الجمعة , 5 مارس 2021

قوة  الدولة مستمدة من وجود حزب قوي*

      بقلــم

د. عمار بوحوش

أستاذ بجامعة الجزائر

 

منذ أيام سمعت في القناة الثالثة (الناطقة باللغة الفرنسية) مواطنا يتحاور مع المذيع الذي كان يسأل المواطن عن نواياه في الانضمام إلى الأحزاب، ولصالح أي حزب يريد أن يصوت في المستقبل. وقد أجابه المواطن بمرح وطيبة بأنه لا يعرف شيئا عن برامج هذه الأحزاب، وبأنه منشغل الآن ببناء منزل له، وأنه سوف يصوت لصالح الحزب الذي يعمل على توفير مواد البناء له! واستخلصت من هذا الحوار عن الحزب الذي يخدم مصالحه سينضم إليه، وأنه لا يشعر بالإنتماء إلى قيم أو إيديولوجية معينة وبالتالي غير ملتزم بخط معين وبسياسة معينة، وهذا في رأي يدل على نقطة الضعف في حزبنا العتيد، حزب جبهة التحرير الوطني، الذي كانت معظم برامجه وقراراته تعبر عن رأي المسؤولين في للدولة ولا تعبر عن انشغالات واحتياجات المواطنين في القاعدة. إنني أعتقد أن الإصلاحات  الدستورية والسياسية والاقتصادية التي برزت إلى الوجود في هذه الأيام قد جاءت بمثابة نعمة وفرصة ليس لها مثيل، لنفض الغبار عن النفس والعودة إلى العمل في القاعدة وخلق تنظيم سياسي قوي يعبر عن القوى الإجتماعية وعن الانشغالات الحقيقية للمواطنين في أرض الواقع، وهذا معناه أننا في حاجة ماسة في الفترة الحالية، إلى حزب قوي قادر على تقديم الإختيارات والبدائل للمواطنين، وتكليف الرجال المنتمين إلى قيم وإيديولوجية الحزب بتطبيق وتنفيذ السياسات التي تقرها القاعدة. وبهذا الأسلوب الفعال يتخلص الحزب من الظاهرة السلبية المتمثلة في الدعوة إلى تجنيد الناس وتأييد السياسات المرسومة من طرف السياسيين المسؤولين في مختلف المستويات، ويتحول الحزب إلى تنظيم سياسي قادر على التحاور بين العناصر الوطنية وإعطاء الفرص للمواطنين لكي يشاركوا في صناعة القرار وإسناد تنفيذه إلى من يتجاوب معهم ويتحمل مسؤولية تحقيق ما تم الإتفاق عليه والذي يجسم الإرادة الشعبية لأبناء هذه الأمة. والعمل بهذه الطريقة سيحقق نتيجة إيجابية أكيدة تتمثل في القضاء على المسؤولين الإداريين الذين ينصبون أنفسهم وسطاء بين القيادة التي كانت تنبع منها القرارات وبين المواطنين الذين يتوسلون إليهم أن يتكرموا بحل مشاكلهم والاستجابة لمطالبهم. وباختصار، فإن الشيء الجديد في هذا الأسلوب الفعال هو أن رجال القاعدة هم الذين يؤثرون في صنع القرارات وتطبيقها وبالتالي يكون لهذا النوع من التنظيم الإجتماعي جمهور يصعب على أي بيروقراطي أن يصمد في وجهه أو يعتدي على اختياراته.

 

حتمية إعادة تنظيم جبهة قوية

لعله من الضروري أن نشير منذ البداية إلى أن جبهة التحرير الوطني تجسم الإرادة الجماعية لأبناء الجزائر الذين انضموا إليها بصفة فردية، في حين أن الجمعيات السياسية التي برزت إلى الوجود في هذه الأيام هي عبارة عن تجمعات مرتبطة بأشخاص.

كما أن هذه الجمعيات المرتبطة بأشخاص معينين أو ذات طابع عرقي أو جهوي، قد بدأت تعمل بأسلوب سينتج عنه لا محالة تشتيت وحدتنا وبلبلة أفكارنا وذلك في وقت نحن في أمس الحاجة إلى تقوية الصفوف وتعزيز الوحدة الوطنية وخاصة أننا في وقت يمكن أن نسميه عصر التجمعات الجهوية والإقليمية. إن هذه الفترة تتطلب منا أن نبتعد عن الصراعات الهامشية التي تحركها بعض الذهنيات والعقليات الضيقة، ونركز على القضايا الجوهرية التي تقتضيها الظروف المستجدة على الساحة السياسية بالمغرب العربي ودول السوق الأوروبية المشتركة.

وكيفما كان الحال، ينبغي أن نأخذ دروسا من التجارب والمراحل التي مرت بها بلادنا في فترة الإستقلال، وندرك بأنه لا فائدة من العتاب والتأسف على الهفوات التي حصلت، وعلينا أن نتأمل في وضعنا الحالي ونحاول أن نستخلص العبرة من المرحلة الجديدة التي جاءت بعد انتفاضة 5 أكتوبر 1988 والتي تميزت بإضفاء الشرعية على الجمعيات السياسية، واستقلالية المؤسسات والاعتراف بحق الإضراب للعمال وتعدد مستويات السلطة في القيادة السياسية.

والسؤال المطروح الآن: لماذا يتعين علينا إعادة النظر في برنامج العمل لجبهة التحرير، وما هي نقاط الضعف التي يجدر بنا أن نأخذها بعين الإعتبار حتى لا تتكرر نفس الأخطاء التي أفرزتها مسيرة ربع القرن الماضي؟ والجواب على هذا السؤال هو أن نقاط الضعف أو السلبيات في المرحلة السابقة تمثلت في:

  • تطبيق المادة 120 التي تنص على أن لا يتولى المناصب العليا في الدولة إلا من كان مناضلا في الحزب،فهذا دفع بالعديد من الأشخاص أن ينضموا إلى الحزب بحكم مصلحتهم الشخصية وليس بناء على انتماء حقيقي أو قناعة ببرامج جبهة التحرير.
  • أن الجبهة كانت تحكم ظاهريا، لكن في واقع المر، فإن البيروقراطيين هم الذين أسندت لهم المسؤولية السياسية في أجهزة الدولة لتطبيق سياسة حزب جبهة التحرير بأساليبهم الخاصة وقناعاتهم الذاتية.
  • أن القرارات كانت تتخذ من طرف كبار المسؤولين في أجهزة الدولة دون أن تأخذ بعين الإعتبار الانشغالات الحقيقة للقاعدة.
  • أن فكرة اعتماد الثوار على الجنود المسلحين لإحراز الانتصارات الحاسمة على العدو، وعزل المثقفين والمفكرين عن المساهمة في ترسيخ القيم الوطنية وإبراز النظريات الملائمة لتقوية نظامنا، هي الثغرة الواضحة يفي برامج وأعمال جبهة التحرير. فإذا كان المقاتلون يصنعون النصر في أيام الحرب، فإن المثقفين هم الذين يصنعون الحضارات في أيام السلم.
  • إن الخلط بين سلطة الحزب والسلطة الحكومة هي التي انعكست سلبيا على سياسة الدولة لأن تداخل الوظائف خلق ارتباكا في مسيرة العمل اليومي بالإدارة الوطنية.
  • إن نسبة كبيرة من المسؤولين في الحزب وجهوا عنايتهم إلى القضايا المادية على حساب العناية بالتكوين الإيديولوجي وغرس القيم في أذهان الشباب، ولذلك كان من الصعب على المنخرطين بالحزب أن يقوموا بتبليغ الحقائق إلى المواطنين ماداموا هم بدورهم غير واعين وغير ملمين بمبادئ الجبهة.
  • إن المنخرطين بالحزب كانوا ينتمون إلى تيارات سياسة غير متجانسة، ولذلك كان من الصعب الاتفاق على برامج عمل موحدة، وخلق مجموعات عمل تعمل في إطار واحد، سواء على مستوى المجالس المنتخبة أو على مستوى الولايات. هذه هي باختصار، بعض السلبيات التي ارتسمت في ذهني في هذه اللحظات والتي أربكت العمل الحزبي وانعكست سلبيا على الأجهزة التنفيذية للدولة. والسؤال الذي تصعب الإجابة عليه، ما هو العمل بالنسبة للمستقبل في ظل الديمقراطية والتعددية الحربية؟

 

ضرورة إعتماد الحكومة على حزب قوي

إن الإتجاه الجديد في السياسة الدولية، هو أيجاد حكومة قوية تقوم بأعمال أيجابية في المجتمع، وهذا يعني وجود حكومة متماسكة تعتمد على حزب قوي يجسم الإرادة الجماعية للأمة. وبعبارة أخرى، فإن وجود حزب قوي يعني تجمع القوى الضرورية التي تنبع من إرادة الأفراد المتضامنين فيما بينهم والملتزمين بأيجاد حلول جذرية للمشاكل التي يواجهها المجتمع.

وفي رأي هذا الكاتب أن أهمية وجود حزب قوي يقود البلاد وعنده قاعدة شعبية تشكل قوة وطنية، هو السبيل الوحيد لتشكيل حكومة تحظى بأغلبية المواطنين. وقد بات من المؤكد أن كل مجتمع متقدم يتمتع بحكومة يساندها حزب قوي حيث أصبحت هذه الظاهرة ضرورة ملحة وذلك بسبب التعقيدات الإجتماعية، وانشغال الأفراد بقضاياهم الشخصية، وضياعهم في متاهات الديمقراطية الشعبية، أي أنه لم يعد في إمكان الأفراد أن يجدوا الوقت الكافي للتفكير في مشاكل الساعة، أو لا يملكون المعلومات الكافية لإصدار أحكام صادقة عن التطورات الإجتماعية والسياسية. وبكلمة أخرى، أن الأفراد لا يؤثرون في مجرى الأحداث ودورهم غير فعال في صنع القرارات، ولهذا، فإن الأغلبية الساحقة من المواطنين يعتمدون على القيادة الحزبية لكي تضع البرامج السياسية المعبرة عن إنشغالاتهم وتستعين بالخبراء المرموقين لدراسة قضاياهم الأمنية والغذائية والتعليمية واقتراح البدائل والحلول الممكن تطبيقها، وتوظيف الرجال الأكفاء القادرين على تطبيق القرارات النابعة من القيادة ومن أبناء المواطنين المتواجدين في القاعدة.

والحزب القوي ينجح في قيادة الشعب يوم تكون له:

  • حكومة تنتهج سياسة مستمدة من البرنامج العام للحزب.
  • قادة إداريين متعلقين ومتنمين لقيم ومبادئ الحزب ويعملون بنزاهة وإخلاص لتجسيد تلك المبادئ على أرض الواقع.
  • تقديم برامج الحزب للمواطنين لكي يوافقوا عليها أو يرفضونها وذلك بالموافقة على برامج الحزب المنافس.
  • الشجاعة الكافية للدخول في منافسة شريفة مع جبهة أخرى قوية، والحزب الأقوى، الذي يحظى بأغلبية الأصوات هو الذي يقود حكومة قوية عندها أغلبية شعبية.
  • القدرة على توحيد الآراء واتفاق أعضائه على المبادئ الأساسية والثوابت الرئيسية للأمة بحيث لا يكون هناك تطرف.
  • إرادة للإعتراف بأن مصلحة الوطن تقتضي وجود تنافس أو صراع بين قوة تحكم وقوة تعارض، بين قوة تسعى للمحافظة على ما هو موجود وقوة تسعى إلى تحقيق ما ينبغي أن يكون.

وباختصار، فإن الدور الرئيسي للحزب في أي بلد يسعى إلى تحقيق نهضة حقيقية بالبلاد يتمثل في وضع برنامج سياسي توضح فيه المعالم الرئيسية، وتتوحد فيه أفكار الرجال المنتمين إليه، وتتعاون جميع العناصر المنتمية إليه لتحقيق تلك الأهداف المسطرة. وبعبارة أخرى، أن مهمة الحزب تتمثل في التخفيف من حدة الخلافات وتجنب التطرف، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا: ما هو نوع الحكومة القوية التي نريدها في الجزائر؟ هل نأخذ بنظام فرنسا المتمثل في تشكيل حكومة تتكون من أحزاب وتمثيل الأقليات في الحكومة والبرلمان، والذي يعني وجود أقلية حزبية تقود الحكومة؟ أم نأخذ بنظام الحكم الموجود في الدول الأنجلو-ساكسونية والقائم على أساس وجود حزبين قويين أوجهتين قويتين، تتنافسان على السلطة والحزب الذي يحظى برنامجه بأغلبية المواطنين هو الذي يقود البلاد؟ وطبعا، هناك النموذج الثالث الموجود في الهند والمكسيك حيث يوجد حزب قوي يضم القوى الثورية المعتدلة في البلاد، وتنافسه على السلطة الأحزاب الصغيرة التي تمثل الجماعات السياسية المتطرفة في اليمين واليسار ولا تحظى بتأييد شعبي.

لقد أتيت على ذكر هذه النماذج الثلاثة لأنواع الحكم لأبين حقيقة جوهرية وهي أن تعدد الأحزاب في بلد نام مثل بلادنا قد يترتب عنه تشتت الآراء وعدم الإتفاق على سياسة وطنية واضحة. وقد أعطتنا تجربة 1954 في بلادنا درسا لا يمكن أن ننساه وهو أننا توفقنا في توحيد صفوفنا يوم قرر الرجال المخلصون لهذا البلد أن يخلقوا جبهة تحرير جزائرية قوية، وتخلوا عن فكرة تعدد الحزبية والتشبث بالآراء الشخصية لكل زعيم سياسي، والتركيز على العمل الجماعي لتحرير البلاد من العدو المشترك الذي شعر الجميع بظلمه وقسوته وتدنيسه لكرامة المواطن الجزائري. وإذا كانت الأوضاع قد تغيرت الآن وأصبح من الصعب على الديمقراطية أن تتعايش مع نظام الحزب الواحد، فإن ذلك لا يعني أن مصلحة البلاد تقتضي تقليد فرنسا في التعددية الحزبية أو إفساح المجال للجماعات المتطرفة أن تتصارع وتشتت صفوف أبناء الأمة الجزائرية.

 

ماهو المقصود بديمقراطية الحكم؟

إن الحكم في أي نظام سياسي ديمقراطي يقتضي وجود الجمعيات السياسية والجرائد المتعددة وحرية التعبير واستقلالية القضاء وخلق مجلس دستوري للبث في شرعية قوانين الدولة، والديمقراطية في الأصل تعني “حكومة الشعب، مسيرة من طرف الشعب، من أجل الشعب”. وانطلاقا من هذا التعريف يمكننا أن نقول أن الديمقراطية تتمثل في؛

  • الحكم عن طريق الحوار والنقاش (في إطار المؤسسات).
  • الإعتماد على مبدأ الأغلبية (عند اتخاذ القرارات).
  • الإعتراف بحقوق الأقليات (في حرية التعبير عن الآراء).
  • الحكم وفقا للقانون (الذي يكون أساسا للعمل).

وبأيجاز، فإن الفكرة الرئيسية التي يمكن استخلاصها من ما تقدم، أن ديمقراطية الحكم تعني أن الحكم يكون على أساس موافقة الأغلبية واحترام آرائها، أي احترام آراء ورغبات النسبة الكبيرة من المواطنين الذين يجسمون السياسة التي تعتمد على الإنتخابات الشعبية لنيل التأييد والدعم لبرامجها السياسية الهادفة لخدمة المصلحة العليا للدولة. وفي هذه الحالة، فإن الأحزاب تتحول إلى منظمات كبيرة تجمع الشمل وتنظم المواطنين الراغبين في خلق قوة إجتماعية ذات تأثير وذات نفوذ قوي بحيث تستطيع هذه المنظمة القوية أن تصل إلى السلطة وتحقق الأهداف المرسومة في برامجها. كما أن هذه الأحزاب هي التي تحدد القضايا الحيوية للمجتمع، وتقترح القادة الإداريين الذين يتميزون بالخبرة والجدية في العمل لكي يتولوا قيادة المجتمع.

وعليه، ينبغي علينا أن ندرك، قبل فوات الأوان، أن قوة الدولة مستمدة من وجود حزب قوي، قادر على تقديم الإختيارات  الحقيقية المعبرة عن آراء المواطنين واحتياجاتهم أو انشغالاتهم الرئيسية في الحياة، وعلى المناضلين أو المنتمين لهذا الحزب القوي أن يعتمدوا على المثقفين ويستعينوا بهم في توضيح الرؤيا المستقبلية، ويتحاوروا مع المناضلين في القاعدة ويتوصلوا إلى اتفاق تام حول السياسات التي ينبغي انتهاجها لحل المشاكل الرئيسية التي يواجهها الموطن في الريف أو المدينة. وإذا اتضحت الرؤيا، يمكن للحكومة التابعة من القيادات الحزبية المنتمية والمتعلقة بالبرامج التي أقرتها الأغلبية الشعبية، أن تنتقل إلى ميدان العمل وتفصل في القضايا بفعالية وكفاءة عالية. وفي رأي هذا الكاتب، انه يصعب على الحكومة أن تحظى سياستها بالمصداقية والتأبيد الشعبي إذا لم تكن هناك سياسة مسطرة ومتفق عليها مقدما بين المواطنين في القاعدة.

لقد لاحظنا في السنوات الأخيرة، مثلا، أن الحكومة قررت في المرسوم الرئاسي 83-544 المؤرخ في 24 ديسمبر 1983 إن يتكون “مجلس توجيه الجامعية” من ممثلي القطاعات المستخدمة.. ولكن هذا القانون غير مطبق حتى الآن ولا زالت الجامعات غارقة في النظريات والمؤسسات لا تبدي رغباتها في الاستفادة من برامج التعليم العالي.

كما نلاحظ أن الحكومة قررت في نفس المرسوم أن يكون هناك ممثلين للأساتذة والباحثين والطلبة في مجالس إدارة المعاهد بالجامعات، لكن هذا القانون الرئاسي غير مطبق حتى يومنا هذا، والطلبة ليس لهم تمثيل في أي معهد، بالرغم من وجود القانون الذي يمنحهم حق المشاركة في مجالس إدارة المعاهد، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن المرسوم الرئاسي 87-70 المؤرخ في 17 مارس 1987 والذي تتضمن المادة 37 منه، متابعة الطلبة الذين يواصلون دراساتهم العليا وتقديم تقارير سنوية إلى المجالس العلمية.. وفي الحقيقة أنه لا توجد أية متابعة، والله وحده هو الذي يعلم حالة الفوضى السائدة في الدراسات العليا بسبب عدم تطبيق بنود هذا القانون. وكما هو واضح من الأمثلة التي ذكرتها أعلاه، فإن الحكومة تصدر قوانين، لكن رجال الإدارة الذين يعتبرون هم القوة الفعلية في الدولة يفعلون ما يطيب لهم ويتجاهلون تطبيق القوانين النابعة من القيادة السياسة.

ما العمل بالنسبة للمستقبل؟

  • ينبغي أن لا نبقى متفرجين أمام الجماعات السياسة التي أصبحت تشكل قوة ضغط وفرض آرائها المتطرفة على الحكومة والشعب الجزائري، بل يتعين علينا أن نتوحد ونعمل جماعيا في إطار حزب وطني قوي لحماية تراثنا المشترك وقيمنا العربية الإسلامية من التشتت والإيديولوجيات المتطرفة.
  • يتعين علينا أن نغير أسلوب العمل على مستوى الحكومة والمؤسسات العليا للدولة بحيث لا تكون سياسة الوزارة من صنع فرد وميوله الشخصية وتوجهاته الثقافية وإنما تكون من صنع مجموعات العمل المتكونة من الخبراء وأصحاب المهارات الذين تحال إليهم القضايا لدراستها والبت فيها أو تشويهها.
  • توجيه الاهتمام إلى المشاكل الحقيقية والقضايا الجوهرية التي تهم المواطن بصفة مباشرة وفتح المجال له لكي يساهم بصفة فعالة، وبكلمة أخرى، يجب الابتعاد عن سياسة الشعارات البراقة وتعويضها بسياسة الانشغال بالقضايا الحقيقية التي تواجه المواطنين في القاعدة.

4) تحويل الصراع بين الأفراد إلى صراع حول الأفكار والأساليب الفعالة لتنمية المهارات وانتصار الموضوعية الديماغوجية.

5) ضرورة وجود برنامج حزبي متكامل يلتف حوله الرجال المنتمون له على مستوى الحكومة، والبرلمان، والمجلس الولائي، والمجلس البلدي، وبالتالي يكون هنالك انسجام في الفكر والعمل على  جميع مستويات مؤسسات الدولة.

6) التخلص من الزعامات الفردية والتسلط، بحيث يتعرض الفرد الذي يرتكب أخطاء في حق الشعب أو يقوم بتصرفات شائنة، إلى توجيه النقد له، وإطلاع الرأي العام على انحرافه، وإفساح المجال للصحافة لكي تكشف مساوئه ومحاسبته على أخطائه، وبذلك يتحتم على كل مسؤول أن يكون منضبطا في أعماله.

7) أن الواقع بفرض علينا أن لا يوجد فراغ سياسي واجتماعي واقتصادي في بلادنا اذ لابد أن توجد قوة اجتماعية مؤثرة يقودها حزب وطني قوي يعبر عن قوى جزائرية لها وزنها السياسي في المجال الوطني والمجال الدولي.

وفي الأخير، أريد أن أؤكد على حقيقة ذات مغزى بعيد وهي أن النجاح في المستقبل يتوقف على وجود الولاء والانتماء لاختيارات القاعدة والحزب العتيد الذي يضم كل العناصر الوطنية التي تشكل فريق عمل (القيادة الجماعية)، والنجاح في العمل بالنسبة لكل فريق يتوقف على الانضباط والتفاني في أداء الواجب، وفي هذه الحالة فإن وضعية فريق العمل تشبه إلى حد كبير وضعية أي فريق رياضي يسعى للفوز في مبارياته، ولكن لا يمكنه أن ينجح أو يفوز على خصومه إذا كان في صفوفه مستهتر أو مقصر في أداء دوره بمهارة فائقة. فالفريق قد يخسر مهما كانت كفاءة أعضائه إذا لم يعرف كيف يتجنب ارتكاب الأخطاء. وعليه فإن الخطوة الأولى في طريق العمل الجماعي البناء هي  التقليل من الأخطاء، لأن الأعداء يستفيدون من أخطائنا ويستغلونها لصالحهم. وعلينا الآن أن نتكتل في شكل جبهة وطنية لمواجهة التيارات المتطرفة والمرتبطة بأيدلوجيات أجنبية وأن نستعين بالرجال المخلصين في القاعدة لتحديد السياسات والإختيارات المناسبة للجزائر والمتمثلة في الإعتماد على النفس، والنمو الذاتي، وتحسين نوعية الإنتاج، والإرتقاء بمستوى التعليم، ورفع مستوى الكفاءات في الإدارة الحكومية وتنمية المناطق الريفية وترشيد الإستهلاك.

 

*  دراسة منشورة في جريدة الشعب، العدد 7920 يوم 18 أفريل 1989م

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *