الجمعة , 26 فبراير 2021

لماذا تغلق وزارة المالية أبواب التقدم العلمي بالجزائر*؟

بقلم : عمار بوحوش، أستاذ

جامعة الجزائر

 

لقد قررت الكتابة عن عراقيل ومشاكل البحث العلمي في الجزائر لأنني سئمت من سماع كلمات مثبطة لعزائم الباحثين والمفكرين من أفواه المسؤولين في الجامعات الجزائرية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وباختصار شديد، فإن أي مسؤول تفاتحه في أي موضوع علمي يجابهك بجملة صارت مألوفة ومعروفة للجميع :
قوانين وزارة المالية لا تسمح بذلك !  “. وطبعا، فإذا جابهك أي مسؤول بعائق قانوني خارج عن إرادته، فلا تستطيع أن تفعل أي شيء، سوى أن تلعن الظروف التي جعلت الباحث الجزائري عبارة عن إنسان منبوذ في وطنه وخائر العزيمة.

والسؤال الأساسي الذي يطرح هنا، ويمكن أن يطرحه أي إنسان غيري، لماذا توجه أصابع الاتهام إلى وزارة المالية عندما يسعى أي باحث أو مفكر للعمل ويجد نفسه محاطا بعشرات المشاكل المالية التي تدفعه إلى اليأس والإحباط ؟ والجواب على ذلك، أن وزارة المالية، تعتبر وزارة من وزارات السيادة (أي قوية وقراراتها فوق قرارات الوزارة العادية). ثم إن وزارة المالية يعين على رأسها، في العادة، شخص يحظى بثقة رئيس الدولة ويتمتع بصلاحيات تفوق صلاحيات أقرانه الوزراء. أضف إلى هاتين الحقيقتين، حقيقة أخرى وهي أن القطاع المسؤول عن المالية هو الذي يعرض مشاريع القوانين المتعلقة بقوانين المالية على مجلس الحكومة أو مجلس الوزراء لإتخاذ قرارات جماعية بشأنها.

وانطلاقا من هذه الحقائق، نستطيع أن نقول أن النواب في المجلس الشعبي ووزير التعليم العالي والبحث العلمي وقادة مراكز البحث العلمي في الجزائر لا يستطيعون أن يحسنوا رواتب الأساتذة والباحثين والمفكرين طالما أن وزارة المالية لم توافق على قانون جديد للوظيف العمومي يعيد الاعتبار للباحثين والشخصيات العلمية المرموقة في الجزائر. وعليه فلا فائدة تجنى من الحديث مع أي مسؤول عن إمكانيات إنصاف الأساتذة والباحثين وتحسين ظروف معيشتهم ما دامت قوانين المالية لا تسمح بزيادة في المنح والأجور والمكافآت، حتى لو تم إقناع المسؤولين في بقية الوزارات بالحجة والبيان، أن الأستاذ التونسي والأستاذ المغربي يتقاضيان راتبا يزيد بنسبة 60% عن راتب الأستاذ الجزائري الذي تحصل خزينة بلاده على مدخول سنوي من النفط لا يقل عن 20 مليار دولار أمريكي !!.

وأعود إلى جوهر الموضوع وهو أن قوانين وزارة المالية (من مراسيم وقرارات وتعليمات) يغلب عليها طابع المحافظة على المال بشكل ظاهري، لكن صرف الأموال العامة في أرض الواقع، يختلف تماما عن النصوص القانونية. وما دمت قد وضعت عنوانا لمقالي أبدي فيه استيائي من بعض القوانين المجحفة، الخاصة بغلق أبواب التقدم العلمي في الجزائر، فإنني سأقدم البرهان على صحة ما أقوله، في النقاط التاليــة :

 

النقطة الأولى : تتعلق بالزيادة الهائلة في عدد الطلبة الذين يدخلون الجامعات كل سنة، وهذا يتطلب أموالا ضخمة لإيجاد مقاعد بيداغوجية، ومنح، وبنايات للتدريس وتوظيف الأساتذة الأكفاء لتأطير هذا الجيش من الطلبة… والسؤال المطروح هنا هو : لماذا لا توجد نصوص قانونية تسمح للحكومة بدفع كمية كافية من المال على كل طالب يسجل في أية جامعة، وبالتالي تتمكن الجامعة من توظيف الأساتذة حسب الإحتياج وتبني المدرجات والقاعات الكافية للتدريس ؟ إن ارتباط عملية تسجيل أي طالب بمبلغ مالي معين، هي التي تحمي المؤسسات من الإنهيار المالي أو العلمي.

 

النقطة الثانية : لماذا توافق وزارة المالية على إنشاء المخابر في الجامعات وتصدر قوانين لمدراء المخابر بالصرف واقتناء التجهيزات وأدوات العمل… في حين تأتي التعليمات بعدم السماح للمخابر بالتوظيف، وبعدم شراء التجهيزات المكتبية وبعدم توظيف المساعدين في الأبحاث !؟، إنني أعترف بأنني لم استوعب بعد، كيف أنه
لا يوجد بند قانوني في الوقت الحاضر يسمح للأستاذ أن يوظف معيدا لكي يساعده في الأبحاث، ولا يوجد بند لشراء كرسي يجلس عليه، في حين توجد في ميزانية المخبر مئات آلاف من الدنانير! هل يجلس هذا الأستاذ على الأرض أم يتوسل إلى رئيس قسمه أن يتصدق عليه بكرسي وطاولة ؟.

النقطة الثالثة : تتمثل في انعدام البنود القانونية التي تسمح بمكافأة المقيمين للأبحاث والدراسات والكتب العلمية … وهذا معناه فسح المجال للرداءة العلمية، لأن النوعية ثمن والمقيمون هم الذين يحق لهم إصدار أحكام موضوعية على أي إنتاج علمي. وعليه، فإن مصير المجلات العلمية وإنتاج البحوث والدراسات بالمخابر العلمية لا يمكن أن ترتقي إلى أي مستوى علمي جيد.

 

النقطة الرابعة : تتلخص في انعدام البنود القانونية التي تسمح بصرف المكافآت المالية للأساتذة والخبراء الزائرين، سواء الذي يأتون لمناقشة الاطروحات أو إلقاء المحاضرات العلمية على طلبة الدراسات العليا. هل يعقل أن ننغلق على أنفسنا
ولا نتصل بالأساتذة والخبراء الأجانب لأن قوانين وزارة المالية لا تسمح بدفع مكافآت لهم سواء بالدينار أو العملة الصعبة ؟.

 

النقطة الخامسة : تتعلق بالاستثمار في المعرفة والتدريب والتأهيل في المجالات العلمية. فإذا كانت الجامعات المرموقة تخصص جزءا كبيرا من أموالها لتجديد معلومات الأساتذة كل خمس سنوات، وكل سنة ترسل 5% من أساتذتها لتحسين مستواهم العلمي في جامعات أخرى، فإن قوانين وزارة المالية في وطننا تعاقب من يأخذ سنة تفرغ علمي بحرمانه من العلاوات التي تشكل أكثر من نصف راتبه ! نعم، إن قوانينا في الجزائر تربط العلاوات بالممارسة في المهنة… ومن يسعى لتجديد معلوماته والقيام بأبحاث في الخارج … يخسر أكثر من نصف راتبه ! وهذا معناه، تشجيع المحافظة على المعلومات البالية التي أكل عليها الدهر وشرب.

 

النقطة السادسة : يمكن تلخيصها في تجميد مشروع قانون الوظيف العمومي وسحبه من فوق طاولة المجلس الشعبي الوطني (منذ 2002م)، ومواصلة العمل بالقوانين التي تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة. وفي الحقيقة أن تجميد مشروع قانون الوظيف العمومي وسحبه من البرلمان كارثة علمية تشترك فيها عدة جهات، وليس وزارة المالية وحدها، ولو أن الكلام الذي يتردد صداه في أوساط الباحثين والمفكرين أن وزارة المالية هي التي تناصب العداء وتنصح بعدم دراسة مشروع قانون الوظيف العمومي في الوقت الحاضر لأن الظروف المالية الحالية لا تسمح بزيادة الأجور أو تحسين مداخيل الموظفين. ثم إن رفع رواتب فئة الأساتذة والباحثين سينجر عنه المطالبة من طرف فئات أخرى برفع رواتب أعضائها وهذا شيء مستحيل في الظروف الراهنة. هذا كلام نسوقه في احديث عن قوانين المالية التي لا تسمح بتحسين المستوى ولا تبالي بما ينتج عن ذلك من رداءة علمية وتدهور مستوى التعليم بوطننا.

 

النقطة السابعة : وهي نقطة خطيرة جدا، أن قوانين المالية في بلدنا غير مرنة في مسألة الاستثمار في المعرفة. إنه لمن العجيب حقا، أن كل المؤسسا والهيئات الوطنية لا تودجد بها بنود لدفع تكاليف القيام بالدراسات والأبحاث وتقييم المشاريع الحكومية … مع العلم أن التقييم المحايد أو الخارجي هو عصب الحياة بالنسبة لكل دراسة. وقد يندهش المرء إذا علم أن اللجان الوطنية للترقية في الجامعات أو لجنة المنظومة التربوية أو لجنة إصلاح العدالة … يشتغل فيها الخبراء عدة شهور ويدفعون ثمن البنزين من جيوبهم عندما يقدمون من ولايات تبعد عن العاصمة بعشرات الكيلومترات … ولكنهم لا يتلقون أي مقابل … وكأن خبرتهم وكفاءتهم ومهارتهم وجهودهم المضنية لا تساوي شيئا ! وباختصار شديد، المهم هو التشريف والتكليف. أما الدفع مقابل الخبرة والمهارة والكفاءة والجهد، فلا يوجد لأن بنود الميزانية لا تسمح بذلك ! ولعل هذا يوضح ظاهرة السياسات غير المدروسة والنتائج السلبية التي تعاني منها مؤسساتنا الوطنية.

 

النقطة الثامنة : لها ارتباط وثيق بالعلاقة بين وحدات الإنتاج في المخابر ومراكز الأبحاث ومؤسسات الدولة … إنني أتساءل لماذا لا توجد نصوص قانونية تحمي المواطن من تلاعب شركات الإنتاج في الغش سواء في النوعية أو في الكمية وتلزمهم قانونيا بضرورة إخضاع كل ما تسوقه وتنتجه المؤسسات الوطنية والأجنبية إلى فحص دقيق من طرف الخبراء والباحثين في الجامعات الجزائرية… والمال الذي تحصل عليه الجامعات والمخابر ومراكز الأبحاث من هذه المؤسسات التجارية يقسم مناصفة بين الباحثين والخبراء. وكما هو معروف في البلدان المتقدمة، فكل ما يسوق يخضع للمراقبة التقنية وضرورة احترام المقاييس العلمية من طرف العلماء والباحثين في الجامعات … إلا في الجزائر، لأنه لا توجد نصوص قانونية تحمي المستهلك من تلاعب البائعين المتلهفين على تكديس الأموال في حسابات بدون حق.

 

النقطة التاسعة : خاصة بمشكل صرف المبالغ المخصصة للتنقل داخل الوطن وخارجه. فإذا أراد مدير المخبر أن يذهب إلى حضور مؤتمر دولي، فلا يستطيع في الوقت الحاضر أن يشارك فيه، لأنه لا توجد نصوص قانونية تسمح بصرف الأموال الموجودة تحت بند السفر إلى الخارج ! فقوانين البنوك لا تسمح بذلك ولا يمكن لمدير المخبر أو أحد رؤساء فرق البحث في المشاركة في أي مؤتمر دولي.

 

النقطة العاشرة : تخص تكوين وتأهيل طلبة الدراسات العليا في مجال الأبحاث العلمية … إنه لمن الغريب أن لا توجد نصوص قانونية تسمح بإجراء مسابقات سنوية واختيار أحسن الطلبة كمعيدين سواء في مجال البحث مع أساتذة مرموقين أو كمعيدين في مجال اكتساب خبرة في التدريس تحت إشراف الأساتذة المكلفين بإلقاء المحاضرات. هذا تقليد غائب في جامعاتنا، ويقال أن المتسبب فيه غياب قوانين مالية تسمح بذلك.

 

النقطة الحادية عشر : تتعلق بانهيار القيم الإجتماعية في وطننا، والسبب فيها على ما يبدو، هي قوانين التوظيف الرديئة. نحن في مجال اختيار أي أستاذ نشترط فيه تخصصه العلمي الدقيق في الموضوع الذي سيدرسه، وكشف النقاط التي تبرز تفوق المترشح لمنصب معين وتوصيات أساتذة طالب الوظيفة بأن أخلاقه حسنة وأن المترشح جدي في أداء مهامه. لكن الذي يحصل الآن هو ملء وظيفة بأية صفة كانت حتى يتحصل طالب الوظيفة على مدخول مالي وكفى ! فإحصائيات التعليم العالي تشير إلى أن حوالي 80% من المدرسين يحملون شهادة الماجستير لا غير… ومعنى هذا، طالب يدرس طالبا ! وسيندهش القارئ مثلا إذا اطلعته على حقيقة مرة وهي أن سلك التعليم يعاني من صعوبة العمل فيه ولا يوجد أي إنسان يحمل شهادة عليا ويقبل أن يأخذ راتبا زهيدا لا يسد رمق عيشه. فالأحسن له في هذه الحالة، التوجه إلى الكسب السريع في مجال التجارة وبيع ” الساندويتشات “. ولعل الشيء الذي يثير دهشتي هو لماذا لانعطي قيمة للتعليم ونمنحه امتيازات وفوائد تشجع حامل الشهادات العليا على الإقبال عليه واتخاذه كمهنة شريفة، نظيفة، يقوم بها الإنسان بقصد غرس الأخلاق الحميدة والأسس العلمية في أذهان أجيال المستقبل ؟ وليكن في علم من يهمه هذا الأمر أن النصوص القانونية في الولايات المتحدة الأمريكية تمنح زيادة تقدر بـ 40%  (Majoration de 40%) لكل من يقبل أن يعمل في سلك التعليم وذلك في حالة التساوي في الشهادات. ولهذا فالأوائل يذهبون للتعليم وعندهم زيادة معتبرة في الراتب، والباقي يبحث عن وظيفة عادية في الإدارة !. إنني أتعجب لماذا لا نحذو حذو من وطنوا العلم في بلدانهم وخلقوا أجيالا مبدعة ومنتجة.

وفي الأخير، أريد أن أعترف بأن العيب فينا بنسبة كبيرة نحن الذين لا يوجد عندنا تنظيم فعال للتأثير في كبار الشخصيات التي تصنع القرار، وليس العيب في المسؤولين الذين يشرفون على إصدار القوانين والقرارات بوزارة المالية لأن الوزارة ذات سيادة وتهتم بالقضايا السياسية ومن وراء تلك القضايا المجدية. أما نحن الباحثون والأساتذة والمعلمون الذين نتشبث بالقيم الوطنية ونتفانى في خدمة شبابنا وتكوينهم للمستقبل، فلا يحتاجنا إلا الضعفاء المحرومين أمثالنا. ولهذا لا توجد لنا أية مكانة إجتماعية، ولن ننال حقوقنا حتى ولو شعرنا بالظلم الاجتماعي، لأن قانون الأمر الواقع غير المكتوب، (وليس قانون وزارة المالية) معروف للجميع ويقوم على مبدأ : ” أخدمنى، أخدمك “. فلو دخلنا مجال السياسة وانخرطنا في أي تنظيم سياسي لكان في إمكاننا أن نتفاوض مع صانعي القرار ونتفق معهم على كيفية تقديم دعمنا السياسي لهم مقابل حصولنا على احتياجاتنا المهنية، لكن، للأسف الشديد، فاقد الشيء  لا يعطيه. ومع كل ذلك، ينبغي علينا أن نهمس في آذان قادتنا بأن قضايا جوهرية تخص التعليم والبحث العلمي مهملة وسيترتب عن ذلك إفراغ الجزائر من الإطارات العلية الراقية والتحاقهم بالخارج. ولهذا، فإن مصلحة دولتنا وأبنائنا وقيمنا الوطنية تتطلب منا جميعا تعديل إجراءات العمل وخدمة شبابنا وأمتنا.

*  دراسة منشورة بصحيفة الشروق اليومي، يوم الأربعاء 10 أكتوبر 2001، ص 7. وأخيرا، أمضى رئيس الجمهورية على القانون الجديد للوظيف العمومي، ووافق عليه البرلمان في شهر أكتوبر 2006.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *