الأحد , 12 يوليو 2020

دور المجالس الشعبية في النهضة الوطنية (*)

بقلم

الدكتور عمار بوحوش

 

كثيرا ما نبدى إعجابنا بتقدم اليابان أو أمريكا أو ألمانيا وغيرهم من الدول المتقدمة التي استطاعت تدليل الصعاب التي تعترض تقدمها وإيجاد حلول منطقية ودقيقة للمشاكل التي واجهتها. والحقيقة التي تغيب على أذهان الكثير منا هي أن هذا التقدم الهائل لم يأت عفوا أو لأن الحكومة الفدرالية الأمريكية أو الألمانية تملك عصا سحرية تعتمد عليها لإظهار المعجزات والإنتصار في معركة المجابهة ضد التخلف وتراكم المشاكل وإنما جاء نتيجة للتنظيمات الداخلية التي تتميز بها هذه المجتمعات. فالتنظيم المحلي السليم للمجتمعات الإنسانية هو الذي يكون بمثابة المحرك الأساسي لسير مركبة التقدم نحو الأهداف السامية التي يطمح الوصول إليها كل شعب في أي زمان ومكان. ولولا ذلك التعاون المحلي بين أبناء كل مجموعة لما توصل الفراعنة إلى تطوير فنون الري على ضفاف النيل وإحداث نهضة علمية فريدة من نوعها في تاريخ العالم القديم. وعلماء الإجتماع في عصرنا هذا يتفقون على أن مقدرة الجماعات المحلية على تنظيم نفسها يعد شرطا أساسيا لكل نهضة صناعية وإجتماعية في أي بلد كان. فإذا فشلت الجماعات المحلية في خلق أنظمة سليمة تسير بمقتضاها فإنه لا يمكن لأية قوة أجنبية أو غريبة عن تلك البيئة أن تجعل منه مجتمعا صالحا ومتطورا لأنها لا تستطيع أن تتوفق في مشاريعها إذا لم تكن هناك إرادة محلية راغبة في التعاون وفي المساهمة في المشاريع العامة.

 

 

فكرة التنظيمات المحلية في الجزائر

 

       منذ البداية تركزت إجتماعات قادة مجلس الثورة على بناء البلاد وإعادة النظر في المقومات الأساسية للدولة الجزائر حتى يتسنى للحكومة الوطنية أن تحظى بثقة المواطن الجزائري أينما كان في القرية أو الريف أو المدينة. وفي الفترة الممتدة من 22 إلى 26 أكتوبر 1966 كان جدول أعمال جلسة المجلس يحتوي على موضوع تنظيم المجالس الشعبية في جميع أنحاء الوطن. وعقب هذه الإجتماعات المتتالية جاء مرسوم 18 جانفي 1967 الذي إشتمل على ميثاق البلديات وتوضيح دور المجالس البلدية في ميادين التنمية الإقتصادية والصناعية والمواصلات والسكن والحماية المدنية.

وكان معنى هذا أن مرحلة جديدة قد دخلت فيها الثورة الجزائرية حيث أن الوقت قد حان أولا، لخلق حوار جدي وواقعي بين القاعدة والقمة، وهذا واضح من المؤتمرات السنوية التي يعقدها رؤساء المجالس الشعبية في شهر فيفري ويقدمون فيها تقاريرهم وتعاليقهم على نوعية المشاكل التي تواجه كل بلدية والإنجازات التي تحققت منذ اللقاء السابق. ثانيا، أن هذا المشروع كان يعني أن السلطة الثورية راغبة في التخلص من اللامركزية وترك الأمور الإقتصادية والإجتماعية للمجالس الشعبية لتنظر في هذه المواضيع حسب الوضعية الخاصة لكل منطقة أو بلدية. ثالثا، أن المفهوم الجديد لهذا الإختيار السياسي كان يهدف إلى خلق ثقة المواطن العادي في القيادة المحلية التي تشرف وتسير شؤونه المحلية بطريقة مباشرة حيث أن الفرصة قد أتيحت لكل مواطن الآن ليختار الأشخاص الذين يتوسم فيهم المقدرة على العمل والرغبة الصادقة لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. رابعا، أن هذا التغيير الجديد يفتح باب المنافسة بين الطامحين إلى مناصب المسؤولية الشيء الذي ينتج عنه حتمية توضيح مشاريع العمل من طرف كل مترشح والإتصال بالمواطنين لإقناعهم بموضوعية مشاريعه وفوائدها الجمة. وما نقصده هنا بصفة خاصة هو أن التزكية التي تأتي في المرحلة الأولى من طرف الحزب ستعقبها تزكية أخرى من طرف أبناء الشعب في المرحلة الإنتخابية الثانية وهذا يستوجب خروج كل مرشح من مكتبه والتخلي عن عزلته إذا كان جديا في خدمة منطقته والحصول على ثقة سكان الناحية. خامسا، إن تنظيم القسمات وتكوين المجالس الشعبية على مستوى القسمات والولايات يعد بمثابة تمهيد للتنظيم السياسي القادم الذي سيكون على مستوى الوطن.

 

صلاحيات المجالس الشعبيــة

       هناك نشاطات مختلفة تقوم بها الوزارات المتعددة في ميادين اختصاصاتها والمجالس الشعبية هي التي أصبحت تشرف الآن على تسيير المصالح الإجتماعية والإقتصادية الموجودة في المناطق التابعة للمجالس الشعبية.

ومع أنه من الصعب تعداد جميع الوظائف التي تقوم بها المجالس الشعبية فإننا نحاول تلخيصها فيما يلي :

 

  1. التنمية الإقتصاديــة :

وذلك مثل البحث عن مصادر جديدة لتمويل مشاريع الصناعة في الناحية ثم إن للمجلس الشعبي السلطة الكاملة على مزارع التسيير الذاتي التابعة للدولة. كما أنه من حق كل مجلس شعبي تأجير المحلات التابعة للحكومة وإعادة استثمار عوائد الأيجار في أي مشروع يمكن أن يخلق وظائف جديدة أو رفع مستوى المواطنين من الناحية الإقتصادية والإجتماعية.

 

  1. تطوير الزراعــة :

       خاصة في الفترة الراهنة حيث أن الجزائر قد جندت جميع إمكانياتها لإنجاح الثورة الزراعية وإدخال تغيير جذري على الريف الجزائري. فالمجالس الشعبية تتحمل على عاتقها مسؤولية إمداد التعاونيات بالقروض وإحصاء الأراضي لمعرفة من هو الذي يعتني بالأرض ويخدمها ومن هو الذي يستحق الإستفادة من الأراضي التي وضعت تحت تصرف الصندوق الوطني للثورة الزراعية.

 

 

 

 

  1. تحسين وسائل النقــل :

بالمدن والقرى سواء بالعمل على تسهيل تسويق منتوجات الدولة أو إصلاح الطرق التي تربط بين مختلف قسمات ودوائر كل ولاية. كما أن المجالس الشعبية تتكفل بإعداد تخطيط شامل للمواصلات البريدية في المدن وتمكين التلاميذ والعمال والموظفين من الوصول إلى أماكن أداء واجباتهم اليومية في الساعات التي تحددها الإدارات المختلفة.

 

  1. توفير السكــن :

للمواطنين وأيجاد مكاتب عمل بالنسبة للمصالح المختلفة التي ستشرف على تنسيق وتنفيذ أوامر الوزارت. ومن واجبات المجالس الشعبية، أيضا، المساهمة في تشييد المدارس من الناحية المالية وتوفير فرص التعليم لكل طفل بلغ سن السادسة من عمره.

 

  1. التنشيط الثقافي والإجتماعـي :

الذي يعتبر من أهم اختصاصات المجالس الشعبية خاصة ونحن نعيش في ظروف تتطلب توسيع أفق النشاطات الثقافية وتثقيف الجماهير الشعبية لكي تكون في مستوى المسؤولية والتجاوب مع التنمية الإقتصادية في البلاد. وأكثر من هذا، فإن المجالس  الشعبية هي التي تشرف على دور السنما وتنتقى الأفلام القيمة لعرضها في المراكز الثقافية وهي بذلك تلعب دورا فعالا في توجيه الشباب وتكوين النشئ الصاعد ثقافيا واجتماعيا.

 

  1. المساهمة في نهضة سياحيـة :

       وذلك مثل العناية الصحية بالمؤسسات السياحية التي تقيمها الدولة في كل ولاية وتضعها تصرف المجالس الشعبية للحصول على مدخول مالي وتسهيل إقامة المواطنين في ربوع كل ولاية. والشيء الملاحظ هنا هو أن البلديات هي التي تتولى تنفيذ القوانين التي تسطرها الدولة ومسؤولة على حسن تسيير المؤسسات السياحية في جميع أنحاء الوطن.

 

  1. المحافظة على الأمــن :

       الذي يعتبر من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق السلطات المحلية خاصة في هذا العصر الذي تكاثرت فيه حوادث العنف والسرقات في المدن الكبرى.

 

  1. الحماية المدنيــة :

       التي اكتسبت طابعا جديدا بعد أن أصبحت الدولة هي المسؤولة عن المصانع والغابات والتسيير الذاتي وتسهر على منع الحرائق والتدخل بسرعة لتقديم المساعدة اللازمة إذا أصيب أي قطاع بكارثة طارئة.

 

النظم الأساسية للمجالس الشعبيــة

يتكون كل مجلس بلدي من رئيس ينتخب من طرف الأعضاء المنتخبين وذلك لمدة أربع سنوات. ويختلف عدد نواب الرئيس من مدينة إلى أخرى وذلك حسب كثرة السكان والحاجة إلى عدد كبير من المساعدين الذين يتكفلون بالأحياء المختلفة في كل مدينة. والجدول الآتي يعطينا فكرة صادقة عن الطرق التي تتبع عادة لتحديد عدد نواب الرئيس :

  • 2 من النواب في كل بلدة بها 20.000 ساكن أو أقل،
  • 4 من النواب في كل بلدة بها على الأقل 20.001 ساكن ولا أكثر من 50.000 نسمة،
  • 6 من النواب في كل بلدة بها على الأقل 50.001 ساكن ولا أكثر من 100.000 نسمة،
  • 8 من النواب في كل بلدية بها على الأقل 100.001 ساكن ولا أكثر من 200.000 نسمة.

يضاف عضوان إلى مجموعة سكانية تبلغ 200.000 نسمة. أما فيما يخص مدينة الجزائر وضواحيها فقد حدد عدد نواب رئيس المجلس الشعبي بـ 18.

كما أن عدد أعضاء المجالس الشعبية يختلف من بلدية إلى أخرى وذلك حسب كثافة السكان وكثرة الوجبات الملقاة على عاتق أعضاء المجالس. وبصفة عامة فإن القاعدة المتبعة لتحديد أعضاء كل مجلس شعبي هي الآتية :

  • 9 أعضاء بالنسبة لسكان كل بلدية يتراوح عدد سكانها بين 1 و5.000 نسمة،
  • 11 عضوا بالنسبة لسكان كل بلدية يتراوح عدد سكانها بين 5.001 و10.000 نسمة،
  • 15 عضوا بالنسبة لسكان كل بلدية يتراوح عدد سكانها بين 10.001 و20.000 نسمة،
  • 21 عضوا بالنسبة لسكان كل بلدية يتراوح عدد سكانها بين 10.001 و40.000 نسمة،
  • 29 عضوا بالنسبة لسكان كل بلدية يتراوح عدد سكانها بين 40.001 و100.000 نسمة،
  • 39 عضوا بالنسبة لسكان كل بلدية يتراوح عدد سكانها بين 100.001 و200.000 نسمة.

أما في البلديات التي يزيد عدد سكانها عن 200.001 فإنه يضاف عضوان جديدان إلى كل مجموعة من السكان تقدر بـ 50.000 نسمة. وفي الجزائر العاصمة تقرر أن يكون عدد أعضاء المجلس الشعبي 79.

وفي حالة ما إذا وقع خلاف أثناء الإنتخابات البلدية بين الأعضاء المرشحين لنيل العضوية في المجالس البلدية فإن القضية تحال إلى لجنة انتخابية على مستوى كل ولاية والتي يكون مقرها في المحكمة الشرعية. وتتكون هذه اللجنة من أحد أعضاء المحكمة بالولاية وإثنين من المحلفين اللذين يعينان من طرف وزير العدل وحافظ الأختام. وهناك أيضا قوانين أخرى تحدد سير أعمال كل مجلس شعبي والطرق التي ينبغي إتباعها لبلوغ الأهداف المرسومة، من ذلك مثلا أن المجلس الشعبي يجتمع على الأقل مرة في كل ثلاثة أشهر وفي أي وقت تقتضي الضرورة عقد اجتماعات عاجلة. ورئيس المجلس البلدي هو الذي يتولى مسؤولية إعلام الأعضاء بتاريخ الإجتماع والقضايا التي سيشتمل عليها جدول أعمال المجلس. كما أن رئيس أي مجلس شعبي يتمتع بميزة أخرى تتمثل في ترجيح كفة أي فريق في حالة ما إذا تعادلت الأصوات عند التصويت. وفي العادة تكون جلسات المجالس الشعبية مفتوحة للجمهور الذي يستطيع متابعة المناقشة التي تدور حول القضايا المسجلة في جدول الأعمال إلا إذا قررت الأغلبية من أعضاء أي مجلس بلدي عقد جلسات سرية غير مفتوحة للجمهور. وعلى ذكر جلسات المجالس الشعبية نشير هنا إلى أن أغلب القضايا التي تحظى بالمناقشة هي مسائل الميزانية ودراسة الحقوق الضرائبية والقروض وحالة الموظفين وترقيتهم، بالإضافة إلى دراسة العروض الخاصة بالبناء والتعاقد مع الشركات التي تقوم بالإنجازات الفنية.

 

التنظيمات الجديدة تدخل طورها العملــي

 

       ومع أن التنظيم الجديد قد شرع فيه في مطلع 1967 إلا أن المسؤوليات السياسية والإقتصادية والإجتماعية قد أسندت إلى المجالس الشعبية تدريجيا وتوسعت حسب مقدرة المنتخبين الجدد على تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم من طرف النظام السياسي في البلاد. وما كان يهم الدولة بصفة خاصة في بادئ الأمر هو انتقاء العناصر الواعية التي تفهم وتتماشى مع الخطة التي تبنتها الثورة والقيادة الوطنية لأن تسرب الفئات الإنتهازية إلى الجهاز السياسي الجديد قد يؤدي إلى التفكك والإنحلال. وحفاظا على المصلحة العليا للوطن تقرر اختيار تلثي الأعضاء من المنظمات الوطنية أو مناضلي جبهة التحرير الذين يمثلون مختلف الطبقات الإجتماعية والمهنية. وطبقا للتعليمات الصادرة في 24 جانفي سنة 1968 فإن الحزب هو الذي يتولى الإشراف على هذه الإنتخابات وتزكية الأفراد الذين يحق لهم المشاركة في الإنتخابات البلدية. ودور الحزب  هنا، في الحقيقة، يتمثل في التفويض لكل قسمة على مستوى كل بلدية لإختيار المترشحين الذين تتوسم فيهم المقدرة على القيام بواجباتهم والنزاهة في العمل. ثم تتولى القسمة تقديم قائمة المترشحين إلى اللجنة الوطنية للولاية التي تتألف من الوالي والمحافظ الوطني للحزب وقائد الناحية العسكرية للجيش الوطني الشعبي والتي تنتقى بصفة نهائية الأعضاء الذين يترشحون للمناصب البلدية.

وفي يوم 5 فبراير 1967 جرت أول انتخابات لإختيار أعضاء 676 مجلس بلدي في أنحاء القطر الجزائري. وبمجرد تنصيب رؤساء هذه المجالس الشعبية والتعريف بالمهمات الملقاة على عاتق الأعضاء الجدد، أعطت القيادة الثورية الصلاحيات لرؤساء المجالس الشعبية بتنظيم شؤون الحماية المدنية على مستوى كل بلدية. وفي عام 1968 أعطت الأوامر بتوسيع سلطة البلديات حيث أصبحت كل واحدة تشرف على بناء المدارس الإبتدائية والدولة هي التي تقوم بتمويل هذه المشاريع المدرسية. ثم جاء المرسوم الصادر في 14 نوفمبر سنة 1969 والمرسوم المؤرخ بتاريخ 22 جانفي سنة 1970 واللذين تقرر بمقتضاهما إنشاء مناصب مهندسي الدولة في الإدارات البلدية. كما ساعدت الحكومة البلديات على تكوين الموظفين الأكفاء وإعدادهم للإضطلاع بالمهمات التقنية والأعمال المالية على مستوى النواحي الجهوية. ولتحقيق هذا الهدف، قامت الحكومة بإنشاء المراكز الإدارية في كل من مدن الجزائر ووهران وقسنطينة وبشار وورقلة. وحسب الأهداف المرسومة في المخطط الرباعي فإنه ينبغي إعداد 1.500 ملحق إداري وكاتب لتوظيفهم بالبلديات خلال 1970-1973.

وفي 14 فيفري سنة 1971 جرت الإنتخابات البلدية الثانية وأسفرت عن بروز وجوه جديدة في عدد كبير من البلديات. ومما زاد في أهمية هذه الإنتخابات أنها جاءت في ظروف حسنة هذه المرة حيث أن الحكومة الجزائرية قد خصصت جزء لابأس به من الإعانة المالية لتنشيط الإنتخابات البلدية. ففي قانون المالية لسنة 1971 فتح اعتمادا يقدر بـ 7 ملايين دينار جزائري في ميزانية وزارة الداخلية وذلك لتمكين كل بلدية من التغلب على المشاكل المادية وإنجاح الحملة الإنتخابية بها. كما تقرر إضافة 15 بلدية جديدة إلى مجموع المجالس البلدية التي تقرر تخفيضها سنة 1963 من 1535 إلى 676 بلدية. وبهذا أصبح الآن عدد المجالس الشعبية في الجزائر 691 وهو رقم قد يتغير في المستقبل القريب لأن الإزدحام السكاني في المدن الكبرى سيجبر الضواحي على المطالبة بتكوين بلديات محلية قادرة على تلبية حاجاتهم الأساسية من ماء وسكن وتعليم وأمن.

وتدل بعض الإحصاءات أن الحالية المالية للبلديات قد تحسنت منذ سنة 1967، وبصفة خاصة منذ جانفي 1968 حيث شرعت البلديات في تطبيق مشروع المحاسبة في إداراتها. ففي السنة الأولى من تكوين المجالس الشعبية كانت هناك 280 بلدية تتخبط في عجز مالي وذلك من جملة 676 بلدية في الجزائر. وفي عام 1969 انخفض عدد البلديات التي سجلت عجزا ماليا في ميزانيتها إلى 50. ثم جاءت سنة 1970 لنشاهد تحسنا هائلا في ميزانية البلديات إذ انخفض عدد البلديات التي بقيت في أزمة مالية إلى 12.

ولعل الشيء الذي يلفت النظر بصفة خاصة في الإنتخابات الأخيرة هو حصول العناصر التي هي في سن الثلاثين والأربعين على أغلب المقاعد في المجالس البلدية. فحسب دراسة قامت بها مجلة ” الثورة الإفريقية ” عن سن الذين ترشحوا والأعضاء الذين نجحوا في الإنتخابات البلدية التي جرت في مدينة الجزائر، هناك نسبة ضئيلة من الشبان الذين ترشحوا في

العمـــر عدد المترشحين النسبة المئوية عدد المنتخبين عددهم بالنسبة لمجموع الفائزين نسبة القبول

21 إلى 30 سنة

25 15,29% 9 11,34% 36,00%
31 إلى 40 سنة 61 39,09% 28 35,48% 45,90%
40 إلى 50 سنة 48 30,96% 30 37,88% 62,50%
50 إلى 60 سنة 21 13,54% 12 15,18% 57,14%

       الإنتخابات الأخيرة. وبالرغم من كون الشبان منشغلون في هذه المرحلة المبكرة من حياتهم بمواصلة الدراسة أو أداء الخدمة العسكرية فإننا كنا نتوقع نسبة المشاركة أعلى من تلك التي سجلت بالجزائر العاصمة. ولعله لا يخفى علينا  أن نسبة الشبان في مجتمعنا الجزائري عالية جدا والزواج أيضا غالبا ما يقع في الفترة الممتدة من 19 إلى 24 سنة. ومعنى هذا أن الشباب الجزائري يستقر مهنيا وعقليا في هذه الفترة الأولى من حياته. ثم لا ننسى حقيقة هامة وهي أن أغلب العناصر الناشئة والمثقفة تختار الإقامة في العاصمة وهذه الظاهرة تجعلنا نتوقع نسبة عالية من الشباب الذين لهم ميول قوية إلى المشاركة السياسية والإستعداد لإجراء الحوار بشأن المستقبل.

 

أعمار المترشحين والفائزين في الإنتخابات البلدية الأخيرة بالعاصمة

 

 

أما فيما يخص ظاهرة وجود عناصر كثيرة في الثلاثين والأربعين بالمجلس الشعبي لمدينة الجزائر فإن ذلك يرجع إلى كون الجيلين كانا قد شاركا بصفة عملية في معركة التحرير وأن عملهم يضمن لهم المشاركة العملية في جميع الأعمال التي تخطها الحكومة الوطنية. كما أن هذه المرحلة من العمر تتصف بالرزانة والإنتاج بالنسبة لكل شخص وهذه الحقيقة تجعلنا ننتقي العناصر الناضجة التي هي في مستوى المسؤولية.

وما يثير الإنتباه بصفة خاصة في إحصائية أخرى عن الطبقات المهنية التي تكون منها المجلس الشعبي لمدينة الجزائر هو وجود طبقة متوسطة الدخل يفوق عددها جميع أنواع الطبقات الإجتماعية الأخرى.

 

المهن والطبقات الإجتماعية التي ينتمي إليها أعضاء المجلس البلدي

 

نوعية العمل عدد المترشحين نسبتهم عدد المنتخبين نسبتهم بالنسبة لمجموع الفائزين نسبة القبول

عامل بسيـط

22 13,92% 13 16,45% 59,09%
متوسط الدخل 93 58,22% 42 53,16% 45,65%
موظف سامي 34 21,51% 18 22,79% 52,94%
  10 6,32% 6 7,59% 60,00%

 

ومن جملة 79 عضوا بالمجلس الشعبي، هناك 42 عضوا منهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة الدخل التي تعتبر أكبر طبقة مستفيدة من النظام الإشتراكي في الجزائر. فسياسة حكومتنا تقوم أساسا على منح ماهيات محدودة للإطارات ورواتب بالنسبة للإطارات المتوسطة ومعاش مقبول للفآت المحرومة التي لا تحظى بثقافة
ولا ثروة شخصية. ويتمثل هذا بصفة خاصة في : السياسة المتبعة من طرف الوظيف العمومي والشركات الوطنية في ميدان الأجور.

 

 

نتائج الإنتخابات البلديــة 1971

 

الولايـــة نسبة المشاركـة (%)

الســاورة

89,76%

الأصنــام

86,43%

تيــارت

83,93%

سعيــدة

82,40%
قسنطينــة 82,11%
تلمســان 81,05%
الواحــات 80,56%
عنابـــة 80,00%
أوراس 78,65%
سطيــف 77,34%
مستغانــم 74,92%
تيـزي وزو 74,60%
التيطــرى 72,26%
وهـــران 70,84%
الجزائــر 68,70%

 

ونظرة سريعة على نتائج الإنتخابات البلدية الأخيرة تؤكد لنا أن نسبة المشاركة الإنتخابية في الولايات التي بها مدن كبرى آهلة بالسكان أقل بكثير من تلك التي سجلت بالولايات التي يقطن سكانها بالمناطق الريفية. ففي الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة المشاركة في التصويت بولاية الجزائر 68,60% هناك ولايات الساورة والأصنام وتيارت وسعيدة التي لا تقل نسبة المشاركة في أية واحدة منها عن 82% كما تعبر هذه النتيجة عن رغبة أهل الريف في المشاركة الجماعية لإعادة تنظيم الجهاز المحلي وتوجيه الأمور بطريقة منسقة ومحكمة. وبطبيعة الحال، فإن الأمل كبير أن يستفيد سكان الريف من التنظيم البلدي أكثر من غيرهم لأن هذا الإصلاح البلدي يتيح الفرصة لكل مجموعة محلية أن تتصرف في موارد الناحية بحرية تامة وجعل الأمور في أيدي المسؤولين المحليين. وبهذا تصبح مسؤولية التقدم الإقتصادي والإجتماعي في كل بلدية ملقاة على عاتق أبناء كل بلدية وليس على كاهل الحكومة الوطنية أو الولاية. صحيح أن معالم الطريق الجديد لا زالت غير واضحة كما ينبغي وأن سلطة المجالس الشعبية محدودة لأن الدخل المالي الذي يعطى فعالية لأية بلدية غير كاف في الوقت الحالي ولكن المهم هو أن يتفهم أبناء الوطن سواء في المدينة أو الريف أن حكومتهم تضع ثقتها الكاملة فيهم وتعتمد على تعاونهم فيما بينهم لتحسين حالتهم الإقتصادية ورفع مستواهم الإجتماعي والثقافي. وبطبيعة الحال، فإن نجاح المجالس الشعبية في خدمة الجهات المختلفة بكل ولاية وتطويرها سيمكنها من الحصول على سلطات أوسع ومساعدة مالية أكثر لتحقيق الأهداف المنشودة.

مقارنة بين الإنتخابات البلدية لسنتي 1967 و1971

الولايات أعضاء المجالس الشعبية منذ 1967 عدد الذين أعيد انتخابهم 1971 رؤساء المجالس الذين ترشحوا مرة ثانية عدد الذين أعيد انتخابهم 1971 رؤساء المجالس أعيد انتخابهم على رأس القوائم الفائزة النساء المترشحات 1971 الفائزات
الجزائر
221 153 33 24 10 30 21
عنابة 304 205 28 26 19 15 3
أوراس 258 16 60 27 9 0 0
قسنطينة 447 276 28 25 24 7 4
الأصنام 246 198 44 26 21 7 4
التيطري 328 222 28 25 14 1 0
مستغانم 228 128 39 37 23 11 1
الواحات 164 114 18 13 8 2 1
وهران 203 110 23 21 16 9 6
سعيدة 109 101 8 8 3 2 2
الساورة 80 53 14 14 2 1
سطيف 411 140 68 65 2 1
تيارت 160 94 26 22 24 2 1
تيزي وزو 274 197 28 27 18 2 0
تلمسان 190 125 18 15 12 2 1
المجموع 3.741 2.142 463 375 201 85 46

ولعل الشيء الذي يبشر بالخير والمستقبل الزاهر بالنسبة للمجالس الشعبية هو التجديد في إطاراتها وإتاحة الفرصة لأعضاء جدد لم يسبق لهم أن شاركوا في أعمال البلديات. فالإحصائيات المتوفرة لدينا تشير إلى أن ما يزيد عن ثلاث أعضاء المجالس الشعبية قد وقع انتخابهم لأول مرة في المرة الأخيرة، والأرقام التي نشرتها وزارة الداخلية تؤكد أن من جملة 3741 نائب في انتخابات 1967 لم يتمكن في الإجتماعات الأخيرة من هؤلاء الإحتفاظ بمناصبهم سوى 2124. ومعنى هذا أن 1599 من الأعضاء السابقين قد عوضوا بمنتخبين جدد. والشيء الملاحظ هنا أيضا هو وجود نسبة لا بأس بها من النساء في المجالس الشعبية وخاصة في ولاية الجزائر التي بلغ عدد الفائزات فيها 21 امرأة .

 

الخاتمــــة

 

       هناك حقيقة هامة ينبغي لفت النظر إليها وهي أن قوة الشعوب ليست في عددها أو القرارات الإشتراكية التي تتخذها الحكومات لمصلحة الطبقات الشعبية وإنما قوتها تكمن في مقدرة القيادة على خلق الثقة في نفس كل مواطن بأنه عنصر أساسي لتطوير البلاد وإتاحة الفرصة له ليكون طاقة خلاقة تفيد وتستفيد من العمل الجماعي البناء. والنظام الثوري في الجزائر الذي أعطى أهمية كبيرة للريف الجزائري وتطويره أراد إشراك جميع أبناء الجزائر في معركة البناء والتشييد مثلما شاركوا جميعا في خوض معركة التحرير. والمجالس الشعبية لا تهدف فقط إلى التغلب على المركزية وإنشاء الديمقراطية على مستوى القاعدة وإنما تجنيد الطاقات البشرية على مستوى كل مجموعة محلية وصنع مستقبل كل ناحية بيد أبناء تلك الجهة. فالحكومة الوطنية لا يمكنها في الوقت الحاضر دراسة الوضعية الخاصة لكل بلدية وأيجاد الحلول الملائمة لمشاكلها، إذ أن لها أمور وطنية أكثر تعقيدا في داخل الوطن وخارجه. ولهذا اقتضت المصلحة الوطنية إعطاء الصلاحيات للمجالس الشعبية للبت في جسام الأمور المحلية وإبراز قدرات قادة كل ناحية على التعاون فيما بينهم وتطوير ناحيتهم.

والحقيقة الهامة التي تجدر الإشارة إليها هنا هي أن المجالس الشعبية في حاجة إلى المزيد من الدعم المالي وذلك حتى يتسنى لهذه الهيآت السياسية التي وضعت فيها الثورة ثقتها الكاملة أن تتمكن من تحقيق نتائج إيجابية في ميادين الصناعة والثقافة والسكن والتغلب على مشاكل البطالة. إن الدعم المالي لهذه المجالس البلدية هو وحده الكفيل بإزالة جميع العراقيل والشروع في العمل الجدي لتطوير الريف والتجاوب مع خطة التنمية التي أعدتها القيادة الثورية. ثم بعد ذلك يأتي دور المحاسبة والتأكد من صرف أموال الشعب في المشاريع البناءة والمثمرة. إن المجالس الشعبية يمكنها أن تؤدى دورها الإيجابي بطريقة أكثر فعالية لو أن الوزارات أقامت مقاييس دقيقة لجميع أعمال المصالح الملحقة بها وأعطت السلطة المطلقة للمجالس الشعبية لإنجاز جميع الأعمال التي تهم المواطنين بكل ناحية. وحتى تتمكن المجالس الشعبية من أداء رسالتها على أحسن وجه فإنه من المستحسن إقامة هيأة دائمة للأبحاث تتكون من أساتذة الجامعات الجزائرية تكون مهمتها الأساسية هي البحث عن الطرق والوسائل الكفيلة بالتغلب على العقبات التي تعترض التنمية الإقتصادية والتعاون المثمر بين جميع البلديات وذلك في ميدان اختصاص كل أستاذ.

 

الهوامــش :

1- ” الثورة الإفريقية ” بالفرنسية رقم 365 العدد الصادر في 19 فيفري سنة 1971، ص 6/7.

2- ” المغرب ” الصادرة في باريس بالفرنسية عدد 44 الصادر في مارس سنة 1971، ص 37/43.

3- نشرة شهرية تصدر عن السكريتيرية الإجتماعية لمدينة الجزائر، العدد الصادر في 10 أفريل سنة 1967 خصص للإصلاحات البلدية في الجزائر.

4- ” المجلة الجزائرية للعلوم القضائية والسياسية والإقتصادية “، عدد ديسمبر سنة 1967، ص 743/788.

(*) دراسة منشورة بالمجلة الجزائرية للعلوم القانونية والإقتصادية والسياسية (جامعة الجزائر)، العدد 3، سبتمبر 1972، ص 7-19.

شاهد أيضاً

التعليم العالي في حاجة إلى تغيير نوعي

بقلم عمار بوحوش، أستاذ جامعي                                        مقدمة لقد عايشت مسيرة التعليم العالي في الجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *