإذا بقي الوضع على ما هو عليه الآن، فإن البلديات لا تستطيع أن توظف للعمل بمصالحها إلا من رفضتهم الشركات الوطنية والإدارات المركزية واعتبرتهم عناصر غير مؤهلة للعمل بها.

والمشكل السابع والخطير هو أن المشاركة الشعبية في الأعمال التي تقوم بها البلديات تكاد تكون معدومة. والسؤال المطروح: هل من المعقول أن تتوفق أية بلدية في خدمة أفراد لا يمدون إليها يد المساعدة ولا يتقدمون بمطالبهم لدراستها ؟ وفي الحقيقة أن هذا الجفاء الموجود بين المواطنين ومنظماتهم الشعبية يعتبر تثبيطا للعزائم وضربة قوية لمبدأ التنظيمات البلدية نفسها، لأن حياة المنظمة وبقاءها مرتبط بمدى مشاركة جماهيرها الشعبية في مشاريعها وتمكينها من خدمة المصلحة العليا للمجتمع.

المشكل الثامن هو أن طريقة العمل في البلديات أصبحت بالية ولا تتماشى ورغبة السكان. فمن الناحية النظرية، يستطيع رئيس البلدية أن يلعب أدوارا رئيسية في تسيير شؤون البلدية لكنه من الناحية الواقعية لا يمكنه أن يقوم إلا بالأعمال الروتينية التي تتمثل في إمضاء الوثائق واستقبال الضيوف وتمثيل المجلس البلدي الشعبي في الإجتماعات الرسمية. وجوهر المشكل هنا أن شيخ البلدية غير متفرغ لعلمه بأتم الكلمة لأنه ليس هناك أي نص قانوني يضمن له العودة إلى منصبه بعد انتهاء فترة اشتغاله بالبلدية. ولهذا، فإن عدم تفرغ رئيس البلدية للعمل بصفة كاملة قد خلق نتائج عكسية على سير الأمور بالبلديات.

والمشكل التاسع هو أن الإدارات البلدية لم تفرق حتى الآن بين الخدمات الفنية والعمليات السياسية. فالمفروض في الإدارات البلدية أن تعطي أهمية كبيرة للمدير التقني الذي يتولى جميع العمليات الفنية والإدارية. ولكن الشيء الذي يجري حاليا هو أن السلطات كلها مركزة في يد رئيس المجلس الشعبي البلدي الذي لا يعتبر، بالضرورة، خبيرا فنيا لأن وظيفته الرئيسية سياسية وليس إدارية.

والمشكل العاشر يتمثل في الإجراءات الإدارية المفروضة على المجالس الشعبية بكل بلدية. فالأموال المتوفرة لديها لا تستطيع أن تستثمرها وتستعملها بسرعة وفي الوقت المناسب لأن مدلولات المجلس تبقى حبرا على ورق إذا لم تسارع السلطات العليا في المراقبة المالية وفي الولاية بإعطاء موافقتها على شراء ما تحتاجه البلدية. والواقع أن الإجراءات المشددة قد ضاعفت من مصاعب البلدية بحيث صار من غير الممكن اقتناء سيارات الشحن ومعدات العمل في الوقت الذي تكون فيه متوفرة في الأسواق، ولا تأتي المرافقة من أعلى إلا بعد فوات الأوان.

 

 

الفعالية والديمقراطية في الميــزان

من خلال الحقائق التي أتينا على ذكرها يتضح بأن المواطن يبحث عن الفعالية وربح الوقت وتمكينه من الحصول على الأشياء التي يحتاجها في فترة قصيرة من الوقت. لكن الإمكانيات الضعيفة وعدم وجود الإطارات الكفأة بالبلديات لا يسمحان بحل المشاكل المعقدة التي يعاني منها معظم المواطنين. وهذا يعني أن ضعف الإدارات البلدية ينجم عنه بالتالي ضعف المواطن، وفي نهاية الأمر، ضعف الإرادة الجماعية.

وبناء على هذا، فإن الإنطلاقة الحقيقية للبلديات تبتدئ من مضاعفة جهودها لخلق الفعالية في الأجهزة الإدارية وتبسيط الإجراءات التي تتبع عادة للحصول على مختلف الوثائق الضرورية لكل مواطن ومواطنة. وإذا نجحت البلديات في تدليل الصعاب وتمكنت من تخفيف الضغوط على المواطنين في ميدان العمليات الإدارية التي تقوم بها حاليا، فإنه سيكون في إمكانها، آنذاك، أن تفرض احترامها على المواطنين وتجعلهم يثقون أكثر في هيئتهم المحلية التي برهنت على غيرتها وتفانيها في خدمتهم.

والشيء الذي يدفعنا للمطالبة بتبسيط الإجراءات الإدارية، مع المحافظة على الفعالية والدقة في التنظيم، هو اعتقادنا الراسخ بأن مستقبل البلديات يتوقف على خلق العادات والتقاليد الحسنة التي تكون قدوة لعمل الغد. ومعنى هذا أنه يتحتم على البلديات أن تقف بجانب السكان وتشعرهم بأن أمنهم وسعادتهم هي الأعمال الرئيسية التي تحتل الصدارة في الأعمال اليومية التي تقوم بها البلديات. وإذا تبلورت فكرة المصير المشترك وحماية المكتسبات الشعبية من كل طامع وتمت عمليات تنسيق المجهودات بقصد خدمة المصلحة العامة، فإنه سيكون بإمكان البلديات أن تتوسع في أعمالها وتلبي معظم رغبات سكانها.

ثم إن انهماك السكان والبلديات في العمل المثمر سينتج عنه لا محالة الحصول على تدعيمات مالية وأدبية من القيادة السياسية في البلاد التي دأبت على مساندة جميع المشاريع الإنمائية وخاصة إذا كانت هناك إرادة شعبية لإنجازها وتعميم فوائدها على الجماهير الشعبية. وبدون شك، فإن هذا الأسلوب المنطقي يتماشى وسياسة التنمية الإقتصادية والإجتماعية في كل بلد، لأن المنظمة لا قيمة لها كمنظمة إلا إذا برهنت على أنها قادرة على تجنيد سكانها للعمل وتحسين مستواهم الإجتماعي وذلك عن طريق العمل وتطوير ناحيتهم بالعمل الجماعي.

إن سياسة الإعتماد على النفس، أي أن سكان كل بلدية هم الذين يتحملون مسؤولية تنظيم أنفسهم في إطار المنظمات المحلية، الموجودة بكل منطقة، تعتبر هي الركيزة الأساسية لأي نهضة اجتماعية ورخاء اقتصادي بالجزائر. فمن الناحية الواقعية، لن تكون هناك قيمة ومعنى للإدارة الجماعية إلا إذا تجسدت الإرادة الشعبية في التجمعات المحلية لأن الشعب يستطيع أن يساهم بطريقة مباشرة في مناقشة القضايا المصيرية ويفرض إرادته وطريقة التحول الإجتماعي التي ينبغي أن تحصل بكل حي أو منطقة معينة. ولو نظرنا إلى الإعتماد على النفس من الجانب الديمقراطي لوجدنا أن عملية اختيار الممثلين للشعب لن تكون لها أية معنى إذا لم يظهر السكان نوعا من الجدية في اختيار الشخصيات المحلية التي تكون في مستوى المسؤوليات الملقاة على عاتقها. ولهذا، فإن مصير المواطنين بكل بلدية يتوقف على نوع القادة المحليين الذين يزكيهم السكان بالتصويت عليهم ويتعاونون معهم لتجسيد الإرادة الشعبية وتحقيق أماني السكــان.

وإذا كانت، في الوقت الحاضر، الإمكانيات المادية والصلاحيات السياسية غير متوفرة لرؤساء مجالس البلديات لكي تساعدهم على حل مشاكل السكان في كل ناحية، فتلك القضية الجوهرية ينبغي عرضها على القيادة السياسية في البلاد لتنظر فيها وتنصف البلديات التي تتعرض لضغوط اجتماعية لا نظير لها. ولا يفوتنا أن نشير، في هذا الصدد، إلى أن نجاح البلديات في تلبية رغبات المواطنين يتوقف على توفير الإمكانيات العتادية والمالية والمعنوية ثم المحاسبة الشعبية والمراقبة المتواصلة من القيادة السياسيــة.

 

خاتمـــة :

       إن البلدية ما هي إلا امتداد للعائلات الصغيرة الموجودة فيها، وفيها تنتظم الأعمال الجماعية وتتوزع أدوار المسؤولية. وإذا كان كل فرد في هذه الأسرة الجزائرية المصغرة يحرص على ربح الوقت ويسعى للتخلص من الروتين والمشاكل الهامشية أو الجوفاء، فينبغي أن تمد له يد المساعدة لكي يتسنى للجميع القضاء على الإتكالية والكبت والحرمان.

ومثلما يحق لكل فرد أن يحصل على نصيبه من الأكل والسكن والتعليم، فهو مطالب، أيضا، بالعمل لرفع شأن المجموعة التي ينتمي إليها وإعلاء شأنها بالأعمال وليس بالأقوال. وعلى كل مجموعة الآن أن تثبت بأن تعاون الجميع كمواطنين مع إدارتهم هو وحده الكفيل بإخراجهم من عصر التخلف إلى عصر التقدم. كما أن الواقع أصبح يفرض على كل  مواطن ومسير، أن تستثمر طاقاتنا في الأعمال البناءة التي تعود علينا بالفائدة كأفراد وكمجموعة إنسانية تساهم في الإنتاج وليس في الإستهلاك فقط. وإذا كنا نتوقع من البلديات أن تكون في مستوى المسؤوليات الملقاة على عاتقها، فعلى المسؤولين في الدولة أن يمنحوها جميع الإمكانيات التي تمكنها من تحقيق أماني الجماهير الشعبية لأن البلدية تكبر وتصغر قيمتها في أعين الشعب نتيجة للخدمات التي تقدمها للمواطنين المقيمين بها.

*  دراسة قدمت  إلى الملتقى الذي أشرفت على تنظيمه الهيئة الوطنية للبحث العلمي بمشاركة ولاية الجزائر، في الفترة الممتدة من 15 إلى 16 ماي 1977.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *