بداية سياسية الانفتاح دشنت في الثمانينات*

بقلم

د. عمار بوحوش

أستاذ بجامعة الجزائر

 

مـقـدمــة

إن مشكل انتقال السلطة من رئيس إلى رئيس آخر لا يكمن في الإجراءات الدستورية الكفيلة بنقل السلطة بطريقة سلمية من زعيم إلى آخر، مثلما يعتقد الكثير من الناس، و إنما المشكل يكمن في تغيـير مناهج العمل و تصور ما يمكن عمله في المستقبل. هذه الحقيقة، تنطبق على ما جرى في الجزائر في شهر ديسمبر 1978 ،حين انتقل مشعل القيادة من يد الرئيس الراحل هواري بومدين إلى يد خليفته الشاذلي بن جديد.

إنه لمن عجيب الصدف أن ينـتقل الرئيس توارى بمدين إلى جوار ربه في وقت لم يتم فيه عقد مؤتمر الحزب واختيار الشخصيات التي تشاركه في الحكم و تتفق معـه في الرأي التوجه الجديد لنمط الحكم الذي كان يتصوره منذ اليوم الذي قرر فيه استكمال بناء المؤسسات الدستورية المتمثلة في المجالس الشعبية و السلطات التنفيذية و القضائية. وإذا كان الرئيس الراحل يحمل في ذهنه مشروع مجتمع اشتراكي،و يعتبر نفسه مناضلا ضد الليبرالية الغربـية و قائدا ملهما ( كاريزما)، فإن الرئيس الذي خلفه في القيادة يختلف عنه تـماما.إن هذا الأخير لا يحمل هم أية فئة اجتماعية فقيرة، و لا يوجد عنده أي استعداد لقراءة التقارير الأمنية و الاقتصادية و السياسية بشغف و البث فيها بسرعة فائقة. فالرئيس الجديد،رجل معتدل،و مرن و من أنصار الليبرالية والانفتاح.و لذلك وقع عليه اختيار الأشخاص الذين كانوا يتوجسون خيفة من الرئيس هواري بومدين. وبعبارة أخرى، إن الرئيس الشاذلي بن جديد قد جاء إلى الحكم نتيجة للمساومات بين الشخصيات التي كانت تبحث عن رئيس معتدل يستجيب لمطالبها و لا يفرض سلطته عليها،مثلما كان يفعل الرئيس هواري بومدين.

 

الشاذلي بن جديد رجل الوفاء و الاستمرارية *

 

في بداية خريف 1978 ، بدأت تظهر على الرئيس بومدين أعراض المرض، وتوقفت اجتماعات مجلس الوزراء و أصبحت الجزائر مشلولة سياسيا،خاصة و أنه لا يوجد نائب للرئيس.و في هذا الوقت الصعب، اتـجهت الأنظار إلى مجلس الثورة الذي يعتبر الهيئة العليا التي جاء منها بومدين و نظامه،و لا يوجد غيرها لملء الفراغ السياسي.و قد برزت أهمية هذه القيادة السياسية في هذا الوقت بالذات،لأنها مازالت سلطة ثورية ترمز إلى السيادة الوطنية(1).

و توالت الأحداث بسرعة مذهلة منذ عودة الرئيس هواري بومدين من الاتحاد السوفياتي يوم 20 نوفمبر 1978 حيث بدأت تـتسرب الأخبار إلى الشارع الجزائري بأنه مريض و يعاني من مرض خطير. و هذا ما دفع بأعضاء مجلس الثورة أن يعقدوا اجتماعات ومشاورات مستمرة لتقيـيم الوضع و اتـخاذ الإجراءات الضرورية لطمأنة المواطنين بأن مجلس الثورة يتولى القيادة و متحكم في زمام الأمور.و في يوم 30 نوفمبر 1978، قرر مجلس الثورة عدم ترك الجيش بدون منسق عسكري بين وحداته، بعد مرض وزير الدفاع هواري بومدين ،و ذلك خوفا من قيام أية جماعة عسكرية بأية حركة أو تكتل بقصد تحطيم مجلس الثورة و الظهور كقوة موازية له،و قام بتعيـين الشاذلي بن جديد،قائد الناحية العسكرية الثانية ( وهران) منسقا بـين النواحي العسكرية الست،أي أنه أصبح يـمارس صلاحيات وزير الدفاع و ينسق بين مجلس الثورة و قيادات الجيش الوطني الشعبي،إلى أن تتضح الرؤيا في المستقبل و يتعرف جميع أعضاء مجلس الثورة على ماذا سيحصل للرئيس هواري بومدين.

و بعد أن تأكدت وفاة الرئيس هواري بومدين ليلة 27-12-1978، برزت إلى الوجود مسألة من يتولى السلطة و يقود البلاد.و في هذا الإطار، تعددت الآراء و كثرت الاقتراحات.فقد كان هناك تيار يدعو إلى تعيين أو انتخاب الرئيس من داخل مجلس الثـورة الذي كان يضم،آنذاك،ثمانية أعضاء، هم:

1) محمد الصالح يحياوي ( منسق جبهة التحرير الوطني )

2) احمد بن الشريف (وزير الري )

3) محمد بن احمد عبد الغني ( وزير الداخلية )

4) احمد دراية ( وزير النقل )

5) الطيـبي العربي (وزير الفلاحة و الثورة الزراعية )

6) عبد الله بلهوشات ( قائد الناحية العسكرية الأولى)

7) الشاذلي بن جديد ( قائد الناحية العسكرية الثانية )

8) عبد العزيز بوتفليقة ( وزير الخارجية )

بينما كان هناك تيار آخر يدعو إلى اتباع الطريقة القانونية بالعودة إلى الدستور،أي تولي رئيس المجلس الشعبي الوطني الحكم بالنيابة إلى غاية انعقاد مؤتمر الحزب.و في آخر الأمر،تم اعتماد هذا الطرح. إلا أن المشكل تعقد بسبب الصراع حول من يكون “المرشح لرئاسة الجمهورية حيث أن المدة المحددة بـ 45 يوما تكاد تنـتهي دون الوصول إلى نتيجة”(1).

و يـبدو أن الصراع حول من يخلف الرئيس هواري بومدين كان يدور بين محمد الصالح يحياوي، الذي كان يدعو إلى عقد مؤتمر وطني للحزب على أمل أنه يستطـيع أن يحول هذا الحزب من جبهة لتحرير الوطن إلى”حزب حاكم” و خاصة أنه هو المنسق لحزب جبهة التحرير الوطني منذ 1977 و يحظى بدعم المنظمات الجماهيرية(2)، بينما كان منافسه عبد العزيز بوتفليقة يدعو إلى تنظيم ندوة وطنية تشارك فيها القيادات الإدارية المتواجدة بالإدارات الحكومية التي يمكنها ترشيح من تراه مناسبا لرئاسة الجمهورية. وقد كان عبد العزيز بوتفليقة يعول على الدعم المعنوي الذي كان يحظى به من طرف هواري بومدين الذي كان يثق فيه و كلفه بقيادة دبلوماسية الجزائر إلى غاية وفاتـه.و لهذا كان بوتفليقـة يعـتـبر نفسه رجل الاستمرارية و مواصلة السـير في الخط السياسي الذي كان ينـتهجه الرئيس بومدين(1).

غير أن قادة النواحي العسكرية و بعض الشخصيات من مجلس الثورة فصلوا في الموضوع عندما اجتمعوا بالمدرسة الوطنية للمهندسين و التقنيـين الجزائريـين العسكرية ببرج البحري (قرب العاصمة ) و قرروا ترشيح الشاذلي بن جديد لمنصب رئاسة الجمهورية(2)، و ذلك لأنه لا ينـتمي إلى أية عصبة (Clan) و كان يقوم بالوساطة بين الأطراف المتصارعة على السلطة. وباختصار،فقد وقع الاختيار على الشاذلي بن جديد لأنه كان رجل الوسط،و خير الأمور أوسطها. فإذا كان عبد العزيز بوتفليقة ليبراليا والمتعلقون بالنهج الاشتراكي متحفظون عليه،فإن محمد الصالح يحياوي كان راديكاليا ويميل إلى دول المعسكر الاشتراكي،و لذلك لا يحظى بدعم الجماعات المؤيدة للمعسكر الغربي. ولهذا،وقع الاختيار على الشاذلي بن جديد،لأنه واقعي،تدرب مع بومدين و تعلم الصرامة والفعالية بالإضافة إلى أنه مخلص للرئيس بومدين و للشرعية الثورية،و متعلق بالهوية العربية-الإسلامية وغير منحاز إلى الشرق أو الغرب(3) . إنه الشخص الذي يعـتـبر بـمـثابة حل وسط “Un candidat du compromis”(4).

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن القرار الحاسم في تعيين بن جديد واختياره كخليفة للرئيس هواري بومدين قد تم اتخاذه خلف الكواليس من طرف الشخصيات القوية في الجيش و ذلك مثل قاصدي مرباح،مدير الأمن العسكري، وعبد الله بلهوشات، قائد الناحية العسكرية الأولى،و العربي بلخـير مدير المدرسة العسكرية التي عقد فيها الاجتماع ببرج البحري(5).

و بعد أن اجتمع رئيس الجمهورية بالنيابة،رابح بيطاط ، في وزارة الدفاع برؤساء النواحي العسكرية و المديرين المركزيـين بوزارة الدفاع و رؤساء الفرق العسكرية، يـوم 31/ 12/ 1978 ،تقرر تشكيل “اللجنة الوطنية لتحضير مؤتمر جبهة التحرير الوطني” و تم تنصيـبها من طرفه في بداية جانفي 1979. وحسب الخطة المرسومة، فقد تقرر تعيين السيد رابح بيطاط رئيسا للجنة الوطنية لتحضير مؤتمر الحزب، والسيد محمد بن احمد عبد الغني نائباً له. ونظرا لانشغال السيد رابح بـيطاط بالعمل في مقر رئاسة الجمهورية،فقد تولى السيد محمد بن احمد عبد الغني الإشراف على اللجنة الوطنية لتحضير المؤتمر.و انبثقت عن اللجنة الأم، اللجان الفرعية الثلاثة:

  1. اللجنة الفرعية المكلفـة بالنصوص، وأسندت لـها مهـام إعداد مشاريـع القانون

الأساسي للحزب، والقانون الداخلي للمؤتمر. وعين الدكتور بوعلام بن حـمودة رئيسا

لهذه اللجنة الفرعية.

  1. اللجنة الوطنية المكلفـة بالـمقررات، وقد تم تكليفها بإعداد مشاريع اللوائـح التي تعرض على المؤتمر، وأسندت رئاستها إلى الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
  2. اللجنة الفرعية المكلفة بتنظيم المؤتمر، ويرأسها السيد عبد المجيد علاهم.

وفي داخل هذه اللجنة التحضيرية للمؤتـمر بدأت معركة حرمان الحزب من السلطـة وإبقائه جهازا بيروقراطيا في يد السلطة التنفيذية بالـمرادية. فقد نشب خلاف حاد بين محمد بن احمد عبد الغني الذي كان يرى أن اللجنة تقترح بأن مؤتـمر الحزب ينتخب أعضاء اللجنة المركزية، وهذه الأخيرة تنـتخب الأمين العام للحزب ( وهذا هو الشيء المتعارف عليه في أحزاب الدول الاشتراكية).إلا أن العقيد بلوصيف أصرّ على ضرورة أن ينـتخب المؤتـمر اللجنة المركزيـة والأمين العام للحزب !وهذا معناه أن رئيس الدولة الذي هو الأمين العام للحزب، لا يحاسب من طرف أعضاء اللجنة المركزية للحزب،و إنما يحاسب عندما يعقد مؤتمر الحزب!  وفي نهاية الأمر،    استقر الرأي على عرض هذا الموضوع على الـمؤتـمرين و المؤتمر هو الذي يفْصل في الموضوع(1).

وباختصار،فقد انعقد المؤتـمر الرابع لجبهة التحرير الوطني في الفترة الممتـدة من 27 إلى 31 جانفي 1979 بالقاعة البيضويـة في المجمع الأولـمـبي الذي أصبح يحمل اسم محمد بوضياف، وترأس أشغال الـمؤتـمر الدكتور بوعلام بن حمودة،و نائبه الأول العقيد قاصدي مرباح. وقد بلغ عدد الـمؤتـمرين 3290  عضو، موزعين كما يلي:

  1. مندوبو الهياكل الحزبـية و المنظمات الجماهيرية……………………………1031
  2. مندوبو القاعدة المنـتخبون و البلديات و التعاونيات…..………………………792
  3. مـمثلو الجيش الوطني الشعبي ….……..….…….…………………………640
  4. أعضاء الحكومة،و ممثلو الإدارة،و أعضاء المجلس الشعبي الوطني………… 734
  5. الولاة و قادة القطاعات العسكرية و رؤساء المجالس الولائية.……..……………93

ـــــ

المـجموع:     3290

ومنذ الوهلة الأولى، اتجهت الأنظار إلى اللجنة الخاصة بإعداد القانون الأساسي للحزب التي يرأسها السعيد معزوزي ومقررها عبد الكريم حسني،لأنها هي المسؤولة عن كيفية انتخاب الأمين العام للحزب. وبكل حزم و إرادة قوية لتقزيـم دور الحزب، صفق الحاضرون على النص الذي تم إعداده في الكواليس و المتمثل في المصادقـة على الفكرة القائلة بأن المؤتـمر هو الذي يعين الأمين العام للحزب،و بالتالي يصير المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية و ذلك طبقا للمادتـين 105 و 117 من الدستور،و المادة 194 من القانون الأساسي للحزب، الذي ينص على ترشيحه لهذا المنصب، و اللجنة المركزية لا تـحاسبه أو تغيره،إذا أخطأ(1).كما تقرر في هذا الاجتماع،حسب شهود عيان، اختيار عناصر غير مؤهلة لشغل المناصب الحساسة باللجنة المركزية للحزب،لأن أصحاب القرار في القمة كانوا يـبحـثون عن أناس يـملؤون مقاعد و أنصار يجلسون عليها وفوز ثـمين بامتيازاتـها.و بكلمة أخرى،فالهدف”هو الفوز بإيـصال أكبر عدد مـمكن من الأصحاب والأحباب إلى عضوية اللجنة المركزية دون أن يكون واضحا مـا إذا كان لأولئك الأعضاء رأي يـبدونــه أو موقف يدافعون عنه”(2).

المهم، أن المؤتمر وافق على اختيار الأمين العام للحزب  من طرف المؤتمرين و ليس من طرف اللجنة المركزيـة المتكونة من 200 عضو (160 عضو أساسي و 40 عضو إضافـي) ومكتب سياسي متكوَّن من 17 عضوا(1) وأصدر توصية بعقد مؤتمر استثنائي لتحديد الهياكل القاعدية للحزب.

وإذا نحن القينا نظرة على الجماعات التي تتكون منها اللجنة التنفيذية للحزب،فإننا نلاحظ أن أقوى مجموعة هي مجموعة وزارة الدفاع (30 عضوا،ثم تليها المنظمات الجماهيرية بـ 23 عضوا، والمجلس الشعبي الوطني بـ 22 عضوا) بـيـنما تقلص عدد أعضاء الجهاز المركزي للحزب إلى 11 عضوا. و هذا يعني بداية التخلص من العناصر الحزبية الموالية   لمنسق الحزب السيد محمد الصالح يحياوي،و تعويضهم بـمناضلين جدد ينـتمون إلى مجموعة السيد محمد الشريف مساعديـة الذي أصبح الزعيـم رقم 02 للحزب، ابتـداء من يوم 17/ 08/ 1980، وهو اليوم الذي أصدر فيه الرئيس الشاذلي بن جديد مرسوما يتضمن تعيـين محمد الشريف مساعدية في منصب “مسؤول الأمانة الدائمة لحزب جبهة التحرير الوطني”، و إلغاء منصب “منسق الحزب” الذي كان يشغله العقيد محمد الصالح يحياوي منذ تعيـينه فيه من طرف الرئيس الراحل هواري بومدين في شهر أكتوبر من عام 1977،على  أساس أنه يشرف على تنظيم المؤتمر الرابع للحزب(2).

و باختصار، إن المؤتـمر الرابع للحزب قد جاء كتـتويج لعمليات بناء مؤسسات الدولة الجزائرية التي انطلقت في عهد الرئيس هواري بومدين حيث تم إجراء الانتخابات التشريعية و الرئاسـة في عهد الرئيس الراحل.و في شهر جانفي 1979 انعـقد المؤتـمر الرابـع للحزب ، و تـقرر فيـه أن يكون الشاذلي بن جديد هو الأمـين العام للحزب.

 

نوعية الجماعات التي كانت ممثلة في اللجنة المركزية لحزب

جبهة التحرير الوطني في المؤتمر الرابع ( جانفي 1979 )*

 

القطاعات الأعضاء الأساسيون الأعضاء الاضافيون
وزارة الدفاع 30 07
المنظمات الجماهيرية 23 04
المجلس الشعبي الوطني 22 03
الوزراء 18 05
المكتب السياسي 17
المحافظون الوطنيون للحزب 12 03
وزارة الخارجية 12
الجهاز المركزي للحزب 11 07
باقي الوزارات 07 05
الوزراء السابقون 03
الولاة 03 01
الرئاسة 01 05
المجموع 159 40

*  المصدر:  علي بن محمد، جبهة التحرير الوطني بعد بومدين: حقائق ووثائق. الجزائر: دار الأمة، 1998، ص 229

 

والمرشح الوحيد  لرئاسة الجمهورية و القائد العام للقوات المسلحة(1). وبذلك اتضحت الرؤيا، واستعاد الحزب نفوذه و قوته، نظريا،بعد أن أصبح القرار السياسي في يد رئيس الحزب الذي يعتمد على اللجان الدائمة للحزب،التي تقوم بدراسة الملفات و تضع التصورات و تقيم مشاريع الحكومة قبل عرضها على اللجنة المركزية للحزب التي تـتخـذ القرارات،ثم تذهب إلى الحكـومة و هيآتـها التنفيذية لتطبيقها بدون مناقشة أو اعتراض عليها. و قد نصت المادة 117 من القانون الأساسي لحزب جبهة التحرير الوطني،أن يشارك الجيش الوطني الشعبي في الحياة الحزبية بحيث يحضر ممثلون عنه في الاجتماعات التنسيقية التي يعقدها رؤساء اللـجان و الأقسام بقصر زيغود يوسف. ومعنى هذا، بالنسبة للعسكريين،أن العمل تحت مظلة الحزب الذي تحول إلى مركز لاتخاذ القرارات المصيرية باللجان الحزبية سواء بالنسبة لميزانية الجيش أو برامجـه الأخرى، سيحميهم من هيمنة السياسيـين على مركز اتخاذ القـرارات في الحزب و استئـثارهم بالسلطة! وإذا كانت الدورة الثانية للجنة المركزية المنعقدة بقصر الأمم في الفترة الممتدة من 26 إلى 30 ديسمبر 1979 قد جرت في ظروف عادية و سجل أعضاؤها بارتياح الجهود المبذولة لاستكمال مؤسسات الحزب و الدولة،و خاصة إقامة اللجان الدائمة للجنة المركزية و معالجة قضايا السكن والري و التربية الوطنية،فإن الأمور قد انقلبت رأسا على عقب في الدورة الثالثة للجنة المركزية التي انعقدت بقصر الأمم في الفترة الممتدة من 3 إلى 7 ماي 1980. ففي تلك الدورة،قرر الشاذلي بن جديد و أنصاره الانطلاق في عملية التخلص من القادة المنافسين لحكم بن جديد و إثبات حقيقة أساسية لا نقاش فيها وهي أن الشاذلي بن جديد قائد مرموق ويسيطر ويحكم بمفرده.و قد كان هدفه الأساسي من التحول الجديد هو أن يـثبت لرجال الرئيس هواري بومدين أنه قادر على تهميشهم سياسيا وتشتيتهم. ومثلما قال المؤرخ الجزائري محمد حربي،فإن بن جديد أراد أن يتخلص من الفكرة السائدة آنـذاك وهي أنه لا يوجد فراغ سياسي بعد وفاة القائد بومدين و أنه لا داعي للتأسف على وفاتـه لأنه سيحل محله(1).

 

 

أسلوب جديد للحكم و للتحكم في الحزب

 

إنه لمن الواضح أن الرئيس بن جديد،بعد مضي سنة كاملة على وفاة الرئيس هواري بومدين و تـجربـته مع النخب التي ساعدته على الجلوس على كرسي الرئاسة،قد ارتأى أن الوقت قد حان للتملص و التخلص من معظم الجماعات الضاغطة التي كانت تـتـنافس على السلطة و تزعجه بالخلافات و الصراعات الحادة التي لا نهاية لها .و يـبدو أنه قد عقد العزم على انتهاج سياسة رئيسه السابق الـمتمثلة في عدم السماح لرجال المعارضة أن يتفوقوا عليه ويضغطوا عليه لكي ينالوا ما يريدون. وباخـتصار، فإذا كان الضباط يخافون بومدين و يحترمونه خوفا على مصالحهم،فلماذا لا يعمل بن جديد مثله؟ و كما هو معروف،فإن الرئيس السابق هواري بومدين، كما قال محمد حربي، لم يسمح للجيش بـممارسة السلطة وإنما استعمله ووظفه لتدعيم سلطته(1). إن بن جديد يريد أن يكون مثل بومدين، الزعيم بدون منافس!

وفي الحقيقة أن أول عمل حاسم قام به الشاذلي بن جديد، كان ضد حزب جبهة التحرير الوطني و زعيم التيار المحافظ، العقيد محمد الصالح يحياوي الذي كان يحظى بتأيـيد الرئيس الراحل هواري بومدين إلى درجة أنه عينه منسقا للحزب في عام 1977. ومشكل يحياوي أنه كان يسعى لجعل حزب جبهـة التحـرير الوطني هو الحزب الحاكم في الجزائر.

وهناك من يزعم أن يحياوي كان يقوم بتأجيل مؤتمر الحزب بقصد السماح لأكبر عدد من الشيوعيـين أن يتغلغلوا داخل الحزب و المنظمات الجماهيرية بحيث يتحصن الحزب بالقاعدة ويتخلص الشعب من هيمنة القمة(2).

وهكذا تخلص الشاذلي بن جديد من هاجس” إعادة الاعتبار لوظيفة الحزب” مثلما كان يطمح العقيد يحياوي و الرئيس هواري بومدين. ففي يوم 4 ماي 1980، أي اليوم الثاني لأشغال اللجنة المركزية للحزب في دورتـها الثالثة، تدخل كبار ضباط الجيش الوطني الشعبي الذين يرجع إليهم الفضل في انـتقائه و اخـتـياره ليكون رئيسا للحزب و رئيسا للجمهورية و وزيرا للدفاع، و طالبوا من أعضاء اللجنة المركزية للحزب أن:

  1. يكون القائد الوحيد الذي يجسد وحدة قيـادة الحزب و الدولة هو رئيـس الجمهورية والأمين العام للحزب.

2 . أن تكون اللجنة المركزية للحزب هي الهـيئة العلـيا بين مؤتمرين

3 . أن ينشئ رئيس الجمهورية و الأمين العام للحزب أيـة لجنة دائمة أو خاصة كلما دعت  الضرورة لذلك

  1. أن تسند مهمة التنسيق للأمين العام للحزب و لا يتولاها غيره(1).

ومعنى هذا، إلغاء منصب منسق الحزب،و تقليص اللجان،و إعطاء الأمين العام صلاحيات مطلقة لكي يفعل ما يشاء. و هكذا كان الحال، فقد انـتقل نشاط الحزب من قصر زيغوت يوسف إلى مقر رئاسة الجمهورية حيث قام الرئيس الشاذلي بن جديـد يوم 13 ماي 1980 بتنصيب” اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي للحزب”. وفي الأسبوع الموالي،قام بن جديد بتنصيب “اللجنة الخاصة المكلفة بدراسة الهياكل المركزية للحزب، وإعداد مشروع تعديل القانون الأساسي للحزب”.

وعندما انعقد المؤتـمر الاستـثـنائي في الفترة الممتدة من 15 إلى 19 جوان 1980 بالمجمع الرياضي تحت شعار “من أجل حياة أفضل” وافق الذين حضروا المؤتمر على جميع المستندات التي تم عرضها على المؤتـمر.و أثناء انعقاد الدورة الاستثنائية للجنة المركزية يوم 28 جوان 1980، تم اعتماد القانون الداخلي للجنة المركزية وإقرار الهياكل الجديدة لتسيير الحزب بطريقة بيروقراطية، مثلما كان الوضع في عهـد الرئيس هواري بومدين(2).

و بناء على ما جاء في المؤتمر الاستثنائي،فقد قام الرئيس بن جديد بتقليص أعضاء المكتب السياسي من 17 إلى 7 أعضاء، و حدد دوره و صلاحياتـه، بحيث لن يصبح منظمة جماعيـة للمناقشات و اتخاذ القرارات و إنما يصبح مجلس حكماء يساعـد الرئيس و يقدم النصيحة للرئيس و يجسد الاستمرارية في الثورة و يـمثل التيارات الرئيسية في المجتمع الجزائري(1).

غير أن الشيء الذي يلفت الانتباه هنا هو ما نصت عليه المادة 29 من القانون المعدل للحزب حيث تم بموجبها إنشاء “الأمانة الدائمة”  للحزب و التي هي،في الحقيقة،الهيأة الجديـدة التي جاءت لتحل محل دور المنسق للحزب الذي كان يقوم به محمد الصالح يحياوي. و في يوم 17 جويلية 1980 أصدر الرئيس بن جديد مرسوما يقضي بتعيـين السيد محمد الشريف مساعدية “مسؤولا للأمانة الدائمة للجنة المركزية”. وفي نهاية الأمر،قرر الرئيس الشاذلي بن جديد في شهر جويلية 1981، إبعاد العقيد محمد الصالح يحياوي من المكتب السياسي بصفة رسمية(2).

و نستنتج من كل ما تقدم أن فكرة الحزب الحاكم التي كان يدعو إليها محمد الصالح يحياوي قد اندثرت،و أن الشعار الذي رفعه أنصار بن جديد: “المنسق ينافس الرئيس” وأنه يستغل قلة تجربة بن جديد ليـبدو كما لو كان الرجل الأول في الساحة السياسية، قد اختفى من الساحة السياسية.و أكثر من ذلك،فإن التـيار الاشتـراكي الذي كان يقوده يحياوي قد انهزم، وأن الطريق أصبح مفتوحا أمام الليـبرالية الاقتصادية أو الانفتاح الذي كان يتصور الشاذلي بن جديد أنه سيقوده إلى مخرج من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تتخبط فيها الجزائر.

 

تشـتيت رجال و نـخب هواري بومدين

 

إنه لـمن عجيب الصدف أن أنصار بومدين و رجاله الأقوياء الذين كان يرتكز عليهم في الأمن و بناء مجتمع اشتراكي تسوده العدالة و المساواة الاجتماعية،هم الذين ساعدوه على فرض وجوده في البلاد إلى أن أصبح رجل البلاد الأول بدون منازع(3)، لكن خلافاتـهم و منافساتـهم لبعضهم البعض،خلقت صعوبات للعمل الحكومي.و هذا ما دفع بالرئيس الشاذلي بن جديد أن يتصرف و يـبعدهم عن مواقع المسؤولية،الواحد تلو الآخر. و في الحقيقة، أن الـمشكل العويص الذي واجهه الشاذلي بن جديد هو مشكل خلق انسجاما بين أعضاء القيادة السياسية في المكتب السياسي الذي يعـتبر السلطة التنفيذيـة لقرارات اللجنة المركزية للحزب. فالتنافر و التنافس و الحزازات بين أعضاء المكتب السياسي، أعطت انطباعا للناس بأن البلاد تخلو من وجود قيادة حقيقية قادرة على التحكم في مجرى الأمور. و لهذا، قرر بن جديد في جويلية 1981 أن يثبت أنه زعيم و قادر على اتخاذ القرارات الحاسـمة،و أنه يـمثل الموقف المعتدل والوسط بين التـيارات المختلفة، وهذا الموقف يعد ضروريا لتفادي الصدام بين التيارات المتنافسة على النفوذ والسلطة في أجهزة الدولة لأن الجزائر في حاجة إلى استقرار على مستوى النخبة الحاكمة في البلاد(1).

وبطبيعة الحال، فإن الشخصيات الموالية للرئـيس الشاذلي بن جديد و التي ساهمت في بروزه كقائد جديد للجزائر،قد وقفت إلى جانبه عندما قرر الرئيس بن جديد إبعاد خصومه من الساحة السياسية و الانفراد بالسلطة حيث أصبح بعد 7  فيفري 1979، رئيسا منـتخبا،القائد الأعلى للقوات المسلحة،رئيس مجلس الأمن الأعلى،الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني ورئيس اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير. و هكذا قام بن جديد:

أولا، بتشتيت أعضاء النخبة(2) الـمتمركزة بالحزب التي يقودها العقيد محمد الصالح يحياوي، والتي كانت تسعى إلى مواصلـة انتهاج سياسـة الرئيس الراحل هواري بومدين والمتمثلة في المحافظـة على المكاسب الاشتراكية، والتحالف مع القوات اليساريـة والتمسك بالتراث العربي- الإسلامي، وتعريب الإدارة الجزائرية.و إذا كانت هذه النخبة في الحزب هي المستهدفة بالدرجة الأولى فذلك لأنها كانت تعمل من أجل تحويل جبهة التحرير الوطني إلى حزب حاكم،يفرض نفوذه على الجيش و الإدارة الحكومية. و بـما أن الجماعات الـملـتفة حول الشاذلي كانت مصممة على إنهاء سياســة احتكار الدولة للموارد و الثروات، و بقاء الحزب واجهة للسلطة و ليس حاكما، و الجيش يساهم في الحياة السياسية و لا يمكن عزله داخل الثكنات العسكرية، فقد تقرر إبعاد العقيد محمد الصالح يحياوي من منصبه كمنسق للحزب في عام 1980، و في مرحلة ثانية، تم إبعاده من عضوية المكتب السياسي في جويلية 1981، و بذلك تم طي ملف الحزب الحاكم و النخبة الحزبـية الطامعة في الحكم و المحافظة على المكاسب الاشتراكية التي تحققت في عهد الرئيس هواري بومدين(1).

ثانيا، تشتيت نخبة الليبراليين التي كانت يقودها السيد عبد العزيز بوتفليقة. وفي الحقيقة أن هذه النخبـة التي كانت تستمد نفوذها من كبار المسؤولـين في الدولـة الذين يحتلون مناصب قيادية و يطمحون لإقامة نظام سياسي ليبرالي و ديمقراطي، لم تكن لهم قاعدة شعبية ولم يشكلوا خطرا على حكم الشاذلي بن جديد،لأن السيد عبد العزيز بوتفليقة كان يستمد سلطته ونفوذه في عهد الرئيس هواري بومدين،من منصبه كوزير للخارجيـة لـمدة 16 سنة بحيث كان “يعـتبر أحد صانعي القرار في عهد بومدين”(2).

لقد تم تهميش السيد بوتفليقة بعد شهر واحد من انتخاب الرئيس بن جديد رئيسا للجمهورية حيث تم تعيينه مستشارا برئاسة الجمهورية في شهر مارس 1979. إلا أن بوتفليقة لم يمارس مهامه ولم يكن حريصا على حضور الاجتماعات التي كان يستدعى إليها. كما أن الرئيس بن جديد لم يكن حريصا على حضور السيد بوتفليقة في أي اجتماع.و في شهر جويلية من عام 1981، تم إبعاد عبد العزيز بوتفليقـة من المكتب السياسي بصفة رسمية ،و اطمأن الشاذلي بن جديد أن الصديق الحميم للرئيس هواري بومدين لم يعد له أي نفوذ في السلطة أو قدرة على صنع القرار،مثلما كان يفعل في عهد الرئيس بومدين.و يبدو أن سبب إبعاد بوتفليقة يرجع في الأساس إلى تخوف جماعة بن جديد من تعلق السيد بوتفليقـة بالمعسكر الغربي و عدم ارتياحـه للنظام الاشتراكي الذي أسسه هواري بومدين.و كما سنرى لاحقا،فإن بن جديد كان عنده توجه ليـبرالي وتحفظات على النظام الاشتراكي،إلا أنه لم يظهر أية معارضة لأي شيء ورثه عن هواري بومدين ،لأن الشعب كان يكن احتراما كبيرا لإنجازات بومدين و ما حققه من عدالة اجتماعية لا ينكرها حتى خصومه. و بإيجاز،فإن رسالة بن جديد إلى بوتفليقة كانت واضحة و هي أن بوتفليقة لم يعد يصنع القرار،و لم يعد يلعب أي دور في العهد الجديد.

ثالثا: تشتيت نخبة الأمن البومدييني التي كان يتزعمها قاصدي مرباح، وهي نخبــة قوية و ذات نفوذ في صنع القرار السياسي، و عليها كان يتكئ الرئيس بومدين في تسيـير أمور الدولة. و في الحقيقة أن مرباح لم يكن منافسا للشاذلي بن جديد، والفضل يرجع إليه في ترجيح كفة الشاذلي بن جديد و وصوله إلى السلطة. غير أن الرئيس الشاذلي بن جديد و من حولـه في السلطـة،كانوا يدركون أن مرباح ” شخصيــة مسيـطرة و أحد أعمـدة هواري بومدين، لأنه يعرف كل شيء عن الآخرين، ولا يعرفون عنه إلا القليل. ولقد بنى ونسج شخصيته المسيطرة في الأمن العسكري، المؤسسة التي سيرت بها الجزائر منذ الإطاحة بأحمد بن بلة وأصبحت اليد الطولى لبومدين”(1).

و بإيجاز،فإن قاصدي مرباح لم يكن منافسا أو معارضا للشاذلي بن جديد،بل حليفا له. غير أن تغير الأوضاع يتطلب تقليص نفوذ قاصدي مرباح الذي كان يتميز عن غيره بالكتمان والانزواء وتجنب الظهور في المناسبات، والمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات العليا “بحيث لا يمكن كتابة تاريخ الجزائر الحديث دون الإشارة إلى دوره. لقد كان حاضرا في كل الأحداث التي عرفـتها الجزائر المستقلة. فمنذ التحاقه بالثورة ،كان معروفا بالانضباط و قوة الملاحظة، والتحليل الهادئ. لقد تـتلمذ على يد بوصوف ويعتبر ابنه الروحي.لم يكن يتجاوز عمره 22 سنة عندما مثل الجيش في مفاوضات إفـيان كخبير عسكري. و في الحقيقة كان العين المخبرة لقائد الأركان العامة هواري بومدين”(2).

و تكمن قوة مرباح في مهارته و تجربته الطويلة و تعامله مع الملفات المعقدة. لقد كانت الملفات مكدسة بمكتبه،و تضم كل ما يتعلق بالطاقم السياسي الجزائري.و التعامل معه ليس عملية سهلة، لأنه اعتاد التعامل مع الرئيس السابق بومدين، باستقلالية تامة دون مراقبة من أي أحد، ما عدا رئيسه المباشر، أي وزير الدفاع هواري بومدين،و لا يتلقى الأوامر إلا منه، ” والتي كانت تـتمثل عادة في زعزعة استقرار المعارضة الجزائرية بالخارج و التكفل بانضباط الضباط العسكريين وتفـتيت كل ما يهدد استـقرار النظـام أو يفترض أنه يهدده”(1). وباختصار،فإن الرئيس بن جديد ارتأى ضرورة إبعــاد مرباح من منـصبه و تعويضه بقادة أمنيـين موالين له و يثق فيهم، مثلما كان الرئيس بومدين يثق في قاصدي مرباح. و لذلك قرر الرئيس بن جديد في ماي 1979 تعيينه أمينا عاما لوزارة الدفاع الوطني بالإضافة إلى مشاركته في المكتب السياسي لجبهة التحرير.ثم قرر الرئيس الشاذلي بن جديـد يوم 15 جويلية 1980 إعفاءه من مهامه كأمين عام لوزارة الدفاع.و في شهر جويلية من عام 1981 ، قرر رئيس الجمهورية التخلي عنه في المكتب السياسي بعد تقليص أعضائـه من 17 إلى 7 ،و قام بتعيـينه نائب وزير الدفاع الوطني مكلفا بالعتاد و الصناعات العسكرية . و باختصار،فإن نفوذ مرباح قد تقلص في عهد الشاذلي بن جديد و أصبح يلعب أدوارا ثانوية في صنع القرار السياسي بالجزائر،بعد أن كان أحد أعمدة الحكم في عهد الرئيس بومدين. و هكذا حافظ بن جديد على معادلـته التي أقامها منذ البداية لبقائه في السلطة. فكلما شعر أن مواقع شخص تـخيفه،هَمَّ بالبحث عن حجة لإزاحـتـه. لقد بقي بن جديد يخشى المنافسة “و لم يعد يتحمل شخصا كمرباح الذي لا يتورع أن يقول له ما يجب أن يقال”(2).

وحسب شهادة زوجة قاصدي مرباح،فإن الرئيس بن جديد كان يعتبر مرباح الذراع الأيمن له. وفي بداية حكم الشاذلي كان الرئيس لا يستـقبل أي أحد أو يتحرك إلا و السيد مرباح معه. وشيـئا فشيـئا،بدأت العلاقة تـتدهور،و عمل الشاذلي كل ما في وسعه لإبعاد مرباح من مديرية الأمن العسكري، ومن هذه المؤسسة الاستراتيجية. وبعد تعيـينه كأمين عام لوزارة الدفاع، قام الشاذلي بن جديد بإبعاد حتى الضباط الذين كانوا يشتـغلون تحت تصرف السـيد مرباح. وأكثر من ذلك، فقد قرّر الشـاذلي إنهاء مهـام قاصدي مرباح في الأمانة العامة لوزارة الدفاع، و قام بتعيـينه في منصب رمزي، نائب وزير للدفاع مكلفا بالصناعات الحربـية، “مع العلم أن هذه المهمة كانت فارغة من أي محتوى فعلي”(1).

رابعا: تشتيت نخبة التيقنوقراطيين-الاقتصاديين التي كان يتزعمها السيد بلعيد عبد السلام ورجال الأعمال الذين يحظون بدعم القيادة السياسية في الجزائر.و قد اعترف السيد بلعيد عبد السلام ” بأن المجموعات التي وصلت إلى السلطـة بعد بومـدين، قد جاءت إلى الحكم وعندها فكرة تكسير الشركات الوطنـية”(2)، وخاصـة شركة البترول الوطنـية “السوناطراك” التي أصبحت ضخمة جدا. و حسب تصورات بلعيد عبد السلام،فإن رجال الشاذلي بن جديد كانوا يتخوفون منه و يتهمونه بأنه يسعى للاستيلاء على السلطة. و أثناء طرده من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني و امتـثاله أمام لجنة التأديب، استجوبوه حول الصفقة التي أبرمها مع شركة “الباسو” الأمريكية و اتـهموه بأنه كان يسعى من وراء ذلك للحصول على التأيـيد الأمريكي!  كما اتـهموه بأنه عميل لمجموعة وجدة(3). وأكد السيد بلعيد عبد السلام،أن التهجم عليه ومحاولة إبعاده من السلطة، هي عملية قديـمة ترجع في الأساس إلى أيام هواري بومدين حيث كان المقربون من الرئيس الراحل يحذرونه من طموحات بلعيد عبد السلام وسعيه المتواصل للانفراد بالسلطة، وإقامة إمبراطورية عن طريق استـيلائه على الصناعة و توسيع نطاق الاحتكار وتهجمه على وزارة المالية(4).

و ما يهمنا في هذا الموضوع هو أن النخبة الجديدة المحيطة بالرئيس الشاذلي بن جديد، كانت مصممة على إضعـاف النخب القويـة في عهد الرئيـس هواري بومدين، و التخلص من نخبة التقنوقراطيـين-الاقتصاديـين أمثال بلعيد عبد السلام و رجل الأعمال مسعود زوقار، بحيث يتم إفساح المجال للرئيس الشاذلي و جماعته أن يتصرفوا بحرية تامــة في مجال اتخـاذ القرارات الاقتصادية و السياسية.

إن بلعيد عبد السلام كان يدرك،عندما توفى الرئيس هواري بومدين، أن سياسة التصنيع غير مجدية و تواجه معارضة من طرف بعض المحيطين بالرئيس هواري بومدين الذين وصلوا إلى قناعة بأن السياسة الـمتبعة و الاختيارات التي كان يراهن عليها الرئيس بومدين وبلعيد عبد السلام لن تحقق الآمال المعلقة عليها.غير أن بلعيد عبد السلام لم يتراجع عن برامج الـتنمية التي تم تسطيرها حتى بعد وفاة بومدين.و قد سأل نفسه عدة مرات عن ما ينبغي عمله بعد وفاة بومدين:” هل أواصل الـمشوار مع السادة الجدد أم أنصـرف لأول وهـلة؟” و بعد محاورة الذات و قياس المسألة من مخـتلف الجوانب، قرّر مواصلة المـشوار بـهدف واحد،وهو محاولــة إنقاذ ما يـمكن إنـقاذه من تجربة بومدين،تلافيا لتجدد ظاهرة السادات بالجزائر(1). و قد سجل تخوفه هذا في رسالة بعث بـها في جانفي 1979 إلى أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتـمر الرابع،ندد فيها صراحة باحتمال تجدد الظاهرة الساداتية في الجزائر.غير أن تقاريره سحبت و لم توزع على المسؤولين في اللجنة المركزية للحزب(2).

الـمهم،أن عملية التخلي عن سياسة هواري بومدين و الشخصيات السياسية القوية في عهده،انطلقت بمجرد وفاته.و لعل أقوى نخبة سياسية و اقتصادية تقرر تهميشها في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد،هي نخـبة التقنوقراطيـين الاقتصاديـين،لأن المال الآتي من النفط يـبعـثر بين أيدي هؤلاء التقنوقراطيـين الذين يتحكمون فـي الشركات الوطنية ويقررون أين تستـثمر أموال و ثروات الشعب الجزائري. و لهذا توجهت الأنظار منذ البداية إلى السياسات الاقتصادية الجديدة،و إلى أين ستذهب أموال البترول،و إلى من سيستفيد منها، من رجال الأعمال و أصحاب النفوذ في أعلى هرم السلطة .

وفي الحقيقة، أن عملية زحزحة رجال الأعمال الأقويــاء من مواقعهم بدأت في عهد الرئيس هواري بومدين الذي خير طبقة الأثريـاء الجدد بـين الانتماء إلى الثورة أو الخروج من السلطة والبحث عن الثروة في جهات أخرى.و حسبما قال بلعيد عبد السلام،

فإنـه اشتكى إلى بومدين من هذه الطبقة الثرية(3). غير أن الرئيس الراحل كانت تواجهه مشكلة و هي أنه بقي سجين نظامه السياسي و الناس الذين أوصلوه إلى الحكم(4). كما أن بومدين كان يتحلى بالوفاء و المودة تجاه رفقـائه في مســيرة النضال،و لا يـمسهم بسوء إلا إذا بدءوا بالإساءة إليه و تجاوزوا حدودهم(1).

من هذه الحقيقة يـمكننا أن نستخلص أن بلعيد عبد السلام أراد المحافظة على نفوذه من خلال تكسـير طبقة الأثرياء الذين استفادوا من ثروة البترول في أيام فرض الاحتكارات و فرض الرقابة على التجارة الخارجية و الاستـئـثار بالاستثمارات المالية في القطاع الصناعي على حساب قطاع الفلاحة أو الزراعة.و لهذا، قدم مشروع مرسوم إلى المسؤولين الجدد في المكتب السياسي يطالب فيه بإحصاء رجال الثروة و مساءلتهم عن طريقة حصولهم على الثروات المكدسة لديهم. غـير أن أعضاء الـمكتب السياسي رفـضوا هذا الطلب،و تجاهلوا دعوته لتوزيع تقرير على المسؤولين في الحزب لكي يناقشوا هذا الموضوع. و أكثر من ذلك،فقد كلفه الحزب برئاسة لجنة الشؤون الاقتصادية،غير أن القضايا الاقتصادية تم إسنادها إلى السيد معزوزي، رئيس اللجنة العامة(2)!

و السؤال الذي يطرح هنا: على أي أساس تقرر إبعاد بلعيد عبد السلام من ساحة التنمية السياسية و الاقتصادية و إفساح المجال لنخبة الشاذلي بن جديد الجديدة ؟ الجواب على ذلك يكمن فيما يلي:

  1. إصرار بلعيـد عبد السلام على سن قانون يسمح للدولة بـمحاسبة طبقـة الأثريـاء و التعرف على أساليب حصولهم على الثروات الطائلة التي جمعوها،و هذا التوجه رفضته القيادة الجديدة جملة و تفصيلا وضربت به عرض الحائط(3).

2.إعادة النظر في قانون احتكار التجارة الخارجية و تعديله من طرف المجلس الوطني الشعبي.

3.انزعاج الوسطاء بـين الشركات الأجنبيـة و الشركات الوطنية الجزائرية من القيـود

و التحقيقات معهم بشأن العمولات التي يحصلون عليها من الدول الأجنبية.

4.رغبة القيادة الجديدة في تخفيض نسبة الأموال المستـثمرة في المشاريع الصناعيـة الكبيرة، وبالتالي تخفيض المعونة التقنية الأجنبية.

5.تزايد الديون الخارجية التي أصبحت تشكل خطرا على الاقتصاد الجزائري حيث بلغت

13 مليار دولار أمريكي في نـهاية 1978 (حسب رأي بلعيد عبد السلام)(1) أو 18

مليار دولار أمريكي ( حسب رأي عبد الحميد إبراهيمي)(2).

  1. تـفاقم مشكلـة الاستـثمار غير المنـتج حيث كان المردود لا يتجاوز 40% في بعض المصانع حسبما صرح به المناوئون للـتصنيع(3).

و نظرا لإصرار بلعيد عبد السلام على رفض المشاركة في تهديـم ما بناه في عهد الرئيس بومدين،قررت القيادة الجديدة تقديـمه إلى لجنة التأديب التابعة للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني(4) ثم قدموا ملفه للعدالة التي استنطقته وحققت معه في بعض القضايا المشبوه فيها(5).وفي آخر المطاف،استسلم بلعيد عبد السلام للأمر الواقع و خرج من السلطة.و في هذا الصدد قال “لكن بعد خروجي من اللجنة المركزية في ديسمبر 1981، فضلت الصمت إن طبيعة النظام السياسي عندنا لا تسمح بالتعبير خارج الأطر النظامية. و إذا تم ذلك يعـتبر نوعا من الـتمرد أو “خرج للعيب” بالتعبـير الشعبي(6).

و لا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن سياسة تشتيت النخب و الشخصيات القوية في عهد الرئيس بومدين قد امتدت و طالت أو مسّت الطيـبي محمد العربي، وزير الفلاحة في عهد الرئيس بومدين من 1968 إلى غاية 1979. فقد وجه له مجلس المحاسبة اتهاما في ديسمبر 1983 باستعمال أموال الثورة الزراعية بطريقة غير قانونية و غير شرعية،أي استعملت لأغراض غير الأغراض المخصصة لها تلك الأموال.و نظرا لكونه مذنب،حسب رأي مجلس المحاسبة،لأنه أساء استعمال 2 مليون دينار( 3,400,000 فرنك فرنسي)(7) ، فقد أحيل ملفه على العدالة لكي تحاسبه،مع العلم أنه تم إبعاده من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير في شهر جوان من عام 1981.

الشاذلي يفتح الأبواب لعودة الصراعات بين النخب

 

لكي نفهم التوجه الجديد لسياسات الشاذلي بن جديـد،ينبغي أن نعود إلى إلقاء نظرة على الصراعات السياسية بين النخب و الجماعات السياسية الضاغطة في الجزائر منذ بداية ثورة 1954 إلى فـترة حكم الشاذلي بن جديد في مطلع 1979. و النقطة الأولى التي ينبغي أن نركز عليها و نبرزها بقـوة هي أن التاريخ السيـاسي للجزائر حافل بالصراعات و الخلافات بين الأحزاب الوطنية،المعتدلة و المتطرفة و المرتبطة بالإدارة الاستعمارية أمثال المستقلـين الذين كانت تتحايل الإدارة الفرنسيـة في الانتخابات وتعطيهم أصوات الناخبين المسلمين الجزائريين. ولهذا،فإن المعجزة حصلت في عام 1954 حين توحد الـمتخاصمون و المتنافسون على الحكم وأنشأوا جبهـة التحرير الوطني التي جـمعتهم و مكنـتهم من العمل المشترك لطرد المحتل الأجنبي من وطنهم(1).

بعد استقلال الجزائر في عام 1962 عادت و ظهرت من جديد الصراعات القديـمة بين النخب المتنافسة والمتخاصمة ولم تـتمكن الثورة من خلق طبقـة سياسية متماسكـة و متضامنة و قادرة على فرض وجودها كطبقة سياسة محترفة. ولذلك جاءت نخبة الثورة الجديدة بقيادة هواري بومدين وتحالفت مع مجموعة من قادة الثورة المسجونين في فرنسا، وأعطت الفرصة للسيد احمد بن بلة أن يجلس بمفرده على كرسي الرئاسة. وعلى إثر انفراده بالسلطة، حاول أن يحكم بواسطة الحزب الواحد، وتمكن من التغلب على رؤساء النخب المنافسين له، واضطهد آيت احمد،بوضياف،خيضر وفرحات عباس. غير أنه اصطدم بنخبة هيأة الأركان التي كان يتزعمها هواري بومدين، وسقط من الحكم عندما حاول التخلص من نخبة الجيش في سنة 1965.

المهم أن هذه النخبـة التي كان يتزعمها هواري بومدين، قضت على زعامات النخب، سواء كانت تلك النخب، نابعة من الأحزاب التقليدية في الماضي، أو نابعة من حزب جبهة التحرير الوطني. ومعنى هذا أن الثورة الجزائرية خلقت نخبة جديدة متمثلة في هيئة الأركان وأصبحت هي الشريك القوي لأي قائد مدني يرغب في التربع على كرسي السلطة.و نتيجة لهذا الأسلوب في الحكم،تـمكن الرئيس توارى بومدين من غلق باب الحصول على مزايا النفوذ السياسي في وجه أية نخبة لا تقبل بالعمل تحت قيادته. وهكذا استطاع الرئيس بومدين أن يتحكم في جميع النخب، من مدنية وعسكرية وحزبـية، ويحـرم كل نخبة من تقوية نفوذها واستنـزاف خيرات و ثروات الشعب الجزائر(1).

وعندما جاء الشاذلي بن جديد إلى الحكم تغيرت الأوضاع رأسا على عقب. لقد عادت إلى الظهور نخب المجاهدين، نخب حزب جبهة التحرير الوطني،نخـب رجال الأعمال والصناعة،نخب الفلاحـين،نخب الاتحاد العام للعمال الجزائريـين،و نـخب أولاد المجاهدين والشهداء،و نخب رجال التجارة،و نـخب الاستيراد و التصدير.إن هذه النخب،و غيرها من العصب التي لم أذكرها،أصبحت تـتمتع بنفوذ سحري في مؤسسات الدولة بعد أن تخلصت من الرقابة الصارمة التي كان يفرضها عليها الزعيم الراحل هواري بومدين. وبسرعة مذهلة بدأت تظهر الآثار السلبية للنخب المـتنافسة على عائدات البترول، في القرارات التي تـتخذها السلطة، سواء في المجال السياسي أو المجال الاقتصادي .و برزت، بصورة واضحة  عملية الارتجال في طرد العديد من المسؤولين الكبار في المؤسسات الاقتصادية وتعيـين موالين جدد للقيادة الجديدة. وازدادت الأمور تعقيدا، بتقديـم مخـتلف المسؤولين السابقين في المؤسسات العمومية إلى محكمة الجرائم بمدينة المدية (غرفة الجرائم الاقتصادية) وذلك تحت شعار “محاربة سوء التسيـير”(2). وفي المجال السياسي،تقرر التخلص من العناصر القيادية الموالية للعقيد يحياوي في الحزب،و إسناد المناصب الجديدة للعناصر الموالية للنخبة التي يقودها محمد الشريف مساعدية بصفته”مسؤولا للأمانة الدائمـة للجنة المركزية “، وذلك بعد تعيينه في هذا الـمنصب الهام يوم 17/07/ 1980، في مكان العقيد محمد الصالح يحياوي الذي كان يقوم بوظيفة منسق الحزب منذ تعيـينه فيه من طرف الرئيس هواري بومدين إلى يوم إلغاء هذا المنصب من طرف الرئيـس الشاذلي بن جديد.و حسب تصريح مساعدية، الرجل القوي في الحزب في الفترة الممتدة من 1980 إلى غاية 1988 ،فإن حزب جبهة التحرير لم يتحول إلى هيكل إداري ضخم، يضم 12 ألف موظف،و إنما كان يوجد به 6 آلاف أو 7 آلاف موظف لا غير!(1). وزعم الرئيس الشاذلي ذات يوم في حديث إلى جريدة الشرق الأوسط ، بأن مساعدية كان يهتم بـهـياكل الحزب و البنايات الفخمـة أكثر من اهتمامـه بالنضال،أي أنه بيروقراطي في برج عاجي و خاصة بعد استيلائـه على قصر الحكومة(2)*.

 

تحديث الدولة يـمر عبر النخب المتنافسة

 

و بإيـجاز، فإن عصر الانفتاح في عهد الشاذلي بن جديد،بدأ بالاعتماد على نخب جديدة و رجال جدد في المراكز الحساسة لاتخاذ القرارات.و فيما يلي مـخـتلف مراكز  القوى و النخب التي كانت تقود سياسات الانفتاح في الجزائر منذ 1982 إلى غايـة 1988:

  1. I. نخبة التقنوقراطيين على مستوى السلطة التنفيذية

قام الرئيس بن جديد بعد المؤتمر الخامس لحزب جبهة التحرير الوطني بتشكيل فريق اقتصادي ذو توجه ليـبيـرالي،يقـوده:

(1) عبد الحميـد إبراهيمي ( وزير التخطيط و التهيئة العمرانية منذ 8 مارس 1979،       عضو المكتب السياسي في سنة 1983 ورئيس الحكومة منذ 24 جانفي 1984 إلى غاية

تنحـيته بعد أزمة 1988).

(2) نابي  بلقاسم  ( وزير الصناعات الكيميائية و البترول منذ 8 مارس 1979 إلى غاية

التخلص منه بعد أحداث أكتوبر 1988).

(3) عبد العزيز خلاف ( وزير التجارة منذ 15 جويلية 1980 إلى غاية مارس 1986 أين عين وزيرا للمالية لغاية نوفمبر 1988 ثم تم إبعاده من هذا المنصب).

(4) بوعلام بن حمودة ( وزير الداخلية منذ جانفي 1980 إلى غاية جانفي 1982،ثم وزير للمالية ابتداء من 22 جانفي 1984 إلى غاية الاستغناء عن خدماتـه في عام 1987).

(5) احمد طالب الإبراهيمي (وزير الخارجية منذ 8 ماي 1982 بعد الحادث المفاجئ لطائرة محمد الصديق بن يـحي و وفاته في ظروف غامضة)(1).

وفي الحقيقة أن هذا الفريق التقنوقراطي هو الذي اعتمد عليه الشاذلي بن جديد لدراسة إجراءات تسمح بـمزيد من التحكم في مسـيرة التـنمية الاقـتصادية و مراجعة  السياسات الداخلية والخارجية. ولأول مرة في تاريخ الثورة الاشتراكية بالجزائر،بدأ الناس يشعرون بأن التغيـير لا يهدف إلى دعم دور الدولة في الهيمنة على الاقتصاد، وإنـما يهدف إلى خلخلة هذا الدور، وفـتح المجال للاستثمارات أمام القطاع الخاص والشركات الأجنبية(2).

وفي البداية كان الناس يعتقدون أن الفريق السياسي والاقتصادي الذي شكله الشاذلي بن جديد سيقوم بـمراجعة طرق التنمية السياسية والاقتصادية لأن تصريحات الرئيس والجماعات التي دعمته للوصول إلى القيادة،كانت تصب في خانة واحدة و هي الوفاء لبومدين والاستمرارية في تطبيق سياساته التي رسمها منذ 1965. غير أن الأيام والأدلة الثابتة أكدت لاحقا،أن الجناح الليبرالي الذي يقوده بن جديد، كان يعمل بانتظام للتراجع عن السياسات التي كان ينـتهجها الرئيس السابق للجزائر. فإذا كان الشغل الشاغل لبومدين هو التصنيع و استـثمار عائدات البترول في هذا القطاع، فإن الـتوجه الجديد هو أمين احتياجات المواطن الضرورية مثل السكن والنقل وتوفـير المواد الغذائية وإصلاح التعليم(1).

وحسب رأي الخبراء فإن السلطة التنفيذية قد وضعت برامج ليبرالية للتغلب على المشاكل الاقتصادية التي يواجهها أبناء الشعب الجزائري و يـمكن تلخيصها فيما يلي:

1) فقدان التوازن بين التزايد السكاني و الغذاء اللازم . إن تزايد السكان بنسبة عالية (3,4% ) لم يكن مسايرا لتزايد عرض المواد الغذائية والاستهلاكية في الأسواق. وهذا ما دفع بالحكومة أن تلجأ إلى تغطية العجز عن طريق الاستيراد الذي ارتفع من 800 مليون دينار سنة 1975 إلى 7 مليار دينار خلال عام 1978. ولهذا قررت الحكومة التركيز على الفلاحة وتشجـيع الشباب على العمل في المستـثمرات الفلاحيـة(2).

  • 2) فقدان التوازن بين تزايد السكان و حجم الاستخدام، و هذا ما دفع بالسلطـة التنفيذية أن تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في الزراعة و في الصناعات الخفيفة.

3) العمل على تخفيض المعونة التقنية الأجنبية، باعتبارها مسؤولة عن التوجه نحو المشاريع الصناعية الكبيرة غير الـمجدية.و لهذا فلابد إعادة الهيكلة للشركة الوطنية للبترول”السوناطراك” و تقسيمها حتى تـتمكن من خلق الفعالية في العمل و تجنب هيمنة الشركات الأجنبية على الاقتصاد الجزائري لأن الاعتماد على الكفاءات الأجنبـية يكلف الخزينة الجزائرية نفقات باهظة(3).

 

II  . نخبة الثوريين المحافظين بالحزب

 

ما ينبغي أن يقال هنا أن حزب جبهـة التحرير الوطنـي في عهد بن جديد قد تحول إلى واجهة للحكم و امتداد لسلطة رئيس الجمهورية الذي يعتبر أمينه العام، من الناحية القانونية. إنه أصبح حزب السلطـة، بعد المؤتـمر الاستـثنائي للحزب، أو حزب الشاذلي بن جديد الذي يعـتمد عليـه لاتـخاذ القرارات المصيرية في اللجنة التنـفيذية لحزب جبهة التحرير الوطني ثم تـحويلها إلى السلطة التنفيذية لتطبيقها(1).

و باختصار، فإذا كان الرئيس هواري بومدين يتخذ قرارات الحكومة في اجتماعات مجلس الثورة بصفـته السلطة العليا في البلاد و هو رئيسه،فإن الرئيس بن جديد يتخذ قراراته السياسية والاقتصادية في اجتماعات اللجنة المركزية للحزب والمكتب السياسي الذي يرأسه. والفرق الجوهري بين الهيـئـتين،أن بومدين كان يتحكم في جميـع النخب وجميع القوى السياسية والأمنـية و الاقتصادية ويسيطر عليها، في حين كان الشاذلي بن جديد يحاول أن يعمل ما يرضي العناصر المقربة منه و البعيدة عنه بحيث يطيعونه ويفعلون ما يشاءون في المواقع التي يـحتلونـها في أجهزة الدولة(2).

إنـه لـمن المفيد هنا أن نشـير إلى أن توجهات الحزب و النخبـة التي تسيطر عليه وتـتحصن به، ابـتداء من مـحمد الشريف مساعديـة، إلى عبد الحميـد مهري وبوعلام بن حمودة،هي قيادات شاركت في الثورة و ساهمت في نيل الاستقلال،و بالتالي تعتبر عناصر وطنية محافظة ومناضلة من أجل المحافظـة على المكاسب الثورية والهوية العربية -الإسلامية للجزائر. وعليه، فإن إيديولوجية المحافظـين و الثوريين في الحزب،تختلف عن توجهات التقنوقراطيين والمخططين الليبراليـين الجدد،الناشطين مع مستوى السلطة التنفيذية. ولهذا فإن الصراع بين الليـبراليـين في الحكومة و المحافظين في الحزب هو الذي سيتسبب، لاحقا، في إضعاف مؤسسات الدولة الجزائرية وخلق مواجهة قوية بين رجال الحكم في السلطة التنفيذية يرغبون في القيام بإصلاحات اقتصادية و سياسية، و بين رجال في الحزب يعارضون الإصلاحات التي ينادي بـها بن جديد لأن الإصلاحات في رأيهم تعني عدم الوفاء و الاستمرارية لسياسـة الرئيس هواري بومدين،و التـخلي عن المكتسبات الثورية(3).

إن سياسة لَـمِّ الشمل التي انتهجها بن جديـد منذ تربعــه على كرسي الرئاسة و كرسي الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني،قد كانت ظاهريا جذابة ومثيرة. غير أن سياسـة إعادة تنظيم الجبهـة و جعلها قوة تحول و تغيـير،و قادرة على تـجنيد المناضلين و جلب القوى الوطنية إلى صفها،خلقت للشاذلي بن جديد مصاعب جمة،لأن رجال السلطة في القيادة الإدارية وفي الجيش، تضايقوا من عمليـة تقويـة حزب جبهـة التحرير الوطني و تأهيله للحكم. فهذا توجه غير مقبول،و لو أنه غير مخيف ما داموا يتمتعون بتمثيل قوي في اللجان الوطنية للحزب.

المهم، أن سياسة تجديد الحزب كانت تقوم على أساس القيادة الجماعية التي انتقلت من المكتب السياسي للحزب إلى اللجنة المركزية التي تـتشكل من جميع التيارات السياسية والعسكرية و الإيديولوجية، قد انطلقت في عام 1981 بصفة رسـمية. غير أن النـخبـة الفرانكوفونية في السلطة التنفيذية أظهرت عدم رضاءها على تركيز السلطة في يد أصحاب جبهة التحرير الوطني وقرّرت العمل على تطويق نخبة المحافظين بحيث يـبقى الحزب عبارة عن صورة باهـتة ويتمتع أعضاءه بـمزايا مالية و يحصلون على مناصب شرفيــة و يعطون بعض” الكوطات ” أو نسبة معينة من الحصص لتعيين أقاربهم و مناضليهم في المناصب الحكومية العليا.أما القرارات المصيرية فإنـها تـتخذ باسم الحزب و في داخل هيآت الحزب،لكن الذين يتخذون القرارات هم القادة الفاعلون (les Décideurs) الذين يشكلون كـتل متعددة ومتنوعة في مـختلف هيآت السلطة الـتنفيذية .

هذا التوجه،لقي معارضة حادة من طرف رجال النخبة الثورية في الحزب الذين عبّروا عن رغباتهم في مواصلة العمل الثوري والمحافظة على مكتسبات الثورة. وبالفعل،فقد تجسد هذا التوجه في الضغط على الشاذلي بن جديد وإقـناعه أن القاعدة هي أساس الحكم و بدونها لن يكون لحكومته أية مشاركة جماهيرية أو تأييد شعبـي. وانساق الشاذلي بن جديد مع مطالب الثوريـين في الجبهة وأعطى موافقته في المؤتمر الاستثنائي للحزب على الخطوات التالية على مستوى تنظيم الحزب:

  1. اختيار أمناء المحافظات ( آنذاك 31 محافظة ) وتعيـينهم على رأس مـجالس التنسيق المكلفة بالإشراف على تنفيذ خطط التنمية وعلى الإجراءات المطبقة لمكافحة الآفات الاجتماعية و مراقبة سياسة الدولة على مستوى كل ولاية. و إشراف الحزب على مجلس المحافظة معناه أن الوالي ورئيس القطاع العسكري و رئيس المجلس الشعبي الولائي، يخضعون لسلطة الحزب !
  2. انتخاب أعضاء لجنة الانضباط، و هي مكلفة بمحاكمة و تأديب أي عضو داخل الحزب، متهم بارتكاب أخطاء جسيمة مثل التلاعب بأموال الدولـة أو الانـتماء إلى تنظيم سياسي آخر(1).
  3. تطبيق المادة رقم 120 من القانون الأساسي للحزب ابتداء من أول يناير 1981 التي تنص على إلزام جميع كوادر المنظمات الجماهيرية الخاضعة للحزب (نقابات العمل، الشبيبة، الجمعيات النسائية،و الفلاحين و المجاهدين ) بالحصول على بطاقة العضوية في الحزب(2).

وبعبارة صريـحة،فإن رجال الحزب،و على رأسهم محمد الشريف مساعدية،قد حاولوا من خلال تطبيق المادة 120 من قانون الحزب،إغلاق الباب في وجه القيادات التي ليس لها انـتماء فعلي إلى حزب جبهة التحرير.و عليه فالحزب أصبح وسيلة أو جسرا لبلوغ مناصب قيادية عليا.

إلا أن محمد الشريف مساعدية نفى أن يكون الحزب قد احتكر السلطة و قال أن قرارات اللجنة المركزية واضحة،لكن عمل الحكومات شيء آخر،لأن من كانوا في المناصب العليا ليسوا مناضلين في الحزب. ثم أوضح قائلا: “إن الحزب يلعب دوره من خلال المؤسسات،أي من خلال المنـتخبين أو من خلال المناضلين الموجودين في الأجهزة. فعندما تفقد مناضلين في أجهزة الدولة،كيف تلعب دورك؟”(3). وبكل وضوح وشفافية قال محمد الشريف مساعدية :” أنا ضد التعددية التي تـمثل جسورا للقوى الأجنبية لتؤثر على القضايا الداخلية(4).

 

III. نـخبة قيادات الأمن بـمختلف أجهزتـها

 

لعل أهم خاصية يتمتع بـها أي جيـش في العالـم هو الانضباط و الالتـزام في العمل و إطاعة أوامر قادتـه بدون نقاش. و هذه حالة الشاذلي بن جديد الذي انـتقاه قادة الجيش ليكون رئيسا لهم و يحكم الجزائر باسـمهم.و الرئيس الذي يعتبر القائد الأعلى للقوات الـمسلحة كان يدرك أن مساندة الجيش هي التي مكنـته من الوصول إلى الحكم. و إذا فشل خصومه أو منافسوه من الوصول إلى السلطة فذلك لأنـهم لم يتمكنوا من الحصول على مساندة و دعم القوات المسلحة .

و اعترافا بالجميل، قام الرئيس بن جديد بتجديد نخب العسكريين وعين الشخصيات العسكرية الموالية له في مناصب قيادية. وحسب رأي المفكر الفرنسي هيربير ميشيل (Herbert michel)، أن بن جديد انـتهج سياسة مشابـهة للرئيس الراحل هواري بومدين الذي انـتقى مساعديه العسكريـين من مجموعة وجدة و شكل منهم هيأة أركان الجيش الوطني الشعبي. فالرئيس بن جديد قام بعمل مـماثل حيث اخـتار مجموعة من الشخصيات العسكرية التي تـتوفر فيها صفات معينة مثل: الانتماء إلى منطقة الشرق الجزائري، وخبرة العمل في الجيش الفرنسي،و العمل بالناحية العسكرية الثانية في وهران التي كان بن جديد قائدا عسكريا لها منذ 1964 إلى غاية 1979 .

و حسب بعض الباحـثين، فإن عدد أفراد النخبة العسكرية الذين كانوا يمثلون قوة عسكريـة في مـحيط الشاذلي بن جديد يـبلغ عددهم تسعـة،و يـمكن التعـرف عليهم فيما يلي. و هم:

  1. العربي بلخير
  2. مصطفى بلوصيف
  3. عبد الله بلهوشات
  4. رشيد بن يلس
  5. مصطفى الشلوفي
  6. مجدوب لكحل عياط
  7. عباس غزيل
  8. قاصدي مرباح
  9. الهادي لخذيري ،(1).

فبالنسبة للشخص الأول، العقيد العربي بلخير، يـمكن أن يقال أن هناك علاقات ودية تربطه بالشاذلي بن جديد منذ لقائهما في الناحية الخامسة بـمدينة قسنطينة في بداية الاستقلال حيث كان بن جديد رئيسا للناحيـة الخامسـة و بلخـير رئيسا لإحدى الفرق العسكرية بتلك الناحية العسكرية.و عندما أصبح العقيد بن جديد رئيسا للناحية العسكرية الثانية بوهران في شهر جوان من عام 1964 اعتمد على بلخير و عينه رئيس هيئـة أركان الناحية العسكرية الثانية إلى غاية 1975 حيث انـتقل بلخير إلى المدرسة الوطنيـة للمهندسين و التقنيـين الجزائريـين(ENETA )، وهي المدرسة التي اجتمع فيها قادة الجيش بعد وفاة الرئيس بومدين في ديسمبر 1978 ،و قرروا في ذلك الاجتماع تعيـين بن جديد زعيما جديدا للجزائر،خلفا للرئيس الراحل هواري بومدين(2). و قد كان بن جديد يعتمد على بلخير في كل صغيرة وكبيرة.و لذلك قام بترقيـته إلى رتبــة جنرال في عام 1985 و أمين عام للرئاسة ثم مديرا لديوان رئيس الجمهورية يوم 18 فيفري 1986 .كما أنه كان المسؤول الأول عن ملف الإطارات في رئاسة الجمهورية.

وعلى مستوى وزارة الدفاع،كان الرئيس بن جديد يعتمد بصفـة كلية على العقيد مصطفى بلوصيف الذي لعب دورا بارزا في إضعاف العقيد يحياوي و حرمان الحزب من الوصول إلى الحكم. و بحكم تـمثيله للجيش داخل اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني منذ فيفري 1979، تـمكن بلوصيف من تـمرير جميع القرارات التي تـخدم الزعيم الجديد للجزائر.و لهذا قام بن جديد بتعيـين بلوصيف أمينا عاما لوزارة الدفاع في البداية،ثم قام بترقـيته إلى رتبة عقيد في عام 1981 ، و كلفه بإعادة هيكلة الجيش و إنشاء هيـئة أركان عامة للجيش . و في يوم 16 جانفي 1984 ، قرر الشاذلي بن جديد ترقية بلوصيف إلى جنرال،كما قام بتعيـينه عضوا بالمكتب السياسي في مطلع 1984  ثم تعيـينه أيضا،رئيسا لهيئة أركان الجيش الوطني الشعبي يوم 28 نوفمبر 1984(1).

وفي نفس الإطار،اعتمد بن جديد على قائد عسكري قوي في عهده بصفته كان عضوا بمجلس الثورة، ألا و هو العقيد عبد الله بلهوشات الذي كان متمركزا بالناحية العسكرية الأولى (1968-1979 )،و ساهم إلى حد كبـير في وصول الشاذلي بن جديد إلى مركز قيادة البلاد.و ابتداء من شهر فيفري 1979 أصبح عضوا بالمكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني، ثم تقرر تعيـينـه مفـتشا عاما للجيش يـوم 5 ماي 1979. وفـي يوم 15جويلية 1980 ، قرر الرئيس بن جديد تعيـينـه نائب  وزير في وزارة الدفاع  الوطني ، و تمت ترقيته إلى رتبة جنرال يوم 24 أكتوبر 1984. ثم تبوأ مكانة مرموقة في الجيش يوم قرر رئيس الجمهورية أن يعيـنه في منصب قائد أركان الجيش الوطني الشعـبي يوم 22 نوفمبر 1986 بعد أن فقد بن جديد ثقتـه في الجنرال بلوصيف و تم إبعاده من منصبه.

واعتمد الشاذلي بن جديد بصفة خاصة على رفيقه القديم في منطقة وهران العقيد رشيد بن يلس الذي كان يشرف على القاعدة العسكرية الاستراتيجية،المرسى الكبـير،بناحية وهران ،منذ 1974 ، يوم كان الشاذلي بن جديد قـائدا للنـاحيـة العسكريـة الثانيـة. و في عام 1978 تم تعيـينه قائدا للبحرية الجزائرية،و عضوا بالمكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني منذ 16 جانفي 1984. و في نفس السنة، أي 22 أكتوبر 1984، رقّـاه الرئيس بن جديد إلى رتبة جنرال، ثم عينـه أمينـا عاما لوزارة الدفاع يوم 28 نوفمبر 1984، و بذلك أصبح الرجل رقم واحد في وزارة الدفاع.

كما دعّم بن جديد فريقه العسكري بالعقيد مصطفى الشلوفي الذي كان ينشط في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني منذ 1979، و اشتهر بنفوذه القوي عندما تم تعيـينه قائدا للدرك الوطني،و رئيسا للحرس الجمهوري ثم أمينا عاما لوزارة الدفاع في الفترة الممتدة من 1986-1990. و في يوم 15 جويليا 1985 تـمت ترقيته إلى رتبة جنرال وذلك مكافأة له على ولائه و تفانيه في أداء المهام المسندة إليه.

وانضم إلى فريق الشاذلي بن جديد،كذلك،العقيد مجدوب لكحل عياط الذي كان قائدا عسكريا لمنطقة تندوف ( 1974-1979) و هي المسؤولية التي أكسبته مكانة مرموقة في الجيش.و في المؤتمر الرابع للحزب قام بنشاط كبير في المؤتـمر،و تم انـتخابه في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير في عام 1979. و مكافأة له على ولائه للرئيس،قرّر هذا الأخير تعيـينه في منصب “المدير المركزي للأمن العسكري” و هو المنصب السامي الذي لا يحظى به إلا من هو رجل ثقة و يـمكن التعويل عليه في كل صغيرة و كبيرة.واستمر في عمله لغايـة شهر أكتوبر 1987 حيث قام الرئيـس بإعادة تنظيم الأمن العسكري و تقسيمـه إلى إدارتين،الأولى تنشط في الجيش و يرأسها العقيد محمد بتشين و الثانية تنشط في المجال السياسي و يرأسها العقيد مجدوب لكحل عياط.

واستفاد الرئيس بن جديد من خبرة و مؤهلات العقيـد عباس غزيل الذي كان يعتبر الركيزة الأساسية لنظام الحكم في عهد الشاذلي بن جديد. فبالإضافة إلى نشاطه الكثيف في الحزب بصفته عضوا باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني،كان الرجل القوي في الرئاسة في المجال الأمني،ثم قرّر الرئيس تعيـينه قائدا للدرك الوطني فيما بعد.

واستعان الشاذلي بن جديد ،أيضا،بالعقيد قاصدي مرباح الذي يرجع إليه الفضل في بناء وقيادة الأمن العسكري في الجزائر من شهر أكتوبر 1962 إلى غاية فيفري 1979. إنه العمود الفقري للسياسات الأمنية و العسكرية في وزارة الدفاع الوطني . وبفضل تأييده ومساندته، تـمكن الشاذلي بن جديد من الانـتصار على منافسـيه، محمد الصالح يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة. واعترافا بهذا الجميل، قام بن جديد بتعيينه عضوا بالمكتب السياسي سنة 1979، ثم أمينا عاما لوزارة الدفاع الوطني .غير أن نفوذ قاصدي مرباح تضاءل بـمرور الوقت لأن بن جديد ومجموعة العمال التي يعتمد عليها،كانوا يتخوفون منه و يـبتعدون عنه قدر الإمكان لأنه كان يعتـبر منافسا لهم،و لا يقبل بفرض أية سياسة عليه. و لهذا خف وزنه منذ 15 جويلية 1980 عند ما تخلص منه بن جديد واستغنى عن عضويته في المكتب السياسي.و رغم أنه استعاد مكانـته في الـمكتب السياسـي يوم 16 جانفي 1984 و تم تعيـينـه نائبا لوزير الدفاع، مكلفا بالصناعات العسكريـة، ثم وزيرا للصناعات الثقيلـة،و وزيرا للـفلاحة لاحقا، إلا أن نـفوذه كان مـحدودا،و ثقة بن جديد فيه ليست كاملة(1).

وعلى مستوى الأمن الوطني،كان الحليف القوي لبن جديد،الهادي خذيري،المدير العام للأمن الوطني منذ 22 أفريل 1977 إلى غايـة تعيـينـه وزيـرا للداخلـيـة يـوم 13 جوان 1987. لقد كانت كلمته مسموعة عند الرئيس بن جديد،و يعـتبر من الشخصيات القوية في فريق العمل الرئاسي،لأنه كان يطمح إلى تكوين شرطة وطنية مدنيـة تحل محل أجهزة الأمن العسكرية، وبذلك يلعب الأمن الوطني دورا أساسيا في بناء المؤسسات المدنية وتقويـتها.

و باختصار، فإن هذه الشخصيات العسكرية القوية هي التي أصبحت تلعب دورا أساسيا في اتـخاذ القرارات. إنـها عبارة عن مجلس الثورة في عهد بومدين، أو مجموعة هيئة الأركان في بداية حكم هواري بومدين. ولعل أهم ظاهرة جديدة برزت في عهد الشاذلي بن جديد هي أن الحكومة تسـير بالطريقة العسكرية وليس بطريقة الحكومة المدنية التي تقوم على أساس العمل الجماعي و التشاور و اتـخاذ القرارات بطريقة جماعية. فالحكومة تسير،في عهد بن جديد،بطريقة القيادة الـمبنية على الهيارشية أو السلطة التنازلية التي يجتمع فيها القائد بـمعاونيه التقنيـين، و يـتناقش معهم فيما ينبغي عمله،ثم يعطيهم مجالا من الصلاحيات للعمل في إطار المهام المسندة إليهم(2). و بـعبارة أخرى،فإن أسلوب بن جديد في الحكم يخـتلف عن أسلوب بومدين. فإذا كان بومدين يـثق في معاونيه و لا يبعدهم إلا إذا ارتكبوا أخطاء جسيمة، فإن بن جديد انـتهج سـياسة تغيـير المسؤولين و نقلهم من منصب إلى آخر بدون مراعاة لمؤهلات الشخص أو خاصيات المناصب المـهنية و التـقنية .و لهذا انـتشرت في عهده ظاهرة تـحويل أي إطار غير كفء و فاشل في المهمة المسندة إليه،بتعيينه في مؤسسة أخرى تابعة للدولة،لكي يواصل مسلسل عدم كفاءتـه وعجزه عن تسيـير المؤسسة بكيفية جيدة(1).

كما تـميزت فـترة الشاذلي بن جديد بظاهرة اللامركزية الإدارية و خلق آلاف المناصب الوهمية في مؤسسات الدولـة. فالولايات قد ارتـفع عددها من 31 إلى 48 ولاية، والمؤسسات الاقتصادية أعيدت هيكلتها و تفتيتها إلى درجة أن عدد العمال الإداريين أصبح يساوي أو يزيد عن عدد العمال المنـتجين.

الـمهم أن المسؤولـين كـثروا و الرواتب ارتـفعت و الـحصول على الراتب مضمون في نـهاية الشهر، سواء كان هناك إنتاج أو لم يكن ! و في الحكومة  التي تشكلت يوم 22 جانفي 1984، قام بن جديد بتضخيم الجهاز الحكومي حيث تشكلت الحكومة من 25 وزير و 14 نائب وزير(عبارة عن مناصب جديدة). و نـتج عن هذا التعدد في الـمناصب، قيام صراعات بين المسؤولين و منافسات لا نـهايـة لـها. والرئيس كان مرتاحا لهذا التنافس لأنه يسمح له،بصفته القائد،أن يفصل في الخصومات عندما يـحتكمون إليه.و هكذا يعرف ما يجري في الساحة و يراقب الجميع(2)  وحسب التغيـير الجديد في الحكم،فإن رئيس الحكومة هو الذي يقوم بالتنسيق بين الوزراء ، والرئيس يتفرغ للمهام العليا في الدولة(3).

 

الـمغزى السيـاسـي للانـفـتاح

 

الانفتاح الذي حصل في الجزائر بعد مجيء بن جديد،أدى إلى بروز الصراعات السياسيـة وخلـق أزمات في مراكز اتـخاذ القرارات على مسـتـويـات الرئـاسـة والحزب والجماعات الـمتمركزة بوزارة الدفاع. و لعل الشيء الذي زاد الطين بلة، أن فقدان التجانس و الانسجام بين مراكز القوة، في عهد الانفتاح،قد ترتب عنه قيام جماعات ضاغطة و منظمات جماهيرية (تـنشط تحت مظلـة الحزب و تـتهافت على الـمنافع والمكاسب و المناصب بدون أن يكون لها دور فعال في تقديم خدمات فعلية للمجتمع أو التعبـير عن معاناة أبناء الشعب و القيام بضغوطات على القيادة السياسية لـتحسـين الأوضاع العامة).و الأسوأ من هذا كلـه،انـتـشار شركات” الاستـيـراد و التصدير ” في كل مكان و انـتهاج سيـاسة الربح السريع عن طريق القروض الميسرة و التحويلات المالية التي استنـزفت خزينة الدولة من العملات الصعبة. إنه لـمن الواضح أن الجزائر ليست في حاجة إلى آلاف الشركات للتصدير لأنـها لا تصدر إلا ما يعـادل   2%  خارج المحروقات، و 98%   من صادرات الجزائر هي من المحروقات التي تحتكرها الدولة الجزائرية.

ولهذا، فإن الانفتاح في جوهره هو التـفتح على القطاع الخاص و تدعيمه بحيث يفتح الباب على مصراعيه للجماعات القوية في البلاد لكي تعمل في التجارة و تـنال حقها من الريع البترولي للجزائر.و بعبارة أخرى،فالسؤال الذي ،أصبح يطرح في الشارع الجزائري: كيف يـمكن الاستفادة من عائدات البترول؟ كيف يـمكن تـقاسم هذه الثروة بحيث ينال كل فرد نصيـبه منها؟.

وبناء على هذا التحليل،فإن سيـاسة الانفتاح تعني، في ذهنـية الناس، أن الدولة قررت فك الحصار الاقتصادي الذي فرضه حكم الرئيس بومدين وسـمحت ببيع المساكن و المحلات التجارية، وتوزيع الأراضي على الأفراد الذين كانوا يضاربون فيها خلسة، و أعطت رخصا لاستـيراد البضائع واقـتنائها بالدينار الجزائري،و أفسحت المجال للشركات الأجنبية أن تدخل السوق الجزائرية وتزاحم الشركات الوطنية العاجزة عن منافستها سواء من ناحية الجودة في الإنتاج أو من ناحية التكلفة المالية. ولو تجرأنا وحكمنا على الظواهر،لقلنا أن هذا التوجه الساذج كان بقصد خلق مناصب شغل جديد ما دامت الحكومة قررت التخلي عن الاستـثمار في الصناعات الثـقيلة،و أعطت عناية كبيرة للزراعة بحيث يـمكن خلق فرص عمل كثيرة للعاملين بالريف وتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في المجال الغذائي. إلا أن الشيء الذي حصل في أرض الواقع، أن الناس فهموا شيئا آخر وهو أن الدولة فكت الحصار المضروب عليهم، وعلى كل فرد بارع في أي مجال، أن ينشط ويستعين لقضاء حوائجه بكبار الموظفين ورجال النفوذ ورجال الـمال، ويفيد ويستفيد ماليا.

إن هذا التوجه الخاص بفتح المجال للقطاع الخاص أن ينشط بموافقة الدولة قد جاء بـمثابة نعمة على البيروقراطيين الذين يتقاضون رواتب ضعيفة. فقد أعطيت لهم الفرصة لكي يـمنحوا التسهيلات والتصريحات الخاصة بالاستيراد والحصول على قطع الأرض، وفي إمكانهم، في عهـد الشاذلي بن جديد،أن يحصلوا على مكافآت مالية،و يقدموا خدمات لكبار الشخصيات مقابل الحصول على استفادات، وأن يحرصوا على تطبيق الروتين والمماطلة و التقاعص على من يعترف بنفوذ البيروقراطيـين ولا يحترمهم.

إن التفتح على مختلف النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية والحزبـية قد خلق وضعا جديدا في عهد الشاذلي بن جديد لأن الرئيس الراحل هواري بومدين كان هو الحكم بين النخب و هو صاحب القرار النهائي. أما في عهد الشاذلي بن جديد،فإن النخب تـمركزت في مواقعها وتسعى للمحافظة على نفوذها ومصالحها ولا يهمها مصلحة الوطن، والرئيس بن جديد لم يكن قادرا على التحكم في هذه النخب التي أتت به إلى السلطة، وإنـما أصبح دوره الموافقة على الصفقات والمساومات التي تجري بين الجماعات الـمتـنافسة و الـمتصارعة على السلطة(1). وهذا معناه،حسب محمد حربي، أن المؤسسات هي عبارة عن أشكال فارغة. إنه لمن المستحيل التعرف أو تـحديد الـمكان الذي يتم فيه اتـخاذ القرارات السياسية، والاستثناء الوحيد، هم رجال الحاشيــة المـقربين و الـمتواجدين داخل النظام. فالدولـة أصبحت مغيـبة و حلت محلها آلة سياسيـة (Une machine politique  )(2).

إن الشاذلي بن جديد قد فـتح الشهية لكل واحد أن يستفيد و يحصل على مكاسب من ثروة الريع البترولي. لكن السؤال المطروح هنا:هل فكر يوما في إمكانية جفاف آبار البترول أو انـخفاض أسعاره،و من أين تأتي الحكومة بالأموال الكافية لتلبية و تغطيـة المطالب الاجتماعية التي تعددت و تنوعت في عهده ؟ هل كان يدرك أهمية ثقة المواطنين في مؤسسات دولـتهم ومدى قدرة الحكومة على الوفاء بالـتزاماتـها و تحقيق الآمال المعلقة عليها في الظروف الصعبـة ؟ إن هذه الاحتمالات واردة، بطبيعة الحال،و عدم أخذ الاحـتياطات لـمثل هذه السيناريوهات  سـتـترتب عنـها مآسي أحداث أكتوبر 1988 الأليمة، و فقدان ثـقة المواطنين في مؤسسات دولـتهم و في رئيسها الذي أثبتت الأيام الصعبة أنـه لـم يكن في مستوى الطموحات الشعبـية.

 

*  دراسة منشورة بمجلة الجزائرية للعلوم القانونية، الاقتصادية، والسياسية، عدد 3، مجلد 42، 2004.

* * الوفاء و الاستمرارية ، هو شعار المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني المنعقد بالجزائر العصمة في الفترة الممتدة

ص  27  إلى 31 جوان  1979

(1) محمد قاسم “جولة في سرايا جمهورية أنـهكتها الرشوة و العمولات” الوقت العدد 29،  الصادر

بتاريخ 20-26-جوان 1994

(1) رابح بيطاط ، في حديث إلى جريدة السلام،  بتاريخ 2 نوفمبر 1992

(2) حسبما قال الدكتور علي بن محمد، فإن محمد الصالح يحياوي قد قال له حول هذا الموضوع: “لن أذهب إلى هذه المسؤولية طالبا، و لن أسعى إليها،و لكنني لن أرفضها إذا عرضت علي”.أنظر كتابه  القيم:جبهة التحرير بعد بومدين. الجزائر: دار الأمة، 1998، ص 59

(1) الصغير تقرين” الجهاز يصنع الرئيس”  الحدث، العدد رقم 4 ، 10-16 جانفي 1994

(2) نفس المرجع الآنف الذكر

(3)  Albert-Paul Lentin, Témoignage chrétien, du 7-13 Novembre, 1983, p.19

(4)  Idem

(5) الصغير تقرين ” الجهاز يصنع الرئيس”  الحدث، العدد رقم 4،  10-16 جانفي 1994

(1) علي بن محمد، جبهة التحرير بعد بومدين. الجزائر: دار الأمة، 1998، ص 69-71

(1) نفس المرجع الآنف الذكر، ص 79

(2) نفس المرجع الآنف الذكر، ص 81

(1) قائمة أعضاء المكتب السياسي هي كالآتي :(1) الشاذلي بن جديد،(2) رابح بيطاط،(3) محمد الصالح يحياوي،(4) محمد بن احمد عبد الغني ،(5) محمد الصديق بن يحي،(6) احمد بن الشريف، (7) محمد أمير، (8) عبد الله بلهوشات،(9) عبد العزيز بوتفليقة،(10) احمد دراية،(11)احمد طالب الابراهيمي،(12) محمد طيـبي العربي،(13) بلعيد عبد السلام،(14) قاصدي مرباح،(15) جيلالي  قزان عفان،(16) محمد سعيد معزوزي،(17) بوعلام  بن حمودة.

(2)  Le Monde du 18 Juillet, 1980

(1) للمزيد من المعلومات عن المؤتـمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني، أنظر: النصوص الأساسية  المصادق عليها من طرف المؤتـمر الرابع: من 27 إلى 31 يناير 1979. الجزائر: مطابع الحزب،  1979، 219 صفحة.

(1)  Mohamed Harbi, l’Algérie et son destin. Alger: medias Associe, 1994, p. 196

(1)  Ibid; p.195.

(2) الصغير تيقرين،”الجهاز يصنع الرئيس” الحدث، العدد رقم 04 (من 10 إلى 16 جانفي 1994)

(1)  علي بن محمد، جبهة التحرير بعد بومدين. الجزائر: دار الأمة، 1998 ، ص 134-135

(2) في المؤتـمر الاستثنائي للحزب، تقرر إضافـة عبد الحميد ابراهيمي إلى اللجنة المركزية لحزب  جبهة التحرير  الوطنية لاستكمال العدد المقرر و هو 160 عضوا أساسيا، و 40 عضوا إضافيا

(1) الرأي (الأردنية) بتاريخ يوم السبت 12/ 07 / 1980

(2) الشرق الأوسط ، 5 نوفمبر 1983

(3)  الرأي ( الأردنية ) العدد الصادر يوم السبت  12/ 07/  1980

(1) عبد الـمعطى محمد احمد،”الجزائر… ما بعد بومدين” السياسة الدولية، العدد 59 ( أفريل ) 1979، ص . 182

(2) النخبة هي أقلية تتشكل من مجموعة صغيرة من الأفراد يتميزون عن غيرهم بـمؤهلات ومهارات       بحيث يشكلون قوة ذات نفوذ في مجال نشاطاتـهم الثقافية، الاقتصادية ،السياسيـة و العسكرية ويلعبون دورا أساسيا في مجالات تخصصهم و خاصة فـي مجال اتـخاذ القرارات الرئيسيـة في  الـمجتمع. و هناك من عرّف النخبة بأنـها “مـجموعة من الأفراد الذين يـمـلكون مصادر  وأدوات القوة السياسية في المجتمع، بحيث تستطيع التحكم في رسم السياسة العامـة وصنع  القرارات الرئيسية في المجتمع”. و للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، راجع: محمد بشـير الصفار، “النخبة السياسية الجزائرية ” في: علي الصاوى (محرر)، النخـب السياسية  في العالم العربي.  القاهرة : مركز البحوث و الدراسات السياسية،  1996 ص . 108

(1) طلحة جبريل،” النقلة الحاسمة من جزائر بومدين إلى جزائر الشاذلي بن جديد”، الشرق الأوسط، 5 / 11/ 1983.

(2) نفس المرجع الآنف الذكر

(1)  محمد قاسم “جولة في سرايا جمهورية أنـهكتها الرشوة و العمولات ” الوقت، العدد 29، من 20 إلى 26 جوان 1994.

(2) نفس المرجع الآنف الذكر

(1) نفس المرجع الآنف الذكر

(2) محمد قاسم “خفايا إقالة مرباح” الوقت، عدد 39 ، من 29/ 08   –4/ 09/ 1994.

(1) حورية جرجار “السيدة مرباح :بن جديد خدع زوجي” السلام،  7 نوفمبر 1993

(2)  Mahfoud Banoune et Ali El kenz, Le hasard et l’histoire: Entretien avec Belaïd Abdesselam. Tom II. Alger: ENAG, 1990, p. 355

(3)  Ibid; p. 45.

(4)  Ibid; p. 44

(1) محمد عباس ،”مع المناضل بلعيد عبد السلام ” الشعب، يوم 9 جويلية 1989

(2) Bannoune et El-kenz, Op.Cit; p. 308

(3)  Ibid; p. 301.

(4)  Ibid; p. 331.

(1)  Idem

(2)  Ibid; p. 355

(3)  Ibid; p. 308

(1) بلعيد عبد السلام “الاستدانة ضرورية للتصنيع” الشعب، 1-2 /12/1989

(2) عبد الحميد إبراهيمي “استوردت تجهيزات لمصنع قبل أن يبنى”  الشعب، 1-2/12/1989

(3)  Bannoune et El kenz, op.cit; p. 315

(4) Bannoune et El kenz, op.cit; p. 407

(5) Le monde du 3 Décembre 1983

(6) مصطفى هميسى ، و بشير حمادى “حوار مع بلعيد عبد السلام ” الشعب،  5  أكتوبر  1989

(7)  Le monde du 4-5 Décembre 1983

(1) للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع أنظر : عمار بوحوش ، التاريخ السياسي للجزائر من   البداية و لغاية 1962 .بيروت: دار الغرب الإسلامي ، 1998

(1) William B. quanat, Revolution and Political leadership: Algeria, 1954-1968.  Cambridge, mass. M.I.T. Press, 1969, p. 11

(2) John P. Entelis ,“ Sonatrach: The Political economy of an Algerian state institution”  middle East Journal , vol. 53, No.01 ( winter) 1999, p.12

(1) “مساعدية في أول تصريح صحفي منذ الإطاحة به: الشاذلي تخلى عن رجاله”، المساء ، 28 جويلية  1991

(2)* (2) نفس المرجع الآنف الذكر

*بوفاة محمد الشريف مساعدية (المولود بسوق اهراس سنة 1924) بباريس يوم فاتح جوان 2002، تكـون الجزائر قد ودعت أهم قيادات الجيل القديـم في جبهـة التحرير الوطني الذين يعرفون إعلاميـا باسم “الحرس  القديـم” و هو أحد صانـعي إدارة الحزب العـتيق. و يعرف السيـد مساعدية باسم ” صاحب المادة 120″،لأنه هو الذي بادر إلى وضعها في قانون حزب جبهة التحرير  خلال مؤتمر الحزب سنة 1984 بقصد إقصاء كل الإطارات و رؤساء المنظمات الجماهيريـة غـير   المنخرطين في حزب جبهة التحرير الوطني من المناصب العلـيا في الدولــة.

و بعد إبعاده من قيادة الحزب في أحداث أكتوبر 1988، استعان به حزب جبهة التحرير الوطني في انتخابـات  1999 الرئاسية كمؤيد و منشط لحملة مرشح الحكم عبد العزيز بوتفليقة .و مكافأة له على هذا الدعم ، قرر  رئيس الجمـهوريـة و رجال حزب جبهة التحرير ترشيح محمد الشريف مساعدية لرئـاسة مـجلس الأمة . و بذلك، استخلف السيد بشير بومعزة الذي لم يتجاوب في عمله مع سياسات رئيس الجمهوريـة. و استمر محمد  محمد الشريف مساعديـة في هذا الـمنصب منذ  12 أفريل 2001 إلى غاية وفـاته يوم السبت فاتح جوان 2002.

(1) الصغير تيقرين ” الجهاز يصنع الرئيس ” الحدث ، العدد 04 ، من 10 إلى 16 جانفي 1994

(2) طلحة جبريل “النقلة الحاسـمة من جزائر بومدين إلى جزائر الشاذلي بن جديد ” الشرق الأوسط،  5/ 11/  3891

(1) ثناء فؤاد عبد الله ، ” أبعاد التغيير السياسي و الاقتصادي في الجزائر” السياسة الدولية، العدد، 95 (يناير ) 1988 ، ص . 186

(2) حامد الاقـتـصادي، العدد 27 (السنة الرابعة )، أفريل 1981 ، ص . 97

(3) نفس المرجع الآنف الذكر، ص . 100

(1) حسب بعض المؤرخين فإن حزب جبهة التحرير هو “حزب الدولة “.أنظر:

Mireille Duteil “La nébuleuse du pouvoir” Esprit, No. 208 ( Janvier) 1995, p. 98

(2) William zartman, “L’élite algérienne sous la Présidence de Chadli Bendjedid” Revue Machrek-Maghreb, No. 106, Octobre –Décembre, 1984, pp. 37-48.

(3) ثناء فؤاد عبد الله ” أبعاد التغيير السياسي و الاقتصادي في الجزائر” السياسة الدولية، العدد 95  (يناير) 1988، ص . 188

(1) نبية الاصفهاني “مفهوم الحزب الواحد بين النظرية و الـتطبيق”  السياسة الدولية، العدد، 64  (أفريل ) 1981، ص . 36

(2) Le monde, du 6 Janvier 1981

(3) “مساعدية في أول تصريح صحفي منذ الإطاحة به”، جريدة المساء، 29/ 07/ 1991

(4) “مساعدية في أول حديث إلى جريدة  المساء ، بتاريخ  28 جويلية  1991

(1) Herbert Michel, “Emergence d’un Zaïm?” Annuaire de l’Afrique du Nord. Vol. XXIV, 1986, p. 795

(2) Ibid; p. 796

(1) للمزيد من المعلومات عن دور الجنرال مصطفى بلوصيف في تغييب دور الحزب و عزل خصوم  الشاذلي في اجتماعات اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، راجع كتاب :   علي بن محمد، جبهة التحرير بعد بومدين . الجزائر : دار الأمة، 1998، ص ص . 92-265

(1) يضاف إلى هؤلاء الجنرالات، الجنرال بوحـجـة الذي كان من الـمقربين جدا للشاذلي بن جديد .و قد كان قائدا للناحية العسكرية السابعة (للجزائر الكبرى ).تـمت ترقيته إلى رتبة جنرال يوم أول نوفمبر 1985. بعد إلغاء الناحية العسكرية السابعة في عام 1984، تقرر تعيـينه نائبا للمفتش العام للجيش . تربطه علاقات قوية بالرئيس بن جديد، و هو صهر له (beau frère).

(2) Michel, op. cit; p. 796

(1) Ibid; p. 797

(2) Ibid; p. 797

(3) Ibid; p. 797

(1) Mohamed Harbi, l’Algérie et son destin. Alger: medias associés, 1994, pp. 198-199

(2) Ibid; p.199. En français:

“L’absence d’ETAT est une constante de la vie politique depuis 1962. A sa

place, il y’a une machine politique. Les institutions sont des formes vides. Il est

impossible  sauf pour des cercles étroits d’initiés de designer le lieu où se

prennent les decisions politiques. Comme ces prédécesseurs, mais avec moins

de relief, le président Chadli Bendjedid s’est borné à définir ou à ratifier les

compromis entre les factions qui rivalisaient pour le pouvoir”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *