تحويل المنظمة الخاصـة إلى جبهة التحريـر الوطني الجزائـري (*)

الدكتـور : عمار بوحــوش

أستاذ وباحث بمعهد العلـوم السياسيـة

والعلاقـات الدولية جامعة الجزائر-

 

مقدمــــة

 

إن أزمة حزب الشعب الجزائري ترجع في الحقيقة إلى عام 1946م حيث برز الخلاف الحاد بين أنصار الأمين دباغين الذي كان يرى أنه لا فائدة تجدي من المشاركة في الإنتخابات النيابية والبلدية وأنه لابد من الإعتماد على العمل السري وتدريب المناضلين للقيام بعمل عسكري، بينما كان مصالي يرى أن التنظيم السياسي لحزب قوي والعمل بطريقة شرعية والمشاركة في الإنتخابات والمطالبة بإستقلال الجزائر هي الأسس الصحيحة للعمل السياسي. وقد كان رأي مصالي، بصفته رئيسا للحزب، هو الذي تم إعتماده والعمل حسب توجيهات رئيس الحزب.

وبناء على ذلك، شارك حزب الشعب الجزائري في إنتخابات 10 نوفمبر 1946م وفاز 5 من أعضائه بمقاعد في البرلمان الفرنسي وهم :

الأمين دباغين، محمد خيضر، جمال دردور، بوقادوم مسعود وأحمد
مزغنة(1)، كما قام عميش عمار في سنة 1947م، بمحاولة لإنشاء حزب جديد لأنه كان ضد وجهة نظر مصالي وإتهم زعيم الحزب بأنه ديكتاتوري. ورد عليه مصالي الحاج بأنه يساري ومتطرف.

لكن الجناح العسكري لحزب الشعب الجزائري أحرز على إنتصار معتبر في أول مؤتمر للحزب الجديد : ” حركة إنتصار الحريات الديمقراطية ” الذي عقد يوم 15 فيفري 1947م. ففي هذا المؤتمر تقرر إبقاء حزب الشعب الجزائري يشتغل بطريقة سرية وإنشاء ” المنظمة الخاصة ” التي تعتبر هي الجناح العسكري للحزب. وتزعم هذا الجناح آنذاك محمد بلوزداد الذي أصابه مرض خطير وتوفي في سنة 1952م. وقد خلفه في هذا المنصب حسين آيت أحمد الذي إستعان في إقامة هياكل المنظمة السرية بخبرة ومساندة الأمين دباغين ومسعود بوقادوم. وكما ذكرت سابقا، فقد إجتمع قادة المنظمة السرية في منزل محمد بلوزداد يوم 13 نوفمبر 1947م بحي القبة بالجزائر العاصمة، وهم السادة :

  • محمد بلوزداد.
  • حسين أيت أحمد (المسؤول عن المنظمة في الجزائر العاصمة).
  • جيلالي بلحاج.
  • أحمد بن بلة (مسؤول المنظمة الخاصة بناحية وهران).
  • محمد بوضياف (مسؤول المنظمة الخاصة في شرق البلاد).
  • جيلالي رجيمي.
  • أحمد محساس.
  • محمد ماروك.

وحسب خطة هذه المنظمة التي بلغ أعضاؤها حوالي 1500 مناضل، فإن التدريبات للثورة ستأخذ حوالي سنة. لكن في ديسمبر 1949م وقع تغير في قيادة المنظمة حيث حل أحمد بن بلة محل حسين آيت أحمد الذي تم إتهامه بأنه متواطئ مع المجموعة البربرية التي حاولت الإستيلاء على الحزب بزعامة رشيد علي يحي. وعندما حاولت مجموعة من المنظمة تأديب عبد القادر خياري في تبسة تمكنت السلطات الفرنسية من إكتشاف المنظمة الخاصة وألقت القبض على نسبة كبيرة من المسؤولين فيها وذلك يوم 18 مارس 1950م. وهكذا نجحت فرنسا في تشتيت أعضاء المنظمة السرية حيث إستطاعت أن تعتقل رئيس المنظمة السرية أحمد بن بلة ورفيقه أحمد محساس وتضعهما في سجن البليدة، ولكنهما تمكنا من الفرار إلى القاهرة سنة 1952م، وبالنسبة لآيت أحمد فقد سافر إلى القاهرة سريا وإستقر هناك. أما محمد بلوزداد فقد كان يعاني من مرضه إلى أن توفي بفرنسا يوم 14 جانفي 1952م(1). وفيما يتعلق بمحمد خيضر الذي يعتبر هو المفكر الكبير والمستشار للمنظمة السرية فقد قرر الإلتحاق بالقاهرة وخلق التأييد السياسي والعسكري للثورة الجزائرية وذلك بعد أن رفض تسليم نفسه للعدالة الفرنسية في الجزائر (مثلما طالبته قيادة حزبه) لأنه لا يثق في العدالة الإستعمارية مثلما قال.

وبإختصار، فإن الكثير من أعضاء المنظمة السرية قد أصبحوا يعانون بعد مارس 1950م من متابعة الشرطة الفرنسية لهم، والبعض الآخر منهم تمت محاكمتهم وألقت بهم السلطات الإستعمارية في السجون، وبعض الأشخاص هربوا إلى القاهرة وشرعوا يعلمون ويهيؤون للكفاح المسلح من هناك. والشيء الذي تجدر الإشارة إليه هو أن المناضلين الثوريين إستاؤوا من موقف حزبهم وقيادته التي طلبت منهم أن
لا يقاوموا الشرطة حتى لا تقدم فرنسا على حل الحزب. ولهذا واصلوا العمل بطريقة سريــة.

لكن في المؤتمر الثاني لحركة إنتصار الحريات الديمقراطية الذي إنعقد بالجزائر من 4 إلى 6 أفريل 1953م برزت فيه قوة المنظمة الخاصة بشكل ملحوظ. ففي ذلك المؤتمر طالب أحد أعضاء الجناح العسكري في الحزب وهو رمضان بن عبد المالك بإنشاء منظمة عسكرية لأن الحزب، في رأيه، يقوم على رجل واحدة والرجل الثانية مهملة. وبالفعل فقد تقرر في ذلك الشهر، أي أفريل 1953م، إعادة تنظيم المنظمة الخاصة ومشاركة مصالي الحاج فيها بالإضافة إلى مصطفى بن بولعيد(2).

وفي الحقيقة تبين في هذا المؤتمر أن أعضاء الحزب كانوا منقسمين
إلى قسمين : قسم ينادي بإعطاء الأولوية للكفاح السلمي وتطوير الحزب إلى حزب علني له قوانينه الداخلية المعروفة وهيآته وسيره الديمقراطي (وهذا الجناح الذي يقوده بن خدة وحسين لحول هو الذي إنتصر)، وقسم آخر كان يرى أنه لابد من إعطاء الأولوية للكفاح المسلح ومقاطعة الإنتخابات (وهذا الجناح كان يقوده مصطفى بن بولعيد ورمضان بن عبد المالك)، وقد تمكن هذا الجناح الأخير من فرض وجوده بالمؤتمر الثاني للحزب. وطبعا، كان هناك قسم آخر كان ينادي بالتوازن بين الكفاح المسلح والكفاح السلمي. وحسب شهادات بعض القادة الذين ينتمون إلى حركة إنتصار الحريات الديمقراطية، فإن رئيس الحزب مصالي الحاج لم يكن يتصور الثورة عملا مسلحا آنذاك، أي لم يكن يتصور الإنتقال من الكفاح السلمي إلى الكفاح المسلح (مثلما تمت عملية أول نوفمبر 1954م) بل كان يريد أن يخرج الحزب من جموده وأن يدخل عمل معركة المواجهة بعمل جماهيري، وإذا تطلب الأمر يمكن اللجوء إلى العمل العسكري(1). ولهذا قام في بداية 1952م بجولة في مختلف أنحاء ولايات القطر لتهيئة الجماهير للثورة. وأكد السيد عبد الحميد مهري أن الإصلاحيين في الحزب كانوا يتخوفون من التوجه إلى العمل العسكري لأن ذلك يعني إعطاء فرصة للإستعمار للإنتقام من الشعب. كما أن إدارة الحزب كانت تعارض جولة مصالي الحاج في مختلف ولايات الوطن لأنه إذا خرج وبدأت الجماهير تتحرك فإن الإستعمار سيقوم بإبعاده ونفيه حتما، خاصة وأن الحزب مقبل على عقد مؤتمره الثاني(2).

وكيفما كان الحال، فإن أعضاء المنظمة السرية كانوا يشتغلون بصفة سرية منذ 1952م ولم ينتظروا من قيادة الحزب أن تعطيهم الموافقة على إنشاء المنظمة السرية لأن العمل الثوري يتطلب السرية وعدم الخضوع لبيروقراطية الحزب. ويبدو أن إعادة تنظيم المنظمة الخاصة في 1952م له علاقة قوية بالروابط التي قامت بين حركات التحرر في تونس والمغرب في بداية الخمسينات. فقد أكد محمد بوضياف أنه في ربيع 1952م، وهي السنة التي أعيد فيها تنظيم المنظمة الخاصة، حل بالجزائر يومئذ ضابطان من الريف المغربي كلفهما الأمير عبد الكريم الخطابي بالإعداد لعمل ثوري منسق على مستوى الأقطار المغربية الثلاث الخاضعة للحكم الفرنسي. وقد إتصلا بقيادة الحزب ولكن لم يجدا لديها التجاوب المطلوب. ولذلك إتصلا بطريقة غير رسمية بالأخ عبد الحميد مهري عضو اللجنة المركزية للحزب الذي نظم إتصالا بين الضابطين المغربيين ومحمد بوضياف. وبناء على ذلك قام هذا الأخير بإستدعاء ديدوش مراد ليحضر لقاءه مع الضابطين القادمين من المغرب وبحث عملية الكفاح المسلح على مستوى المغرب العربي. ثم بعد هذا اللقاء، قام محمد بوضياف المسؤول عن ناحية قسنطينة في المنظمة السرية، بالإتصال بالعربي بن مهيدي، نائبه في ناحية الشرق الجزائري، وديدوش مراد الذي كان مسؤولا عن ولاية بنفس المنظمة
السريـة(1). وأكد عبد الحميد مهري الذي كان من المفروض أن يكون عضوا فيها، أن هؤلاء القادة هم الذين حاولوا ربط الكفاح المسلح في الجزائر مع إخوانهم التونسيين والمغاربة، وأعادوا تنظيم الحركة السرية دون علم الحزب، وقرروا البدء في الكفاح المسلح حتى ولو لم توافق إدارة الحزب، إذا إقتضى الأمر ذلك. وكان من المفروض حسب خطة هذه المجموعة، أن يبدأ الكفاح المسلح في خريف 1953م. ولكن وقع حادث إنفجار القنابل عن طريق الخطأ في 17 جويلية 1953م بالأوراس وذلك حين كان يقوم مصطفى بن بولعيد بصنع القنابل وتخزينها في دوار الحجاج بالأوراس. وحسب خطة أعضاء اللجنة السرية، فالكفاح المسلح يبتدئ في المغرب ثم في تونس ثم يلتحق الجزائريون بإخوانهم المغاربة والتونسيين. غير أن إنفجار مستودع صنع الذخيرة في الأوراس أجل الأمر إلى غاية نوفمبر 1954م(2).

ويبدو أن هذا الإنفجار الذي هز الأوراس قد كاد يخلق مشكلة للحزب لولا أن مصطفى بن بولعيد قد إتصل بالأمين العام بن يوسف بن خدة وطمأنه بأن هذا العمل الذي نفذ دون علم القيادة في الحزب، قد وقع في مستودع قديم تابع للمنظمة السرية وأن تغطية القضية تتم بإرسال بعض الناس القادرين على تغطيتها… ويومذاك أعطى مصطفى بن بولعيد مبلغ 250.000 فرنك قديم (ربع مليون سنتيم) وهو مبلغ كبير بقيمته الحالية، وأعطاه هذا الأخير كرشوة بقصد عدم الكشف عن خلفيات الإنفجار(3).

وبإختصار، فقد كان قادة المنظمة السرية يتهيأون للعمل الثوري على مستوى المغرب العربي وذلك بقصد أن لا تبقى الحركة الثورية في الجزائر منعزلة، وخاصة أن فرنسا كانت عندها إستراتيجية للتفاهم مع التونسيين والمغاربة مقابل عدم تعاونهما مع الجزائريين والإلتزام بعزلهم. ولتجنب الإنعزال، قام الجزائريون بإنشاء مكتب للحزب في القاهرة، واتصل بن بلة بالحبيب بورقيبة في تونس عدة مرات ثم جاء بعده محمد بوضياف وشنتوف إلى تونس للقيام بنفس المهمة. وذهب عبد الحميد مهري إلى العراق حيث حصل على السلاح من نوري السعيد. وتمكن الجزائريون من الحصول على دعم مالي من المملكة العربية السعودية تم تحويله إلى الجزائر عن طريق مصر(1).

غير أن الخلاف الخطير الذي نشب بين أعضاء اللجنة المركزية للحزب ومصالي الحاج في خريف 1953م هو الذي كان له الأثر الكبير على نشاط جميع المناضلين. وأكد عبد الحميد مهري أن نسبة كبيرة من المناضلين في الحزب كانوا في البداية يؤيدون مصالي الحاج لأنه بسط القضية وقال : ” نحن راقدون والعالم يتحرك “، وهذا يستجيب لرغبات المناضلين بما في ذلك منطقة القبائل. ولكن الأمور تغيرت فيما بعد، أي حين عاد محمد بوضياف وديدوش مراد من فرنسا في بداية سنة 1954م، وأقنعا المناضلين بأن مصالي الحاج لا ينوي القيام بالعمل المسلح حقيقة وأن هدفه الأول هو تطهير القيادة(2). وأكد بوضياف أنه أعرب عن رغبته للدخول إلى الجزائر في بداية مارس 1954م بقصد رد ” العناصر الضالة ” إلى طريق الصواب، أي الذين تأثروا بالدعاية المصالية وأخذوا يفكرون في الإنحياز إلى رئيس الحزب. ولكن جوهر المهمة التي كان ينوي القيام بها هي الحيلولة دون إنحياز العناصر الباقية من المنظمة الخاصة إلى صف المصاليين(3).

وبالفعل فقد اتصل بوضياف بزملائه في المنظمة الخاصة بعد عودته إلى الجزائر العاصمة أمثال مصطفى بن بولعيد، العربي بن مهيدي ورابح بيطاط، وتدارس أعضاء المنظمة الخاصة فيما بينهم لعمل شيء ما، لوقف التصدع والإنشقاق في الحزب وإبعاد القاعدة النضالية عن الإنقسام الخطير الجاري على مستوى القمة. ومن خلال هذا اللقاء إنبثقت فكرة إنشاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” التي برزت إلى الوجود بصفة رسمية يوم 23 مارس 1954م(1).

وهكذا تم تكوين ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” من الحياديين أمثال محمد بوضياف، مسؤول التنظيم في فدرالية الحزب بفرنسا، ومصطفى بن بولعيد، عضو اللجنة المركزية للحزب، ومن المركزيين وأعضاء اللجنة  المركزية المناهضين لمصالي الحاج، بشير دخلي، عضو اللجنة المركزية للحزب والمراقب العام للتنظيم بالحزب، ورمضان بوشبوبة، عضو اللجنة المركزية للحزب والمراقب العام للتنظيم بالحزب. وأكد محمد بوضياف أن مصالي الحاج وأنصاره قد إستاؤوا من تنظيم “اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” في الوقت الذي كانوا فيه على وشك الإنتصار على أعضاء اللجنة المركزية للحزب الذين خضعوا لضغط القاعدة وتنازلوا عن صلاحيات اللجنة المركزية لرئيس الحزب وإعطائه قسما من مالية الحزب لتحضير المؤتمر الوطني للحزب خلال ثلاثة أشهر. لقد كان ميلاد ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” بمثابة مبادرة قد يترتب عنها إعادة النظر في الإنتصارات التي حققها المصاليون على اللجنة المركزية(2). وقد تضمن إعلان ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” ما يلي :

 

1) المحافظة على وحدة الحزب من خلال عقد مؤتمر موسع وديمقراطي للحزب وذلك لضمان الإلتحام الداخلي والخروج بقيادة ثورية.

 

2) دعوة المناضلين إلى إلتزام الحياد وعدم الإنضمام إلى أي فريق(3).

 

وإذا كانت خطة المركزيين وممثليهما في ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” دخلي وبوشبوبة هي المحافظة على وحدة القاعدة وعدم إنضمام رؤساء الدوائر والولايات في الحزب إلى المصاليين، فإن خطة بوضياف ومصطفى بن بولعيد كانت تقوم على أساس الإستيلاء على القاعدة للبدء في الكفاح المسلح(1).

وقد قام أعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” بإجراء إتصالات مع المصاليين والمركزيين لعقد المؤتمر الوطني وإنهاء الخلافات القائمة بينهم، لكن مصالي الحاج رفض فكرة التعاون مع المركزيين لأنه لا يثق فيهم. وحسب إنطباعات عبد الحميد مهري، فإن أعضاء اللجنة المركزية للحزب يعتبرون في رأي مصالي الحاج قد إنتزعوا منه بعض السلطات وأصبحوا يقومون بالدور القيادي الذي كان يقوم به رئيس الحزب بمفرده. وعليه، فالخلاف بين المركزيين ومصالي قد تفجر يوم قام المركزيون بإبعاد بعض الشخصيات الموالية لمصالي من الإدارة السياسية للحزب. ثم أن مصالي كان يعتبر نفسه هو رئيس الحزب ومن حقه أن يعين القيادات في الحزب ويستغني عنها. وأكثر من ذلك، تصور مصالي أنه بصفته المؤسس للحزب يحق له القيام بأي تصحيح دون اللجوء إلى القاعدة(2). وقد إتضح لأعضاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل منذ البداية أن مصالي كان يدعو للثورة ويقول لقد تجاوزتنا الأحداث في تونس والمغرب. لكنه كان يصر على تطهير الحزب وتشكيل قيادة في المستوى وذلك لضمان الخط السليم. وتأكدت هذه الأفكار لأعضاء ” اللجنة الخاصة ” عندما إلتقى مصطفى بن بولعيد بمصالي الحاج وقال له : ” يا سيد الحاج أنا جئت من عند الجماعة التي ترجوك أن لا تكسر قاعدة الحزب ووحدته ونحن نضمن لك الكفاح المسلح “. وكان رد مصالي الحاج على مصطفى بن بولعيد : ” أنا أبدأ أول بتطهير الدار قبل الشروع في أي شيء آخر”(3).

وبعد القيام بهذه الإتصالات وفشل أعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” في إقناع مصالي بقيام تصالح بينه وبين المركزيين، واتجاه مصالي لعقد مؤتمر يقتصر على أنصاره فقط، قرر أعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” طرح أسئلة على المصاليين والمركزيين وذلك بقصد التعرف على  موقف الطرفين في حالة قيام ثورة مسلحة. وأكد محمد بوضياف أنه خلال آخر إجتماع لأعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” بالبليدة طرحنا على دخلي وبوشبوبة (من اللجنة المركزية للحزب) السؤال التالي: ها هو مصالي قد عقد العزم على تنظيم مؤتمر خاص بأنصاره ومن المحتمل أن تحذوا اللجنة المركزية حذوه، ومعنى ذلك ” أن اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” قد فشلت في مهمتها الأولى وهي توحيد صفوف الحزب من جديد، فما العمل يا ترى ؟ وكان جواب دخلي أنه يتعين على اللجنة أن تواصل عملها. وهنا وقع الخلاف بين دخلي وبوضياف ووضع حد ” للجنة الثورية للوحدة والعمل “(1). وأكد رابح بيطاط أن العناصر الثورية في ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” كانت قد حافظت على علاقتها بأعضاء اللجنة المركزية إلى أن تأكدت أنها حققت إلى حد ما، ما كانت تنتظره من هذه العلاقة وهو تبليغ نداء الكفاح المسلح بإعتباره الطريق الوحيد لحل مشكل الجزائر. وعندئذ تقرر حل ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” والدعوة إلى إجتماع تحضره الشخصيات المؤيدة للعمل المسلح وذلك بقصد دراسة الوضعية المترتبة عن الطريق المسدود الذي آلت إليه اللجنة الثورية وتقرير ما ينبغي عمله(2).

وفي يوم 25 جوان 1954م إجتمع الأعضاء الـ 22 من الثوريين الذين قرروا الإنتقال إلى العمل المسلح بعد أن عجزت قيادة حزبهم عن الإنتقال من مرحلة النضال السياسي من خلال الإنتخابات المحلية المزورة إلى مرحلة النضال العسكري وإسترجاع السيادة الجزائرية بقوة السلاح. وقد ترأس  الإجتماع الذي إنعقد بمنزل إلياس دريش في ” المدنية ” الجزائر العاصمة، المناضل مصطفى بن بولعيد بينما قام محمد بوضياف والعربي بن مهيد وديدوش مراد بتقديم تقارير مختلفة عن ما يجري في الساحة السياسية آنذاك. وختم محمد بوضياف تقريره عن تطور الحزب والأزمة التي يتخبط فيها بالعبارات التالية :

” نحن الأعضاء السابقون في المنظمة الخاصة، ينبغي علينا، أمام أزمة الحزب ووجود حرب تحرير بكل من تونس والمغرب، أن نتشاور ونقرر ما ينبغي عمله مستقبلا(1). وبعد تقديم التقرير في الصباح، خصصت جلسة ما بعد الظهر لمناقشة محتواه. وقد تبين بعد الحوار الطويل بين الحاضرين أن هناك من كان يفضل التريث في القيام بالثورة إلى أن يحين الوقت المناسب ويكون هناك إستعداد تام لخوض المعركة، بينما كان هناك قسم آخر يدعو إلى الشروع في العمل المسلح بسرعة “.

وبعد أخذ ورد، قام المناضل سويداني بوجمعة وألقى كلمة مؤثرة في الحاضرين، وتساءل أمامهم : هل نحن ثوريون أم لا ؟ وإذا كنا نزهاء مع أنفسنا فماذا ننتظر للقيام بالثورة ؟ وانتهى الإجتماع بالمصادقة على اللائحة التاليــة :

 

1) إدانة إنقسام الحزب والمتسببين فيه.

 

2) الإعلان عن عزيمة مجموعة من الإطارات على محو آثار الأزمة وإنقاذ الحركة الثورية بالجزائر من الإنهيار.

 

3) ضرورة القيام بثورة مسلحة كوسيلة وحيدة لتحرير الجزائر وتجاوز الخلافات الداخلية(2).

وتتكون لجنة الـ 22 من المناضلين الآتية أسماءهم :

 

أ)- المنظمون الرئيسيــون :

1- محمد بوضياف (مولود بمسيلة).

2- مصطفى بن بولعيد (مولود في أريس).

3- العربي بن مهيدي (مولود في عين مليلة).

4- مراد ديدوش (مولود بالجزائر).

5- رابح بيطاط (مولود بالكرامة، قرب قسنطينة).

 

ب)- المشاركون من منطقة العاصمـة :

6- عثمان بلوزداد (مولود بالجزائر العاصمة).

7- محمد مرزوقي (مولود بالجزائر العاصمة).

8- الزبير بوعجاج (مولود بالجزائر العاصمة).

9- إلياس دريش (صاحب المنزل – مولود بالعاصمة).

 

ج)- المشاركون من منطقة البليــدة :

10- بوجمعة سويداني (مولود بقالمة).

11- أحمد بوشعيب (مولود بعين تموشنت).

 

د)- المشاركون من منطقة وهــران :

12- عبد الحفيظ بوصوف (مولود بميلة).

13- رمضان بن عبد المالك (مولود بقسنطينة).

 

ه)- المشاركون من منطقة قسنطينــة :

14- محمد مشاطي (مولود بقسنطينة).

15- عبد السلام حباشي (مولود بعنابة).

16- رشيد ملاح (مولود بالميلية).

17- السعيد بوعلي (مولود بالميلية).

 

و)- المشاركون من شمال قسنطينــة :

18- يوسف زيغود (مولود بسمندو).

19- لخضر بن طوبال (مولود بميلة).

20- عمار بن عودة (مولود بعنابة).

21- مختار باجي (مولود بسوق أهراس).

 

ز)- المشارك الوحيد من جنوب قسنطينة :

22- عبد القادر العمودي (مولود ببسكرة)(1).

 

وبعد الإنتهاء من النقاش والموافقة الجماعية على الشروع في العمل لإنطلاق الثورة المسلحة، قام أعضاء مجموعة الـ 22 بإنتخاب محمد بوضياف بالإقتراع السري كمسؤول وطني، وكلف بتشكيل أمانة تنفيذية تتولى قيادة الحركة الثورية وتطبيق القرارات التي إتخذتها مجموعة الـ 22 في ذلك الإجتماع التاريخي بالمدنية. وفي اليوم الثاني، قام بوضياف بتشكيل الأمانة التنفيذية من نفس المسؤولين الذين يرجع إليهم الفضل في تنظيم الإجتماع وهم :

  • بوضياف رئيسا.
  • والأعضاء الأربعة : العربي بن مهيدي، مصطفى بن بولعيد مراد ديدوش، ورابح بيطاط.

وفي أول إجتماع لها في حي القصبة بالجزائر العاصمة في منزل عيسى كشيدة (شارع بربروس) عقدت الأمانة التنفيذية إجتماعها الأول، ودرس الأعضاء الخمسة لمجموعة الـ 22، اللائحة المصادق عليها في إجتماع 22 جوان 1954م، ووضعوا قانونا داخليا للجنة، وقرروا ما يلي :

 

1) تقوية المنظمة الجديدة عن طريق ضم الأعضاء السابقين في المنظمة الخاصة وهيكلتهم في التنظيم الثوري الجديد.

 

2) إستئناف التكوين العسكري إعتمادا على كتيبات المنظمة الخاصة التي أعيد طبعها.

 

3) تنظيم الفرق التي تتولى جمع السلاح وصنع المفرقعات اللازمة للثورة
المسلحة(1).

كما تم في ذلك الإجتماع الأول، توزيع المهام بين أعضاء اللجنة الخماسية، والتعهد بمواصلة العمل كقيادة جماعية وذلك حتى لا تتكرر الأخطاء التي أدت إلى إنقسام الحزب بسبب النزعة الفردية للمسؤولين في القمة. وتقرر في ذلك الإجتماع كذلك تكليف مراد ديدوش، بصفته مسؤولا عن منطقة العاصمة، أن يتصل بجماعة القبائل الكبرى ويحاول إقناعهم بالإنضمام إلى مجموعة الـ 22 حتى تكون الثورة عارمة ويصعب على فرنسا أن تحويها وتقضي عليها في المهد إذا كانت منحصرة في منطقة واحدة.

أما القوة الثانية التي كانت مؤيدة للثورة ولكنها لم تكن مشاركة في لقاء الـ 22 فهي منطقة القبائل الكبرى. وكان قائدها كريم بلقاسم من أعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” ويميل إلى رئيس الحزب مصالي الحاج الذي كان ينادي بالعمل من أجل الثورة لكن بدون مشاركة أعضاء اللجنة المركزية. كما أن كريم بلقاسم كان متحفظا من محمد بوضياف وأعضاء اللجنة الثورية وذلك بسبب وجود علاقة قوية تربطهم باللجنة المركزية للحزب. ولذلك أرسل وفدا إلى مؤتمر بلجيكا لتمثيل منطقة القبائل الكبرى في مؤتمر المصاليين الذي إنعقد في الفترة الممتدة من 14 إلى 17 جوان 1954م. لكن كريم بلقاسم وجماعته الذين كانوا يؤيدون فكرة القيام بعمل مسلح، بدأوا يغيرون فكرتهم عن أعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” بعد أن إجتمعوا في يوم 25 جوان 1954 وقرروا الشروع في العمل المسلح. وابتدأت الإتصالات، في الحقيقة، تجري بين أعضاء ” اللجنة الثورية للوحدة والعمل ” وبين كريم بلقاسم وجماعته في شهر ماي 1954م وذلك بواسطة الهاشمي حمود. وبعد إجتماع الـ 22 تقرر إرسال ديدوش مراد للتباحث مع كريم بشأن الإنضمام إلى مجموعة الثوريين. ولكنه لم يوفق في مهمته أيضا. فتقرر آنذاك إرسال مصطفى بن بولعيد الذي إستطاع أن يقنع كريك بلقاسم وجماعته بحضور إجتماعات قيادة الثورة، على أن يقرروا عقب ذاك ما يشاؤون. وإرتاح كريم بلقاسم لهذه الفكرة وشارك في إجتماع قادة مجموعة الـ 22 برفقة عمر أوعمران، واستمع إلى تدخلات مسؤولي النواحي، وخرج بفكرة طيبة عن مجهودات الثوريين لبدء العمل المسلح واقتنع بجدية الجماعة التي لم تحاول إقناع كريم بلقاسم ورفيقه عمر أوعمران بتضخيم الإمكانيات حيث لا ينفع التضخيم(1).

وفي نفس الوقت إستطاع كريم بلقاسم أن يلتقي ويتباحث مع مولاي مرباح، الرجل الثاني في حركة مصالي، لكن مولاي مرباح عامله بخشونة وجفاء وسأله بلهجة حادة : ما مصير النظام في منطقة جرجرة ؟ وماذا كنتم تفعلون منذ 6 شهور ؟ ولماذا هذا التقارب مع عناصر ندد بها رئيس الحزب ؟ ثم طلب منه بلهجة آمرة : ينبغي أن تترك هذه الجماعة(1)!.

وأكد محمد بوضياف أنه كان يدرك أهمية إنضمام منطقة القبائل إلى مجموعة الـ 22، ولذلك قررت اللجنة الخماسية المنبثقة عن مجموعة الـ 22 تحرير إستبيان وتقديمه إلى كريم بلقاسم لكي يعرضه على المصاليين والمركزيين في آن واحد. وخلاصة هذا الإستبيان هو الآتي :

 

1) هل أنتم مع الثورة ؟ وإلا فلماذا ؟

2) ما هو نوع المساعدة التي يمكن أن تقدموها للثورة في حالة اندلاعها ؟.

3) كيف يكون موقفكم إذا إندلعت الثورة من خارج صفوفكم(2)؟.

 

وكان رد المصاليين على هذه التساؤلات هو رفض المبادرة ووصف أصحابها بالديماغوجية والعمل الإنقسامي. أما المركزيون فكان جوابهم : نعم للثورة ولكن ليس في الحين ! وآنذاك إقتنع كريم بلقاسم بصواب رأي الثوريين وتخلى عن تحفظاته إزاءهم، وقبل الإنضمام إلى اللجنة الخماسية المنبثقة عن مجموعة الـ 22 وسمح له بإطلاع نائبه أوعمران على كل القرارات التي تتخذها قيادة الثوريين(3).

أما المجموعة الثالثة التي لم تشارك في إجتماع الـ 22 وكانت مؤيدة للعمل المسلح فهي مجموعة الوفد الخارجي للحزب التي إستقرت بالقاهرة. ويتكون الوفد الخارجي من محمد خيضر وأحمد بن بلة وآيت أحمد. وإذا كان بن بلة هو المسؤول عن شراء السلاح وتزويد الثورة بما تحتاجه من مؤونة وذخيرة،  فإن محمد خيضر كان هو المسؤول السياسي ويساعده آيت أحمد. وبإختصار، فقد عقد القادة الستة سلسلة من الإجتماعات إبتداء من شهر سبتمبر 1954م وقاموا بمناقشة الترتيبات الأساسية لإعلان الثورة. وفي النهاية إتفق القادة الستة على ما يلي :

1) تسمية المنظمة السياسية بـ : ” جبهة التحرير الوطني الجزائري “.

2) تسمية المنظمة العسكرية بـ : ” جيش التحرير الوطني الجزائري “.

3) اللامركزية في العمل نظرا لإتساع الجزائر وصعوبة قيام جهاز مركزي بتسيير الثورة تسييرا فعالا وخاصة في وقت صعبت فيه الإتصالات.

4) ترك حرية العمل في البداية لكل منطقة حتى يحين موعد عقد مؤتمر وطني في المستقبل.

5) نظرا لفشل الأحزاب في توحيدهم وإستحالة الإتفاق على من يقود حركة التحرير فقد تقرر خلق جبهة جديدة ينضم إليها الأشخاص بصفة فردية إذا كانوا متفقين مع أهدافها وتوجيهاتها.

6) إعتبار يوم 15 أكتوبر هو إنطلاق عملية تحرير الجزائر. إلا أن هذا اليوم تغير إلى أول نوفمبر 1954م بعد أن تبين أن علال الفاسي أفشى سر إعلان الثورة إلى محمد يزيد في القاهرة، وأن لحول حسين تمكن من معرفة تاريخ إنطلاق الثورة عن طريق بعض المناضلين الذين جندهم سويداني بوجمعة في فرقتة(1).

7) إعطاء الأولوية للداخل، لأن الوفد الخارجي يقتصر دوره على شراء السلاح والذخيرة والقيام بالدعاية، والقرارات تنبع من القادة المحاربين داخل الجزائر.

8) توزيع المسؤوليات في داخل الجزائر كالتالي :

  • المنطقة الأولى : بقيادة مصطفى بن بولعيد (ونائبه بشير شيهاني).
  • المنطقة الثانية : بقيادة مراد ديدوش (نائبه يوسف زيغود).
  • المنطقة الثالثة : بقيادة كريم بلقاسم (ونائبه عمر أوعمران).
  • المنطقة الرابعة : بقيادة رابح بيطاط (ونائبه بوجمعة سويداني).
  • المنطقة الخامسة : بقيادة العربي بن مهيدي (ونائبه عبد الحفيظ بوصوف).
  • المنطقة السادسة : تعيين قيادتها فيما بعد(2).

أما فيما يتعلق برئيس اللجنة الذي هو محمد بوضياف فقد تقرر أن يلتحق بالقاهرة ويتصل بالوفد الخارجي حيث يزوده بالوثائق اللازمة لإعلان الثورة، وإذاعة بيان أول نوفمبر على أمواج ” صوت العرب ” من القاهرة. غير أن إجراءات الحصول على التأشيرة من سفارة مصر بسويسرا جعلته يتأخر ولا يصل إلى القاهرة إلا
يوم 2 نوفمبر 1954م. ومع ذلك فقد تمكن من إرسال بيان أول نوفمبر بالبريد السريع إلى القاهرة وأذيع في الوقت المحدد له. ولكي لا تتسرب المعلومات عن بيان أول نوفمبر 1954م، قرر قادة الولاية الثالثة فرض رقابة على الصحفي محمد العيشاوي الذي تولى طباعة وسحب بيان أول نوفمبر بعد أن قام بتحريره محمد بوضياف ومراد
ديدوش(1).

وفي يوم 10 أكتوبر، وَيَوْم الأحد 24 أكتوبر 1954م عقد أعضاء اللجنة الستة الإجتماعيين الأخيرين قبل قيام الثورة، وفيهما تقرر تسمية المنظمة الثورية الجديدة ” جبهة التحرير الوطني الجزائري ” وفتح باب العضوية فيها لكل من يرغب في المساهمة في تحرير الجزائر من الإستعمار الفرنسي، أي أن الإنضمام يكون فرديا وليس حزبيا. كما تمت الموافقة في هذين الإجتماعين على جميع الترتيبات الخاصة بالشروع في العمل الثوري.

وبأيجاز، فإن اللجنة التي تضم 6 أعضاء قد قررت الشروع في العمل الثوري صبيحة يوم الأحد أول نوفمبر 1954م، ثم بعد ذلك يتم تنظيم الثورة وهياكلها وتكييف مؤسساتها. وحسب رأي لخضر بن طوبال، وهو من مجموعة الـ 22 الذين ساهموا في الإعداد للثورة المسلحة، فإن الثوريين قد فكروا جيدا في مسألة التحضير الجيد للثورة وأخذ الوقت الكافي لذلك، بحيث يتم تجنب أي فشل محتمل لها. لكن في الأخير إستقر الرأي على الشروع في العمل الثوري حالا، ثم يأتي التنظيم فيما بعد، لأن إنتهاء الحرب في الهند الصينية وتفاوض فرنسا مع تونس والمغرب من جهة أخرى، قد ينتج عنهما تمركز القوات الفرنسية بالجزائر(1). وعليه، فإن قرار الثوريين كان هو ” الكفاح المسلح في أسرع وقت وبالوسائل المتوفرة “(2).

ونفس الحقيقة أكدها محمد بوضياف عندما قال أنه لم تكن لدينا صورة دقيقة عن كيفية العمل، لكن الشيء الواضح في أذهاننا هو الشروع في العمل حالا من أجل نيل الإستقلال، والرغبة القوية بجعل الجماهير تشارك في العمل الثوري من أجل نيل الإستقلال والإطاحة بالكيان الإستعماري(3).

ويبدو أن قيادة اللجنة الثورية لجبهة التحرير الوطني قد وضعت استراتيجية بسيطة في الإجتماع الأخير ببولغين يوم 24 أكتوبر 1954م وخلاصتها وضع الجميع أمام الأمر الواقع، أي الشروع في حرب التحرير، ومن لا يتقدم للمساهمة فيها يعتبر غير وطني. وتحقيقا لهذا الهدف، إفترق القادة الستة في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 1954م وإلتحق كل واحد من الزعماء الخمسة بالمنطقة التي يرأسها وتنطلق منها العمليات العسكرية في ليلة الأحد، أي اليوم الأول من شهر نوفمبر 1954م، على أن يلتقي الجميع في شهر جانفي 1955م في القاهرة لمراجعة إستراتيجية العمل الثوري. أما رئيس اللجنة الثورية لجبهة التحرير الوطني الجزائري،  السيد محمد بوضياف، فقد سافر إلى سويسرا يوم 27 أكتوبر 1954م حيث كان من المفروض أن ينقل بيان أول نوفمبر إلى الوفد الخارجي للجبهة بالقاهرة ويذيعه من هناك. وفي نفس الوقت كان عنده موعد بسويسرا مع أصدقائه من اللجنة المركزية للحزب، محمد يزيد وحسين لحول، ومع فيلالي مبارك وأحمد مزغنة من حزب مصالي الحاج والمفروض أن يتوجه الجميع إلى القاهرة وتقع المصالحة النهائية بين الجميع. وعندما تندلع الثورة في أول نوفمبر 1954م سيجد هؤلاء أنفسهم أمام الأمر الواقع وما عليهم إلا الإختيار بين الإلتحاق بالثورة أو بطلان إدعاءاتهم بأنهم يحبذون العمل من أجل إستقلال الجزائر(4).

 

مـاذا وقـع لقادة الثورة بعد إنطلاقـها ؟

 

فيما يخص قائد المنطقة الأولى، مصطفى بن بولعيد، فقد إجتمع بمساعديه وطلب من كل منهم أداء اليمين على كتمان السر، ثم أطلعهم على تاريخ وساعة إندلاع الثورة وقرأ عليهم بيان أول نوفمبر باللغتين العربية والفرنسية. وفي ذلك الإجتماع تم تحديد المراكز التي تشن عليها هجومات المجاهدين ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م. وقد قال مصطفى بن بولعيد لقادة العمليات العسكرية أن قيادة الثورة تعلق آمالا كبيرة على المجاهدين في المنطقة الأولى بحكم أن هناك أسلحة متوفرة في تلك الناحية، وتنتظر منها الصمود لمدة 6 أشهر ريثما تلتحق المناطق الأخرى بركب الثورة. وأكد لهم مصطفى بن بولعيد بأنه وعد قادة الثورة بالصمود لمدة 18 شهرا(1). وكما كان مخططا، فقد تمكنت أفواج المجاهدين من ضرب الأهداف المحددة في الساعة الواحدة من صبيحة أول نوفمبر 1954م. إلا أن المشكل الكبير الذي واجه مصطفى بن بولعيد هو مشكل السلاح الذي كان ينقص كثيرا. ولهذا قرر أن يتولى بشير شيهاني، نائبه، قيادة المنطقة، وتوجه في شهر جانفي 1955م إلى تونس ثم إلى ليبيا لجلب السلاح وبحث هذه المسألة مع أعضاء الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني الجزائري. لكنه وقع في الأسر يوم 11 فبراير 1955م على الحدود الليبية- التونسية، وتم نقله إلى تونس حيث تم إستنطاقه وتحويله إلى سجن الكدية بقسنطينة أين تمت محاكمته وإصدار حكم الإعدام عليه. إلا أنه تمكن من الهروب من سجن قسنطينة يوم 4 نوفمبر 1955م رفقة الطاهر الزبيري والعيفة مغلاوي، وعاد إلى الأوراس لإستئناف الكفاح حيث إطلع على مأساة حصلت في غيابه وهي إغتيال نائبه بشير شيهاني من طرف عباس لغرور وعجول عجول. إلا أن المخابرات الفرنسية تمكنت من إغتياله يوم 27 مارس 1956م بعد أن أرسلت إليه جهازا للإتصال إنفجر في وجهه عندما كان يجري تجاربه عليه بقصد إستعماله(2).

أما القائد الثاني، مراد ديدوش، ونائبه يوسف زيغود فقد تمكنا من القيام بعمليات عسكرية رائعة ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م. وقد كان ديدوش مراد من أكبر المخططين للثورة، ونجح إلى حد بعيد في تنشيط عمليات القتال بالمنطقة الثانية وذلك بقصد تخفيف الضغط على منطقة الأوراس. وفي يوم 18 يناير (جانفي) 1955 تمكنت القوات الفرنسية من التعرف على مكانه، فقامت قوات من المظليين الفرنسيين بمحاصرته وأصابته برصاصات قاتلة عندما كان يواجه القوات الفرنسية بقصد إعطاء فرص لجنوده للإنسحاب بسرعة. ثم خلفه في القيادة زيغود يوسف الذي يرجع إليه الفضل في القيام بعمليات 20 أوت 1955م، وتخفيف الضغط على منطقة الأوراس، وكذلك يرجع إليه الفضل في عقد مؤتمر الصومام يوم 20 أوت 1956 حيث إقترح على كريم بلقاسم وعبان رمضان عقد مؤتمر وطني للثورة الجزائرية ووضع نظام جديد يوحد بين مختلف المناطق ويستجيب للتطورات التي تعيشها مسيرة الثورة. وبعد النجاح الكبير الذي حققه زيغود يوسف في مؤتمر الصومام، وتشكيل مجلس وطني للثورة ولجنة التنسيق والتنفيذ المنبثقة عنه، تقرر أن يتوجه عمار بن عودة إلى تونس لحل مشكلة السلاح، وأن يتوجه زيغود يوسف، رفقة إبراهيم مزهودي إلى منطقة الأوراس لحل بعض المشاكل التي برزت بعد إستشهاد مصطفى بن بولعيد قائد تلك المنطقة. وفي يوم 26 سبتمبر 1956م وقع في كمين نصبه له العدو، وقاتل إلى أن أستشهد(1).

أما قائد المنطقة الثالثة، كريم بلقاسم ونائبه عمر أوعمران، فقد وفق في المساهمة في عمليات التحرير منذ البداية حتى النهاية. وفي فاتح نوفمبر 1954م، كان كريم بلقاسم يوجه العمليات العسكرية من مقر قيادته في قرية إيغيل إيمولا. وفي يوم 26 جانفي 1955م بعث بنائبه عمر أوعمران لمقابلة عبان رمضان في ” عزوزة ” قرب عين الحمام وذلك بقصد تجنيده للعمل الثوري. وبعد إتصالات عديدة إلتقى كريم بلقاسم ورابح بيطاط مع عبان رمضان في الجزائر، ووافقا على تكليفه بمهام معينة بالتعاون مع ياسف سعدي. لكن بعد إلقاء القبض على رابح بيطاط يوم 23 مارس 1955م بالجزائر العاصمة، شعر كريم بلقاسم بحزن شديد لأن عدم وجود قيادة ثورية قوية بالعاصمة سوف يحدث خللا كبيرا في المسيرة الثورية. وعليه، فقد قرر تعيين عبان رمضان مسؤولا عن الجزائر العاصمة، ونائبه عمر أوعمران مسؤولا عن المنطقة الرابعة التي هي ناحية الجزائر وما جاورها من مدن قريبة منها(1). ثم قام عبان رمضان بدوره بتعيين بن يوسف بن خدة وسعد دحلب ومحمد بجاوي في مراكز مسؤولية كبيرة بالجبهة. كما قام بتدعيم ياسف سعدي وشجعه على القيام بأعمال الكومندوس في الجزائر العاصمة. وفي نفس الوقت قام كريم بلقاسم، بمساعدة عبان رمضان، بالعمل من أجل إنضمام قادة الحركات السياسية الوطنية إلى جبهة التحرير الوطني الجزائري، ولم يتخلف عن ذلك إلا ” الحركة الوطنية الجزائرية ” التي يرأسها مصالي الحاج. فقد إنضم إلى الجبهة فرحات عباس، والأمين دباغين، والشيخ أحمد توفيق المدني، والشيخ محمد خير الدين، ثم الصادق هجريس من الحزب الشيوعي الجزائري. وعندما إنعقد مؤتمر الصومام يوم 20 أوت 1956م تقرر إنشاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية ولجنة التنسيق والتنفيذ المنبثقة عنه، ثم تعيين كريم بلقاسم بلجنة التنسيق والتنفيذ بصفته قائد عام لجيش التحرير الوطني الجزائري. وخلفه في منصبه العقيد محمدي السعيد. وعليه، فقد إنتقل كريم إلى العاصمة لكي ينسق مع زملائه في لجنة التنسيق والتنفيذ بين الولايات الستة التي أقرها مؤتمر الصومام. وعندما إستحال العمل في العاصمة في مطلع 1957م قرر أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ يوم 25 فيفري 1957م، الخروج من العاصمة حتى لا تنطفئ شعلة الثورة في حالة إلقاء القبض على قادة الجبهة في الداخل. وإذا كان القائد الكبير للثورة العربي بن مهيدي قد تم إلقاء القبض عليه في ذلك اليوم، فإن كريم بلقاسم ومعه بن يوسف بن خدة قد تمكنا من الذهاب إلى تونس، ثم القاهرة وواصلا عملهما في الخارج إلى غاية 1962م.

أما بالنسبة لقائد المنطقة الرابعة، رابح بيطاط ونائبه بوجمعة سويداني فقد حاول الأول في صبيحة أول نوفمبر 1954م أن يقوم بعمليات عسكرية لكنه إصطدم بمشكلة عويصة وهي أن مجموعة المناضلين بالبليدة قد رفض أعضاءها المشاركة في العمليات العسكرية وذلك نتيجة لبعض الإتصالات التي أجراها معهم زعيم المركزيين هناك لحول حسين، على ما يبدو(1). ولذلك إضطر كريم بلقاسم أن يبعث بنائبه عمر أوعمران لكي يشارك في عمليات الفاتح نوفمبر بمدينة البليدة ويتعاون مع سويداني بوجمعة. أما بيطاط فقد شارك مع زميله أحمد بوشعيب، فقد قاما بالهجوم على ثكنة بيزو بمدينة البليدة. وفي يوم 23 مارس 1955م تمكنت القوات الفرنسية  من إلقاء القبض على رابح بيطاط، وحكمت عليه المحكمة يوم 16 أفريل 1955م بالأشغال الشاقة. وفي شهر ماي من 1961م تم نقله إلى السجن الذي يتواجد فيه الزعماء الخمسة في فرنسا. وبقي هناك مسجونا حتى يوم 20 مارس 1962م حيث تم إطلاق سراحه. أما نائبه سويداني بوجمعة الذي كان مسؤولا عن منطقة الشريعة فقد أستشهد يوم 16 أفريل 1956م في معركة مع رجال الدرك الفرنسيين(2).

وفيما يخص المنطقة الخامسة (ناحية الغرب الجزائري) التي أسندت رئاستها إلى العربي بن مهيدي ونائبه عبد الحفيظ بوصوف، فقد كانت فيها العمليات العسكرية صعبة في البداية وذلك بسبب قلة السلاح والمؤونة. إلا أن بن مهيدي تمكن من تنظيم عملية تهريب السلاح من المغرب وإسبانيا وتوجيهه إلى ناحية الغرب الجزائري، وبذلك إستطاعت الثورة أن تعم أنحاء الجزائر كلها ولم تبق منحصرة في الأوراس
أو جرجرة. وبعد إلقاء القبض على رابح بيطاط في بداية 1955م ووجود فراغ في قيادة العاصمة، جاء العربي بن مهيدي إليها ليساهم في تنظيمها والعمل على نجاح العمل الفدائي فيها. وفي مؤتمر الصومام، في أوت 1956م، ترأس جلساته وأشرف على تنظيم المجلس الوطني للثورة الجزائرية وساهم في تكوين لجنة التنسيق والتنفيذ التي كان عضوا بها. وقد كان العربي بن مهيدي هو المسؤول عن العمل الفدائي بلجنة التنسيق والتنفيذ. إلا أن قوات الجنرال ” ماسو ” قد تمكنت من إلقاء القبض عليه، صدفة
يوم 25 فيفري 1957م بالجزائر العاصمة وذلك عندما كانت تبحث عن بن خدة. وقد قدم للمحاكمة، وحكمت عليه محكمة فرنسية بالإعدام الذي نفذ فيه يوم 4 مارس 1957م.

أما فيما يتعلق بالسيد محمد بوضياف رئيس اللجنة الثورية، فقد سافر إلى القاهرة في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 1954م، وذلك بقصد التنسيق بين القيادة الثورية في الداخل والوفد الخارجي للثورة الذي يوجد بالقاهرة. وفي العاصمة المصرية عقد بوضياف إجتماعا مع محمد خيضر، وأحمد بن بلة، آيت أحمد وإتفقوا على تكوين ” اللجنة العليا المؤقتة للثورة “، وهي تتكون من : أحمد بن بلة، الأمين دباغين، محمد خيضر، آيت أحمد (أحمد بن بلة ودباغين مسؤولان عن السلاح، وخيضر، وآيت أحمد مسؤولان عن المهام السياسية). أما في الداخل فقد أسندت المسؤولية إلى محمد بوضياف والعربي بن مهيدي(1). وقد عاد بوضياف إلى سويسرا حيث إتصل بصديقه في النضال مراد طربوش وطلب منه تشكيل إتحادية لجبهة التحرير الوطني بفرنسا، ثم سافر إلى المغرب، عبر إسبانيا، لجمع السلاح وتسريبه إلى الجزائر. وقد إلتقى بزميله العربي بن مهيدي في شهر مارس عام 1955م الذي طلب منه السلاح بسرعة ” وإلا اختنقنا “. وحسب رأي أحمد بن بلة، فإن محمد بوضيف كان هو المسؤول عن مالية الجبهة ودفعه ثمن السلاح الذي يتم شراؤه من الخارج(2). ويبدو أن محمد بوضياف لم يكن موافقا على تشكيل ” لجنة عليا للثورة ” في عام 1956م وخاصة عندما إستشار العربي بن مهيدي عندما إلتقيا بالمغرب، وقال لبوضياف : ” إن الشعب يموت ولا حاجة لتكوين قيادة ليس لديها الإمكانيات اللازمة للتسيير من داخل البلاد “(3). وتوقف نشاط محمد بوضياف في مجال العمل الثوري يوم 22 أكتوبر 1956م وذلك عندما وجهت إلى الحكومة التونسية والحكومة المغربية دعوة لحضور مؤتمر في تونس يوم 23 أكتوبر 1956م وقامت فرنسا بتحويل الطائرة المغربية للزعماء الجزائريين الخمسة، إلى الجزائر ثم إلى باريس أين وضعوا في السجن لغاية مارس 1962م.

 

 

لماذا توحد الجزائريون ضد فرنــسا ؟

 

       لقد توسعنا في شرح التطورات السياسية ودور الحركات الوطنية الجزائرية في العمل من أجل تحرير البلاد من السيطرة الإستعمارية. وبدون شك، فإن الحركات الوطنية الجزائرية هي التي أثرت في الرأي العام الجزائري وحرضته على القيام بثورة مسلحة ليلة أول نوفمبر 1954م للتخلص من سيطرة الأجانب في الجزائر وإنهاء سياسة تزوير الإنتخابات المحلية وحرمان الجزائريين من حقوقهم السياسية في وطنهم.

والسؤال الذي يطرح هنا بإلحاح هو: كيف توحد الجزائريون، بالرغم من إختلاف أحزابهم، وقاموا بتأييد الثورة منذ البداية، وضحوا بكل ما يملكون من أجل نجاح ثورتهم التحريرية ؟ والجواب على ذلك هو أن الشعور بالظلم والحرمان وبتطبيق القوانين الجائرة على الجزائريين هي العوامل الرئيسية التي دفعت بأبناء الجزائر أن يلتحقوا بالجبال أو ينخرطوا بخلايا جبهة التحرير في المدن والمساهمة في تحرير وطنهم من الأروبيين الغاصبين لخيرات الجزائر. وفي الحقيقة، كان هناك من يطالب بتأجيل عملية القيام بعمل مسلح إلى أن يتم تدريب الرجال وشراء السلاح وتوحيد العمل السياسي. لكن الرأي الذي إتفق عليه قادة الحركة الوطنية هو الشروع في الثورة حالا والسلاح يمكن اقتناؤه، والأحزاب تتوحد في جبهة واحدة عندما تجد نفسها أمام الأمر الواقع، والشعب سيساند الثورة لأن جميع أبنائه يشعرون بالظلم والحرمان، وهم على إستعداد للإنضمام لأية حركة سياسية تقوم بالثورة ضد الأجانب في بلدهم.

ونستخلص من ما تقدم، أن هناك عدة عوامل ساعدت على توحيد الجزائريين وتحمسهم للعمل الثوري. ومن هذه العوامل أخص بالذكر النقاط التالية التي نعتبرها حيوية لمساندة الثورة وحصول الجزائر على إستقلالها في سنة 1962م.

 

  1. النقطة الأولى : هي إنعدام المساواة بين الجزائريين والأوربيين حيث نجد في فرنسا كل السكان يصوتون على إختيار ممثليهم في البرلمان الفرنسي بينما نجد في الجزائر أن أبناء البلد الأصليين لا يحق لهم التصويت على أي مرشح للبرلمان الفرنسي أو المجلس الجزائري الذي تم إنشاؤه بمقتضى قانون 20 سبتمبر 1947م. فالأوروبيون في الجزائر الذين لم يكن يتجاوز عددهم في أول نوفمبر 1954م حوالي 1.042.000 نسمة، كان يحق لهم في القانون الفرنسي إنتخاب 60 نائبا في المجلس الجزائري و15 نائبا في البرلمان الفرنسي و6 نواب في مجلس الشيوخ بفرنسا (حسب قانون 5 أكتوبر 1946م) بينما كان لا يحق لحوالي 8.745.000 جزائري أن يساهموا في إنتخابهم أو إختيار عدد النواب الذين يمثلونهم في هذا المجلس حسب عددهم السكاني. فالمسلمون، في القانون الفرنسي، لا يتمتعون بالجنسية الفرنسية وبالتالي فهم محرمون من الحصول على عدد من النواب يتماشى مع عددهم الحقيقي. وبعبارة أخرى، إن عدد المسلمين يزيد ثماني مرات عن عدد الأروبيين في الجزائر، لكن المساواة منعدمة بينهم وبين الأروبيين في التمثيل السياسي. وإذا كان القانون الفرنسي قد منحهم الحق لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية أن يختاروا 60 نائبا لتمثيلهم في المجلس الجزائري و15 نائبا في البرلمان الفرنسي و6 نواب في مجلس الشيوخ(1)، فإن الإدارة الفرنسية في الجزائر قد التجأت إلى تزوير الإنتخابات وتعيين عملاتها في المجالس المنتخبة من طرف المسلمين. ولهذا توحد أبناء الشعب وقادة الأحزاب ضد فرنسا، لأنهم فقدوا الأمل في الحصول على التمثيل السياسي في المجالس المنتخبة وعدم وجود مساواة بينهم وبين الأروبيين.

 

  1. النقطة الثانية : هي إنعدام الديمقراطية وإستعمال ” ألفيتو ” أو حق الإعتراض على أي قرار يتخذه المجلس الجزائري. وحسب قانون 20 سبتمبر 1947م فالمجلس الجزائري يتكون نصفه من الأروبيين والنصف الآخر من الجزائريين، والقرارات غي هذا المجلس تتخذ بالأغلبية. لكن المادة 39 من القانون تعطي الحق للحاكم العام في الجزائر أو اللجنة المالية بالمجلس أو ربع أعضاء المجلس أن يعترضوا على قرارات المجلس لمدة 24 ساعة، وآنذاك لا تتخذ القرارات إلا بأغلبية الثلثين من أعضاء المجلس. وهذا معناه عرقلة المجلس ومنعه من إتخاذ قرارات لتطبيق النصوص الواردة في القانون. وهذا ما حصل بالفعل حيث أن القانون كان ينص على إعتبار الأعياد الإسلامية، عيد الفطر، عيد الأضحى، عاشوراء، المولد النبوي الشريف، كلها أعياد إسلامية. لكن نظرا لإعتراض الأوروبيين على ذلك ورفضهم لتطبيق النصوص القانونية، رفضت الإدارة الفرنسية في الجزائر أن تعترف بهذه الأعياد الإسلامية. ونفس الموقف إتخذته الإدارة الفرنسية ضد اللغة العربية التي كان من المفروض أن تستعمل كلغة رسمية، مثل الفرنسية في التدريس والإعلام ونشر الكتب(1). ومعنى هذا أن المجلس الجزائري وضع بقصد حماية مصالح الأروبيين فقط مادام عندهم حق الإعتراض والمطالبة بإتخاذ القرارات بأغلبية الثلثين.

 

  1. النقطة الثالثة : هي الزيادة الهائلة في السكان الجزائريين والنتائج المترتبة عن ذلك سواء من ناحية صعوبة العثور على عمل أو من ناحية الحصول على تعليم. فالإحصائيات الرسمية تشير إلى أن عدد السكان المسلمين في الجزائر قد زاد بما
    لا يقل عن مليون نسمة في الفترة الممتدة من 1948م إلى غاية 1954م (أنظر الجدول الموجود على الصفحة التالية). ونتيجة لهذه الزيادة الهائلة في السكان، كثرت البطالة وتجاوز عدد العاطلين عن الشغل 1.000.000 عامل في سنة 1954م، وإضطر 300.000 عامل جزائري إلى الهجرة إلى فرنسا والبحث هناك عن عمل، وتوفير العيش لحوالي 1.500.000 نسمة في الجزائر(2). وبإختصار، فإن الفقر قد إنتشر في الجزائر بشكل لا مثيل له، ولذلك شعر الناس بالظلم، وإلتحقوا بالثورة وأيدوها بدون تردد في بداية 1954م.

 

 

تطور عدد السكان الجزائر بين 1856 و1954

 

السنــة
الأوروبيــون المسلمــون المجموع (44)
1856 180.300 2.307.300 2.487.600
1876 344.700 2.462.900 2.807.600
1896 578.500 3.781.100 4.359.600
1906 680.300 4.447.800 5.158.100
1926 833.400 5.150.800 5.984.200
1936 946.000 6.201.100 7.147.100
1948 922.000 7.679.100 8.601.400
1954 1.042.00 8.745.000 9.784.000

 

  1. النقطة الرابعة: هي أن الأوروبيين في الجزائر قد إستولوا على نسبة كبيرة من الأراضي الخصبة في الجزائر وإستأثروا بخيرات الوطن وذلك على حساب أبناء البلد الأصليين. فالإحصائيات تشير إلى أن 72% من الجزائريين كانوا يعيشون على الفلاحة مقابل 16% من الأروبيين، لكن نسبة ملكية الأرض الصالحة للزراعة هي
    109 هكتارات للأروبي، 14 هكتار فقط للجزائري. كما يلاحظ أن الجزائريين كانوا يعانون من الفقر والمجاعة في سنة 1954م حيث أن المدخول المالي للفلاح الجزائري لم يكن يتجاوز 20.000 فرنك فرنسي قديم، أي أن الفلاح الجزائري كان يحصل على أقل مدخول مالي في العالم بعد الفلاح الهندي الذي كان يقل عنه بعض الشيء(1). وكما يتضح من الجدول التالي لتوزيع الأراضي الصالحة للزراعة في سنة 1954م، فإن 73% من الفلاحين الجزائريين كانوا يملكون أقل من 10 هكتارات. وإذا كان معدل ما يحصل عليه الجزائريون في سنة 1911م حوالي 163 كيلوغرام من القمح في السنة، فإن تلك الكمية قد إنخفضت في سنة 1953م إلى 119 كيلوغرام فقط. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن إنخفاض الكمية من الشعير حيث كان معدل ما يحصل عليه الجزائري في سنة 1911م حوالي 174 كيلوغرام وإنخفضت الكمية إلى 83 كلغ سنة 1953م. وهذه الحقائق تعطينا فكرة عن معاناة الجزائري وصعوبة حصوله على الغذاء الضروري له. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن 46% من الفلاحين الجزائريين كانوا في بطالة تامة ولا يجدون أي عمل يقومون به ولا يحصلون على راتب، ولو بسيط، لشراء الغذاء الضروري لهم ولعائلاتهم(1). وحسب الإحصائيات الفرنسية فإن معدل مدخول الفلاح الجزائري في سنة 1954م كان لا يتجاوز 20.000 أو 22.000 فرنك قديم بينما كان معدل مدخول الأروبي 870.000 فرنك قديم. وبإختصار، فإن 7 ملايين فلاح جزائري كانوا يشعرون بالظلم والفقر والبطالة وكانوا على إستعداد تام لتدعيم الثورة والإنضمام إليها لإستعادة حقوقهم المهضومة.

 

توزيع الأراضي الصالحة في الجزائر 1954 (الهكتارات)

 

أراضي يملكها الأروبيون
أراضي يملكها المسلون
المساحة
عدد الملاك المساحة عدد الملاك المساحة
40.000 هـ 8.000 1.850.000 هـ 391.000 10 هـ أو أقل
209.000 هـ 7.000 3.013.000 هـ 118.000 10 – 50 هـ
306.000 هـ 4.000 1.226.400 هـ 17.400 50 – 100 هـ
1.202.000 هـ 5.000 1.108.000 هـ 5.000 100 – 500 هـ
963.00 هـ 900 414.700 هـ 600 أكثر من 500 هـ
2.720.000 هـ 24.900 7.612.100 هـ 532.000 المجموع

 

  1. والنقطة الخامسة : التي تؤخذ بعين الإعتبار هي قضية القروض والدعم المالي للزراعة والصناعة. فالإحصائيات تشير إلى أن الأروبيين كانوا يسيطرون على المؤسسات التي تقدم دعما للزراعة. ففي سنة 1952م كان هناك 14.082 مزارع أروبي تلقوا قروضا مالية لا تقل عن 12.300 مليون فرنك قديم في حين تلقى 8.401 مزارع جزائري قروضا لا تتجاوز 2.600 مليون فرنك قديم(2). وبالنسبة للقروض التي تعطي لتدعيم الصناعات الخفيفة، فإن إحصائيات 1954م تؤكد حقيقة مذهلة وهي أن 92% من القروض ذهبت إلى 65.000 مؤسسة صناعية أروبية حيث تلقت 375 مليار فرنك قديم، بينما تلقت 100.000 مؤسسة جزائرية 33 مليار فرنك قديم فقط(1). ونستخلص من هذه الفروق الكبيرة في القروض، أن الجزائريين كانوا لا يحصلون إلا على مساعدة مالية ضئيلة في ميدان القروض لا تتجاوز 8% وهذا ما جعلهم يشعرون بالظلم ويؤيدون الثورة بدون تحفظ.

 

  1. والنقطة السادسة : التي يتعين علينا أن نشير إليها هي أن الموظفين الجزائريين، بصفة عامة، كان عددهم ضئيلا بسبب عدم حصول أبناء الشعب الجزائري على مستوى رفيع من التعليم، ولهذا لم يكن بإمكانهم منافسة أي أروبي. ففي بداية الثورة المسلحة، نوفمبر عام 1954م، لم يكن يتجاوز عدد الجزائريين الذين يحصلون على راتب شهري أكثر من 375.000 عامل، في حين كان عدد الأروبيين الذين كانوا يحصلون على راتب شهري بإنتظام حوالي 250.000 عامل(2). أما الجزائريون الموظفون في الحكومة العامة فلم يكن عددهم يتجاوز 8 أشخاص من جملة 2.000 موظف(3). وبدون شك فإن هذه الحقائق تؤكد حرمان الجزائريين من الحصول على وظائف في الدولة، وهذا ما شجع كل متعلم لم يحصل على وظيفة أن يؤيد الثورة عند إندلاعها بدون تردد.

 

  1. والنقطة السابعة : هي حرمان الجزائريين من التعليم لأن الفرنسيين كانوا يعتقدون أن التعلم يخلق الوعي واليقظة ومقاومة الإحتلال والمطالبة بالحقوق السياسية. ولهذا كان الأروبيون يتذرعون بحجة أن الفلوس غير موجودة لتلبية حاجيات الجزائريين لكنها كانت موجودة لتنفق على كبار الأثرياء والمساهمين في البورصة والأملاك العقارية(4). ففي سنة 1954م كان عدد الطلاب الجزائريين في 49 ثانوية بالجزائر لا يتجاوز 538 تلميذ، مقارنة بـ 34.468 تلميذ أروبي. ويلاحظ هنا أنه كان هناك تلميذ واحد في التعليم الثانوي بالنسبة لـ 300 مواطن في فرنسا، بينما كانت النسبة في الجزائر هي تلميذ واحد لـ 227 مواطن فرنسي. أما المسلمون فلا تتجاوز النسبة تلميذ واحد لـ 15.342 مواطن جزائري. لهذا كان هناك 1.800.000 طفل جزائري بدون تعليم ولا يعرفون القراءة والكتابة في سنة 1954م، ومستقبلهم مظلم. وبكل تأكيد فإن هذا الجيش من الأميين قد ساند الثورة منذ البداية بدون نقاش.

وبطبيعة الحال، فإن شعور الناس بالظلم والحرمان والفقر قد مهد الطريق للثورة، وليست هناك مبالغة إذا قلنا أن هذه العوامل قد عجلت بإندلاع الثورة المسلحة في أول نوفمبر 1954م. لكن الغليان السياسي وإقدام الإدارة الأروبية في الجزائر على تزوير الإنتخابات البرلمانية والبلدية هي التي غيرت مجرى الأمور بصفة ملموسة بعد قانون 1947م. فالقادة السياسيون المسلمون قد تأكدوا بما لا يدع مجالا للشك، أن الإدارة الفرنسية كانت مصممة على حرمانهم من الحصول على مقاعد في البرلمان الجزائري أو مقاعد في المجالس البلدية المنتخبة، وإعطاء تلك المناصب لعملائها المتواطئين مع الإدارة الإستعمارية. وكان زعيم هذه الحركة الإستعمارية الذي إشتهر بتزييف الإنتخابات في الجزائر هو الحاكم العام ” مارسيل أودموند نايجلان Neagelen” الذي عينته الحكومة الفرنسية في سنة 1948م لتطبيق القانون الجديد. ففي إنتخابات
أفريل 1948م الخاصة بإنتخاب النواب للمجلس الجزائري، قام نايجلان بتزوير الإنتخابات ومنح 43 مقعد للمستقلين (عملاء فرنسا) والسماح لحركة أنصار الحريات الديموقراطية أن تحصل على 9 مقاعد فقط، والإتحاد الديمقراطي لحركة البيان الجزائري 8 مقاعد. وهذا معناه أن الأروبيين نالوا 60 مقعدا في المجلس الجزائري، بالإضافة إلى 43 مقعد انتزعت من الأحزاب الوطنية وأعطيت لعملاء فرنسا. وقد قام نائب في البرلمان الفرنسي بكتابة رسالة إلى وزير الداخلية الفرنسي جيل موك بتاريخ 14 أفريل 1949م، وحذره من الأسلوب الذي إستعملته الإدارة الفرنسية في الجزائر لتزوير الإنتخابات لأن الإدارة هي التي عينت النواب المسلمين الموالين لها. لكن الحكومة الفرنسية لم تبالي ولم تقم بأي مجهود لإحترام قوانين الإنتخابات(1).

وبعد أن كثرت الفضائح السياسية وتزوير الإنتخابات بطريقة مفضوحة، قررت الحكومة الفرنسية إستدعاء الحاكم العام ” نايجلان ” يوم 15 أفريل 1951م وتعيين “روجي ليونارد ” حاكما عاما على الجزائر الذي ينتمي إلى سلك الشرطة(1). وفي الإنتخابات البرلمانية يوم 17 جوان 1951م، أثبت الحاكم العام الجديد مهارته في سلك الشرطة حيث تحالف مع عمداء بلديات الجزائر ضد الوطنيين الجزائريين، ونجح في منع قادة الأحزاب الجزايرية من الحصول على أصوات تمكنهم من الدفاع عن أبناء البلد الأصليين. وقد إستفاد روجي ليونار من دعم وزير الداخلية الفرنسي السيد “ميتران ” في سنة 1954م حيث أعلن ” فرنسوا ميتران ” أن تمرد الجزائريين يعتبر بمثابة تمرد مجموعة من المواطنين الفرنسيين في الأراضي الفرنسية. وهذا معناه، في رأيه، أن الثوار الجزائريين يعتبرون أعداء للوطن ” والمفاوضات الوحيدة التي يمكن إجراؤها معهم هي الحرب “.

وبمجرد إندلاع الثورة في فاتح نوفمبر 1954م، قامت السلطات الفرنسية في الجزائر، كعادتها، بحملة واسعة ضد كل الوطنيين الجزائريين وألقت القبض على كل من تشم فيه رائحة الوطنية الجزائرية. وفي يوم 5 نوفمبر 1954م أقدمت السلطات الفرنسية على حل حركة إنتصار الحريات الديمقراطية وإضطهاد قادة هذا الحزب وسجنهم، مع العلم أن قادة هذه الحركة لم يشتركوا في عمليات الإعداد للثورة والتحضير لها لأنهم كانوا دائما يشترطون توحيد جميع الأحزاب والقيام بعمليات عسكرية مشتركة بعد توحيد الصفوف. ولكن بالنسبة للسلطات الفرنسية في الجزائر، فلا فرق بين الجزائري الذي شارك في الإعداد للثورة وجزائري آخر لم يقم بعمل وطني ضدها، فالجميع يتعرضون للإضطهاد والعقاب، وهذا العمل التعسفي من طرف الأروبيين في الجزائر هو الذي وحد بين جميع الجزائريين ضد السلطات الفرنسية. والدليل على هذه الحقيقة هي أن بن خدة وبودة (من حركة إنتصار الحريات الديمقراطية) قد إلتحقا بالثورة في شهر جوان من عام 1955م بعد سجنهما وإقتناعهما بأنه لا مفر من الإنضمام إلى جبهة التحرير الوطني والمشاركة في التنظيم السياسي للجبهة الذي كان يشرف عليه عبان رمضان بالجزائر العاصمة. ونفس الشيء حصل بالنسبة لجمعية العلماء والإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري حيث إنضم الجميع إلى جبهة التحرير وتعاون قادة هذه الحركات الوطنية مع جبهة التحرير ضد السلطات الفرنسية في الجزائر.

وكما هو معلوم، فإن اليد الحمراء الفرنسية قامت بإغتيال نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ العربي التبسي في سنة 1956م. أما عباس فرحات، فقد تمكن من الهروب إلى القاهرة والإنضمام إلى جبهة التحرير في أفريل 1956م.

ونستخلص مما تقدم أنه لم تكن هناك رغبة أو إرادة للتعاون بين الأروبيين والجزائريين، وكل طرف حاول أن يفرض وجوده على الطرف الآخر. وحسب إحصائيات 1948م، فإن الجزائريين قد تمسكوا بالقيم الإسلامية وتكلموا اللغة العربية وحافظوا على هويتهم الوطنية. فبعد مرور أكثر من قرن على الحكم الفرنسي لم يكن يتكلم الفرنسية في عام 1948م سوى 15% من الرجال المسلمين و6%  من النساء المسلمات و6% من الرجال و2% من النساء الذين يجيدون الكتابة باللغة الفرنسية. وبالنسبة للأوروبيين لم يتجاوز عدد الذين يتكلمون اللغة العربية 20% من الرجال و10% من النساء. أما الذين يكتبون باللغة العربية، فالعدد لا يتجاوز 1,7% من الرجال و0,5% من النساء. وهذه الحقائق تكشف لنا عن الهوة الموجودة بين الأروبيين والمسلمين وإنعدام الإتصال والتخاطب بين الأفرا الذين يعيشون في بلد واحد. وعليه، فإن التعنت الأروبي قد ساهم في دفع الجزائريين إلى المحافظة على وحدتهم ولغتهم وثقافتهم العربية الإسلامية.

لكن، في الحقيقة، يعتبر قانون 20 سبتمبر 1947م الذي يحمل رقم : 47-1853 هو الذي جسد فكرة التفرقة العنصرية وعدم المساواة بين الأروبيين والمسلمين. فحسب هذا القانون الأعرج، تعتبر الجزائر مجموعة من الولايات تخضع لحاكم عام، وتتمتع بالإستقلال المالي. وعليه، فإن الحاكم العام هو السلطة المسيرة للجزائر والولاة يخضعون له، ويساعده في وظيفته مجلس للحكومة العامة ومجلس جزائري. وهذا معناه رفض فكرة إنشاء حكومة جزائرية مثلما كانت تطالب الأحزاب السياسية الوطنية في الجزائر. ولذلك توحدت الأحزاب الوطنية ضد الأروبيين الذين حافظوا على نفوذهم السياسي في الجزائر بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية. وتجسدت فكرة عدم المساواة في المادة 30 من القانون الصادر يوم 20 سبتمبر 1947م، حيث نصت على التفرقة بين الناخبين الأروبيين الذين يحملون الجنسية الفرنسية وعددهم في حدود 50.000 ناخب، والذين يحق لهم إنتخاب نصف أعضاء المجلس الجزائري، وبين الناخبين الذين يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية، وعددهم حوالي 1.500.000 ناخب. وعليه، فإن المسلمين الذين يعتبرون، حسب المادة الثانية من قانون 20 سبتمبر 1947م، أحرارا يتمتعون بالمساواة التامة بين جميع السكان في الولايات الثلاث بالجزائر، لا يحق لهم إلا إنتخاب نصف أعضاء المجلس الجزائري حتى ولو أن عددهم ثلاثة أضعاف عدد الأروبيين ! وبإختصار، فإن هذه التفرقة بين الأروبيين والمسلمين تعني إنعدام المساواة وحصول الأروبيين على 60 مقعد في المجلس الجزائري، بينما يحصل المسلمون على 60 مقعد آخر لا يزيد عن المقاعد المخصصة للأروبيين. ونفس التفرقة العنصرية نلاحظها في تكوين مجلس الحكومة العامة حيث نصت المادة السابعة من قانون 1947م على تشكيل المجلس كالتالي :

 

(2) يعينهما الحاكم العام.

(2) ينتخبهما المجلس الجزائري (واحد من الأروبيين وآخر مسلم).

(1) رئيس المجلس الجزائري.

(1) نائب رئيس المجلس الجزائري.

 

وهذا يعني أن المسلمين لن يحصلوا إلا على مقعدين من جملة 6 مقاعد
(أي العضو المنتخب في المجلس الجزائري ونائب رئيس المجلس الجزائري) فنسبة التمثيل هي 2 لـ 4 أو 2 من 6، والأغلبية دائما للأروبيين.

أما بالنسبة للتمثيل في البلديات فقد تقرر في قانون 1947م أن تترك هذه المسألة للمجلس الجزائري وذلك بصفته السلطة التشريعية في داخل البلاد. وعليه، فإن القانون الصادر في 20 سبتمبر 1947م قد جسم التفرقة بين سكان الجزائر ومنح للفرنسيين الذين لم يكن يتجاوز عددهم مليون شخص نفس التمثيل السياسي لحوالي
9 ملايين مسلم جزائري. وهذه التفرقة العنصرية وعدم المساواة هي التي وحدت صف المسلمين ضد الأروبيين الذين إستحوذوا على السلطة بقصد المحافظة على نفوذهم السياسي في أرض الجزائريين المسلمين.

ومثلما ذكرت سابقا، فإن وحدة الجزائريين قد تدعمت بصفة ملموسة عندما إلتجأت الإدارة الفرنسية إلى تزوير الإنتخابات وحرمان المسلمين الوطنيين من الحصول على المقاعد المخصصة لهم في المجلس الجزائري. فالفلسفة السياسية للأروبيين والحاكم العام في الجزائر قد قامت منذ 1930م لغاية 1954م على أساس خدمة مصالح الأروبيين على حساب المسلمين. وقد أكد هذه الحقيقة نايجلان، الحاكم العام الجزائر في خطابه الإفتتاحي للمجلس الجزائري يوم 21 ماي 1948م، إذ أبلغ النواب بأنه لا يمكن الفصل بين مصير السكان الذين قدموا إلى الجزائر وبين فرنسا. كما أطلعهم بأنه منشغل بشيء واحد وهو خدمة المصالح الأساسية لفرنسا وكذلك مصالح الجزائر. وكرر في خطابه عدة مرات أن مصير 8 ملايين ساكن بالجزائر مرتبط بصفة نهائية بمصير فرنسا. وبالفعل فقد قامت الإدارة الفرنسية بتزوير إنتخابات 1948م وقامت بتعيين 43 من عملائها في المجلس الجزائري ولم تسمح لحزب الشعب إلا بالحصول على 9 مقاعد وحزب البيان على 8 مقاعد. ونتيجة لهذا التزوير أدرك قادة الأحزاب الوطنية في الجزائر أنه يتعين عليهم أن يتوحدوا لأن الأروبيين عقدوا العزم على إبقاء الجزائريين تحت نفوذهم وإعتبار الجزائر ملكا لهم وليس للشعب الجزائري. وبإختصار، أن هذا البلد بالنسبة للأروبيين، هو عبارة عن أرض مهجورة فإستولى عليها الأروبيون وضموها إلى فرنسا.

 

(*) دراسة منشورة بمجلة الذاكرة، العدد 3، خريف 1995، ص 33-70.

(1) STORA, Messali Hadj : 1898-1974, Op-Cit, pp 202-205.

(1) Benjamin STORA, Dictionnaire Bibligraphique des militants nationalistes Algériens, Paris : Edition lHarmattan, 1985, p 271.

(2) HARBI, le FLN : Mirage et réalité, Op-cit, p 90.

(1) عبد الحميد مهري في حديث مع الصحفي عز الدين ميهوبي، منشور بجريدة الشعب الجزائرية، يوم الخميس أول نوفمبر 1990، ص 2.

(2) نفس المرجع الآنف الذكر، ص 2.

(1) محمد بوضياف، في حديث مع محمد عباس، جريدة الشعب الجزائرية، العدد 16 والعدد 17، نوفمبر 1988م.

(2) عبد الحميد مهري في حديث مع عز الدين، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية، يوم أول نوفمبر 1990م.

(3) نفس المرجع الآنف الذكر.

(1) نفس المرجع الآنف الذكر.

(2) نفس المرجع الآنف الذكر.

(3) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية بتاريخ 16-17 نوفمبر 1988م.

(1) نفس المرجع الآنف الذكر.

(2) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس، المنشور في جريدة الشعب الجزائري بتاريخ عدد 16 وعدد 17 نوفمبر 1988م.

(3) نفس المرجع الآنف الذكر.

(1) عبد الحميد مهري في حديث مع الصحفي عز الدين ميهوبي، المنشور، بجريدة الشعب الجزائرية، العدد الصادر يوم فاتح نوفمبر 1990م.

(2) عبد الحميد مهري في حديث مع الصحفي عز الدين ميهوبي، المنشور، بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ أول نوفمبر 1990م.

(3) نفس المرجع الآنف الذكر.

(1) محمد مهدي في حديثه مع عز الدين ميهوبي، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ أول نوفمبر 1990م.

(2) رابح بيطاط في حديث أجراه معه محمد عباس، المنشور بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 15 يناير 1986م.

(1) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس المنشور بجريدة الشعب الجزائرية يومي 17-16 نوفمبر 1988م.

(2) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس، المنشور بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 17-16 نوفمبر 1988م.

(1) هذه القائمة مستخلصة من المرجعين التاليين :

أ/- محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس المنشور بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 17-16 نوفمبر 1988م.

ب)- أرشيف الثورة الجزائرية الذي أشرف على جمع معلومات محمد حربي والمنشور، باللغة الفرنسية سنة 1981م. من طرف دار النشر في فرنسا Jeune Afrique، ص 542.

(1) محمد بوضياف في حديثه مع محمد عباس، المنشور بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 16-17 نوفمبر 1988م.

(1) رابح بيطاط في حديث مع محمد عباس، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 15 يناير 1986م.

(1) محمد عباس مع ” المناضل بلقاسم كريم : أسد جرجرة ” في جريدة الشعب الجزائرية، عدد 12 و26 ديسمبر 1988م.

(2) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 16-17 نوفمبر 1988م.

(3) نفس المرجع الآنف الذكر.

(1) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 16-17 نوفمبر 1988م.

(2) نفس المرجع الآنف الذكر.

(1) Amar Hamdani, Krim Belkacem, Le Lion des Djebels, Paris : Balland, 1973, pp 129-131.

(1) Harbi, Le FLN Mirage et Réalité, Op-cit, p 122.

(2) أحمد بوشعيب في حديث مع محمد عباس، منشور في جريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 23 و30 مارس 1987م.

(3) Le Monde du 7 Novembre 1962.

(4) أحمد بوشعيب في حديث مع محمد عباس، منشور بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 23 و30 مارس 1987م.

(1) محمد عباس، جريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 9 أفريل 1986م.

(2) Bengamin STORA, Dictionnaire Bibliographiques des militants Nationalistes Algériens, Paris : Harmattan, 1985, p 273.

(1) علي كافي في حديث مع محمد عباس، منشور بجريدة الشعب الجزائرية، بتاريخ 27 أكتوبر و1 نوفمبر 1986م.

(1) Hamdani, Op-Cit, pp 150-153.

(1) Ibid, p 132.

(2) Mohamed Harbi, Dictionnaire bibliographique des militants Nationalistes Algériens, Paris : Edition L Harmattan, 1985, p 332.

(1) أحمد توفيق المدني، حياة كفاح (الجزء الثالث)، الجزائر : الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1982م، ص 186.

(2) نفس المصدر الآنف الذكر، ص 155.

(3) محمد بوضياف في حديث مع محمد عباس، المنشور في جريدة الشعب الجزائرية، يوم 16-17 نوفمبر 1988م.

(1) Charles-Henri FAVORD, Le FLN et L’Algérie, Paris Plon, 1962, p 139.

(1) André Nouschi, La Naissance du Nationalisme Algérien, Paris : Minuit, 1962, p 150.

(2) Ibid, pp 176-183.

(1) Ibid, pp .183.

(1) Favord, Op-cit, p 139.

(2) Nouschi, Op-cit, pp 116-120.

(1) Colette et Francis Jeanson, L’Algérie hors la loi, Paris Editions du seuil, 1955, p 144.

(2) Robert ARON, Les Origines de la guerre d’Algérie, Paris, Fayard, 1962, pp 224-233.

(3) Ibid, p 227.

(4) Nouschi, Op-Cit, p 122.

(1) ARON, Op-cit, p 228.

(1) Ibid, p 228.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *