الجمعة , 5 مارس 2021

خصائص الثورة الجزائريـة مقارنة بالثورات الكبرى في القرن العشريـن (*)

الدكتور عمار بوحوش

أستاذ بجامعة الجزائـر

معهد العلوم السياسيـة (**)

 

شهد العالم في القرن العشرين عدة إنتفاضات ثورية في مختلف القارات، نتج عنها تغيير مجرى التاريخ في البلدان التي حدثت بها هذه الثورات حيث أطاحت هذه الانتفاضات الشعبية بالأنظة السياسية الفاسدة وأقامت بدلا منها أنظمة ثورية جديدة. ونتيجة لهذه الإنتقاضات برزت قوة إجتماعية جديدة وذلك بصفتها مجموعة من الآراء تعبر عن المطامح الإنسانية للجماعات البشرية التي تسعى للتخلص من الأزمات السياسية والإقتصادية التي تتخبط فيها وإستبدالها بنظام جديد يستجيب لرغبات الجماهير المتطلعة لحياة أفضل. وفي العادة تكون هذه الآراء مجسمة لأهداف الجماعات البشرية وموحدة للجهود المشتركة التي تبذلها المنظمات الوطنية والأحزاب بقصد إدخال تغييرات جديدة على الأنظمة السياسية الموجودة، حتى يمكن ردع قوة الشر والطغيان المهيمنة على كل شيء بأي بلد. وفي الغالب تبرز هذه الأفكار الثورية في غمار الأزمات وتتحمس لها العناصر المتطلعة لحياة أفضل وذلك بإرتكاز قادة الحركات الثورية على هذا التيار الثوري الذي تقبله الجماهير الشعبية، وبذلك يحول القادة الثوريون ذلك التأييد إلى إيديولوجية سياسية معبرة عن مطامح الجماهير الشعبية وهادفة إلى تحقيق المساواة والعدالة الإجتماعية في الميادي السياسية والإقتصادية والثقافية. وبذلك تتحول تلك الأيديولوجية إلى قوة إجتماعية قادرة على فرض قيمها وأساليبها الثورية التي تهدف إلى تغيير الأوضاع الإجتماعية وإستبدالها بأوضاع جديدة تحل محل الأنظمة الباليـة.

ونستخلص من كل ما تقدم أن الأفكار السياسية التي تتحول إلى مذاهب وإيديولوجيات وطنية تحمل في طياتها كافة مظاهر الحياة الروحية والقيم الوطنية والاستراتيجية الجديدة لتغيير أهداف المجتمع وأوضاعه. وإذا سرت فكرة في أوساط جماعة فسرعان ما توحد أشتاتها وتشد أزرها ويتماسك بنيانها، فيقودها إيمانها إلى مجابهة عظائم الأمور بعزم لا يفل(1).

وعليه، فالقوة السياسية لأي تنظيم تنبع في الأساس من العمل الوطني المشترك الذي يخدم المصلحة العليا للوطن. والمذهب السياسي ماهو إلا تجسيد للعمل الوطني. وهذا العمل يرتكز بطبيعة الحال، على المذهب السياسي وذلك لتمكين القادة الوطنيين من تعبئة الجماهير وتوجيه طاقات الأفراد المناضلين نحو الأعمال المفيدة للأمة ككل والهادفة لتحقيق حياة أفضل وتلاحما وطنيا قويا. ولهذا إرتكز قادة جميع الثورات على مذاهب سياسية لخدمة وطنهم وتحرير بلدانهم من الفساد والإنحلال السياسي وحماية تراثهم الوطني وشخصيتهم الوطنية من الذوبان والإندثار. ولعل هذا ما كان يخامر أذهان القادة الأوائل في الإسلام الذين أدركوا منذ البداية أن وجود قبائل عربية وإسلامية متناحرة ومتصادة لا يجدي نفعا ولا يحقق أية قوة ومكانة مرموقة للمسلمين والعرب إلا بالتركيز على الإسلام الذي أضحى القوة الفكرية التي إستطاع بواسطتها العرب أن يؤثروا تأثير أيجابيا وينشروا لغتهم وثقافتهم في رقعة كبيرة من أراضي آسيا وإفريقيا وأوروبا. وبمجيء الإسلام ظهرت قوة إجتماعية متماسكة إستطاعت أن تغير مجرى الأمور في التاريخ وتخلق إلتحاما أو تماسكا عربيا كان ضائعا في الجاهلية وفي عهد التمزق القبلي(2). وما قلناه عن المذهب الإسلامي ينطبق أيضا عن الديانة المسيحية حيث نجد أن البولونيين قد إعتنقوا الكاثوليكية ليحموا أنفسهم من الضياع والذوبان في الإمبراطورية الروسية الأرثدوكسية. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن المذهب الإشتراكي الذي إعتمد عليه المثقفون الروس لكي يتخلصوا من النظام الإقطاعي ومحاولة اللحاق بالغرب في ميدان التصنيع والتفوق عليه في الميدان التكنولوجي. ونفس المنهج سار عليه الجزائريون عندما إستعانوا بالإسلام وباللغة العربية والشخصية والقيم الوطنية كمعتقدات أساسية للحفاظ على الذاتية الوطنيـة.

ومن هذا المنطلق، فإن إيديولوجية الثورة الجزائرية كانت إحدى الوسائل التي إرتكز عليها قادة التحرير الوطني لكي يوحدوا كلمة الشعب الجزائري، ويهيئوا الوسط الإجتماعي الصالح لنجاح الفكر الثوري المضاد للسياسة الإستعمارية للبلاد ويتجند الجميع لخوض معارك المصير المشترك وإسترداد السيادة والكرامة للوطن. وقد إستعانت جبهة التحرير بهذه النظريات الثورية التي تشتمل على أساليب ذات فعالية كبيرة لتغيير الأوضاع السائدة قبل أول نوفمبر 1954، وذلك لكي تتمكن الجبهة من إستبدال القوانين الوضعية المعدة لخدمة أغراض الأجانب بقوانين جديدة تكفل العدالة والتقدم والإرتقاء للمجتمع الجزائري الذي إنغرست في أذهان أبنائه هذه الأفكار الثورية. وبفضل تلك المجموعة من القواعد والإجراءات الثورية التي تضمنتها مواثيق الجبهة وإيديولوجيتها التي حددت معالم الطريق في الحاضر والمستقبل وكيفية تنظيم المجتمع الجزائري، إكتسبت القيادة السياسية للجبهة قوتها وحقها في تنظيم القوة الشعبية وتوزيع تلك القوة واستخدامها لصالح الشعب. وبذلك تجسمت السلطة الوطنية وأصبحت القوة أكثر دواما وتحظى بثقة جميع المواطنين الذين أصبحوا يشعرون أن إيديولوجية الجبهة تحولت إلى سلطة ملزمة، وهي تستحق الولاء والمساندة التامة لأنها تجسم مصالح الجماعات المتطلعة لحياة أفضل وتستجيب لرغباتهم في التخلص من غلاة الإستعمار وتقليص نفوذهم السياسي والإقتصادي بالبـلاد.

 

الضغوط الإستعمارية تولـد الإنفجـار

 

إن ثورة الجزائر في عام 1954 ليست إنقلابا ضد نظام وطني بورجوازي، مثل الثورة السوفياتية أو الصينية أو الكوبية، وإنما هي ثورة شعبية ضد الغزاة الأجانب الذين جاءوا من مختلف البلدان والجنسيات للإقامة في الجزائر والاستيلاء على خيراتها وتسليط جميع أنواع الإضطهاد ضد سكان هذا البلد. وخلافا لجميع أنواع الجاليات الموجودة بأي بلد تم إستعماره من طرف القوات الأجنبية، فإن المعمرين الأجانب بالجزائر قد إعتبروا أنفسهم متفوقين عرقيا وحضاريا وفكريا عن الجزائريين، ولذلك كانت خطتهم تقتضي بأن تكون العلاقات الموجودة بين المعمرين الوافدين إلى الجزائر وأبناء البلد الأصليين، دائما علاقة سيد بعبيده، أو علاقة أسياد بأناس محرومين من السلطة والنفوذ والثروة. وفي حالة شعور هؤلاء الوافدين إلى الجزائر بالضعف كانوا يستنجدون بالنواب الفرنسيين في باريس، ويقوموا بالمناورات والمراوغات التي تبقي الجزائريين باستمرار تحت قبضتهم. ولعل هذه الإستراتيجية توضح لنا أسباب إستنجاد فرنسا نفسها بالحلف الأطلسي وقواته الهائلة لمحاربة الشيوعية الدولية وإبعاد الإتحاد السوفياتي وحلفائه من منطقة شمال إفريقيـا !.

والمشكل الأساسي بالنسبة للجزائر هو أن عقلية المعمرين الأجانب كانت عقلية متخلفة لأنهم تعودوا على المناورات البرلمانية والضغوط السياسية والمناورات التي تجري خلف الكواليس وكان يخيل إليهم أنه من الصعب على الجزائريين المضطهدين أن يقوموا بشن حرب إستنزاف وينهكوا قوى فرنسا. وإذا حاول الثوار أن يجلبوا السكان إلى جانب الثورة فبإمكان فرنسا أن تقضي على قيادتهم وتزيلهم مع إيديولوجيتهم الثورية من الوجود. والأوروبيون المقيمون بالجزائر كانوا قد انطلقوا من فكرة وهي أن الجزائر مفتوحة لأية قوة أجنبية قادرة على إخضاع سكان هذه المنطقة لسلطتها، أي أن هذه الناحية من شمال إفريقيا عبارة عن منطقة تتداول على حكمها القوات الإستعمارية الغازية وسكانها يتحولون أتوماتكيا إلى رعايا تلك الدولة المستعمرة (بكسر الميم). وإنطلاقا من هذه الحقيقة كان دور الإدارة الإستعمارية يتمثل في التحكم في السكان الجزائريين وليس تقديم الخدمات لهم(1). وهذه النظرة إلى الجزائريين من طرف الأوروبيين تعطينا الآ فكرة واضحة عن حتمية الصراع المحتدم بين جميع أبناء الجزائر والغزاة الذين يعتبرون البلاد عبارة عن أرض مفتوحة لمن يريد أن يحصل على ثورة أو يقيم إمبراطورية لنفسه أو يفرض الهيمنة الأوروبية على أبناء شمال إفريقيا. وكما قال أحد الفرنسيين ذات يوم ” فالمسلمون لا يرغبون في أي شيء ولديهم كل ما يحتاجون والفرنسيون ليست لديهم رغبة أو نية لتقاسم إمتيازاتهم أو سطلتهم مع أجناس يرغبون في أن ينزلو بنا إلى درجة سفلى “(1).

ونتيجة لهذه العقلية والإتجاه الإمبريالي، وإصرار الأقلية الأوروبية على إبقاء أغلبية الجزائريين تحت قبضتها بحيث تحافظ على جميع إمتيازاتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، فقد تولد الأحباط في نفوس جميع الجزائريين وأصبح كل فرد يسعى بطريقته الخاصة لتأليب الجماعات الأخرى ضد الوجود الأوروبي والدعوة للإعتماد على المواجهة والعنف والقيام بثورة عارمة تعيد للإنسان الجزائري إعتباره في بلده وتحرره من قوى الشر والطغيـان.

وقد إستفحل الوضع في نهاية القرن التاسع عشر، وبالتحديد يوم 23/08/1898حيث تمكن المستوطنون الفرنسيون بالجزائر من الحصول
على 6 مقاعد بالجمعية الفرنسية لتمثيلهم فيها، و3 مقاعد في مجلس الشيوخ وذلك للدفاع عن مصالحهم الإقتصادية ونفوذهم السياسي بالجزائر. وفي يوم 16 ديسمبر 1900 تقرر تخفيف نفوذ البيروقراطية الفرنسية بالجزائر وذلك بإنشاء المجلس النيابي الإقتصادي الجزائري المتكون من 48 مستوطن أوروبي، و21 مواطن مسلم جزائري مقسمون إلى 3 فئات : 49 مقاعد منهم يمثلون أبناء البلد الأصليين الذين يعيشون في الأراضي الخاضعة للسيطرة المدنية، و6 يمثلون أبناء الجزائر الذين يقيمون في القطاع التابع للحكم العسكري و6 يمثلون سكان القبائل الكبرى. أما الحاكم العام فكان يقوم بتعيين بقية النواب الذين يعتبرون أصدقاء لفرنسا ولإدارتها في الجزائر(2). وعن طريق هذا المجلس الذي كان بمثابة برلمان صغير داخل البرلمان الفرنسي الكبير تمكنت الجالية الأوروبية في الجزائر من التشريع وإصدار القوانين التي تحمي مصالحها الخاصة وإخضاع أبناء البلد الأصليين إلى الأمر الواقع المتمثل في وجود سلطة سياسية داخلية. وبفضل هذه السلطة التشريعية المحلية تمكنت الجالية الأوروبية من التخلص من قيود باريس والحكام العسكريين بالجزائـر.

وهكذا مست الإجراءات التعسفية المتخذة من طرف الأوروبيين الحاقدين على الجزائريين جميع المواطنين المسلمين المتواجدين في مختلف القطاعات الإجتماعية والثقافية والزراعية والسياسية، أي لم يسلم من هذه الإجراءات أي أحد من أبناء البلد الأصليين. وإنطلاقا من هذه الحقيقة بدأ رواد الحركة الوطنية الجزائرية يعملون بتكاثف ويبحثون عن مخرج للأزمات التي يواجهونها في بلدهم، وشرعوا في تنظيم أنفسهم لإبلاغ مطالبهم إلى المسؤولين الفرنسيين في باريس، وفي حالة ما إذا لم تجد مطالبهم آذانا صاغية، يتعين عليهم آنذاك أن يخوضوا معارك ثورية بالسلاح ضد الجالية الأوروبية التي تطاردهم في بلدهم وتغلق الأبواب في وجوههم. وكانت الدوافع المشتركة لجميع الجزائريين لتوحيد الصف ضد خصمهم المشترك تتمثل في التخلص من الإجراءات والقوانين التعسفية التي كانت مسلطة على جميع أبناء الشعب الجزائري. أما الغاية من هذا التلاحم الوطني فهي تحرير الإنسان والأرض في الجزائر عن طريق القوة والعنف. هذا هو الهدف الأساسي للجميع بالنسبة للمدى البعيد. أما بالنسبة للمدى القصير أو المرحلة الأولى للعمل الثوري، فقد كانت خطة الثوريين تقتضي المطالبة بالمشاركة في الحكم والتوظيف والتمثيل النيابي. كما إرتأى المناضلون الجزائريون ضرورة مقاومة الضغوط الفرنسية والمحاولات الرامية لمسخ الشخصية الجزائرية وإظهار إمتعاضهم وإستيائهم من القوانين المجحفة التي تضر بالجزائريين والتي تمثلت فـي :

1. فرض الخدمة العسكرية (سنة 1912) بدون الحصول على الحقوق الأساسيـة.

2. إستيلاء المعمرين الأوروبيين على الأموال والأراضي التابعة للحبـس.

3. خلق عقبات في وجه الجمعيات الثقافية التي أنشئت بقصد المحافظة على الثقافة الإسلامية العربية بالجزائر خاصة وأنه لم يعد للمدارس الحرة مصدر لتمويلـها.

4. إحلال قضاة السلام الفرنسيين محل القضاة المسلمين الذين يتبعون الشريعة الإسلاميـة.

5. إجبار أبناء البلد الأصليين على تسجيل أراضيهم وإلقا القبض على الأفراد الذين إحتجوا على هذا الإجـراء.

6. مضايقة الأشخاص الذين يطلبون التصريح لهم من طرف المسؤولين الفرنسيين بالتنقل من مكان إلى آخـر.

7. إقامة محاكم إستثنائية لفرض عقوبات صارمـة.

8. فرض ضرائب تصاعدية على أبنا البلد الأصليين تعرف بإسم “الضرائب العربية”.

9. إنعدام أي تمثيل سياسي عـادل.

10. إنتشار الأمية بين الجزائريين وصعوبة الحصول على وظائف عاليـة.

11. الإحجام عن تصنيع الجزائر حتى تبقى هذه الأخيرة تابعة للاقتصاد الفرنسـي.

12. تضاؤل فرص العمل وتشبع القطاع الزراعي الذي لم يعد قادرا على إستيعاب الطاقات البشرية المتوفرة بكثـرة.

13. عدم إستفادة الجزائريين من القروض والإعانات المالية المخصصة للتنمية الزراعيــة.

  1. تطبيق قوانين إستثنائية على الجزائريين وعدم تطبيق معظم القوانين الفرنسية على أبناء البلد الأصليين إلا بعد موافقة الحاكم العام بالجزائر.
  2. القضاء على نشاط المنظمات الثقافية التي كانت سائدة في المجتمع الجزائري(1).

لقد أتيت على ذكر هذه القرارات التعسفية ضد الجزائريين أيام الإحتلال لكي أوضح أنها كانت تمس بجميع الأفراد والجماعات، وتضرر الجميع منها، وذلك ساعد في تنظيم جبهة مشتركة لتحرير الإنسان والأرض من مظالم الجالية الأوروبية المهيمنة على كل شيء بالجزائر. وما يمكن أن نستخلصه من هذه الظاهرة هو أن الأوروبيين كانوا يحاربون فكرة وجود أي تنظيم محلي قوي يساهم في تنمية البلاد وتقويتها لأن وجود منظمات تعليمية يساعد على خلق وعي، ويقظة الرأي العام الجزائري، ووجود أموال وثروة إقتصادية في يد أبناء الجزائر يقود إلى مساهمتهم في إنتعاش الإقتصاد الجزائري ومنافسة البضائع الفرنسية، وبالتالي بروز شخصيات جزائرية قوية في الساحة السياسية الداخلية.

 

خصائص ثورة التحرير الجزائريــة

 

       إذا كانت إستراتيجية المستوطنين الأوروبيين بالجزائر هي التحكم في أوضاع الجزائريين وإخضاعهم للنفوذ الفرنسي والقضاء على الشخصية الجزائرية، فإن هذه الإستراتيجية كانت خاطئة، إذ أن هذه التصرفات العشوائية هي التي خلقت القاعدة الأساسية والأرضية المشتركة لجميع الجزائريين الذين أصبحت عندهم قناعة جماعية أن مصيرهم يتوقف على وجود جبهة مشتركة هدفها الأساسي هو ” سحق العدو المشترك “. ولتحقيق هذا الهدف تمت دعوة جميع الجزائريين الذين يهمهم زوال النظام الإستعماري إلى الوحدة وذلك بغض النظر عن إتجاهاتهم السياسية ومكانتهم الإجتماعية. فالظروف الصعبة التي أصبحت تمر بها الجزائر لم تعد تسمح بوجود شيء إسمه تعصب وتعلق برأي زعيم سياسي معين. إلا أن الأيديولوجية الثورية للجزائر المقاتلة هي التي تتضمن التراث المشترك لجميع المواطنين الجزائريين، وجبهة التحرير التي برزت إلى الوجود في عام 1954 هي المنظمة الوطنية الوحيدة التي استقطبت جميع الإتجاهات، والبوتقة التي إنصهرت فيها جميع الفئات والهيئات السياسية المتواجدة بالبلاد(1).

وبإختصار، فإن الثورة قد فتحت الأبواب أمام جميع الجزائريين وأعطتهم الفرصة لكي ينالوا حقوقهم، وأزالت من أذهانهم عقدة العجز والتخوف من قوة فرنسا وأسلحتها الجهنمية. وتميزت هذه الثورة بخصائص واستراتيجيات نابعة من ظروف الجزائر وطبيعة الشخصية الجزائرية، وهذه الخصائص أو المميزات الواضحة لمعالم الثورة الجزائرية تتمثل في أنها:

 

  1. ثورة جماهيرية ولم تكن مسيرة أو موجهة من طرف زعيم واحد أو تهدف إلى تحقيق مطامح فئة إجتماعية أو سياسية في نطاق معين، وهي في هذا تختلف عن الثورات الصينية واليوغوسلافية والسوفياتية والكوبية التي كان يتم توجيهها من طرف قيادات حزبية ذات إيديولوجية سياسية يغلب على قيادتها الطابع الفردي.

 

  1. ثورة ذات عقيدة إسلامية، فدخول الإسلام إلى الجزائر كان عامل وحدة وجلب عقيدة ساهمت في توحيد السلوك والإتجاهات، ولغة وحدت التفكير والشعور. وبمعنى آخر فالعقيدة الإسلامية خلقت حضارة عربية إسلامية كاملة مكنت الجزائريين من الإلتفات حولها حتى صاروا أقوياء متماسكين. فالإسلام الذي يجسم القيم العليا للشعب الجزائري ساهم في حماية الشخصية الوطنية من الذوبان في الشخصية الأوروبية وحفظ للشعب الجزائري كيانه وشخصيته ومقومات هذه الشخصية. فالإسلام كان مشغل الثورة مبادءه كما قال أحد المؤرخين، فإنه لولا الدعوة إلى الإسلام والإلتفات حول هذه العقيدة وتعاليمه القيمة التي تدعوا إلى مقاومة الإستعمار بإسم الإيمان والجهاد في سبيل الله والوطن لكان في الإمكان ذوبان السكان المحليين المتخلفين في مجتمع الأوروبيين المتقدمين(1)، وهذه الخاصية غير موجودة في الثورات الكبرى بإستثناء الثورة الإيرانية ضد الشاه والتي كان منطلقها العقيدة الإسلامية.

 

  1. ثورة قامت على أساس قيادة جماعية وعمل مشترك، فالمسؤولية في الثورة الجزائرية كانت تسند لكل شخص أثبت تفانيه وإخلاصه وتضحيته من أجل نجاح الكفاح المسلح. وفي هذا الإطار يجدر بنا أن نشير إلى أن جبهة التحرير هي الحركة الثورية الوحيدة التي إستطاعت أن تجلب إلى صفها الأحزاب الرئيسية بالبلاد التي قبلت بحل نفسها وإنضمام أفرادها إلى حركة ثورية تجسم آمال الجماهير وتعتمد على العمل الجماعي كوسيلة للنظام وقهر العدو المشترك. فالتخلي عن الحزبية والإنضمام الفردي إلى القيادة الجماعية للجبهة كانت عملية فريدة من نوعها. أما في معظم الثورات الأخرى فإن الأحزاب اليمينية أو المحافظة كانت قد دخلت في حروب مدنية ضد الأحزاب الثوريــة.

 

  1. ثورة قادتها عناصر وطنية تنتمي إلى الفلاحين والعمال، ولا تنتمي إلى نخبة المثقفين أو البرجوازيون الثائرين على الفساد السياسي الموجود بالبلاد. ففي الجزائر كان العمل الثوري قد سبق التنظير السياسي حيث أن قادة الثورة كانوا من الواطنين المتشبعين بفكرة الثورة على الظلم والإضطهاد تحت النظام الإستعماري. أما المثقفون القليلون الذين صعدوا إلى مركز القيادة في الثورة فقد إنضموا إليها إنضماما بعد أن رأوا فعالية وسلامة إتجاه التيار الثوري(1).

 

  1. ثورة ضد الإحتلال الأجنبي، وبالتالي فهي ثورة ضد قوة أجنبية تعتبر الجزائر جزء لا يتجزأ من أراضيها. ولهذا، فإن ثورة الجزائر تختلف عن الثورات السوفياتية والصينية والكوبية والإيرانية التي كانت كلها ثورات ضد الحكم البورجوازي الرأسمالي الوطني. وبدون شك، فإن هذه الظاهرة تكون قد ساهمت وساعدت على توحيد صف الجزائريين ضد الغزاة الأجانب لأن الإختيار لم يكن بين مواطنين معتدلين يتعاونون مع الأجانب وبين مواطنين ثوريين مثلما كان الحال في معظم الثورات، وإنما كان الإختيار في الجزائر بين ثوار وطنيين وبين محتلين أجانب قدموا من أوروبا لتسليط القمع والإرهاب على جميع الجزائريين.

 

  1. ثورة جاءت لتعيد الإعتبار لكل الفئات الوطنية، وتخلق قوات إقتصادية وإجتماعية جزائرية جديدة بحيث تنال كل فئة أو طبقة حقها ونصيبها في الثروة والنفوذ والتحكم في مجرى الأمور. وبكلمة أخرى، فإن الثورة الجزائرية قد أيقظت في الآلاف من الناس المحرومين والمعذبين في الأرض آمالا وطموحات لم يكونوا يعرفونها من قبل أو على الأقل لم يكونوا يشعرون أنه في إمكانهم نيلها. وبتعبير آخر، فإن الثورة فرضت تكيفا جديدا للأفكار والأوضاع في الجزائر بما يتفق والأهداف التي تضمنتها مواثيق الجبهة وكانت النتيجة في نهاية الأمر التخلص من خرافة قوة العدو التي لا تقهر وإزالة عقدة العجز عن مواجهة العدو والتفوق عليه وجبره على الرضوخ للمطالب الشرعية. وهذا الوضع يختلف عن أوضاع الثورات الأخرى التي كانت تسعى لتغيير الأوضاع لصالح فئة المحرومين من طبقة معينة وتحديد سلطات البورجوازيين والأثرياء المتواطئون مع الفئات الحاكمة.

 

  1. ثورة للتخلص من التبعية الأجنبية في الميادين السياسية والإقتصادية، وهذه خاصية تشترك فيها الجزائر مع معظم الثورات التي حصلت في القرن العشرين. وكما لا يخفى على أي قارئ لتاريخ الثورات، فإن الثوريين السوفياتيين واليوغسلافيين والصينيين والكوبيين والجزائريين كانوا يناضلون جميعا من أجل تحرير بلدانهم من المجموعات السياسية والإقتصادية المتواجدة ببلدانهم والتي كانت تتعامل مع أصحاب رؤوس الأموال الأجانب الذين كان همهم الوحيد هو إستثمار أموالهم والحصول على أرباح خيالية وإبقاء الدول الفقيرة خاضعة لنفوذهم السياسي والمالي. ومعنى هذا أن الثوريين كانوا يدركون أن تقدم بلدانهم مستحيل في ظل وجود رؤوس أموال أجنبية لا تستعمل من أجل خلق تنمية صناعية حقيقية وإنما تستعمل من أجل إبقاء التحكم في مسار التنمية وتدعيم الخونة الذين يتعاونون مع أسيادهم الأجانب. ولهذا كانت الثورات كلها تدعوا إلى خلق مؤسسات إقتصادية وطنية قادرة على إستثمار الثروات المحلية وتوجيه تلك المؤسسات من طرف عناصر محلية متشبعة بالروح الوطنية(1).
  2. ثورة قامت على أساس وجود سلطة مركزية صارمة، وهذه الخاصية جعلت ثورة 1954 مختلفة عن بقية الإنتفاضات التي وقعت في الجزائر منذ 1830 لأن الإستعمار الفرنسي تمكن من محاصرة أية منطقة تقع بها الإنتفاضة ويقضي عليها. وبفضل التنسيق والتعاون والتخطيط الإستراتيجي للثورة في عام 1954، إستطاعت الثورة الجزائرية أن تخلق التوازن الوطني وتجند جميع المواطنين (بغض النظر عن العرق أو اللغة التي يتكلمونها) لكي يتعاونوا جميعا من أجل المصلحة المشتركة ويمنعوا الإستعمار من إلحاق أي ضرر بأية منطقة. فإذا تجرأ الإستعمار على حشد قواته في أية ناحية لضرب منطقة معينة، تقوم مجموعة أخرى من الثوار بضربه في مناطق أخرى حتى يخفف الضغط على المناطق المحاصرة أو المتضررة من ضربات القوات الإستعمارية. وهكذا برزت فعالية السلطة المركزية لجبهة التحرير وإستحال على العدوان أن ينجح في سياسة ” فرق تسد ” أو خلق قوة ثالثة مضادة للثورة.

 

  1. ثورة ضد التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية لكل بلد، وهذه الحقيقة معروفة عن ثورة الجزائر لأننا مازلنا إلى يومنا هذا ننادي بتقرير المصير لكل الشعوب المضطهدة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل بلد. فبفضل التعلق بهذا المبدأ والإلتزام به، إستطاعت ثورة الجزائر أن تزيل بعض الخرافات والتمويهات مثل إرسال أسلحة الحلف الأطلسي إلى الجزائر لمحاربة الثوار بدعوى محاربة الشيوعية الدولية، وكذلك إبطال حجة فرنسا الموجودة بأوروبا بأن الجزائر الموجودة في إفريقيا جزء
    لا يتجزأ من أراضيها ولا ينبغي عرض قضيتها على الأمم المتحدة. وقد بلغ الأمر بفرنسا وبريطانيا أن تقوما بهجوم على مصر في عام 1956 وذلك بسبب إقدام مصر العربية على تقديم يد المساعدة للثوار الجزائريين وذلك يعتبر في نظر فرنسا تدخلا في شؤونها الداخلية. لكن المقاومة الشعبية في الجزائر ومصر وعدم موافقة الدول الصديقة والشقيقة على سياسة التدخل في الشؤون الداخلية سواء بالنسبة للجزائر التي هي عربية أو مصر التي تساند بلدا عربيا شقيقا، ساهما في إفشال سياسة تدخل الدول العظمى في الشؤون الداخلية للدول الصغيرة.

 

  1. الثورة تقيم علاقات إجتماعية جديدة، نقصد بذلك أن الجزائر كان يتم تسييرها من أوربا (وبالتدقيق من باريس) وبالداخل، كان الفرنسيون يتحكمون في المدن الكبرى وعملاؤهم القياد (الذين يأتمرون بأوامر قادة الجالية الفرنسية بالمدن) كانوا يحكمون الريف الجزائري، وعليه كانت مراكز القوى الثلاثة تسعى للمحافظة على إمتيازاتها، والجزائريون غير المتواطئون مع قوات الإحتلال كانوا يعيشون على الهامش. وبفضل قيام الثورة، وقعت تغيرات إجتماعية وتوطدت العلاقات بين المواطنين وذابت تلك الفوارق المصطنعة بحيث أصبحت القيادة الثورية تسعى لتقديم الخدمات للجميع وليس التحكم في المواطنين وإستغلالهم مثلما كانت تفعل الإدارة الإستعمارية في السابق.

وبإختصار شديد، فإن ثورة الجزائر قد إمتازت بمقدرتها على الإعتماد على نضال أبنائها في الداخل والخارج والإستعانة بالأشقاء العرب والأصدقاء لدعمها وتمكينها من الإنتصار على الدخلاء الأجانب. كما أن ثورة الجزائر قد إستطاعت بفضل الله وفضل الرجال المخلصين أن تصمد وتقضي في النهاية على النظام البيروقراطي المناهض لها في فرنسا ذاتها. فقد كانت الأحزاب السياسية تتلاعب فيما بينها وتتآمر ضد ثورة الجزائر، حيث كان يحق للنواب الفرنسيين في عهد الجمهورية الرابعة أن يطيحوا بأية حكومة فرنسية تحاول أن تتفاوض مع جبهة التحرير وتعترف بها، وذلك بدون أن يفقد أولئك النواب مقاعدهم النيابية في الجمعية الوطنية الفرنسية. لكن تصميم الجزائريين على إستعادة حريتهم واستقلال بلدهم، خلق أزمات سياسية وإقتصادية في فرنسا نفسها، الشيء الذي نتج عنه خضوع فرنسا للأمر الواقع، تحت ضغوط جبهة التحرير، والتخلص من الجمهورية الرابعة واستبدال ذلك النظام البائد بالجمهورية الخامسة. وهكذا أصبح النائب الفرنسي في العهد الجديد يفقد مقعده في البرلمان إن هو أقدم على إسقاط الحكومة. فسقوط الحكومة في الجمهورية الخامسة يعني سقوط البرلمان، وحله، ثم إجراء إنتخابات جديدة قد ينجح فيها النائب وقد يفشل.

الحسابات الخاطئة في إستراتيجية الأوروبيين

 

       لقد تكلمنا عن خصائص الثورة الجزائرية وإستراتيجيتها لتحرير الإنسان والبلاد من الهيمنة الأجنبية، والآن يجدر بنا أن نشير، ولو بإختصار، إلى خطط الجالية الفرنسية في الجزائر ونظرة قادتها إلى كيفية إخماد الثورة ومعاقبة قادتها. فمن جملة التصورات التي كانت تجول بأذهانهم، نخص بالذكر النقاط التالية :

 

  1. أن إيديولوجية الثورة مستوحاة من الخارج، أي أن جمال عبد الناصر وقادة العالم العربي هم الذين حرضوا قادة الجبهة على القيام بالثورة وطرد فرنسا من شمال إفريقيا. ولهذا ينبغي القضاء على هذه العناصر الوطنية التي تعتنق إيديولوجية معينة وتطمح للوصول إلى السلطة والإستيلاء على الحكم.

 

  1. أن إستراتيجية الثورة مبنية على حرب الإستنزاف وإطالة أمد الحرب حتى تنهك قوى فرنسا إقتصاديا وتقبل في النهاية التفاوض مع الجبهة وترك الجزائر لأنها غير قادرة على تحمل الخسائر المالية. ولهذا ينبغي أن تستعمل فرنسا كل قواتها وتهزم الثوار بسرعة.

 

  1. أن خطة جبهة التحرير هي الإعتماد على السكان في الريف وجلبهم إلى صفها وتجنيدهم لخدمة قضيتها ولذلك ينبغي أن تنزل فرنسا أشد العقوبات بالقادة الذين يتعاونون مع الجبهة وينشرون إيديولوجيتها في صفوف السكان، وبالتخلص منهم تفقد الثورة تلك العناصر القيادية التي تقوم بعمليتي التوجيه الإيديولوجي والحربي في آن واحد.

 

  1. أن الحيلة التي تستعملها الجبهة هي الدخول في مفاوضات من أجل السلام، لكن الثوار، في الواقع لا تهمهم المفاوضات ووضع حد للحرب. إنما الشيء الذي يهمهم بالدرجة الأولى هو الإعتراف بالجبهة كقوة سياسية وذلك لكي يحصل الثوار على مكاسب سياسية ويستولوا على السلطة في النهاية. فالمفاوضات بالنسبة للجالية الأوروبية بالجزائر ما هي إلا مقدمة للإستيلاء على الحكم بطريقة تدريجية(1).

 

  1. أن الجبهة تحصل على مساعدات من الخارج لتمويل الحرب التحريرية، ولذلك لابد من فرض رقابة قوية على الحدود ومنع هذه المساعدات من التسرب إلى داخل الجزائر. إن الإحتكاك الموجود بين سكان الريف ورجال الجبهة هو الذي يتسبب في إنتشار الثورة وتمويل الثوار وتزويدهم بأخبار تحركات القوات الفرنسية. لهذا ينبغي نقل السكان من ديارهم وجمعهم في محتشدات تكون مراقبة ومحمية من طرف الجيش الفرنسي وبذلك يمكن حماية السكان من دعاية الجبهة وتهديد رجالها لهم بالقتل، إن هم إمتنعوا عن تقديم المساعدة لها.

 

  1. أن القادة الذين يقعون في قبضة قوات الأمن والجيش الفرنسي لابد أنهم تعرضوا لمغالطات ودعاية جبهة التحرير ولهذا فمن الواجب إعادة تربيتهم وتوجيههم توجيها صحيحا.

 

  1. بما أن الجزائر بالنسبة لفرنسا جزء لا يتجزأ منها، فقد طالب المستوطنون الفرنسيون بالبحث عن إيديولوجية جديدة لفرنسا في العالم. وتقوم هذه الإيديولوجية على أساس حماية الجزائر وإنقاذها من السقوط في مخططات الوحدة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج.

 

  1. أن الجيش الفرنسي هو رمز قوة هذه الدولة العظمى. وعليه، فلا بد أن يكسب هذه المعركة بالجزائر ويستعيد مكانته المحترمة في المجتمع الفرنسي.

 

  1. أن تواجد الجيش الفرنسي بكثرة في الجزائر يكلف الدولة ثمنا باهظا، ولذلك لابد أن يعتمد المستوطنون الأوروبيون بالجزائر على أنفسهم ويقوموا بالمهام المسندة إليهم والدفاع عن أنفسهم دون الإعتماد على الجيش(1).

هذه هي الخطط المضادة للثورة الجزائرية التي أعدها قادة الجالية الأوروبية بالجزائر لخنق الثورة والتغلب على 8 ملايين جزائري والمحافظة على إمتيازاتهم السياسية والإقتصادية بشمال إفريقيا. ولكن هذه الحسابات والإستراتيجيات كانت خاطئة وغير ناجعة لأن المحتلين الأجانب أساؤا التقدير وتجاهلوا مقدرة شعب على تنظيم أبنائه وتوجيه ضربات قاضية لمجموعة من المغامرين الأوروبيين الذين عاثوا في الأرض فسادا واستطاعوا أن يقنعوا فرنسا بأنهم يشكلون النخبة التي تديم وجودها بالجزائر. وهذه إحدى الغلطات الفادحة التي إرتكبتها السلطات الفرنسية بالجزائر حيث سمحت لمجموعة من المعمرين أن يتصرفوا كما يحلوا لهم، ولم تجبرهم على إقامة مؤسسات دستورية وأجهزة إدارية قادرة على تقديم الخدمات والإستجابة لرغبات المواطنين الجزائريين. كما أن هذه الإستراتيجيات قد فشلت لأن التحالف بين السلطات الفرنسية في باريس والجالية الأوروبية في الجزائر كان وثيقا ولم يبق أي مجال للجزائريين سوى التحالف فيما بينهم وتكوين جبهة مشتركة ضد الطرفين الأوروبيين المصممين على إذلالهم وإهانتهم. فالمستوطنون الفرنسيون كانوا لا يثقون في الجزائريين وإمكانية العمل الجماعي والحوار والتفاهم بشأن خدمة البلاد كانت معدومة. كما أن الأوروبيين كانوا يوجهون الضربات بطريقة عمياء إلى كل الجزائريين وذلك في حالة تعرضهم لأي ضرر أو هجوم مفاجئ. كما فشلت خططهم، أيضا، بسبب المحاولات المبذولة لإبقاء الجزائر متخلفة وغير مصنعة حتى لا تكون هناك منافسة للبضائع الفرنسية في الجزائر ويستمر الجزائريون في العمل بأجور زهيدة سواء في الزراعة أو في أعمال أخرى يقوم بها المعمرون الأوروبيون. ثم أن المليون أوروبي المتواجدون بالجزائر عند قيام الثورة في عام 1954 كانوا يحلمون بالإحتفاظ بميراث كبير وسلطات واسعة، ويحتكرون المناصب السياسية العليا، في حين أن عددهم صغير مقارنة بثمانية ملايين من الجزائريين، وقوتهم الحقيقية كانت لاتضاهي مطالبهم وليس في إمكانهم الدفاع عن أنفسهم في حالة قيام مجابهة حقيقية بينهم وبين أبناء البلد الأصليين الذين يفوقونهم قوة وعددا.

 

 

خلاصة وإستنتاجـــات

 

إن فكرة الثورة في الجزائر كانت موجودة في أذهان الجزائريين منذ اليوم الأول الذي وطئت فيه أقدام الفرنسيين أراضيهم. وقد كانت الأعمال الثورية عبارة عن إنتفاضات في جهات ومناطق معينة، كان في إمكان الفرنسيين تطويق تلك الجهات والقضاء عليها وتسليط أشد العقوبات على كل من تجرأ أن يتمرد على فرنسا. لكن الوضع تغير في عام 1954 حيث إنطلقت الثورة على المستوى الوطني وأخذت طابعا شموليا وتنسيقيا محكما وتعذر على القوات الفرنسية أن تحاصرها وتقضي عليها… كما أصبحت فكرة الثورة في عام 1954 عبارة عن إيديولوجية قوية تستمد جذورها من الواقع الجزائري ومن الأوضاع العامة المتدهورة، وساعدت تلك الإيديولوجية الوطنية قادة الثورة في تفجير الثورة وتحويل النظريات إلى مناهج عمل لتحرير الإنسان والأرض وإستعادة السيادة الوطنية عن طريق العنف والقوة لأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بنفس الطريقة. وقد أصبحت الإيديولوجية الثورية للجزائر هي السند الفكري لجبهة التحرير التي إعتمدت على تلك الآراء الثورية لكي تطيح بالنظام الإستعماري الفاسد، وتوحد آراء جميع الجزائريين وتجعل منهم شعبا متحدا، يشترك جميع أبنائه في خوض معركة المصير المشترك، وتخليص الوطن من الهيمنة الإستعمارية.

إن ثورة الجزائر قد عبرت عن آمال كل إنسان مضطهد في الجزائر، وخلقت قناعات عامة بأن الأسلوب الثوري هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن كل فرد من المساهمة في تغيير الأوضاع لصالحه ولصالح المجموعات المحرومة مثله. فالثورة بالنسبة للمواطن الجزائري أصبحت هي الوسيلة الوحيدة لإعادة الإعتبار إليه وتمكينه من تشييد حياة أفضل وإعطائه الفرص الذهبية لتحقيق ما يصبوا إليه من رفاهية وحياة كريمة. إن الشعور المشترك بالظلم قد دفع بالجزائريين أن يقيموا علاقات جديدة فيما بينهم تقوم على أساس التعاون والإعتماد على القرآن وقواعد العمل الإسلامية والتشاور فيما بينهم بشأن خلق التنظيم الإجتماعي الذي يليق بالجزائر في أوقات الحرب وأوقات السلم. وبمضي الوقت تحولت الإيديولوجية السياسية لجبهة التحرير إلى قواعد وإجراءات عمل لتدعيم الجهاز المركزي للدولة الجزائرية، ووسيلة فعالة لتنظيم القوة التي إكتسبها الشعب الجزائري من خلال مساندته المطلقة للكفاح المسلح لإسترداد الحرية والكرامة لكل مواطن جزائري. وقد نجحت الثورة بفضل وعي الجماهير ورغبتها القوية في حمل السلاح وتحقيق الأهداف المشتركة للجميع. لقد طالت الحرب وتحمل الجزائريون جميع أنواع الإضطهاد والحرمان والتشريد خلال سنوات طويلة، لكن إنتصروا في النهاية لأنهم كانوا مقتنعين في قرارات أنفسهم بأنهم على حق وخصمهم على باطل. كما أنهم برهنوا من خلال تحليهم بالصبر ووجود عزائم قوية
لا توهن، عن أصالتهم الثورية الإسلامية والعربية لأنه كان عندهم إيمان بعدالة مطالبهم وإيمان قوي يحركه الشعور بالظلــم.

 

 

(*) دراسة منشورة بمجلة الدراسات التاريخية، جامعة الجزائر، العدد رقم 8، 1993-1994، ص 105-115.

(**) أستاذ ورئيس المجلس العلمي بمعهد العلوم السياسية، جامعة الجزائر.

(1) فئاد محمد شبل، الفكر السياسي : دراسة مقارنة للمذاهب السياسية والإجتماعية. القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974، ص 26.

(2) عزيز السيد جاسم، موضوعات عن الثقافة والثورة، بيروت : دار الطليعة، 1972، ص 118-120.

(1) John Dunn, Modern Révolution, Cambridge : Cambridge Université Press, 1972, P 6.

(1) Charles- Robert Ageron, Les Algériens Musulmans et La France : 1871-1919, Paris : P.U.F, 1968, p 44.

(2) عمار بوحوش، العمال الجزائريون في فرنسا. الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1974، ص 87-88.

(1) Charles- Robert Ageron, « L’émigration des Musulman Algériens et l”exode Tlemcen : 1830-1911 ». Annales Economiques Sociétés, civilisations, Vol 22, N° 5 (September-October) 1967, p 1063.

(1) عمار أوزقان، الجهاد الأفضل، بيروت : دار الطليعة 1962، ص 134.

(1) محمد شيت خطاب، المغرب العربي. بيروت : دار الفكر، 1984، ص 346-347.

(1) أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر (الطبعة الثانية). الجزائر : الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981، ص 48-49.

(1) Milvan Djilas, The New Class, New York : Praeger, 1958, p 16.

(1) Peter Paret, Frunch Revolutionary Warfar : From indochina to Algeria, New York, Praeger, 1964, pp 22-26.

(1) Ibid, pp. 22-27.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *