الثلاثاء , 4 أغسطس 2020

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي

 

من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة التاريخ السياسي لدولة معينة، بخاصة إذا كان العمل الاكاديمي يأخذ طابعا موسوعيا ويغطي مساحة زمنية طويلة ، ولعل هذا الوصف هو ما ينطبق على كتاب “التاريخ السياسي للجزائر” للزميل الدكتور عمار بوحوش، والذي يقع في مجلدين أولهما يغطي الفترة من 880 قبل الميلاد حتى عام 1962،بينما يتابع الجزء الثاني ذلك التاريخ من 1962 إلى الوقت الحاضر، ولعل هذه المساحة الزمنية هي التي تبرر الحجم الضخم والذي تجاوز متنه (خلافا للمراجع والفهارس  والملاحق ) الألف ومائة وستة عشر صفحة، واستخدم فيه مئات المراجع والوثائق باللغات العربية والفرنسية والانجليزية.

ويقع الكتاب في 37 فصلا ، فالجزء الأول ضم 25 فصلا بينما اشتمل الثاني على 12 فصلا، وهو ما يجعل قراءة الكتاب مرهقة للغاية ، لكن الطابع السردي في اغلب صفحات الكتاب ييسر على القارئ تتبع الاحداث لا سيما الجزء التاريخي القديم .

يبدأ الجزء الاول بالعرض التاريخي القديم من بداية ” ظهور العنصر البشري المتحضر”، مرورا بالفترة الفنيقية  والتقارب مع الرومان (فترة ماسنيسا) ثم احتلالهم للجزائر واخضاعها لأنماط مختلفة من التشريعات الضريبية المتباينة مما مهد لثورة يوغرطة، وينتقل الباحث لفترة الوندال حيث التركيز على المسألة المسيحية ليصل لمرحلة الاحتلال البيزنطي(دولة الروم الارثذوكس) ومواجهتهم لثورة “يابداس”

في الفصل الثاني استعرض الباحث مرحلة الفتح العربي الاسلامي،عارضا موجات الكر والفر بين البربر والمسلمين( كسيلة- الكاهنة)، مركزا على  فترة عثمان بن عفان حتى دخول طارق بن زياد الى اسبانيا ،مع إيلاء مرحلة الخوارج الاباضية  بعض العناية، وانتقل الباحث إلى الصراع بين الامويين ( في الأندلس والفاطميين (في شمال افريقيا ) مرورا بالدوله الصنهاجية(بداية النهاية للحكم العربي للبربر” متتبعا تطور سلسلة الدول اللاحقة مثل  المرابطون، الموحدون،- الدولة الحفصية-  ثم الدولة الزيانية، ورغم الجهد الكبير في تتبع هذه الدول فإن مستوى العرض التاريخي كان له الطابع السردي أكثر منه الطابع التحليلي، وعذر الباحث في ذلك انه يؤرخ سياسيا ولا يؤرخ حضاريا عاما، فكان التركيز على الظواهر السياسية بشكل لا يفقد الدراسة طريقها.

في الفصل الثالث والذي خصصه الباحث  للدولة العثمانية منوهاً في بداية الفصل بدور” عروج وخير الدين ”  في عدم استعمار اسبانيا للمغرب العربي، ثم  تتبع الكاتب  الدولة العثمانية في مراحل اربع هي (البايلاربيات وهي الاكثر ازدهارا ثم مرحلة الباشوات  وهي مرحلة اتسمت بشكل رئيسي  بالخلافات بين الجزائريين والعثمانيين، ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة الاغاوات التي اعتبرها الكاتب  بداية تآكل النفوذ العثماني، وتلتها المرحلة الاخيرة وهي مرحلة الدايات وهي الاطول زمنا  وشكلت نقطة البداية لاستقلال الجزائر عن الدولة العثمانية، وربط كل هذه المراحل بدراسة عرض فيها  للتنظيم الاداري والقضائي والبنية الاجتماعية  بخاصة الطبقات المسيطرة من عثمانيين ويهود وغيرهم في المجتمع الجزائري في تلك الفترة.

اما الفصول التالية (من الفصل الرابع – الفصل السابع) فقد كرسه للاحتلال الفرنسي محللا اسباب الاستعمار للجزائر ، مؤكدا على الاسباب والعسكرية والاقتصادية والدينية و التواطؤ اليهودي الفرنسي،وهو ما يجعل من حادثة المروحة  الشهيرة مجرد حدث  لا يُبنى عليه . ويسهب الباحث بعد ذلك في (الفصل الخامس) في عرض مراحل  المقاومة الشعبية  ضد الغزاة الفرنسيين موليا اهمية خاصة لدور  الامير عبد القادر( في الغرب الجزائري) ودور احمد باي( في الشرق الجزائري)، وهو ما مهد للفصل السادس(فرض الحكم العسكري الفرنسي على الجزائر)،ليعود في الفصل السابع لتتبع استمرارية المقاومة الجزائرية ضد الحكم المدني الفرنسي ممثلة في ثورات  اولاد سيدي الشيخ و بن تومي والصبايحية واولاد عيدون و المقراني والشيخ الحداد وصولا لثورة بوعمامة.

في الفصل الثامن يستعرض الباحث السياسة الجديدة للمستوطنين الاوروبيين في الجزائر بعد 1870 مشيرا إلى ان المستوطنين وضعوا برنامجا لهم قبل فترة طويلة لا سيما خلال تنافسهم مع الجيش الفرنسي ، كاشفا ان هدفهم الاستراتيجي هو الرغبة في تعزيز تمثيلهم السياسي وهو ما يتضح في نسب الممثلين في الادارة والجوانب المالية  والمجلس الاعلى للجزائر من ناحية وتغييب القيادات والقضاء العربي من الجزائر من ناحية ثانية ،  مع الاشارة أيضا للدور الذي لعبته  الكنيسة الكاثوليكية.

ينتقل الباحث بعد ذلك للتركيز على القوى السياسية الجزائرية في تلك الفترة، وهو الأمر الذي خصصه له الفصول من 9-16، وقد اتسمت هذه الفصول بقدر كبير من الترابط يجعل القارئ قادرا على فهم ملابسات التطور السياسي الجزائري اللاحق بخاصة  رصد جذور التنوع في التوجهات السياسية وكيف تطورت من مراحل التنوع الطبيعي إلى الوحدة لتتبدى لاحقا على شكل خلافات وصراعات تركت بصماتها على جسد الدولة الجزائرية بعد الاستقلال ،وهو  الامر الذي اكد عليه الباحث في الفصول الاخيرة من الجزء الثاني لدراسته، وفي تقديري ان هذه الفصول هامة للغاية لاي باحث يريد تفسير الراهن الجزائري.

وللتدليل على ما ذكرناه نشير إلى مرحلة  اعطاء الاستقلال الذاتي للأوروبيين في الجزائر(الفصل التاسع) ويركز فيه على دور النواب الاوروبيين في هذا الجانب إلا ان الباحث يرى ان رؤساء البلديات الاوروبيين هم اصحاب النفوذ الفعلي  من خلال دورهم في المجالس المحلية المنتخبة ، وشكل هذا العرض مقدمة لينتقل بعدها  ليستعرض دور حركة الشبان الجزائريين في النضال السياسي للحصول على الحقوق، لكنه يرى ان عدم تجانس هذه الحركة لعب دورا في ضعفها رغم الدعم الذي حصلت عليه بانضمام الامير خالد (ابن الامير عبد القادر) لها ، ثم الانتقال لدور السياسة الفرنسية في تضييق  مناحي الحياة على المجتمع الجزائري (خاصة قانون الاهالي او الانديجينا) مما تسبب في تزايد الهجرة من الجزائريين للخارح رغم ان الحرب العالمية الاولى خففت من هذه الهجرة بسبب الحاجة الفرنسية للسكان وهو ما دفع فرنسا للقيام ببعض الاصلاحات السياسية . أما الفصل العاشر فخصصه الباحث في تكاتف الامير خالد مع المثقفين  في صراع سياسي ضد الاوربيين( بخاصة مطالبته بتمثيل سياسي للجزائريين في البرلمان الفرنسي)، لكن مشكلة التوفيق بين الحصول على الجنسية الفرنسية والاحتفاظ بهويتهم العربية الاسلامية كانت موضع جدل كبير ، وتعثر الامر بعد نفي الامير خالد، وهو ما فتح المجال لمزيد من التوجه نحو تأسيس احزاب او حركات سياسية للدفاع عن حقوق الجزائريين، وهو ما تظهر ملامحه في الفصل  الحادي عشر الذي خصصه لجهود  فرحات عباس في هذا المجال والتي طغى عليها  البعد السلمي والاندماجي(والذي تحول لاحقا للدعوة للحكم الذاتي) ،مع الاشارة لدور فرحات عباس  في توحيد الاحزاب الجزائرية في ” اصدقاء البيان والحرية”، ثم ينتقل بعد ذلك في الفصل الثاني عشر لحركة جمعية العلماء  التي اخذت نهجا يغلب عليه التحدى للغزاة الاوربيين ، مفردا قدرا من الصفحات لتتبع ظروف نشأة الحركة  وتركيزها على القيم الاسلامية  واللغة العربية ، ونوه الباحث بدور كل من  عبد الحميد بن باديس  والبشير  الابراهيمي(بعد وفاة بن باديس 1940).

وليستكمل الباحث عرض الخريطة الجزائرية انتقل في الفصل الثالث عشر والرابع عشر  للنضال السياسي للحزب الشيوعي الجزائري بخاصة الدور المركزي في هذا الحزب  لمصالي الحاج بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي الفرنسي و انشاء حزب الشمال الافريقي رغم ان هذا الحزب لم يحظ بتاييد جماهيري واسع من وجهة نظر الباحث ، ونوه الباحث في نفس المجال بدور  الحاج  علي عبد القادر إلى جانب القائد المؤسس الفعلي وهو مصالي الحاج الداعي للسيادة الجزائرية والذي تعرض للاعتقال والمضايقة باستمرار من السلطات الفرنسية.

ويتابع الباحث تطور القوى السياسية الجزائرية من خلال تتبع  انشاء حزب الشعب الجزائري ثم حركة انتصار الحريات ، لكنه نبه الى التحولات التي اصابت الحزب الاخير بخاصة  تغييب فكرة الاستقلال  ثم موقفه  من الازمة البربرية وامتناعه عن تأييد فكرة العمل العسكري ضد فرنسا وهو ما مهد  لنشوء الحركة السرية(المنظمة الخاصة  الذي يعد محمد خيضر مفكرها الابرز  ) ، لتكون خطوة نحو  التحول  الى جبهة التحرير الوطني.(  الفصل الخامس عشر)والتي  ساهم في نشوئها(الجبهة)  منشفون عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية ، ثم يتناول الباحث دور مصالي الحاج في السعي للتنسيق بين القوى المغاربية، ثم تتبع مصائر القادة العسكريين والسياسيين للثورة  مثل مصطفى بن بولعيد و ديدوش مراد و كريم بلقاسم ورابح بيطاط ..الخ الى جانب قادة مركزيين مثل  العربي بن مهيدي ومحمد بوضياف وغيرهم.

كل تلك التطورات كانت مقدمة لانطلاق الثورة الجزائرية 1954 وتحليل رد الفعل الفرنسي(الفصلان السادس عشر والسابع عشر)، مركزا في الفصل السادس عشر على المشاكل التي واجهتها الثورة مثل  نقص السلاح-  مشكلة القيادة، محاولا تلمس هذه المشكلة الاخيرة من خلال ما جرى  في مؤتمر الصومام وآفاق الاستراتيجية الجديدة لجبهة التحرير الوطني، وقد أولى الباحث عناية واضحة  لدور عبان رمضان وبخاصة ميله لرفاقه من حزب الشعب(بخاصة المركزيين) ولدور مؤسسات الثورة  التي ادت إلى  ظهور الجبهة ” بوجه جديد ” على حد وصف الباحث.

ولأن لكل فعل رد فعل، انتقل الباحث في الفصلين الثامن عشر والتاسع عشر لرصد رد الفعل الفرنسي على الثورة ونشوء الجبهة ،مشيرا الى ان الرد الفرنسي تراوح ما بين  ما بين التشدد والاصلاح والدمج ، لكنه حاول تفسير هذه المراوحة في السياسة الفرنسية من خلال اسباب عرضها اهمها: التنافس بين الاتجاهات الفرنسية ودور الجيش والاوربيون في تشكيل رد الفعل الفرنسي وكيف انعكس ذلك على الداخل الفرنسي  مما قاد إلى انهيار نظام الحكم الفرنسي” .ويُبرز الباحث دور ديغول(الفصل التاسع عشر) بخاصة تحبيذه  لسياسة حق تقرير المصير مستفيدا من رصيده المعنوي في المجتمع الفرنسي لمواجهة معارضة الجيش والأوربيين والمنظمة السرية  له في سياسته الجزائرية وبخاصة موضوع تقريرى المصير) ، وقد  عكست الانتخابات هذا الاستقطاب بين الجانبين في فرنسا،ومهد كل ذلك لتفسير تطور العلاقات بين الثورة والحكومة الفرنسية بخاصة الاتصالات السرية.

مهدت الفصول السابقة لعرض المعركة السياسية بين الجانبين الفرنسي والجزائري(الفصل العشرين)، وهنا يتم  عرض اليات المعركة من الجانب الجزائري مثل الاضرابات التي لعبت فيها  لجنة التنسيق والتنفيذ  دورا بارزا، وتفوق في هذا التنافس قادة الولايات على القادة المدنيين وما ترتب عليه من مشكلة في توزيع المناصب والمهام بين القادة بخاصة بعد القاء القبض على القيادات(بن بله ورفاقه) في حادث الطائرة  المعروف. وشكل انشاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (الفصل الحادي والعشرين) تطورا اولاه الباحث اهمية شارحا ملابساته، بخاصه تفسير اختيار فرحات عباس رئيسا للاستفادة من خبرته السياسية الطويلة ، ومع تصاعد الثورة تناول الباحث خطة موريس ( الخط المكهرب على الحدود الجزائرية) ، ثم عرض اهم ازمات الحكومة المؤقتة لا سيما التنافس الداخلي على القيادة وهي السمة التي ترافق مراحل التطور السياسي وأولاها الباحث عناية فائقة وبقدر كبير من الموضوعية والتوثيق العلمي. وتتجلى هذه الصراعات في بنية المؤسسات السياسية للثورة والحكومة المؤقتة والجيش، ويكشف الباحث بعضا من ذلك في الفصل(الثاني والعشرين) الذي يبرز فيه تنامي قوة القادة العسكريين والمجلس الوطني وكيف استثمر رئيس الحكومة المؤقتة(بن خده) هذا الصراع،

ويعود الباحث في الفصل الثالث والعشرين للمعركة السياسية الفرنسية الجزائرية ليتناول المفاوضات بين الطرفين حول وقف اطلاق النار ثم انهيار المفاوضات بسبب خطف الطائرة واستئنافها بعد تولي ديغول السلطة ومجابهته رفض العسكريين للتفاوض ثم الوساطة السويسرية ثم محاولته تحقيق مكاسب معينة في المفاوضات.

وعرج الباحث على موضوع المهاجرين الجزائريين في الفترة الممتدة بين حرب التحرير وبداية الاستقلال وبخاصة الفترة بين 1955-1959 (الفصل الرابع والعشرين ) ،  مع الاشارة إلى  ان هؤلاء المهاجرين  ساهموا بقدر كبير في تقديم الدعم المالي للثورة ، ثم تناول مشكلات المهاجرين بعد عودتهم للجزائر.

ومَثل الفصل الاخير في الجزء الاول (الفصل الخامس والعشرين) محاولة من الباحث لانجاز مهمتين هما الخصائص التي تميزت بها الثورة الجزائرية ثم مقارنتها بالثورات الأخرى التي جرت في القرن العشرين، فهي ثورة جماهيرية غلب عليها الفلاحون والعمال وهي  ذات عقيدة اسلامية غلب عليها القيادة المشتركة  والسعي للتحرر السياسي والاقتصادي

اما الجزء الثاني من الدراسة والذي يغطي الفترة من 1962 حتى الآن(2014 تاريخ نشر الكتاب) فقد ضم 12 فصلا،وهو أكثر تفصيلا للوقائع التي تناولها البحث، فهذا الجزء يغطي قرابة نصف قرن بينما الجزء الاول يغطي حوالي ثلاثة آلاف سنة، فلو قسمنا الحجم على الفترة الزمنية لكان نصيب المرحلة الأولى صفحة واحدة لكل خمسين سنة، بينما الجزء الثاني يكون نصيب السنة الواحدة حوالي 10 صفحات .

وقد تناول الفصل الاول التطورات السياسية بالجزائر في عهد الرئيس احمد بن بلة 1962-1965، وناقش التقارب بين بن بله وبومدين في فترة التنافس بين قيادة الاركان وبين الحكومة المؤقتة(بن خده) ،كما تناول الصراع مع ايت احمد الذي اخذ طابع الصراع المسلح، ثم الصراع مع بومدين حول دور الجيش والحزب  والمليشيات التي انشاها بن بله، وكيف انتهى هذا الصراع بتنحية بن بله. ويناقش الكاتب (الفصل الثاني) نظرية بناء الدولة عند هواري بومدين، مع ايلاء اهمية لدور الجيش ثم تركيبة المؤسسة الحاكمة لحساب المقربين من بومدين الامر الذي انتهى لحالة وصفها الباحث بانها ” تعسة ” للحزب- ويحلل الباحث كيف استند بومدين في مشروعه السياسي في جزء من استراتيجيته على المجالس المحلية.

ونجح الباحث في ربط مشروع بومدين في بناء الدولة (الفصل الثاني) مع نتائج هذا المشروع في الفصل الثالث، مشيرا لهذه النتائج مثل  تقوية الجهاز البيروقراطي لتنفيذ سياسة الدولة، مع تنبه الباحث بشكل دقيق لضرورة التمييز بين المفهوم البيروقراطي في الدول الرأسمالية وفي الجزائر، موليا اهمية  للنخب(العسكرية والبيروقراطية،والنقابيين ومن اسماهم الباحث ” جيل اول نوفمبر” وهم  الذين ساهموا في التحرير واغلبهم من فئة عقيد في الجيش ، ثم ينتهي البحث بالكشف عن جوانب  الصراع بين هذه النخب.

ومع وفاة بومدين تبدا مرحلة جديدة مختلفة في الجزائر قادها الشاذلي بن جديد(الفصل الرابع) وتتسم في توجهها العام بسياسة الانفتاح ، وقد وصفه الباحث بأنه “رجل لا يحمل هموم الفقراء ” ، وبأنه وصل لمركز القيادة من خلال مساومة بين شخصيات كانت  تبحث عن رئيس معتدل، وقد ادى ذلك لنتيجتين حسب الدراسة هما  تهميش يحياوي وتشتيت النخب التي كانت قريبة من بومدين. وليتتبع الباحث سياسة الشاذلي (الفصل الخامس) تناول الاصلاحات الاقتصادية والتحولات الصعبة في الجزائر وكيف اتسمت سياسته بانفتاحه عل كل التيارات ، ولكن بالمقابل قام النظام بقيادة الشاذلي بتطبيق المادة 120 من قانون الحزب التي تنص على ابعاد الاطارات العليا غير المنضمة للحزب، ليرصد بعد ذلك  دور لجنة الاصلاحات الاقتصادية وتأثير التغيرات بخاصة انهيار النظم الاشتراكية وانعكاساتها على البنية الاجتماعية والسياسية على الجزائر.

ويبدو من سياق الدراسة ان التطورات السابقة مهدت لتغيير المسار السياسي والتوجه نحو التعددية الحزبية في الجزائر منذ 1988 ( الفصل السادس) ، ويستعرض نتائج هذا التغير من خلال بعض المظاهر مثل  الصراع بين الشاذلي ومرباح(رئيس الحكومة) و مواقف الاحزاب التي تلت الانفتاح. منتهيا إلى تشخيص اهم المشكلات في العمل السياسي الجزائري مثل غياب التقاليد الحزبية وتقاليد التداول على السلطة، وللخروج من مآزق السلطة في الجزائر تم تشكيل المجلس الاعلى للدولة(الفصل السابع)  ليتولى عملية تصحيح المسار السياسي بعد ما اسماه الباحث  ” بالانقلاب ” ، ويعود الباحث لمرحلة ما قبل ” الانقلاب” ليبرز  دور خالد نزار ومحمد تواتي وآخرون في وقف المسار الانتخابي، ثم يستعرض دور المجلس الاعلى للدولة وبوضياف، شارحا الخلاف داخل المجلس حول كيفية تحقيق هدف المجلس وهو لجم الحركة الاسلامية ثم تأسيس المجلس الانتقالي.

واتسمت المرحلة اللاحقة(الفصل الثامن)  في محاولات البحث عن قيادات ذات مصداقية للحوار والعمل على انهاء العنف  في ظل فقدان المؤسسات للشرعية، واستمرار نهج  تغيير النظام دون تغيير السياسات، وهو ما ساد في  فترتي علي كافي وحكومة بلعيد عبد السلام.

واتسمت المرحلة التالية بمحاولات من الدولة لانتهاج عدد من التكتيكات بهدف(الفصل التاسع)  طرح مبادرات العودة الى الحوار والتفاوض مع الاحزاب من ناحية والتمسك بادوات احكام القبضة وتفكيك التنظيمات الاسلامية المسلحة وتفجيرها من الداخل، مع  الاصرار على عدم اهلية الجبهة الاسلامية، وترافق مع كل هذا محاولات راب الصدع بين القوى المختلفة  كما اتضح من  طرح وثيقة العقد الوطني في روما.

وكنتيجة لكل هذه الجهود برزت جهود الرئيس الامين زروال( الفصل العاشر) في نطاق اعادة بناء مؤسسات الدولة والعودة عن الانفتاح واستمرار الضغط على الحركات الاسلامية المتشددة مع السماح للأحزاب الاسلامية المعتدلة والأحزاب الأخرى للعودة للعمل ، مع تعزيز هذه السياسة  بإصلاحات تشريعية وعقد ندوة للحوار،وتكلل كل هذا الجهد بأجراء تعديلات على  دستور 1996 قام الباحث بعرضها من خلال عرضه لملامح النظام بعد الدستور المعدل-، والذي أدى –حسب الباحث- لظهور حزب جديد للسلطة في الجزائر.

وواصل الباحث في الفصل الحادي عشر من هذا الجزء عرض جهود الدولة لتقوية النظام السياسي وبسط النفوذ الرئاسي لأن دستور 1996 عزز دور الرئيس، وهو ما مهد لفترة بوتفليقة منذ 1999 والذي جاء بمشروعه للميثاق من اجل السلم والمصالحة الوطنية ،لكن بوتفليقة –حسب الباحث- اصطدم بعدد من الصعوبات أبرزها مشكلة الفساد.

ويخلص الباحث في نهاية دراسته(الفصل الثاني عشر)  إلى نظرة شاملة على المراحل الحاسمة في التاريخ السياسي الحديث  مؤكدا على عدد من الظواهر ابرزها :ازدواجية السلطة بين الجيش والحزب ومشكلة العلاقة بين السلطات واستمرار الاعتماد على التفط ونقص الاستثمار في التعليم العالي والنمو الديموغرافي والفساد وضعف الاحزاب السياسية وغير ذلك.

ولا شك بعد عرض هذه الدراسة التي على كل من يريد البحث في المجال السياسي الجزائري ان يستفيد منها، ارى ان الجهد المبذول في تجميع وتحليل وتوثيق هذه الدراسة هو جهد هائل استغرق سنين طويلة كما اشار لذلك الباحث في مقدمته ، ولا شك ان معرفة الباحث بلغات ثلاث ذات اهمية لهذه الدراسة( العربية والفرنسية والانجليزية) مكنه من الاطلاع على مئات المراجع والوثائق.

من بين ملاحظاتي على الدراسة  بعضها شكلي مثل الاخطاء النحوية –وهي كثيرة – ناهيك عن ركاكة الاسلوب في بعض الصفحات او بعض الفقرات، وارى أن عملا بهذا الحجم كان في رأيي بحاجة لمراجعة لغوية .

الجانب الآخر  يتمثل في تقسيم الدراسة، وارى لو ان الباحث قسم الدراسة لثلاثة اقسام الاول التاريخ السياسي  الجزائري من الفنيقيين حتى الاستعمار الفرنسي، والثاني فترة الاستعمار الفرنسي حتى الاستقلال،والثالث الجزائر ما بعد الاستقلال، بخاصة ان الجزء الأول فيه ترابط في الاحداث من ناحية ويؤسس كل جزء منه للآخر باستثناء مرحلة الاستعمار الفرنسي التي كان ترابطها مع المراحل السابقة اقل وضوحا من ناحية ثانية .

وفي الفصل الاول من الجزء الاول لم أجد تأصيلا علميا يعزز فكرة ذكرها الباحث  بأن “الجزائر مهد العنصر البشري المتحضر” كما يقول الباحث ،لان ذلك يفارق الاتجاه السائد في الادبيات الانثروبولوجية والأثرية والتاريخية التي تكاد تجمع ان مهد الحضارات كان حول الانهار في سومر والنيل والصين..الخ، ناهيك ان انسان النايندرتال ظهر في اوغندا.

كما ان الباحث عرض لوجهة نظر واحدة في تحليله لأصل كلمة البربر مقتصرا على  كل ما لا يرتبط باللغة او العرق الروماني ، وهو تفسير موجود لكنه اغفل تفسيرات المؤرخين العرب لأصل الكلمة.، ولعل ذلك راجع لهيمنة مرجع محدد على اغلب هذه الصفحات وهو مرجع عبد الرحمن الجيلالي.

وقد سمح الباحث وبقدر كبير من الموضوعية لكل الأراء ان تظهر في تفسير القضايا الشائكة لا سيما في مرحلة الثورة المسلحة، ولو ان استنتاجات الكاتب لخصائص الثورة الجزائرية كانت اقل اتساقا مع مضمون الدراسة لاسيما فيما يتعلق “بالقيادة المشتركة والعمل الجماعي” التي اعتبرها الباحث من خصائص الثورة الجزائرية،لكن الدراسة اشتملت على عرض واسع للصراعات داخل القيادة الجزائرية وبطريقة عنيفة في اغلب الاحيان ولسيطرة افراد محددين ،وهي سمات يعود في الجزء الثاني للتركيز عليها بخاصة مع رؤساء الدولة اللاحقين ، وهو استمرار للتقاليد التي سادت في فترة الثورة.

جانب آخر ، أن الباحث عرض لأغلب نتائج الانتخابات النيابية او البلدية( بالجداول)  في فترة الازمة الجزائرية المعاصرة وما تبعها، لكنه لم يورد نتائج الانتخابات النيابية التي فازت بها الجبهة الاسلامية في 24 ديسمبر1991..ولم تحظ هذه الفترة التداعيات اللاحقة ، ولعل تفسير ذلك عائد لما ذكره الباحث في صفحة 6 حيث يشير حرفيا إلى انه تجنب ” الخوض في قضايا مثيرة للجدل وركز بصفة خاصة على الخطوط العريضة للمواضيع التي تعرض لها بالبحث والتنقيب، كما أنه اشتكى من مشكلة نقص الوثائق والتي قد تفسر سبب غياب الجوانب التي اشرت لها، مع ان نتائج انتخابات 1991 منشورة ومعلنة.

وفي الجزء الذي قارن فيه بين الثورة الجزائرية والثورات الكبرى الأخرى(الفصل 25) ، كانت المقارنة باهتة وتحتاج لدراسة اعمق للثورات الأخرى ، وهو ما جعل هذا الجزء اقرب للانطباع خلافا لحالة الأجزاء الاخرى التي تناولها الباحث بقدر كبير من العلمية والدقة.

رغم ذلك أكرر بأننا امام جهد علمي كبير ، يحتاج لخبرة بحثية كبيرة،لكنه لا شك يرفد المكتبة العربية بمرجع هام عن دولة هامة وعن ثورة شكلت واحدة من انجح الثورات المعاصرة.

 

 

شاهد أيضاً

وضع استراتيجيات السياسات العامة … إلى أين؟

  بقلم  الأستاذ عمار بوحوش استراتيجيات السياسات العامة هي عبارة عن خطط وبرامج يتم تسطيرها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *