حديث عن التأليف والبحث وأساليب التدريس في الجامعة*

لقاء مع الدكتور

عمار بوحوش

أجراه: محمودي أحمد

 

يعد عمار بوحوش من بين الأساتذة الأكاديميين المختصين في العلوم السياسية والإدارة. وبالرغم من قلة الإمكانيات اللازمة للبحث العلمي وانشغالاته العديدة والمتنوعة في التدريس والإشراف إلا أنه لم ينس مهنة التأليف. فقد صدرت له عدة كتب داخل الوطن وخارجه، أذكر منها كتاب دليل الباحث وكتاب بعنوان الاتجاهات الحديثة في علم الإدارة الذي يعتبر إنجازا هاما في البحث الأكاديمي الجامعي  بلغة الضاد. وقد حاولت في هذا اللقاء أن أركز على نقاط معينة، تمحورت حول أهمية الكتاب الجامعي ودوره في رفع المستوى الثقافي والعلمي للطلبة ودور الكتاب والنشر والتأليف ثم مناهج التدريس والأنماط البيداغوجية السائدة في الجامعة الجزائرية، ومقارنة هذه الأنماط مع أنماط تنظيمية وبيداغوجية على مستوى عدة جامعات عربية سبق للأستاذ وأن درس وحاضر بها.

عن الكتاب الجامعي وأهميته قال الأستاذ بوحوش، إن أهميته لا تنحصر في جانب واحد أكثر مما له عدة مهام، فهو ضروري لتأمين استقلال الغذاء الفكري والعقلي وضروري لخلق فكر سياسي وإيديولوجي للإنسان الجزائري حتى لا تبقى البلاد عرضة للفكر الأجنبي، وضروري لخلق ثقافة وطنية مستمدة من آمال الشعب وتستجيب لآماله وضروري لوضع نهاية للثقافة التي تشوه طموحاته ومبادئه ولا تخدم الإنسان الجزائري مسيرته العلمية. فالطريق الصحيح الذي يقودنا إلى ما فيه منفعة وخير للوطن هو الاعتماد على ذاتيتنا الخلاقة المبدعة والذاتية المتمسكة بالأصالة الوطنية وقيمها العريقة. كما أنه يتوجب علينا، حتى نكون في مستوى هذا الجانب، أن نبحث عن الكتاب الذي يتلاءم مع طموحات الشعب. فنوعية الكتب واختيار الكتاب ليست من الأمور السهلة كما يتصورها البعض بل هي مهمة تتطلب الدقة في البحث والتنقيب والمقارنة والعمل الجاد، وبذل جهود معتبرة. فالتنظير الصادق المستمدة معالمه بكل متطلباته المختلفة الأشكال استنادا إلى قيم وتاريخ الشعب. بهذه الطريقة المتزنة والفاحصة والنظرة الشاملة والصادقة المعبرة تكون الاستجابة عقلانية ومعبرة عن آمال وطموحات الإنسان الجزائري، وكذلك صادقة في المحتوى والمضمون. وبذلك نكون قد تخلصنا من العقلية التي كثيرا ما تخلق حاجزا منيعا أمام توظيف المضامين الأساسية لخدمة الصالح العام، وعقبة أمام خلق جامعة ذات قدرة علمية ومستوى سامي يتماشى وما نحن نسعى إليه لتنمية وتطوير الأنماط التنظيمية داخل الهياكل الجامعية والمناهج العلمية.

فالغاية من تأليف كتاب هو تقديم زاد يزخر بالمعارف العلمية والتقنيات الحديثة ويستجيب لكل مطالب الإنسان داخل هذا الوطن وفي نفس الوقت يتماشى مع متطلبات العصر. كما أنه يأخذ بعين الاعتبار الأنماط التنظيمية الحديثة والمناهج التعليمية والطرق البيداغوجية في التدريس والتكوين الحديثة حتى نتمكن من خلق قاعدة علمية وأنماط عرفية جامعية وكنية لها قوة في التسيير وكذلك الرؤية في التنظير لما فيه منفعة عامة والقضاء على العقلية التي تتسم برؤية مالية متخلفة ومتأثرة بالنفوذ الغربي معتمدة في ذلك على مخلفاته باعتبارها الحل الأمثل والقادر على إزالة كل العواقب التي كانت أسبابها في الحقيقة ترجع إلى عدم إدراكنا لمدى خطورة هذه المآثر البالية ومعالجتها بطرق لا تتطلب سوى الرؤية المنطقية والرأي السديد والعمل المنظم.

إن حكمة العقل ولغة العلم تنفي هذه التصورات وتضع لها بديلا يكمن في الاعتماد على القدرات الذاتية الوطنية شريطة أن توفر لها إمكانيات وأدوات العمل وكذلك أيضا أن تعتمد على طرق تنظيمية تعبر عن آمال الشعب وتدرس طموحاته دراسة عقلانية ملمة بكل احتمالاتها مستخلصة بذلك جذورها ومنابعها من ماضي هذا الشعب.

 

وعن سؤال حول منهجية التعليم في الجامعة وطرق التدريس:

قال: منهجية التعليم في الجامعة تفتقر إلى عدة عوامل أساسية لها وزنها وقيمتها سواء من حيث الكمية أو النوعية، فكلما كانت هذه العوامل غير موظفة توظيفا سليما ومحكما كلما استمر الانخفاض في مستوى التعليم، هذا النمط الذي أصبحت سلبياته تزداد من سنة إلى أخرى يتعين الاسراع إلى تمحيصه قبل فوات الأوان وإلا نكون قد ضربنا العلم باسم العلم. إنه لا يمكن، في حال من الأحوال خاصة ونحن نعيش نهاية الربع الأخير من القرن العشرين، أن نترك الأمور تسير على – هش من قش – طالب يدرس طالب، حالة خاصة لا ينتظر منها العطاء: فاقد الشيء لا يعطيه، إسناد المناصب التربوية العليا على مستوى المعاهد والجامعات إلى طلبة يحملون دبلوم دراسات معمقة وتهميش دور الأساتذة ذوي الكفاءات والخبرة الأكاديمية.

ينبغي تأصيل التقاليد العلمية بتحديد معايير علمية تستجيب لهذه المناصب التي سبق ذكرها. كما يستحسن إعادة النظر في أساليب توظيف المعيدين فلا توظيف بدون اكمال الدراسة على الأقل لاعتبارين:

أولهما: خلق تقاليد جامعية تجعل الطالب يتسم بجدية العلم والبحث عن مهمة لا طاقة له بها، المعرفة والتفاني في دراسته ونيل الشهادات العليا التي تؤهله للتدريس.

ثانيهما: الحرص على توفير أساتذة في المستوى المطلوب، أما إذا بقي الأمر على هذا المنوال واستمرت الحالة على هذا النمط، فإننا نكون قد ساهمنا بقسط كبير في خلق ميزة تنفرد بها الجامعة الجزائرية تجعلها مضرب الأمثال في الفشل وعدم مسايرة مطالب التكوين العصري وعليه تتوقف نوعية التعليم وتحسين مردودية التكوين.

 

وعن سؤال حول مشروع البحث العلمي:

قال: جامعة بدون مشروع البحث جامعة جامدة ولا ننتظر منها العطاء لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وكما قلنا سابقا، أن الكتاب الجامعي ضروري ويعتبر من المطالب الأساسية للطالب حتى يتضح له الطريق في أداء مهمته على أكمل وجه. فإذا كان جل حياة الإنسان، ماهي في الحقيقة، إلا تكوين وتنوير وتثقيف في الشطر الأول وعمل منتج في الشطر الثاني فإنه يتوجب أن نولي اهتماما كبيرا لهذا الموضوع الذي ينصب على رعاية وعناية بهذا الشطر الاول الذي يعتبر القاعدة الاولى والأخيرة التي يتوقف عليها فشل أو نجاح مسيرة العمر كله. وعليه يتعين علينا أن نهتم كثيرا لموضوع الكتاب الجامعي حتى لا ننتج أستاذا من أية نوعية كانت، وإذا لم نفعل ذلك فإننا نندم حين لا ينفع الندم.

 

وعن العوامل التي تقف أمام النشر والتأليف:

هناك عدة عوامل متفاعلة فيما بينها كان لها عبء ثقل حمله وكبر حجمه، اعترضت سبيل هذه المهمة الوطنية، النشر، التي تعتبر حق وواجب علينا كباحثين. إلا أن الأمر أصبح من الصعب إن لم أقل من المستحيل ممارسة هذه المهنة النبيلة، كون هذه العوامل المتفاعلة شملت عدة جوانب مادية ومعنوية مما أعاقت مهنة التأليف وأصبحت تطارد الناشر والمؤلف. فالكتابة لها سمتها الخاصة لا من حيث المهنة كمهنة ولا من حيث المكانة التي تتطلبها، فهي بالدرجة الأولى عمل فكري وليس جهد عضلي كما هو الحال في بعض المؤسسات الإنتاجية. إن الوضع يختلف في مجال التأليف فهو يتطلب عدة مطالب ضرورية وأساسية. فكلما كانت الإمكانيات متوفرة لدى الراغب والباحث في النشر كلما كانت الإرادة قوية والعكس صحيح. فالإرادة بدون إمكانيات غير كافية لهذا الجانب الحيوي، وخاصة وأن الإمكانيات اللازمة لهذا الجانب إذا ما حاولنا التمعن في تمحيصها فإنها لا تنقص إنما الشيء الذي ينقص النقص فيه أطر تتكفل بتنظيمها الجهات المختصة تنظيما محكما وعقلانيا وتوزيعها توزيعا يتماشى وما تتطلبه المهنة. إن هذا النقص نتجت عنه عدة مساوئ تضخمت إلى أن وصلت إلى خلق عقبة يصعب اجتيازها مهما كانت قوة الإرادة والعزيمة.

ويلاحظ هنا أن الدولة قد رصدت أمولا لا يستهان بها في مجال التعليم مما يدعو إلى الافتخار، إلا ما يعاب على هذه المحاولة ويثير الاستغراب هو سوء استغلال هذه المبالغ بطرق تفتقر إلى حسن التنظيم وتوظيفها بأساليب فعالة.

ثم إن انعدام الحوافز المادية والمعنوية قد نتج عنهما خلق عوائق أمام الباحثين والمهتمين بالكتاب الجامعي.

يضاف إلى هذه المشاكل غياب مكتبات ثرية يستفيد منها الأستاذ الباحث، وهذه العقبة تقلل من طموحاته وتجمد مجهوداته وتقلل من رغبته وحماسه.

ثم إن الهياكل الخاصة بالبحث معدودة تماما، وهذا شيء يؤسف له. هذه جملة من بعض المعسرات التي تعترض دوما سبيل المؤلف ولعله من العسير في مجتمع مثل مجتمعنا توفير هذه العوامل طالما لا تنقصنا لا الإمكانيات ولا الإرادة فإنه يجب التحلي فقط بروح المثابرة لتجسيد هذه الإرادة واستعمال هذه الإمكانيات استعمالا أمثل.

*  مقابلة صحفية مع الكاتب محمودي أحمد، منشورة في جريدة أضواء في العدد الصادر يوم 30 جوان 1984.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *