الخميس , 22 أغسطس 2019

الهوية واللغة في البلدان العربية

*دراسة تحليلية

 

عمار بوحوش  **

أستاذ الدراسات العليا بكلية العلوم السياسية، جامعة الجزائر.

 

عندما يكتب أي باحث في موضوع الهوية واللغة في الوطن العربي، يتعين عليه منذ البداية أن يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أساسية وهي أن الهوية الوطنية (أي الانتماء إلى دولة محددة) تأتي في المقدمة، أي قبل إظهار انتمائه القومي العربي بمعناه الشامل. بكل بساطة، إن الانتماء العربي قوي في النفوس لأن اللغة العربية التي يتخاطب بها الناس جاءت مصاحبة الدين الإسلامي هو الذي عربنا ووحدنا، وبالتالي صرنا عربا لأننا نتكلم لغة القرآن وذلك بغض النظر عن انتماءاتنا العشائرية  والقبلية والعرقية التي لم تكن لها لغة واحدة مشتركة. إن تراثنا المشترك هو الذي خلق فينا الغيرة الوطنية والاعتزاز بالهوية والعقيدة الإسلامية والتعلق بتراثنا و رصيدنا الحضاري الذي بناه الآباء والأجداد على مدار عدة قرون. وعليه فالهوية والانتماء الحضاري لا يأتيان من فراغ وإنما يأتيان من إسهامات المفكرين  والمبدعين الأوائل الذين كانت لهم إسهامات جادة في الحياة الثقافية الوطنية والدولية. ولهذا، فإن المطلوب في وقتنا الحاضر هو تحفيز النشء الجديد على معرفة إنجازات وإسهامات المفكرين العرب والمسلمين والأجانب الذين اجتهدوا وكتبوا وساهموا في إثراء الرصيد المعرفي على مر القرون بحيث أنهم صاروا رموز بلداننا العربية في الفكر والإبداع[1].

وفي الحقيقة إننا نعاني في الميدان الأكاديمي ونتساءل إذ كان من الأفضل أن تبدأ عمليات الإصلاح والتغيير بالجزء لكي يصلح الكل أو العكس، ولكنني عن قصد اخترت معالجة موضوع الهوية بالاعتماد على نظرية التنظيم الجزئي، أي أنه من الأفضل بناء وتقوية الهوية الوطنية في كل بلد قبل الحديث عن الهوية العربية الشاملة التي ستتدعم إذا نجحنا في بناء كيان عربي شامل ومتماسك. وفي قناعتي أن نجاح أي تنظيم يتوقف على مراعاة البيئة الداخلية و الترابطات  الاجتماعية والتعاون بين القوى السياسية والاقتصادية المتواجدة بكل منطقة.

إن المتمعن في قيام الثورات العربية في شمال إفريقيا في تونس والجزائر والمغرب في بداية الجزء الثاني من خمسينيات القرن العشرين سيلاحظ أن حرب التحرير في هذه البلدان الثلاثة انطلقت بنجاح بسبب الظلم الاستعماري في كل بلد، لأن الأوروبيين بما فيهم اليهود الذين أعطاهم مرسوم كريميو الصادر يوم 24 أكتوبر 1870 حق الحصول على الجنسية الفرنسية، في حين تم حرمان المواطنين من المساواة وحق المواطنة وإقصائهم من التصويت الانتخابي بطريقة عادلة، وبالتالي حرمانهم في بلدهم من التمتع بحقوقهم السياسية والاقتصادية لأنهم عرب ومسلمين ولا ينتمون إلى المعمرين ذوي الأصول الأوروبية.

 

ففي الجزائر، مثلا، توحدت جميع الأحزاب الوطنية وأسست جبهة التحرير الوطني وذلك بقصد تحرير الوطن واستعادة السيادة الوطنية. وبطبيعة الحال، كما قال الأستاذ عبد الكريم غلاب ” فاللغة تمثل السيادة الوطنية والقومية. فلغتنا القومية هي جزء من سيادتنا. ولا يمكن التنازل عنها إلا إذا كنا على استعداد للتنازل عن سيادتنا الوطنية “[2]. ونفس الحقيقة أكدها ساطع الحصري عندما أشار إلى أن اللغة هي العنصر الأساسي في التكوين القومي للشعوب والاستعمار الفرنسي حاول فرض لغته على الجزائر منذ البداية لأنه كان يدرك أن اللغة العربية هي التي كانت تشكل أقوى الروابط التي تربط السكان بعضهم ببعض ومقوم أساسي في وحدتهم. ولهذا نجد أن أول التعليمات التي صدرت في بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر توضح بأن “أيالة الجزائر لن تصبح حقيقة، أي ممتلكة فرنسية، إلا عندما تصبح لغتنا هناك قومية، والعمل الجبار الذي يترتب علينا إنجازه هو السعي وراء نشر اللغة الفرنسية بين الأهالي بالتدريج إلى أن تقوم مقام اللغة العربية[3].

 

مشكلة العرب : بناء العمارات  وتشريد المهارات والكفاءات

 

لقد كشفت محاكمات بعض القادة العرب في تونس ومصر بعد الإطاحة بهم من طرف ثورة الشباب العرب، أن الانشغال الرئيسي لرجال السلطة كان التهافت على المال والاستعانة بأقاربهم وأصحابهم وعائلاتهم لإثراء أنفسهم عن طريق الاستثمار في العقار والحصول على أموال كبيرة لإشباع نهبهم وجشعهم، أما الكفاءات التي تعول عليها كل دولة لإحداث ورفع مستوى التعليم والتدريب والتكوين فقد كانت مهمشة ولا يلتفت إليها أي مسؤول. ونتيجة لهذا الإهمال وانعدام الرعاية بالكفاءة والمهارات وأصحاب الإبداع والاختراع في مجالات تخصصهم انهارت منظومات التعليم وتشرد العلماء والباحثون وأصبحوا يدقون أبواب مراكز البحث العلمي والجامعات المرموقة في العالم لطلب التوظيف وإعطائهم فرص المساهمة والإثراء في الاكتشافات العلمية.

وانطلاقا من ما تقدم، يمكننا أن نقول أن ظاهرة اهتمام الدول العربية ببناء العمارات ومراكز البحث الضخمة، وانعدام الثقة في رجال العلم والإبداع في الداخل، هي المشكلة الرئيسية التي عانت منها كل دولة، إلى درجة أن الجامعات العربية التي تعد بالمئات توجد في رتب متدنية ونوعية التعليم فيها رديئة ولا يتخرج منها كبار المفكرين والمبدعين، مثلما هو الحال بالنسبة لدولة المدينة في سنغافورة أو مقاطعة هونكونغ الصينية، والتي لا تمتلك موارد طبيعية أو ثروات نفطية ريعية، وإنما تمتلك مؤسسات أكاديمية إبداعية ومفكرين وطنيين مشهود لهم بالكفاءة والمهارة وتوظيف العلم والتكنولوجيا في مسائل تهم دولتهم ومواطنيهم.

وعليه، فإن مشكلة العرب ولغة الضاد تكمن في تجمد الإبداع العربي. فالحضارات الإفريقية والصينية والفارسية والهندية والعربية شكلت رصيدا علميا هائلا حولته أوروبا إلى ثورة صناعية دائمة في حين عجزت الحضارات الآنفة الذكر على خلق الشروط الضرورية لاستمرار تطور حضاري وسياسي متواصل.

 

أسباب توقف العرب عن الإبداع

إن العرب توقفوا عن الإبداع بسبب غياب تطور حضاري وفكر سياسي منذ القرن الحادي عشر ميلادي، فمنذ ذلك التاريخ توقفت حركة التقديم الاقتصادي والتكنولوجي، وبقي العرب في حالة تخلف ومن تم تبعة متزايدة في قرون متلاحقة استمرت إلى يومنا هذا[4]. ونتيجة لذلك، تكونت قناعات عند كثير من المفكرين العرب، أن مسألة التقصير في القيام بالواجب وانتشار الجهل والفقر والضعف في الدول العربية، ترجع في الأساس إلى أننا أدخلنا أنفسنا في سبات ثقافي حضاري عميق حتى غابت عنا فكرة العصر، فغاب عنا الوعي بالحياة وحقائقها[5].

ونستخلص من ما تقدم، أن أبناء الدول المتقدمة استعانوا بالعلم والمعرفة واعتمدوا على الإنسان الذي وظف معرفته وذكاءه وخبرته لتحقيق منافعه. فالعلم هو الذي زاد في قدرة الإنسان على الإبداع وأعطاه قوة التصرف في المجال الذي هو حر فيه، مكنه من نقل المهارات من جيل إلى جيل، أما نحن العرب فإن ثقافتنا لازالت، كما كانت في مجملها كلام في كلام، والكلام في ذاته لا عيب فيه، ولكن  العبرة أن هناك فرقا جوهريا بين الإنسان الذي اكتسب ثقافة علمية وعمل بها لتطوير حياته، واستطاع أن يغير وجه الأرض بعلمه ومعرفته، وبين الإنسان الذي بقى جامدا في مكانه يردد كلاما ويبدي إعجابا بما أنتجه أناس مبدعون، لأن ذلك لا يغير شيئا من مجرى الأمور. وعليه، فإن تخلف أبناء الأمة العربية ومعاناتهم من أمراض العصر كالقلق والاغتراب والتمزق والتخلف يرجع بصفة أساسية إلى كون العرب لم يمارسوا حياة العلم والصناعة بعد، على نحو ما يمارسها أهل الغرب الذين عندهم شغف بالعمل الإبداعي. أما نحن فنأخذ الناتج استعارة أو شراء، فنعيش ذلك العلم وتلك الصناعة من السطح، لا من الجذور التي تمس الأفئدة فتهزها من الأعماق. وما دمنا لا نغير ثقافتنا ولا نكسب ونستعمل العلم الذي يمكننا من تسخير الظواهر الكونية لصالحنا، كما يفعل أهل الغرب، فإننا سنبقى بحاجة إليهم، مثل احتياج الطفل لولي أمره، لأننا في حاجة إلى كثير مما صنعه الغربيون بعلومهم ومهاراتهم[6].

وقد يرجع تجمد الإبداع العربي إلى اضمحلال الرعاية التي كان يوليها الحكام والأثرياء للعلم والعلماء. وإذا كانت الحضارة قد ازدهرت بين القرن التاسع، والقرن الحادي عشر ميلادي، فإن السبب في ذلك هو تشجيع الخلفاء للعلماء وتكليفهم لهم بان يقوموا باختباراتهم العلمية وتسجيل ملاحظاتهم. كما أن هذه الرعاية التي وفرتها القيادة السياسية قد حمتهم من معارضة المتعصبين الدينيين القوية الذين كانوا يشكون بان النشاطات العلمية تمس معتقدات المؤمن. وبإختفاء دعم القيادة السياسية ماديا ومعنويا، وبروز جهاز بيروقراطي مركزي متصلب وعاجز عن الاستجابة السريعة للتحديات، بالإضافة إلى بروز التزمت والغزوات المتلاحقة من طرف القوات الأجنبية على البلدان العربية، اضمحل أثر المعرفة وقل مفعولها ولم تعد للعلماء والعلوم علاقة باحتياجات الشعب العربي، وساد الاعتقاد في ذلك الوقت بأن العلماء والمثقفين لا نفع منهم، وتبعا لذلك تحول العلماء إلى رجال علم متجولين يبحثون عن حظوظهم عند حاكم محلي كريم[7]. ونتيجة لهذا الانغلاق الفكري، تجمد الإبداع العربي واتجهت طاقات العقل العربي والإسلامي إلى اجترار ما كتبه الأجداد[8].

وهناك من يرى أن أزمة الإبداع العلمي عند العرب مستمدة في الأساس من عدم وجود حضارة علمية تكنولوجية، والحضارة العلمية التكنولوجية تختلف بطبيعة الحال عن الحضارة الأوروبية النابعة من بيئة معينة والمتميزة بمناخ فكري خاص والتي هي حضارة مثل باقي الحضارات الأخرى، تتأثر بغيرها وتؤثر في غيرها، وتتبع دورة حضرية معروفة : تنشأ وتنمو وتزدهر ثم تأخذ بالاضمحلال. أما الحضارة العلمية التكنولوجية فإنها تختلف جذريا عن الحضارة الليبرالية الغربية، مع أنها نشأت منها ومن جوها ومناخها. فهي تأخذ صفة عالمية وغير مرتبطة ببيئة معينة أو بوطن أو بأمة. كما أن الحضارة العلمية التكنولوجية تعتبر ثورة جارفة ولا يمكن الهروب من تأثيرها.  ولو حاول مجتمع ما التقوقع والعزلة لوجد نفسه في مواجهة أثارها ونتائجها دون أن يكون بوسعه منع هذه الآثار أو دفعها، وفي ذلك تهديد كبير لحياته. وعليه، فإن مشكلة أبناء الأمة العربية أنهم اقتبسوا ونقلوا التراث الأدبي والثقافي في الحضارة الأوربية وأهملوا الحضارة العلمية التكنولوجية التي لا تتنافى مع الحضارة الخاصة بكل دولة. ولعله من الواجب أن أشير هنا أن الأخذ بالحضارة العلمية التكنولوجية لا يعني بالضرورة إلغاء حضارة المجتمع التي أخذ بها. وباختصار، فالتعايش ممكن بين الحضارة العلمية التي هي ذات طابع عالمي، والحضارة الثقافية الخاصة بكل شعب والتي هي ذات طابع محلي، بشرط أن تتقبل الثقافة المحلية إنجازات الحضارة العلمية وما يترتب على ذلك من متغيرات في بنيات المجتمع وأساليب الحياة، وهو أمر لا يمكن منعه، ولعل أحسن مثل يمكن أن يستشهد به الإنسان على صحة هذه النظرية هو العالم التكنولوجي الياباني الذي يقضي نهاره منغمسا في العلم والبحث الإبداعي وأسلوب التفكير العلمي، حتى إذا عاد في المساء إلى بيته، انقلب إلى أساليب العيش في القرن الثامن عشر، وسط جو ديني أو مناخ حضاري وثقافي ياباني بحث[9] .

ويوجد كذلك من عنده تصور بان الإبداع العلمي عند العرب تقهقر في الماضي بسبب دور الحكام آنذاك في خنق حرية التفكير وانتهاج سياسة الحكم الاستبدادي في استعمال العنف مع الفقهاء وأهل الفكر، وقد أصاب الأذى ثلاثة من الأئمة الأربعة وضرب مالك وأبو حنيفة وابن حنبل، فأصيب الفكر الإسلامي بالرعب وهو آفة الفكر الكبرى في كل زمان ومكان، وحرص رجال الفكر بعد ذلك على الابتعاد عن الكلام في سياسة الأمة ومتاعب هذا الكلام[10] وبناء على هذه النظرية، فإن عملية الإبداع العلمي تتطلب وجود مناخ علمي بناء في المجتمع، ورغبة حكومية صادقة لتقبل النتائج العلمية، والاعتراف بمكانة العلم المرموقة في المجتمع.

 

 

 

 

أسباب ضعف العرب تمكن في عدم ترقية لغتهم

 

نحن الآن في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ومشكلتنا الرئيسية أننا لا نبالي بترقية اللغة العربية في مؤسسات دولنا ونوظفها بفاعلية في أبحاثنا ومراكز التكوين المهني ولا نحرص على إصدار المجلات العلمية المتخصصة في علم المعرفة، سواء في الآداب والعلوم الإنسانية أو العلوم التطبيقية. فبالرغم من حرص باحثين ومفكرين عرب في مركز دراسات الوحدة العربية على نشر مجلات وكتب علمية لها علاقة قوية بالتراث العلمي العربي فإن الزائر لأية مكتبة عربية يشعر أن هناك قحط وفراغ ملحوظ في مجال النشر وانعدام أية دراسات تستحق الاقتناء والإقبال على مطالعتها بقصد تنمية الغذاء الفكري وترقية مستقبله المهني، كما تساوره بعض الشكوك بأن هناك سياسات مرسومة لتقوية التبعية للثقافات واللغات الأجنبية التي أصبحت أداة لإبقاء الهيمنة الأوروبية والأمريكية في الوطن العربي.

إن توفر المراجع والمجلات وأمهات الكتب بلغات أجنبية في مكتباتنا ظاهرة جيدة ولا يوجد أي اعتراض على ذلك لأن التنوع الثقافي والعولمة وانتشار المعرفة بكل اللغات أصبحت في وقتنا الحالي موضة العصر، لكن الشيء الغريب والعجيب، في رأي، أنه يوجد بيننا أو بين مسؤولينا من يستخف باللغة العربية ويناصبها العداء أو لا يكترث بتوظيفها بفعالية داخل وطنه. وبطبيعة الحال يوجد من بين المستخفين باللغة الوطنية من يعطي تبريرات واهية تتمثل في الادعاء بأنها متخلفة عن العصر، موغلة في القدم، لا تؤدي وظائفها بصفة كاملة غير المضامين القديمة التي تجاوزها الزمن. فهي أعجز من أن تعبر عن مستجدات الحضارة ومقتضيات التطور العصري الذي يتم الاعتماد فيه بصفة أساسية على العلوم الإنسانية والعلوم التقنية[11].

كما يوجد من يناصب لغته الوطنية العداء على أساس أنه يخاف على المستوى العلمي الذي بلغه، لأن تعريب التعليم واستعمال اللغة العربية، ينتج عنه انخفاض مستوى بعض الأستاذة الجامعيين، ويبعدهم عن ثقافة الغرب العلمية، التي هي أساس ارتفاع مستواهم ومرجع أبحاثهم[12].

كما يضاف إلى هذين الرأيين، رأي ثالث يتشبث به أصحاب الاتجاه الغربي وخلاصته، أن اللغة عبارة عن وسيلة للتبليغ، وبالتالي، يمكن المفاضلة بين اللغة العربية واللغات الأجنبية، وإذا اقتضى الأمر، تجاهل الدور المتميز للغة الوطنية، واعتبارها أداة قابلة للاستبدال بلغة أجنبية متميزة عن اللغة الوطنية، لكونها أداة جاهزة أنضج وأتم وأيسر وأقدر على المساهمة في تحقيق التطور المنشود[13].

وبالمقابل، هناك، في دول شمال إفريقيا، من لا يأبه لهذه الحجج الواهية، ويرى أن تعميم استخدام اللغة العربية ما هو إلا وجه من وجوه التحرير الوطني، والتخلص من الرواسب الاستعمارية الباقية في عقليات بعض العناصر المشكوك في انتمائها الوطني، فاللغة في الواقع تعتبر مطلبا شعبيا، وفي تحقيق هذا المطلب تأكيد لجانب من السيادة الوطنية والتخلص من تبعية مفروضة، فما الذي يحول دون إنجاز هذا الطلب بعدما أصبحت قوة القرار بيد السلطة الوطنية؟ ويؤكد أصحاب هذا الرأي الغيورين على عروبتهم وإسلامهم أن اللغة، أي كانت، أهم وأخطر بكثير من أن تكون مجرد أصوات وأدوات للتفاهم أو تبليغ فكرة معينة، فهي على مستوى الماضي، الذاكرة الجماعية للأمة المحافظة لخلاصة تجربتها في التاريخ وحصيلة ما أسست لنفسها من أساليب النظر والفكر والتقويم والاكتشاف، وهي على مستوى الحاضر خير معبر عن الهوية القومية للأمة وما انتهت إليه من درجات النضج والنمو، وهي على مستوى المستقبل طريق وحيد لكل نمو داخلي عضوي، يمكن أن يستفيد من التجارب الإنسانية كافة، دون أن يركن إلى التواكل والبحث عن الحلول الجاهزة أو الملفقة أو يجنح إلى الإتباع فيقبل الاستلاب ويفقد القدرة على الإبداع، ويستقيل من كل مهمة في صناعة التاريخ والمساهمة في إثراء الثقافة الإنسانية[14].

وعلى هذا الأساس، فالهدف الأساسي لتعميم استخدام اللغة العربية في الإدارات ومؤسسات التعليم، هو إعادة الاعتبار للغة الوطنية، والاعتماد عليها كأداة للتبليغ والتكوين، وخلق الوعي، وذلك لأنها جزء لا يتجزأ من الشخصية الوطنية. وإذا كانت العربية قد تم تعطيلها، خلال الفترة الاستعمارية وحظر استعمالها من طرف أعدائها بحيث لا تستطيع تلبية حاجات المجتمع العربي في المدرسة والجامعة والإدارة، وبالتالي، توقف التحدث بها وصعب الإنتاج بها، فإنه لا مفر الآن من إحلال اللغة العربية محل اللغات الأجنبية، بحيث تصبح أداة للتعامل في التعليم والبحث والتجارة والمرافعات في المحاكم والمراسلات الإدارية[15].

وفي نفس السياق نلاحظ أن هناك رأيا أخر في موضوع تعميم استخدام اللغة العربية في مؤسسات التعليم والإدارة العربية، وهو أن الحديث عن التقدم والتحرر مرتبطان باستعمال اللغة الوطنية، فقد أدرك العديد من القيادات الوطنية وخاصة المعربة، أن الحديث عن التقدمية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الجماهير العريضة وخارج إطار لغتنا القومية. فالإعتماد على لغة أجنبية وثقافة أجنبية مهيمنة قد يعتبر وجها من وجوه التسلط النخبوي، ومعنى هذا أنه من الصعب في هذه الحالة تعبئة الجماهير، والتأثير فيها وتجسيد مطامحها المشروعة في التحول والنمو[16].

ويستخلص من هذا الاتجاه، أن الحكومات الوطنية قد تفطنت أخيرا إلى أن الجماعات والأفراد الذين ينادون بالتقدمية والعلمية والمحافظة على اللغات الحية على حساب اللغة الوطنية، إنما هم في الواقع يدافعون عن امتيازات نخبوية ثقافية أدركوها في ظروف معينة، ونشأت عنها بالضرورة امتيازات اجتماعية واقتصادية. إنهم في الواقع يدافعون عن مصالحهم وامتيازاتهم الخاصة التي اكتسبوها بسبب إلمامهم بهذه اللغة الأجنبية والدور المهيمن الذي تلعبه، وهكذا ترتبط مصالحهم بمصالح الهيمنة اللغوية – الثقافية الأجنبية، ويستفيدون من مواقعهم التنفيذية في الإدارة وفي المؤسسات التربوية، ليجعلوا مقاييس العلم، والبحث والنجاعة في العمل الإداري والفني متماشية مع هذه الهيمنة ومستجيبة لتلك المصالح[17].

وهناك رأي ثالث يعتقد أنصاره في دول المغرب العربي أن التعريب لا يمكن أن يتم بمعزل عن الاستعمال. فاللغة تحيا بالاستعمال ولا تحيا في بطون الكتب. كما أن الأمر لا يحتاج إلى رياء أو نفاق، فالشيء المعروف عالميا، أن الإنسان يستطيع أن يستوعب بلغته الأم أضعاف ما يستوعبه باللغة الأجنبية مهما كانت درجة اتفاقه لهذه اللغة. وإذا تمكن الشباب العربي من إتقان لغته، واستعمالها بكفاءة عالية، فإنه يستطيع أن يبدع ويشارك في إثراء الحضارة الإنسانية واللحاق يركبها المتقدم، ولقد أصبح الآن واضح للعيان، مدى الارتباط القوي بين الإبداع، وبين اللغة القومية. فهناك العديد من الدول التي لم تكن لغتها لغة علم في الماضي، لكنها الآن صارت متقدمة ومتطورة لأنها بادرت باستعمال لغتها في التدريس والبحث العلمي، وتخلصت من هيمنة اللغات الدخيلة. فهاهي الفيتنام وبلغاريا وتركيا  وغيرها من الدول التي مرت لغاتها بتجربة مشابهة للتجربة التاريخية التي مرت بها اللغة العربية ومع ذلك فإنها الآن تدرس الطب والهندسة والعلوم في جامعاتها بلغاتها الوطنية. ولهذا فإن التطور الاقتصادي والسياسي الذي حققته أمتنا العربية في المشرق والمغرب، بعد الحرب العالمية الثانية، بات يحتم علينا الانتقال بقرار سياسي يجعل اللغة العربية لغة العلم والبحث العلمي في جميع المؤسسات التعليمية الجامعية وغير الجامعية. وباختصار، فإن استعمال اللغات الأجنبية لا يقودنا إلى مرحلة الإبداع، ولا يساعد على خدمة مصالحنا وإنما يساعد الدول الأجنبية على بقائنا في حالة التبعية العلمية والفكرية. وفي جميع الحالات، فإن تقدمنا متوقف على مدى استعمال لغتنا في بنائنا الحضاري، والمشكل في الواقع يمكن تلخيصه في الآتي : إن قضية التعريب وتعميم استخدام اللغة العربية في التدريس والبحث العلمي، ليست قضية تتعلق باللغة من حيث كونها لغة ولكنها لغة تتعلق بإرادة سياسية تقررها الأمة في أعلى مستوياتها[18].

 

 

 

الضعف يكمن في الإقتداء بالغالب

 

بالنسبة للتجربة الجزائرية ودول شمال إفريقيا، يمكننا أن نستخلص بأن ما قاله ابن خلدون منذ عدة قرون لازال يعبر بصدق عن ما يحدث في يومنا هذا، ونحن في القرن الواحد والعشرين، حيث نلاحظ أن هناك نسبة كبيرة من مواطنينا تسعى لإبقاء اللغة العربية بعيدة عن المراكز الرئيسية للحياة والنفوذ في الأقطار العربية، فقد قال ابن خلدون بالحرف الواحد على ما أتذكر جملته المشهورة :”المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”. وقد عشنا ورأينا بأعيننا عندما كنا نواصل دراستنا بالجامعات الأجنبية، أن كل أبناء الأمم، يتعلمون بلغة أبناء البلد، ويحرصون على الاستفادة من اللغة، ومن المادة العلمية التي يتخصصون بها. وليس هناك جدال في أن مستوى التعليم والبحث العلمي، في مؤسسات التعليم العالي بالدول الصناعية رفيع جدا، والأستاذة تتوافر فيهم الكفاءة والنجاعة في العمل، لكن الشيء المدهش حقا، هو أن نجد المتخرج الياباني والصيني والفيتنامي والبرازيلي، يعودون إلى بلدانهم لتوظيف المعلومات التي حصلوا عليها خلال دراستهم في خدمة مجتمعاتهم، وتحقيق الأهداف التي رسمتها حكوماتهم الوطنية وذلك بلغتهم الوطنية، أما بعض العناصر العربية، التي تخرجت وعادت إلى بلدانها العربية فإنها لا تحاول أن تستعمل العلم الذي حصلت عليه وتحوله إلى ثروة وطنية تساهم في تقوية المحتوى، وإخضاعه للأوضاع ومعطيات البيئة العربية، بل تسعى إلى إبقاء الجامعات ومعاهد التدريس ومؤسسات البحث العلمي تابعة للثقافة الأجنبية وبعيدة كل البعد عن المجتمع العربي، وبالتالي تصير هذه المؤسسات شبه عاجزة عن أداء وظائفها الرئيسية، لأنها لا تقوم بالدور المطلوب منها، وهو إثراء الثقافة القومية وخلق رصيد معرفي ثري، ورفع المستوى الاجتماعي في مختلف الميادين.

وبالرغم من وجود تعليلات وتأويلات لهذه الظاهرة الغريبة في مجتمعنا العربي، إلا أنني أجد نفسي متفقا في الرأي مع أحد الزملاء التونسيين الذي قال بان المستعمل للغة الأجنبية كوسيلة وحيدة لا يعرف من اختصاصه أو من الثقافة الإنسانية إلا ما تسمح به معرفته لهذه اللغة[19]. وانطلاقا من هذه الحقيقة، نستطيع أن نستخلص بأن استعمال اللغة الأجنبية يفرض مضمونا من التفكير والسلوك مستمدين ومرتبطين بالتطورات التي تحدث في مجتمعات ما وراء البحار، أكثر مما تعبر عن واقع المجتمع العربي، ثم إن معرفة اللغات الأجنبية أصبحت تستعمل كغطاء للمحافظة على المستوى العلمي، وبالتالي تساعد في الحصول على المناصب العليا، وبذلك ارتبطت المصالح العضوية باللغات الأجنبية إلى درجة أن زوال اللغة الأجنبية أصبح يعني زوال المنصب والنفوذ. وإذا تعثرت المحاولات الرامية لتعميم استخدام اللغة العربية في أي بلد عربي فإن السبب في ذلك ينحصر في العناصر المتمسكة بهيمنة اللغة الأجنبية والذين يستعملون نفوذهم في المواقع الإدارية والقيادات الجامعية للتشكيك في تجربة التعريب ومناهضتها والحفاظ على المنزلة الخاصة للغة الأجنبية المهيمنة[20].

أما النقطة الثانية التي تلفت الانتباه فهي معنى التعريب، فهناك من يتصور أن التعريب، يعني ترجمة الكلمات المستعملة يوميا والمصطلحات الأجنبية إلى اللغة العربية، وهذا يعني بطبيعة الحال عجز اللغة العربية عن مسايرة روح العصر، وضرورة الاستعانة باللغة الأجنبية لأداء المعنى المقصود. وهناك من يرى أن التعريب، يعني استعمال اللغة الدارجة أو العامية، أي اللغة التي يستعملها الشعب، وهي قد تكون مخالفة للغة الفصحى التي يتعين علينا استعمالها كلغة للتدريس والأبحاث وإثراء تراثنا العلمي. ثم إن هناك الرأي الشائع جدا، وهو أن التعريب يعني الاستغناء عن تعليم اللغات الأجنبية وعدم الاستفادة منها، وهذا معناه بكل وضوح، الانغلاق على أنفسنا، وعدم التفتح على التكنولوجيا الغربية. كل هذه الانطباعات الخاطئة عن التعريب، قد شوهت معناه وأعطت الفرصة لكل فئة اجتماعية أن تستغل هذا الارتباط في تحديد هدفها، وتعلن عن معارضتها للتعريب الذي لا يتم وفق وجهة نظرها الانفصالية ومصالحها الضيقة التي لا تتماشى وروح التعريب. والحقيقة هي أن التعريب بريء من هذه التأويلات المغرضة. فهو يعني باختصار، إعادة الاعتبار للغة العربية في بلدان عربية، والاعتماد على هذه اللغة في القيام بالأبحاث والتأليف واستعمالها في الإدارة بحيث تكون باختصار هي لغة العلم في المدرسة والجامعة ولغة المؤسسات الحكومية التابعة للدولة[21].

والظاهر أن هذه الحملة تهدف إلى إخفاء نقطة الضعف الرئيسية عند عشاق اللغات الأجنبية وهي السماح لهم بالبقاء في مناصبهم الحساسة واستعمال الترجمة واللهجات المحلية واستعمال الاصطلاحات الأجنبية في التدريس والمراسلات بالعربية الركيكة حتى يميعوا الوضع ويغطوا عيبهم الأساسي وهو عدم إجادتهم للغتهم الوطنية.

وزيادة على التناقضات المشار إليها آنفا، هناك مشكل يبرز باستمرار عند الحديث عن التعريب وتعليم اللغات الأجنبية، ويتمثل هذا المشكل في ضرورة المحافظة على المستوى العلمي الراقي الذي ورثناه عن المستعمر، وذلك ما يقتضيه التقدم والتقدمية، وفي تصوري أن المستويات العلمية والانفتاح على الثقافات الأجنبية وانتهاج سياسة تقدمية وتحررية، لا تتطلب إلغاء الدور الطبيعي والأساسي للغة الوطنية. فاللغة مرنة وقادرة على الاستيعاب والتكيف، ومواكبة سائر التحولات التي يعيشها أي مجتمع، من سلبيات وإيجابيات. فأوضاع المجتمع هي التي تؤثر في مجرى الأمور وليس اللغة هي التي تحدد مدى تقدمه أو تأخره. ولهذا فإن استعمال اللغة الوطنية واستخدامها للتعبير عن مصالح المجتمع العربي هو الذي يساعد على تعبئة الجماهير وتجنيدها للعمل والمساهمة في تحقيق أماني الجماهير العربية.

وباختصار، فلابد من أن تكون اللغة العربية عاملا من عوامل النجاح الاجتماعي، وذلك باستعمالها في القطاعات الحيوية في البلاد، مثل التوظيف العمومي، والإدارة والاقتصاد والتجارة والتعليم. وقد أحسن التعبير عن هذه الظاهرة، أحد الزملاء العرب، الذي أكد بان التبعية اللغوية في المجتمع العربي تزداد على مر الأيام والسنين لأن البيروقراطية العربية تتمسك باللغة الأجنبية كوسيلة دفاع عن مكانة تمتاز اجتماعيا ونفسيا بالهيمنة والنفوذ اللذين أسندتهما إليها البنية الاستعمارية القديمة، لذلك يشعر الفرد في ممارسته اليومية بحاجته إلى استعمال اللغة الأجنبية حتى ولو كان من المدافعين عن استعمال اللغة القومية[22].

أما بالنسبة للانفتاح، فهو دائما انفتاح على الثقافة الغربية المهيمنة والتي تقوم على الطبقية، وتحكم النخبة الأرستقراطية في الجماهير الشعبية. وبالنسبة للأوفياء للغة الضاد الذين لديهم إرادة خالصة لتعلم لغتهم الوطنية وتوظيفها لخدمة العلم والمجتمع، فإن العجز ليس في اللغة العربية وإنما في الأفراد الذين يشككون في اعتبار اللغة العربية لغة قومية للبلاد العربية أصلا[23].

 

التنمية تتطلب الاعتماد على العنصر البشري المؤهل داخل كل بلد

 

هناك فكرة واضحة عن مسار تنمية اللغة العربية في بلداننا العربية، مثلما هو الحال بالنسبة لدول ناجحة في مجالات توطين المعرفة داخل حدودها والاعتماد على كفاءاتها المتواجدة داخل أوطانها، مثل تركيا، ماليزيا، الصين الشعبية، والبرازيل. ونحن إذا أردنا أن تتغير أوضاعنا إلى أحسن يتعين علينا أن نعطي الرعاية الكاملة للمواهب وكفاءات المتواجدة محليا لأن مشكلتنا الجوهرية تتمثل في إهدار ثرواتنا وتشريد للكفاءات ودفعها إلى الهروب نحو الخارج بحيث يستفيد منها من لم يصرف على إعدادها وتكوينها أي دينار ووجدها جاهزة للعمل بكفاءة عالية[24].

وعليه، هناك إجماع بأن اللغة العربية هي لغة الحياة لأنها تختزن حياة وتاريخ الأمة، وتحمل ذاتيتها واختصاصها ومن تم يستحيل إلغاءها إلا إذا ألغينا ذاتنا وحضارتنا. كما أن ميزة اللغة العربية أنها ارتبطت بالدين الإسلامي، ودفع بها القرآن إلى العالمية، وأضحت السبيل الوحيد لممارسة الشعائر الإسلامية. إنه لمن الواضح أن أجدادنا تربو على حب أمتهم لأنهم تعلموا بلغة شعبهم، فحافظوا كيان أمتهم ومكانتها، ومن لا يحترم لغته وأصله لا يحترم نفسه وبالضرورة لا يحترمه أحد.

إن مجتمع المعرفة يتطلب حماية الهوية الوطنية، وتدعيم اللغة داخل التراب الوطني لأن اللغة هي تجسيد حي لكل معارف الإنسان وخيراته ودليل على شخصيته وهويته الثقافية[25]. وفي إمكان أي باحث متخصص في الموارد البشرية أن يتأكد بأن الاستثمار الموجه للموارد البشرية يعتبر ركيزة أساسية لأية أمة تسعى للتطور والتنمية. فالإنسان هو الثروة الأساسية الأولى والأخيرة لتحقيق معدلات التنمية الشاملة لأن جودة التعليم والتعلم هي التي تساهم في تماسك النسيج الاجتماعي وتمنع تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتقضي على التفاوت الطبقي، وبالتالي تساعد على استتباب الأمن وتحول دون تحول الفقراء للعنف.

إنه لمن الواضح أنه لا يمكن أن تتم عملية التنمية اللغوية في المجتمع الأصلي بفصل رأس المالي المادي عن رأس المال البشري. فبفضل الإنسان المعلم والمتعلم يمكن تنمية المواهب والقدرات وإحداث التغيرات الإيجابية في بنيان الأمة. إن تنمية رأس المال البشري اللغوي يساعد على بناء الإنسان عن طريق التدريب باعتباره سياسة تعليمية أساسية في إعادة تكوين وتشكيل محتوى المعارف والمهارات لدى الشباب، وبذلك تتمكن الأمة من رفع مستوى المهارات والمعرفة اللغوية اللازمة لبناء العقول.

إن ما نقصده بتنمية اللغة ومساهمة العنصر البشري في ترقيتها هو أن المعرفة اللغوية هي العنصر الأساسي للتحصن ضد الجهل، وهي التي تمكن الإنسان وتساعده على إنتاج الجمل المفيدة، وتوليد الأفكار والتعبير عنها وتجسيد الوعي اللغوي المتميز وإنتاجه، وبالتالي، ترتفع قدرات الأفراد على الابتكار والتجديد من خلال الإسهامات الذاتية في الأنشطة اللغوية وتوطيد علاقاتها بالتكنولوجيا.

 

صعوبات تعـترض تنمية و ازدهـار اللغة العربية

 

إننا كدول نامية، نحتاج إلى تكثيف برامجنا اللغوية وإدخال النوعية عليها بحيث يكون في إمكاننا التنافس مع لغات أخرى، وهذا يتطلب العمل لإنتاج علمي غزير في مستوى تطلعات شبابنا. إن التقدم والتطور في التخصصات العلمية يفرض علينا وجود  تراكم معرفي في مجال المعرفة اللغوية أو الإنتاج اللغوي. وبطبيعة الحال، إن الابتكار اللغوي والتجديد يعتبران مصدر الإنتاجية اللغوية.

إذا افترضنا أن العنصر البشري متوفر، نسبيا، وأن مؤسسات التعليم تكاد تكون كافية، وأن الثروة المالية مكدسة في البنوك الوطنية والأجنبية وتبحث عن من يستثمرها ويخدم بها مصالح شعبه، وأن المعرفة مبعثرة في جميع أنحاء العالم، فماذا ينقصنا لانطلاق مسيرة البناء والتشييد اللغوي في بلداننا وتجسيد مجتمع المعرفة في أرض الواقع ؟.

وإجابة على هذا التساؤل، يمكننا أن نجيب على ذلك بان عوامل بناء مجتمع المعرفة وتنمية اللغة موجودة أو متوفرة، ولكن إرادة العمل بطريقة عقلانية ومدروسة تكاد تكون غائبة. والمشكل في رأي يكمن في عناصر جوهرية ومسائل أو صعوبات يمكن التغلب عليها إذا توفرت الإرادة الحسنة.

  • الصعوبة الأولى تكمن في قلة الإلمام بمنهجية البناء اللغوي ونقصد بذلك أنه لا يوجد منهج علمي مدروس لتدريب التلاميذ والطلبة على تفعيل اللغة الصحيحة وجعلها لغة التعليم ذات نوعية عالية. المشكل هنا أن طريقة التعليم تتم بطريقة بدائية بسيطة لا تحمل في طياتها البعد الحضاري للمجتمع، والأفراد المشرفون على التعليم لا يدركون أو غير مقتنعون بأن مجد الأمة وعزتها وكرامتها لا يمكن أن يعود ويقف هذا المجد على قدميه إلا بالعودة إلى سيادة العربية على أرضها. إذا قال لك أحد بأن هناك أمة نهضت باستعمال لغة غير لغتها، فهذا كلام مغاير للحقيقة.

إنه لمن الواضح أن كل أمة أحرزت تقدما ملموسا ونهضة علمية، لابد أنها تكون قد اعتمدت المنهج العلمي الصحيح والمتمثل في تدريس المناهج العلمية والتقنية بلغة الأم وليس باللغات الأجنبية التي تستعمل كأدوات اتصال مع الثقافات والحضارات الأخرى.

لقد لاحظت عندما كنا نناقش برنامج إصلاح المنظومة التربوية في بداية القرن الواحد والعشرين في الجزائر والتي كنت عضوا بها، بأن مناقشات وتدخلات الزملاء كانت تنصب على تكثيف التعليم بلغة أجنبية أوروبية معينة ولا تنصب على تحسين نوعية التعليم والارتقاء به إلى مستوى أعلى، وفي قناعتهم أن تقديم اللغة الأجنبية إلى السنة الثانية ابتدائي، بدلا من السنة الرابعة هو السبيل الوحيد إلى ملاحقة العصر بعلومه وتقنياته ومتطلبات حاجات السوق العالمي من خلال إتقان مهارات لغوية، وقد قال لي أحد الزملاء في لجنتنا الفرعية أنني مخطئ إذا كنت أظن أن بداية تعليم اللغة الأجنبية في السنة الثانية ابتدائي سيضر بالتلاميذ، بل بالعكس سيعطيهم فرصة لتعلم لغة أجنبية وتحسين فرص توظيفهم في المستقبل ويلتحقوا برجال النخبة الذين يعلمون أبناءهم في المدارس الأجنبية المتواجدة داخل التراب الوطني. وبما أنه كان مصر على فكرة مزاحمة اللغة الأجنبية للغتنا العربية في هذا البلد العربي اللسان، أجبته بأنني تعلمت في أكبر دولة متقدمة في العالم، وأجبرت على تعلم اللغة الإنجليزية لمدة سنتين كاملتين، مثل أهل البلد، لأن منهجهم يقوم على أساس ترسيخ قواعد اللغة في ذهن كل طالب، ومن لا يتقن لغة وطنه ويوظفها بكفاءة عالية يعتبر إنسانا خائبا في مهنته وفي وظيفته.

وباختصار، فإن الخطأ الذي نرتكبه في حق تنمية لغتنا هو أننا لا ننتقي لها المعلمين الأكفاء والقادرون على جعل التلاميذ والطلبة يحبونها ويتعلقون بها، ثم إننا لا نقوم بتدريس اللغة في الجامعة لجميع التخصصات. فالمفروض أن تكون مبرمجة وإلزامية في السنة الأولى والثانية في الجامعة، وتبدل مجهودات لتحفيز الطلبة لكي يتذوقوا النصوص العربية والتعبير بها بطلاقة، كل في مجال تخصصه. وعليه، فإن هناك خطأ في منهجية تعليم اللغة بالجامعات في جميع التخصصات، وإذا رأيت ذات يوم شخصا يتكلم ويخاطب الناس، وعنده معلومات غزيرة، لكنه غير قادر على التعبير عن أفكاره بدقة وبلغة سليمة، فاعرف أنه ينقصه التدريب وإتقان اللغة وذلك بسبب حرمانه من استكمال برامج تعلم لغته الوطنية في الجامعة.

2- الصعوبة الثانية التي تواجهها برامج التعليم على جميع المستويات، تتمثل في النقص الملحوظ في الحوافز المادية والمعنوية. إن الإستراتجية الخاطئة المطبقة في مؤسسات التعليم قائمة على أساس أن المربى أو المعلم هو موظف عادي، وغير معترف به بأنه يقوم بمهمة نبيلة. لقد لاحظنا في الأعوام الأخيرة أن مؤسسات التعليم لا تلتجئ لاستعمال العصا لمن عصى وقصر في أداء وجباته المهنية ولكنها تستعير العصا من العدالة وتضرب بها المربين الذين يطالبون بحقوقهم في الحصول على رواتب مالية تضاهي مجوداتهم ومؤهلاتهم العلمية. إن هذه الظاهرة مؤسفة، لأن من يربي أبناءنا، يجب علينا أن نحترمه ونحفزه للعمل ونمنحه تقديرنا واعتزازنا بما يقوم به، حتى يتوفق في مهمته ويساعدنا على بناء جيل متخلق ومؤهل للمساهمة في بناء الوطن.

ولكي لا يبقى كلامي عبارة عن شعار براق، أجزم بأن الدول المتقدمة تكافئ المربين والمعلمين بحصولهم على زيادات تفوق 40% عن المتخرجين الآخرين الذين يحملون نفس الشهادة لأن المبدأ الثابت هو أن قطاع التربية والتعليم لابد أن يستقطب أحسن وأذكى وأكفأ المتخرجين من كل جامعة. وعليه ينبغي أن نكو نوا واضحين في تحليلنا للوضع الحالي بأن قطاع التربية والتعليم قد هبط مستواه ومستوى خريجيه وذلك بسبب قلة الحوافز فيه، من جهة، ومن جهة ثانية، بسبب إقبال المعلمين على الوظائف للحصول على مناصب بسلك التعليم بأية طريقة كانت حتى ولو لم تكن لهم ميول للتعليم والتدريس، لأن الغاية هي العثور على منصب عمل.

ومن أراد أن يتأكد من ذلك، فليسأل لماذا لا يوجد إنتاج علمي؟ ولماذا هبط مستوى التعليم؟ إن الجواب على ذلك أن هذا النوع من الأشخاص دخل إلى ميدان التعليم بحكم الضرورة للحصول على الخبزة وليس بقصد ممارسة هواية التعليم والإبداع فيه.

3- الصعوبة الثالثة التي تواجهها مسألة تنمية اللغة هي الغياب التام للبحوث الجيدة ذات المستوى الرفيع. أريد أن أكون صريحا معكم وأقول لكم الحقيقة المرة بأنني أصرف جزءا كبيرا من ميزانيتي لاقتناء الكتب والبحوث العلمية من الخارج وذلك نظرا لغياب المادة الخام من المعرفة والتقنيات الحديثة في مجال تخصصي داخل الوطن. وبصراحة تامة، إن حقل المعرفة في داخل الوطن يعاني من التصحر وكثرة الأعشاب الضارة والتربة المغمورة، ولا توجد أية فرضية في الوقت الحاضر تشير إلى إمكانية أن ينبت العلم في تربة مغمورة. وعليه، فإن غياب المجلات والكتب العلمية، يعني غياب إنتاج المعلمين الباحثين من رفوف المكتبات والأكشاك أو السوق المحلية، وذلك يشكل ضعفا في سد الفراغ الموجود في مجال المعرفة بحيث يتعذر على القارئ باللغة العربية أن يكون ملما بآخر التطورات في الميدان العلمي دون أن يلجأ إلى المؤلفات والمنتوج العلمي المتوفر في الخارج.

4- الصعوبة الرابعة التي تحد من قدراتنا على تنمية اللغة الوطنية ببلداننا هي استنزاف الموارد البشرية المؤهلة ونهبها مثلما تنهب الثروات الطبيعية من دولنا النامية، حيث نلاحظ أن المفكرين والباحثين الأكفاء الذين يتمتعون بقدرات قوية على الابتكار والإبداع يتوجهون إلى الخارج أين يجدون البيئة المحفزة على الإنتاج ويحصلون على التقدير والاحترام الذي يليق بهم. إنه لمن الواضح في وقتنا الحالي أن سياسة غض الطرف عن الموارد البشرية المحلية وقلة الاهتمام بها وسوء توظيفها أو عدم الاعتماد عليها بصفة أساسية وتمكينها من الحصول على المحفزات التي تستحقها، قد خلق ضعفا عاما في مجال تحمل الأعباء العلمية والإنتاجية، وبالتالي أصبح التوجه الآن إلى سد العجز عن طريق الاستعانة بالباحثين والعلماء المهاجرين الموجودين بالخارج لأن بيئة العمل المحفزة هناك هي الأساس لنجاح وبروز مواهب تلك الفئات العربية في التعليم أو البحث العلمي أو الرياضة. ونستخلص من هذه الفكرة حقيقة أساسية وهي أن عدم قدرة مؤسساتنا التعليمية على استقطاب وبقاء الكفاءات الوطنية الجيدة في داخل الوطن والاستفادة من طاقات العلماء والباحثين وجني ثمار أعمالهم، هي العملية المخيبة للآمال في بناء مجتمع المعرفة.

5- الصعوبة الخامسة التي تعرقل تنمية اللغة الوطنية هي السعي البطيء لتوطين المعرفة باللغة الوطنية في البلدان العربية ، ففي الجزائر، مثلا، نلاحظ أن هناك من نسي أو تناسى أن المحتل الأجنبي قد حاول أن يقضي على الشخصية الجزائرية من خلال إصدار التعليمات وإبلاغ المسؤولين في إدارة الاحتلال أن إيالة الجزائر لن تصبح حقيقة، أي ممتلكة فرنسية، إلا عندما تصبح لغتنا (أي اللغة الفرنسية) هناك لغة قومية، والعمل البار الذي يترتب علينا إنجازه هو السعي وراء نشر اللغة الفرنسية بين الأهالي إلى أن تحل محل اللغة العربية[26]. ومعنى هذا أن تحرير الجزائر واستعادة سيادتها وكرامتها، يرجع في الأساس إلى تمسك الجزائريين بلغتهم العربية وبهويتهم الوطنية لمجابهة المحتلين الأجانب الذين حاولوا مسخ ومحو الشخصية الجزائرية من الوجود. وإذا أراد الجزائريون اليوم أن يثبتوا حقهم بهذه الأرض التي تأويهم وتغذيهم من ثوراتها الباطنية وخيراتها المتواجدة بكل ولاية من ولاياتها،  فعليهم أن يعملوا على توطيد لغتهم العربية بهذه الأرض الجزائرية وتوظيفها بكفاءة عالية لتطوير المعرفة في مجتمع، والانفتاح على منابع المعرفة العالمية والاهتمام بالتدريب والتأهيل لأن هذه الخطوات أساسية لتوطيد المعرفة وبناء مجتمع المعرفة. علينا نحن العرب أن ندرك بأن تقوية لغتنا، يعني دخولنا في عملية الابتكار وإعادة إنتاج المعرفة والوسائل القادرة على تحويل المجتمع والاقتصاد والمعرفة، وبذلك يمكننا مواجهة احتياجات الإنسان العربي وإشباع حاجاته المتزايدة في عالم تزداد فيه المنافسة للبقاء على قيد الحياة في عالم تتسابق فيه المؤسسات الدولية على اكتساب العقول والاعتماد على ثرواتها البشرية لكسب معارك التنمية اللغوية والاقتصادية والثقافية. ولكي نفهم أبعاد قضية توطين المعرفة والتكنولوجيا، يتعين علينا أن نتذكر تحطيم ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية وتركيعهما من طرف أعدائهما، ثم ننظر إليهما اليوم لنراهما في مقدمة الدول المتقدمة وذلك بفضل توطين التكنولوجيا بهذين البلدين بلغتهما الوطنية ونجاحهما في بناء مجتمع المعرفة الذي لم تتمكن أية قوة أجنبية من تفتيته أو هزيمته.

6- الصعوبة السادسة التي تواجهها عملية تنمية اللغة العربية هي ضعف الترجمة وانحصار الرصيد المعرفي في العلوم الدينية والتراث، أي أن اللغة العربية هي لغة القيام بالواجبات الروحية بينما الواقع المعيشي يفرض على الأفراد أن يعرفوا لغات كسب الخبرة والتمتع بالمعرفة العلمية في جميع المجالات. وعليه، فلكي لا تبقى اللغة العربية بمعزل عن التطور الذي تعرفه العلوم الحديثة، ينبغي القيام بمجهودات جبارة في مجال الترجمة لأن اللغة تنموا بالترجمة وتتطور بالممارسة ولا تنمو في فراغ. إن وصولنا إلى عالم المعرفة يمر عبر الترجمة وبناء الرصيد المعرفي لكي تنهل منه الأجيال الصاعدة. والشيء العجيب والغريب في مجال تنمية اللغة العربية واستعمالاتها بغزارة في ترجمة النصوص من اللغات الأجنبية إلى اللغات العربية، هو أن هذه الوظيفة تقوم بها على أحسن وجه الشركات والمؤسسات الرسمية لأسباب أمنية واستخباراتية، بالإضافة إلى استعمالها لأسباب تجارية. إنه لمن الواضح أن محركات البحث الأمريكية، مثل مايكروسوفت وغوغل قد استثمرت أموالا كبيرة واستعانت بالموارد البشرية لإنتاج نظم وبرامج تشغيل ومحركات بحث باللغة العربية، والغرض تجاري بحث، أي تسويق منتجاتها إلى الدول العربية. كما أن محطات التلفزيون والإذاعات الأجنبية التي تبث برامجها عبر الأقمار الصناعية، تساهم في تنمية اللغة العربية الفصحى في حين أن إذاعات الدول العربية وفضائياتها تبث برامجها باللهجات العامية !.

7- المعضلة السابعة هي أن هناك خلط بين أهداف التنمية والقوانين المنظمة لها. العجيب في الأمر أن نسبة كبيرة من المسؤولين يحرصون على احترام القوانين والتمسك الحرفي بنصوصها أكثر من ما يحترمون التنمية وبلوغ أهدافها. إنهم ينسون أن القانون ما هو إلا وسيلة للعمل لا غير، وأن المطلوب هو الحرص على تحقيق أهداف التنمية وليس التشبث بالقوانين البالية. مثلا إذا دخلت إلى المكتب في الثامنة صباحا، وهذا مطلب قانوني، فإنه يحق لك أخذ راتبك بالكامل ما دمت قد احترمت القانون، حتى لو صرفت وقتك في قراءة الصحف الرياضية والفن والتسلية، في حين أن العبرة في العمل هي الإنتاج وتلبية احتياجات الزبائن وتحقيق الأهداف المنشودة. وعليه، فالسؤال المطروح هنا : متى نفهم أن هدف التنمية هو الإنتاج والابتكار والإبداع وليس تقديس القوانين التي يصعب تغييرها أو تعديلها، إلا إذا جاءت الموافقة من أعلى عليين !.

8- المعضلة الثامنة في تنمية اللغة هي الاعتماد على الجوانب النظرية وإهمال التدريب وتنمية المهارات في الجوانب التطبيقية. ولعل الشيء المثير في بلداننا العربية أن مؤسسات التعليم والتكوين تكتفي بتنظيم الدروس النظرية ومنح الشهادات العلمية للتباهي بها، كما أن هذه المؤسسات تحصل على بنايات جديدة والدولة تصرف أموالا باهظة على بناء الهياكل القاعدية، لكن لا تخصص ميزانيات لتدريب وتأهيل العناصر البشرية، سواء خلال عطلة الصيف أو تنظيم الدورات التدريبية المنتظمة. إن ما ينقصنا نحن في بلداننا العربية هو خلق برامج تأهيلية وتدريب الموارد البشرية وتحسين مستوى التدريس وإعطاء فرص للمعلمين لكي يجددوا معلوماتهم لأن تجديد المعلومات والحصول على شهادات تدريب جامعية تعتبر ضرورية للترقية في المهنة. فإذا كانت الدول المتقدمة تفتح جامعاتها بانتظام خلال الصيف لتدريب المعلمين وتحسين مستواهم وتجديد معلوماتهم، فإن الجامعات في بلداننا تغلق أبوابها، وكل الناس يلهثون وراء العطل، بما فيهم العاطلون عن العمل. وعليه، فنحن في حاجة ماسة إلى الاهتمام بالتنمية في عطل الصيف، وليس اللهث وراء اللهو والتسابق على حضور حفلات الرقص والغناء في الملاهي الليلية والنهارية.

9- المعاناة التاسعة في مجال بناء مجتمع المعرفة في بلداننا تتمثل في غياب الكتاب الجامعي، فإذا كان الجندي يحتاج إلى بندقية ليحمي الوطن، فالطالب في حاجة ماسة إلى الكتاب الجامعي لاكتساب المعرفة والتحصيل العلمي. وعليه، إن الكتاب المقرر في كل مادة علمية يدرسها الطالب هو الوسيلة الأساسية لكي يكتشف التلميذ أو الطالب من خلاله البيئة من حوله ويعزز قدراته الإبداعية الذاتية. وبكل بساطة، إن الكتاب العلمي يعتبر خير استثمار في الإنسان لأنه هو الذي يساهم في تطوير شخصيته.

10- الصعوبة العاشرة التي تواجه التنمية في مجال اللغة العربية تمكن في عدم تخصيص ميزانيات خاصة بنشر المجلات العلمية في مختلف الجامعات العربية. إنه لمن الواضح أن وجود مجلات متخصصة في الكليات يفسح المجال أمام الباحثين لإظهار قدراتهم الإبداعية بالإضافة إلى التدرب على إعداد البحوث والاستفادة من خبرة الأستاذة المتخصصين في كل مجال. وإذا توفرت مراكز الأبحاث وتخصصت في الإشراف على إصدار المجلات العلمية ونشر الإنتاج العلمي للباحثين بتلك المجلات فإن ذلك سيكون قفزة علمية لا مثيل لها. إننا نتعجب من الخطب المثيرة حول إعداد قانونين البحث وتخصيص الملايير للبحث العلمي في حين لا توجد آليات أو  ميكانيزمات أو مجلات علمية تصدر بانتظام لنشر إنتاج الباحثين !.

 

خـــــــاتـمة

 

وباختصار، إن ما أريد أن أقوله في موضوع تنمية البحث العلمي في اللغة العربية أو في مجال التنمية الوطنية بصفة عامة، أن نجاح عمليات التنمية والبناء والتشييد لا تكمن في وجود ثورة طبيعية أو وجود جيوش قوية أو مساحة شاسعة للدولة، وإنما النجاح يكمن في وجود قيادات ذات نوعية وإرادة قوية وعزيمة صلبة لقيادة عمليات التغيير بكفاءة عالية. إن سر نجاح العديد من الدول في التنمية يرجع إلى سيادة لغتها على أرضها والتحدي الكبير الذي نواجهه في يومنا هذا، هو وجود مسؤولين أو قياديين مقتنعون بأن الإنسان هو صانع التنمية وهدفها، وأن التنمية تعني تحسين ما هو موجود، وأن اللغة العربية هي أهم عناصر الهوية، والتفريط في اللغة هو تفريط في هويتنا التاريخية وقيمنا الثقافية والأخلاقية وسيادتنا الوطنية. إننا نعيش في عصر تستمد فيه الدول الكبرى قوتها من التقنية و الاقتصاد و الغزو اللغوي، و إذا أردنا أن نحافظ على سيادة بلداننا العربية و نواجه آليات العولمة بفعالية، ينبغي علينا أن نحصن أنفسنا بتقوية استعمال لغتنا و اقتصادنا و اعتمادنا على أنفسنا. [27]

 

مراجع مختارة

 

  • العدوى، عصام “الهوية العربية : التباسات المفهوم والسياقات التاريخية”، صحيفة

الاتحاد (الإماراتية)، العدد الصادر يوم 18/08/2011.

  • اللحيدان، حميد بن عبد الله، “دور الهوية الثقافية في تعزيز الوحدة والانتماء”،

صحيفة الرياض، العدد الصادر يوم 26/08/2011.

  • المدني، توفيق، “احترام الصراع على الهوية في تونس” الشروق (القطرية)، العدد

الصادر يوم 16/08/2011.

  • بن بيتور أحمد، “حتمية التغيير، كيف ولماذا؟”، صحيفة الخبر (الجزائرية)، العدد

الصادر يوم 27/08/2011.

  • بوحوش، عمار، “مسألة توظيف العلم لخدمة الإنسان العربي”، دراسة منشورة

بالمجلة العربية للعلوم السياسية، العدد2 ، 1982، ص82-97.

  • بوحوش عمار،”لغتنا العربية جزء من هويتنا”، المستقبل العربي، العدد 35 (يناير)

1981، ص121-129.

  • بوحوش عمار، “أين هو الدور الإبداعي لرجال العلم في الجزائر”، صحيفة الشعب

(الجزائرية)، العدد الصادر يوم 17/12/1988.

  • بوحوش عمار، “التعريب في الوطن العربي، الهيمنة الأجنبية والمصالح الطبيعية

وراء التعطيل”، الشعب (الجزائرية) العدد الصادر يوم

01/01/1991.

  • بوحوش عمار، “لغة التنمية وتنمية اللغة” محاضرة غير منشورة ألقيت في المجلس

الأعلى للغة العربية (بالجزائر) يوم 24 أفريل (نيسان) 2010.

10- دبور فؤاد، “تركيا : الهوية والدور”، الدستور (الأردنية) العدد الصادر يوم

23/08/2011

11-حداد فنار، “الطائفية في العراق، رؤى مضادة للوحدة” ورسالة دكتوراه

بجامعة أكستر (البريطانية) منشورة من طرف هرست آندكومباني في لندن 2011.

 

12-زحلان،أنطوان، (محرر)، هجرة الكفاءات العربية. بيروت : مركز دراسات

الوحدة العربية، 1983.

13-زكي، نجيب محمود، هذا العصر وثقافته. القاهرة : دار الشروق، 1987.

14-ياسين، عطيوف محمود، نزيف الأدمغة : هجرة العقول العربية إلى الدول

الكنولوجية . بيروت : دار الأندلس 1984.

 

* – بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات المنعقد بمدينة الدوحة، قطر، في الفترة الممتدة من 24 إلى 26 مارس (آذار) 2012.

** – البريد الإلكتروني : anmarbouhouche@yahoo.com

[1] – عز الدين ميهوبي، “أطفالنا هل يعرفون ……….أبوليوس”، الشروق اليومي، (الجزائر) العدد الصادر يوم 15

سبتمبر 2011، ص16.

[2] – عبد الكريم غلاب، الفكر العربي بين الاستلاب وتأكيد الذات. طرابلس، ليبيا : الدار العربية للكتاب، 1977، ص4.

[3] – ساطع الحصري، أبحاث مختارة في اللغة العربية. القاهرة :  دار المعرفة، 1964، ص40-43.

[4] – أنطونيوس كرم، العرب أمام تحديات التكنولوجيا، الكويت : سلسلة علم المعرفة، نوفمبر 1992،ص184.

[5] – زكي نجيب محمود في صحيفة الأهرام، بتاريخ 02/12/1986،ص14.

[6] – نفس المرجع.

[7] – كريم، مرجع سابق، ص194.

[8] – طيبة، مرجع سابق، ص172.

[9] – زهير الكرم، التخلف العلمي وأبعاده الحضارية في أزمة التطور الحضاري العربي. الكويت : مطبعة دار السياسة،

1975، ص566-574.

[10] – حسبي مؤنس، الدراسة والتطور الحضاري العربي، التطور الحضاري العربي. الكويت : مطبعة دار السياسة،

1975،ص364.

[11] – عبد العزيز العاشوري، اللغة العربية والهوية الثقافية وتجارب التعريب، المستقبل العربي. السنة 4، العدد 27

(أيار/مايو) 1981،ص15.

[12] – محمد الطاهر الثائب، الصباح (التونسية) العدد الصادر يوم 30/06/1981.

[13] – هشام بوقمرة،”اللغة العربية أمام تحديات المستقبل”، الحياة الثقافية، العدد 1 (جوان/ يونيو) 1985.

[14] – عبد العزيز العاشوري، “اللغة العربية والهوية الثقافية وتجارب التعريب” المستقبل العربي، السنة 4، العدد 27

(أيار/مايو)، 1981،ص7-11.

[15] – كان شعار ثورة الجزائر، 1954-1962 هو: الجزائر وطننا العربية لغتنا، الإسلام ديننا، وهو الشعار الذي رفعه عبد

المجيد باديس في النصف الأول من القرن العشرين.

[16] – العاشوري، مرجع سابق، ص17.

[17] – نفس المرجع الآنف الذكر، ص22-30.

[18] – عبد الكريم خليفة، الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية، (الأردن) جريدة الرأي (الأردنية)، العدد الصادر يوم 18/04/1981.

[19] – الطاهر لبيب:” العجز عن التعريب في مجتمع تابع  المستقبل العربي، السنة4، العدد 29 (لموز/يوليو) 19981.

[20] – العاشوري، “اللغة العربية والهوية الثقافية وتجارب التعريب”، مرجع سابق، ص22.

[21] – ابراهيم السامرائي، “التعريب والعربية في الجزائر بين واقع قديم ورؤية مستقبلية”، المستقبل العربي، السنة 3، العدد 23(كانون الثاني/ يناير 1981)،ص108.

[22] – لبيب، “العجز عن التعريب في مجتمع تابع”، مرجع سابق.

[23] –  العاشوري، اللغة العربية والهوية الثقافية وتجارب التعريب، مرجع سابق، ص9.

[24] – عمار بوحوش، تنمية اللغة ولغة التنمية، محاضرة غير منشورة ألقيت في المجلس الأعلى  للغة العربية في الجزائر

بتاريخ 24  أفريل (نيسان) 2010.

[25] – أريد أن أشير هنا إلى أن وضع المسيحيين العرب في المشرق العربي الذين حافظوا على أصولهم المسيحية ولغتهم العربية، يختلف عن وضع المسيحيين الأوروبيين في شمال إفريقيا الذين ينتمون إلى دول أوروبا ويحملون جنسياتها ويتكلمون لغاتها.

[26] – ساطع الحصري، أبحاث مختارة القومية العربية. القاهرة : دار المعارف، 1964،ص40-43.

[27] – فتحي العكرمي، القدس العربي، العدد الصادر يوم 16 افريل (نيسان) 2012.

شاهد أيضاً

التعليم العالي في حاجة إلى تغيير نوعي

بقلم عمار بوحوش، أستاذ جامعي                                        مقدمة      لقد عايشت مسيرة التعليم العالي في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *