الجمعة , 26 فبراير 2021

لماذا لا نوظف مهارات علمائنا في خدمة الجزائر؟*

بقلـم

عمار بوحوش

أستاذ بجامعة الجزائر

 

إنه لمن الواضح لكل وطني جزائري اليوم أن المشكلة الرئيسية التي تقلق كل جزائري وجزائرية هي الأنانية وحب الذات، والتلهف على السلطة والنفوذ واستعمالهما من طرف معظم الشخصيات القوية في جهاز الدولة حسب الأهواء والأمزجة. وبعبارة أخرى، إن معظم المسؤولين في بلادنا لا يفكرون فيما ينفع العباد والبلاد عن طريق الاستعانة برجال الاختصاص والعلماء الذين يقومون بأعمالهم حسب الأصول ويسهرون على التطبيق الجيد والفعال لقوانين الدولة الجزائرية، وإنما يفكرون، في معظم الأحيان، في كيفية بسط نفوذهم وتعيين الناس الضعفاء في مناصب حساسة حتى يسيطرون عليهم وينفذوا تعليماتهم بحذافرها بدون تردد أو تفكير. وباختصار، فالشيء المهم بالنسبة للغالبية الكبرى من المسؤولين البيروقراطيين في مؤسساتنا هو السعي الحثيث لترضية رؤساءهم حتى لا يغضبون عليهم ويزيحونهم من مناصبهم، أي كما كان يقول أحد كبار المسؤولين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (سابقا) في بداية الثمانينات عند إثارة أية مشكلة أمامه: “الرجاء أن لا تبهدلوني أمام الرئيس، وأموركم مقضية”.

ولنعد الآن إلى جوهر الموضوع بعد هذه المقدمة الوجيزة لكي نقول أن من أهم مشاكلنا الرئيسية في الجزائر عدم وجود روابط علمية بين رجال الحكم في البلاد ورجال العلم والمعرفة والتخصصات العلمية الدقيقة. وللتاريخ ينبغي أن نسجل هنا بأن مجموعة من المفكرين قد قامت بمبادرة رائعة في سنة 1973 تمثلت في عقد لقاء بين العلماء والمفكرين الجزائريين والرئيس الراحل هواري بومدين بحيث يكون هناك حوار بين قائد  دولتنا ورجال الاختصاص في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي حتى تفك العزلة المضروبة حول رئيس الدولة ويتم توظيف مهارات علمائنا في خدمة البلاد. لكن هذه المبادرة الرائدة تعثرت للأسف الشديد ولم تتواصل الأسباب عديدة لا يتسع المجال للتعرض إليها هنا. لكن النقطة التي أريد أن أركز عليها هنا هي أن هناك قطيعة وجفاء بين كبار المسؤولين في الدولة وبين العلماء ورجال الاختصاص الذين يملكون ثروة علمية هائلة لكنهم لا يجدون من يسمع إلى أفكارهم الثاقبة وآرائهم التي تتسم بالموضوعية ومعرفتهم الغزيرة في ميادين تخصصهم. وبسبب هذه القطيعة بين الاختصاصيين ورجال الفكر والإبداع من جهة وبين كبار المسؤولين في البلاد من جهة أخرى، نجد الخطاب السياسي للمسؤولين يحتوي في معظم  الأحيان على أفكار وتصورات واعدة وقوية المدلول، لكنها لا تتجسد في أرض الواقع ولا تسفر عن أية نتيجة ملموسة وعملية، تخذم المواطن وتحل مشاكله لأنها غير مدروسة وغير علمية وبالتالي لا تحل المشاكل المعقدة التي يواجهها المواطن يوميا. ولهذا يتحول الخطاب السياسي إلى مجموعة من الأفكار تعبر عن ما ينبغي أن يكون، لكنه من الناحية العملية يصبح عديم الجدوى بسبب افتقاره إلى الدراسة والتمحيص من طرف رجال الاختصاص الذين في حوزتهم المعرفة العلمية الحقيقية والتي تؤهلهم لدراسة المشاكل بطريقة موضوعية والتقدم باقتراحات ملائمة لحلها.

وما ينبغي أن نستخلصه من ما تقدم أنه ليس هناك توجه حتى الآن يثبت بأن كبار المسؤولين في الدولة عندهم استعداد لتوظيف مهارات وخبرات علمائنا والاستعانة بهم والاعتماد عليهم لدراسة القضايا الوطنية الشائكة بموضوعية والبحث عن الحلول المنطقية التي تخدم البلاد والعباد في هذه الأرض الطيبة. ولهذا، فإنه لا فرق بين وجود الإطارات العلمية في البلاد، مادامت مهمشة ومتفرجة على ما يحدث، وبين وجودها في الخارج أين تستطيع أن تنفس عن نفسها وتبرز مواهبها ويعترف الأجانب بمؤهلاتها وقدراتها الإبداعية.

ينبغي أن نعترف بأنه من الخطأ أن نلوم الإطارات العلمية على الهجرة إلى الخارج ونحرمها من المساهمة في خدمة المجتمع الذي يرغب قادته أن يستعينوا بالاختصاصيين الجزائريين حتى ينجحوا في تحسين مستوى الإنتاج والخدمات المقدمة لمجتمعهم. ولعله من الحكمة في يومنا هذا، فسح المجال أمام كل عالم جزائري لكي ينتقل بحرية حتى يستطيع أن يخدم مهنته ويبدع في أي مكان أو أي مجتمع يرغب في الاستفادة من مؤهلاته العلمية. وباختصار، ينبغي أن تتغير العقلية الموجودة في الجزائر والتي تقوم على أساس إعطاء الأوامر لعدم السماح للعلماء أن يهربوا إلى الخارج حتى ولو بقوا فئة اجتماعية مجمدة بالجزائر. إن الواقع يفرض على كل متمعن في ظاهرة الكفاءات العلمية المهمشة في بلادنا أن يتساءل: إذا كان المسؤولون في بلادنا لا يستفيدون من هذه الإطارات العلمية المبعثرة هنا وهناك، فلماذا يتركون المجتمعات الواعية تستفيد من مهاراتهم وخبراتهم الثرية؟ إن الشيء المطلوب في وقتنا هذا هو مبدأ المنافسة والتسابق من أجل الاستفادة من الخبرات العلمية، وتوطين التكنولوجيا والمعرفة العلمية في البلاد وليس مبدأ التحكم في العلماء المفكرين عن طريق القرارات السياسية والتباهي بهم في بعض المناسبات، وتطبيق مبدأ: “لا أسمح لك أن تفيد ولا أن تستفيد”.

ولكي لا يبقى كلامي نظريا، فإنني أتساءل هنا: إلى متى يبقى زعماء الأحزاب (أو زعماء العشائر السياسية) في بلادنا يتشاجرون فيما بينهم حول من يكون الزعيم ويطبق برنامجه الخاص به؟ لا أخفي الحقيقة على أي جزائري أو جزائرية إذا قلت بأنني ذهلت وأصبت بالإحباط عندما رأيت على شاشة التليفزيون رئيس الحكومة السابق أحمد عزالي يتخاصم مع قادة الأحزاب السياسية حول النقاط التي تدور حولها المناقشة أو جدول الأعمال لذلك اللقاء الوطني للمصالحة وذلك في اجتماعه مع رؤساء الأحزاب الوطنية يومي 30 و 31 جويلية 1991 بقصر الأمم. فالإنسان يتساءل هنا: كيف يدعوا رئيس الحكومة قادة وطنيين إلى اجتماع وهو غير قادر على إعداد برنامج يقوم بإعداده الخبراء أو علماء الجامعات (بموضوعية) ويقدمه للأحزاب أو المسؤولين لإثرائه والالتزام بما يتفقون عليه في ذلك اللقاء؟

إنني أفهم وأدرك أن الخلافات تقع بين السياسيين ورؤساء الأحزاب، ولكن الشيء الذي لا أفهمه هو: لماذا لا يلتجئ رجال السياسة في بلادنا إلى تحكيم العلماء ورجال الاختصاص، وتكليفهم بإعداد برامج سياسية واقتصادية واجتماعية تخدم البلاد، وتجنبها هذه الصراعات والتمزقات التي تشتت المجهودات وتشل البلاد؟ لماذا لا يحصل هذا في بلادنا مثل البلدان المتقدمة؟ هل هناك خوف من علمائنا ورجال الاختصاص في بلادنا أن أنهم متهمون بالتحيز وعدم الموضوعية؟

إن التساؤلات كثيرة ولكن الجواب واحد، في رأي، وهو أن تقدم بلادنا يتوقف على تغيير العقليات والذهنيات، وعلى المسؤولين في السلطة أن يدركوا أن قوة الدولة مستمدة من قوة مؤسسات الأبحاث والدراسات السياسية والإستراتيجية، وأن قوة العلم والعلماء والمفكرين وابتكاراتهم هي ضرورة من ضرورات الحياة ولازمة لمصالح دائمة للأمة الجزائرية. إن قيام جسور للتعاون بين العلماء والمفكرين في الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية من جهة وبين المسؤولين في الدولة، من جهة أخرى، هو السبيل الوحيد الذي يقود البلاد إلى الانطلاق في طريق التقدم الحقيقي المبني على المعرفة والتخطيط العلمي الدقيق. فالتفاعل بين قوة مؤسسات التفكير السياسي والاستراتيجي وبين القيادة السياسية هو الذي يقود في النهاية إلى بناء دولة عصرية قوية قادرة على الصمود في وجه العواصف الهوجاء التي تهب على بلادنا. إن هذا الكاتب يرى أن الجزائر قد تتغلب على الصعاب التي تواجهها بالإرادة ووضوح الأهداف والقيادة الحكيمة ولكن بشرط أن تقترن هذه العوامل بقدرة الدولة على تجنيد أقدر العناصر في الجامعات وأذكى العقول وتوظيف معرفة أهل الاختصاص للتغلب على الصعاب الحقيقية التي تواجهها البلاد. لقد آن الأوان لكي نقرر من سيكون له التأثير الإيجابي على مستقبل الجزائر: البيروقراطيون في أجهزة الحكم أم أصحاب العقول والأفكار الذين بإمكانهم تطوير أساليب جديدة متقدمة في مجال كسب المعرفة والاستفادة منها.

 

*  محاضرة ألقيت في ندوة علمية انعقدت بمعهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، ديسمبر 1991.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *