ما ذا نعرف عن أزمات الولاية السادسةوعن الرائد عبد الرحمن مقاتلي؟
بقلم: الأستاذ عمار بوحوش
منذ أيام اشتريت كتاباً قيماً تم نشره في فرنسا، وهو بعنوان: “من الولاية السادسة إلى الولايات المتحدةالأمريكية” (De La Wilaya VI aux Etats Unis)[1].
وعند قراءته واطلعت على محتواه، شعرت بحزن شديد لأن الدكتور عبد الرحمن مقاتلي كان من الأصدقاء الأعزاء في الولايات المتحدة منذ 1961 إلى غاية 1964، ولكنني لم انتبه إلى أنه كان أحد المجاهدين بالولاية السادسة في الفترة الممتدة من 1956 إلى غاية 1958. لقد كنا نتناقش في كل صغيرة وكبيرة، إلا في جهاده ونضاله من أجل تحرير الجزائر، ولم أتفطن لمساهمته الكبيرة في تحرير الجزائر منذ 1956 إلى غاية 1962.
لقد كان الرائد عبد الرحمن مقاتلي من الطلبة الأوائل الذين شاركوا في إضراب 19 ماي 1956، كما أنه كان من الطلبة الذين يحملون شهادة الباكالوريا، ومن الطلبة الذين استفادوا من منح جبهة التحرير، بعد أن قررت لجنة التنسيق والتنفيذ عودة الطلبة إلى الدراسة في سنة 1957 بدلاً من البقاء جالسين في المقاهي والتجول في الشوارع.
إن كثيراً من الناس لا يعرفون أن استراتيجية جبهة التحرير منذ1957 كانت تتمثل في إعطاء منح للطلبة الجنود وإرسالهم إلى الخارج لمواصلة الدراسة، والتعريف بالثورة الجزائرية وجهاد شعبها. ولذلك فإن الطلبة المسرحين من جيش التحرير يعتبرون جنوداً في لباس مدني للدفاع عن الوطن في البلدان الأجنبية التي يتواجدون بها.
لقد كنت آنذاك في تونس، عندما جاء العقيد عميروش واجتمع بطلبة الولاية الثالثة وطلب منهم العودة إلى مقاعد الدراسة والحصول على شهادات علمية في الخارج لكي يكونوا الإطارات الأولى للجزائر المستقلة. وأسندت مهمة توزيع المجندين المسرحين إلى كل من السيد ارزقي بوزيدة ورئيسه ِCommandant Idir بمكتب الجبهة بتونس لاختيار مؤسسات التكوين العسكري في العالم العربي، وتولى بلعيد عبد السلام المسؤول عن الطلبة توجيههم إلى الجامعات الأجنبية للانخراط فيها ومواصلة العمل من أجل إقناع أبناء المجتمعات الأجنبية بعدالة القضية الجزائرية.
المهم أن الرائد عبد الرحمن مقاتلي التحق بصفوف جيش التحرير في سنة 1956 في مقر سكناه بالبرواقية، ولاية المدية، واتفق مع شخص يعرف العقيد ملاح على العمل معه في المنطقة السادسة. وفي يوم الصعود إلى الجبل جاءته شاحنة وتوقفت في المكان المتفق عليه، فقال له السائق “شمس” وأجابه عبد الرحمن “قمر”. وبما أن عبد الرحمن مقاتلي كان حاصلاً على شهادة الباكالوريا، فقد قرر العقيد علي ملاح تعيينه سكرتيرا للولاية السادسة.
`المسار الجهادي للعقيد علي ملاح
العقيد علي ملاح المعروف باسم “سي الشريف” من مواليد يوم 14 فيفري 1924 بدرع الميزان، انخرط في حزب الشعب في بداية حياته النضالية ثم انضم إلى “المنظمة الخاصة” وحضر اجتماعاتها التي انعقدت في 16، 17 و18 فيفري 1947.
كان العقيد علي ملاح من أقرب الناس إلى السيد كريم بلقاسم الذي ينتمي بدوره إلى دائرة درع الميزان وبحكم الثقة في علي ملاح، عينه كريم بلقاسم مسؤولاً عن منطقة تيقزيرت وعزازقة، وفي أول أكتوبر 1954 أسندت له مهمة إعداد وتنظيم الفرق الثورية التي قامت بتنفيذ العمليات الثورية الأولى في أول نوفمبر 1954 بمدينة تيقزيرت.
وفي الفاتح من نوفمبر 1954 قام علي ملاح بقيادة الفوج الذي هاجم الجيش الفرنسي في دائرة تيقزيرت، وتمكن فوجه يوم 14 نوفمبر 1954 من قتل 14 جندياً فرنسياً في معركة حامية الوطيس، وبفضل شجاعته وروحه القتالية أرسله عمر أو عمران في بداية 1955 إلى الولاية الرابعة على رأس 2000 مجاهد لدعم الثورة هناك.
بعد انعقاد مؤتمر الصومام في صيف 1956 عينه العقيد عمر أو عمران قائداً للولاية السادسة برتبة عقيد لكي يقوم بتنظيم الولاية وإرساء دعائم الكفاح المسلح بهذه المنطقة الصحراوية. وأكد عبد الرحمن مقاتلي أن العقيد ملاح كان من المفروض أن يشارك في مؤتمر الصومام، إلا أنه تخلى عن المشاركة في المؤتمر واكتفى بإرسال تقرير قرأه عمر أو عمران في المؤتمر.
محاولات تنظيم الولاية السادسة
المشكل الكبير والعويص الذي واجهه العقيد علي ملاح في تنظيم الولاية هو وجود كثرة الجماعات والمنظمات التي كانت متواجدة في المنطقة، وكل منظمة لها أهدافها الخاصة بها وتتحارب فيما بينها وغير موحدة. وهذا يرجع إلى الغلطة الفادحة التي ارتكبتها جبهة التحرير الوطني، وهي ترك المنطقة فارغة منذ بداية الكفاح المسلح. وعليه، فإن المهمة الرئيسية لعلي ملاح هي إعادة تنظيم وتوحيد القيادات المتصارعة التي كانت تنشط بالجنوب الجزائري. ولعل أكبر تنظيم اصطدم به علي ملاح هو زعيم المصاليين محمد بلونيس الهارب من الولاية الثالثة التي قهرت جيشه هناك وأجبرته على الهروب إلى الجنوب الجزائري.
وبعبارة أخرى، أن تشكيل جيش تحرير موحد بالجنوب الجزائري لمحاربة فرنسا الاستعمارية أصبحت معقدة. والسّؤال المطروح هنا: هل يتفرغ لتنظيم نفسه لمحاربة الجيش الفرنسي أم يتصدى للمصاليين الهاربين من منطقة القبائل؟ وفي نهاية المطاف، وجد علي ملاح نفسه يحارب جيش الاحتلال الفرنسي ويحارب أيضاً جيش المصاليين، بالإضافة إلى مهادنة الجماعات التي كانت منشقة وتحارب كل من يتصدى لها، أمثال جماعات زيان عاشور وسي الحواس.
التحالف بين جيش فرنسا وجيش بلونيس
المشكل أن محمد بلونيس تمكن من فرض وجوده في المنطقة نظراً لكثرة المصاليين المنخرطين فيه. كما أن التحالف بين قوات فرنسا وقوات بلونيس، وخاصة تسليح جيش بلونيس قد زاد الوضع تعقيداً. إلا أن الوضع تغير إلى الأحسن بعدما ظهرت انقسامات داخل الجماعات المصالية، وتعين على بلونيس الاستعانة بالجيش الفرنسي وإبرام اتفاقية مع فرنسا بقصد القضاء على نفوذ جيش التحرير في الجنوب الجزائري. وبناءً على تعليمات من الجيش الفرنسي، اضطر بلونيس إلى إنشاء جيش (أطلق عليه اسم: الجيش الوطني الجزائري – L’Armée Nationale du Peuple Algérien).
وبموجب هذا الاتفاق بينهما، تم تحديد مناطق النفوذ والقيام بأعمال عسكرية مشتركة ضد جيش التحرير في الجنوب الجزائري. وبعد أن خاب أمل فرنسا في هذا الجيش الهش، طلبت منه فرنسا أن يلغي جيشه ويحوله إلى: “كوماندوس الجنوب الجزائري (Commandos du Sud Algérien).
وفي يوم 17 جوان 1957 اختارت فرنسا أحد عملائها اسمه “دحمان” لكي يكون مساعداً له. وفي يوم 6 سبتمبر 1957، التقى بلونيس بالضابط الفرنسي العقيد فيرنيير (Colonel Virniers) وتلقى منه التعليمات وحدد له أين ينشط وتحقيق أهداف فرنسا في إضعاف نفوذ جيش التحرير. ويلاحظ هنا أن علاقات التعاون بين جيش الاحتلال الفرنسي وجيش بلونيس الذي بلغ قوامه في وقت من الأوقات 3000 مجند، قد توطدت منذ ماي 1957 وهو الشهر الذي تم فيه إبرام اتفاق بين المناوئين للثوار الجزائريين، على القيام بعملية عسكرية مشتركة أطلق عليها اسم (Operation Olivier)، نتج عنها استشهاد أكثر من 300 مجاهد من جيش التحرير، حسب رأي الرائد عبد الرحمن مقاتلي.
بعد انقلاب 13 ماي 1958، تغيرت الأمور وأصبح الجيش الفرنسي ينتهج سياسة جديدة عدوانية تقوم على أساس خلق قوة ثالثة مدنية في الجنوب الجزائري، وأمر الجنرال سالان بلونيس بتغيير اسم جيشه ورفع العلم الفرنسي بدلاً من علمه. ومن سوء حظ بلونيس أن أنصاره تمردوا عليه بعد أن اكتشفوا أنه تحول إلى عميل لفرنسا.
وفي يوم 14 جويلية 1958 قرر الجيش الفرنسي إعدامه أو قتله من طرف قوات النخبة الفرنسية. وهكذا تم طي ملف بلونيس، وانضم عدد كبير من جنوده إلى جيش التحرير، والبعض منهم هربوا أو اختفوا ولم يعد لهم أي نشاط عدائي
استهداف العقيد علي ملاح
يقول الرائد مقاتلي أن علي ملاح (الملقب سي الشريف) مجاهد قديم في الولاية الثالثة. ونظراً لكفاءته وإخلاصه للوطن، تم تعيينه من طرف العقيد عمر أو عمران في بداية جوان 1955 في الولاية الرابعة على رأس مجموعة كبيرة من المجاهدين يبلغ عددهم 200 مسلح لدعم الثورة في الولاية الرابعة. وبعد مؤتمر الصومام، الذي لم يحضره أي ممثل عن المنطقة السادسة ولم يكن له أي تمثيل في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، تقرر تعيين العقيد علي ملاح من طرف العقيد عمر أو عمران على رأس الولاية السّادسة برتبة عقيد. وحسب قناعة العقيد علي ملاح، فإن إعادة هيكلة الولاية وانتقاء الضباط الذين يتولون المسؤولية فيها، لا بد أن يكون هؤلاء الضباط من الشخصيات التي تتمتع بتجربة كبيرة في الجيش الفرنسي أو غيره من الجيوش التي خاضت الحروب ونجحت فيها. كما أظهر رغبته الكبيرة في ترضية السكان المحليين بقصد الحصول على تأييدهم لمساندة الثورة في كامل تراب الوطن.
لقد كانت أول عملية يقوم بها العقيد ملاح هي تغيير مقر القيادة في الولاية (PC – Le Poste de Commandement) وكانت هذه النقطة بداية الصراع في الولاية بين المنظمات المسلحة في الولاية السادسة. لقد ارتأى علي ملاح أن يكون مقر القيادة في “دوار أولاد بوعشرة”، وهي منطقة غابية وقريبة جداً من الولاية الرابعة. المشكل أن قيادة الولاية السادسة أصبحت موجودة في المنطقة الثانية القريبة من الولاية الرابعة. وقد خلق هذا التغيير بلبلة في أوساط العسكريين الذين كانوا يخافون من إبعادهم من مناطق نفوذهم، أمثال الشريف بن سعيدي الذي يتمتع بنفوذ كبير في المنطقة الأولى في واد سلطان. وعليه، فالقرار الذي اتخذه قائد الولاية هو بداية للعداوة بينه وبين أحد معاونيه الكبار. ثم ازداد الوضع سوءاً عندما أقدم قائد الولاية السادسة على طلب المساعدة والدعم من الولاية الثالثة التي يتواجد فيها العقيد عميروش. وقد استجاب قائد الولاية الثالثة وأرسل له ضابطاً كبيراً اسمه الروجي (واسمه الحقيقي أحمد الشافعي) لفرض الأمن والانضباط بالولاية.
إن هذا التعيين أثار استياء الضابط الشريف بن سعيدي الذي شعر بأن قائد الولاية يسعى لإعطاء المناصب القيادية إلى القادمين من شمال الوطن، وتجاهل تعيين القادة المتواجدين في الجنوب الجزائري.
وفي الوقت الذي اكتملت فيه خطة إعادة تنظيم الولاية السادسة، بدأ العقيد علي ملاح يقوم بجولات ميدانية للتعرف على سير الأمور في كل منطقة، ارتأى العقيد علي ملاح أن يملأ الفراغ الموجود بمناطق انهزم فيها أصحاب بلونيس. لكن المشكل أن هناك سوء تفاهم بين قائد كتيبة الروجي (Rouget) القادم من الولاية الثالثة وبين قائد كتيبة أخرى يرأسها الشريف بن سعيدي. وللتغلب على هذا المشكل قرر العقيد علي ملاح إبعادهما عن بعضهما البعض. فقام بنقل الشريف بن سعيدي من المنطقة الأولى التي يتمتع فيها بالنفوذ إلى المنطقة الثانية التي كانت في طور التأسيس. وبين عشية وضحاها، قام الضابط شريف بن سعيدي بنصب كمين لكتيبة الروجي وجنوده الذين يبلغ عددهم حوالي 100 مجاهد وقتل قائد الكتيبة. ثم قام باستدراج قائد الولاية إلى منطقة يسيطر عليها، وقام كذلك بقتل العقيد علي ملاح وسكرتيره موسى.
إنها قصة شبه خيالية. فالمجرم الذي خدع قائد الولاية وقتله، ينتمي إلى أولاد سلطان (ناحية تابلاط)، والده اسمه رابح وأمه مرزوق خديجة بنت العربي، التحق بالجيش الفرنسي منذ أفريل 1947، وتم تسريحه في عام 1955. لقد تم تجنيده في نهاية 1955، وذلك نظراً لخبرته في الجيش الفرنسي وإفشال خطة فرنسا الرّامية لإنشاء القوة الثالثة في منطقة الجنوب الجزائري. وبالمختصر المفيد، فإن هذا المجرم كان يرى أن مهمته هي القضاء على الغرباء القادمين من شمال الوطن وليس إحراز نصر على فرنسا. لقد استسلم لفرقة الدرك الفرنسية بعين بوسيف، بعد الإقدام على فعلته الشنيعة، ومنحته فرنسا رتبة عقيد، وأعانته على تكوين ميليشيا تتكون من 850 مرتزق في جنوب المدية، وشجعته على محاربة جيش التحرير.
سي الحواس يتولى قيادة الولاية السادسة
بما أن المجاهد عبد الرحمن مقاتلي شاهد عيان على كل ما جرى في الولاية السادسة في عهد العقيد علي ملاح فإنه كان على دراية تامة بالعلاقات التي كانت تربط سي الحواس بالعقيد علي ملاح وبالعقيد عميروش. إن سي الحواس المولود بمدينة مشونش (قرب بسكرة) سنة 1923، كان أحد القادة المرموقين في الولاية الأولى، وهو الصديق الحميم للعقيد عميروش منذ تعارفهما على بعضهما البعض في فرنسا. مشكلة سي الحواس أنه كان مستقلاً عن جيش التحرير في البداية وينتمي إلى المصاليين، لكنه لم يتعاون معهم أو مع فرنسا. وبقي قائداً للمنطقة الأولى التي استولت عليها الولاية الأولى من الولاية السادسة. وبعد اغتيال العقيد علي ملاح، قررت قيادة أركان جيش التحرير تعيين سي الحواس قائداً للولايـة السادسة، ثم جاءت الموافقة النهائية من المجلس الوطني للثورة الجزائرية.
وإذا كان العقيد علي ملاح غريباً عن الجنوب الجزائري ولا يعرف العادات والتقاليد الموجودة في جنوب البلاد، فإن سي الحواس كان على دراية بالأوضاع في الجنوب، ومعروفاً هناك بانضباطه وحسه التنظيمي وصرامته في العمل. وفي وقت قصير تمكن من وضع هياكل جديدة للولايـة السادسة بحيث أصبحت نموذجية في مستوى الولايات التي سبقتها في العمل الثوري.
ومن نشاطاته الباهرة بعد توليه قيادة الولاية السادسة أنه شارك في شهر ديسمبر 1958 في اجتماع الولايات الذي دعا إليه العقيد عميروش وخرج بقرارات وتوصيات أرسلت إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وبدعوة من هذه الأخيرة، استجاب العقيد سي الحواس لدعوتها وانطلق مع رفيقه العقيد عميروش لحضور ذلك الاجتماع. وفي أوائل شهر نوفمبر 1958 حضر سي الحواس الاجتماع التاريخي المعروف باسم “مؤتمر العقداء”، وفي ذلك المؤتمر درس العقداء الوضعية العامة للثورة في الداخل والخارج، تم تكليف العقيد سي الحواس والعقيد عميروش بمهمة الاتصال بقيادة الثورة المتواجدة بالخارج وتبليغ قادة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بفحوى القرارات التي وافق عليها المسؤولون بداخل التراب الجزائري. وأثناء سفر سي الحواس وعميروش وقع لهما ما لم يكن في الحسبان. ففي يوم 29 مارس 1959 حيث تفطن ضباط الجيش الفرنسي إلى وجودهما بجبل ثامر جنوب بوسعادة أين وقع الاشتباك بين مجموعة من المجاهدين وفيالق من الجيش الفرنسي، ودامت المعركة يومي 28 و 29 مارس 1959، واستشهد فيها قائد الولاية الثالثة العقيد عميروش وقائد الولاية السادسة سي الحواس (واسمه الحقيقي: أحمد بن عبد الرزاق حمودة)، رحمهما الله.
العقيد الجغلالي يخلف سي الحواس
إثر استشهاد العقيد سي الحواس بتاريخ 29 مارس 1959، ونائبه عمر ادريس يوم 8 جوان 1959، انتقلت قيادة الولاية السادسة إلى نائبه الثاني (العقيد سي الطيب الجغلالي في شهر أفريل 1959. غير أن تعيينه أثار استياء قادة الولاية السادسة الذين تصدوا له ولم يطيعوه ورفضوا تطبيق أوامره، وهذا ما اضطره إلى الاستنجاد بقيادة الأركان حيث اقترح عليها إعفاء قادة المناطق الأربعة المتمردين عليه من مناصبهم واستدعاءهم إلى تونس والمغرب لمحاكمتهم. واشتملت قائمة المتمردين على الجغلالي على أسماء بارزة أمثال: (1) علي بن المسعود، (2) سليمان سليماني، (3) محمد شعباني، و(4) محمد القاضي. ويقال أن هؤلاء القادة المتمردين قرروا التخلص من العقيد سي الطيب الجغلالي، بسبب دخوله في مراسلات مع رئيس بلدية العامرية (الفرنسي)، بالإضافة إلى تعيينه قائداً للولاية بدون استشارة هؤلاء القادة الأربعة. المهم أنهم نصبوا له كميناً جنوب مجدل قرب بوسعادة وتخلصوا منه. غير أن قيادة الأركان التي أصيبت بصدمة قررت معاقبة القادة الأربعة المتمردين وذلك بحل الولاية السادسة وتقسيم الولاية بين الولايات المجاورة، وهي الولاية الأولى والولاية الثانية والولاية الثالثة والرابعة. وفي نهاية الأمر تمكن قائد الولاية الرابعة سي صالح آنذاك يوم 17 ديسمبر 1959 من إعدام كلاً من علي بن مسعود ومحمد القاضي تنفيذاً لقرار هيئة الأركان، وبالتالي، فإن الولاية السادسة تم التخلي عنها منذ أكتوبر 1959 وتفككت هياكلها.
العقيد محمد شعباني يتولى قيادة الولاية السادسة
العقيد محمد شعباني من مواليد 4 سبتمبر 1934 ببسكرة. التحق بجيش التحرير مبكراً واشتغل سكرتيراً مساعداً للعقيد سي الحواس. اشتهر بكونه أصغر عقيد في العالم (أعدموه عند ما كان عمره لا يتجاوز 29 سنة). وفي مارس 1962، قررت قيادة الأركان تعيينه رئيساً للولاية السادسة التي تقرر إعادتها إلى الوجود بعد حلها سنة 1958.
وفي البداية كان العقيد شعباني موالياً ومناصراً لقيادة الأركان، إلا أنه تمرد على رئيسها هواري بومدين وطالبه بإبعاد الضباط الذين خدموا في الجيش الفرنسي ثم التحقوا بجيش التحرير. وقبل عزله وتنحيته من القيادة، حاول بومدين أن يستميله إليه، وعينه في هيئة الأركان ونصحه بالابتعاد عن السياسيين المحترفين ويلتزم بالعمل العسكري. إلا أن شعباني لم يسمع لنصيحته وحاول أن يتقرب من الرئيس أحمد بن بلة الذي كان يعرف كيف يدير الصراعات ويستعين بحلفائه للإطاحة بخصومه. والعجيب في الأمر، أن العقيد شعباني لم يكن يحب المسؤولية بقدر ما كان يحب وطنه ويخاف عليه. لكنه وقع في الفخ الذي نصبه له الرئيس أحمد بن بلة، حيث حرضه أو شجعه على التمرد والدخول في عصيان عسكري، وتمرد على جيش الحدود. وقد جاهر بعدائه للضباط الجزائريين الذين هربوا من الجيش الفرنسي والتحقوا بجيش التحرير في السنوات الأخيرة لثورة التحري، وبكل جرأة قال شعباني: “أن جيش الحدود يختلف عن جيش الداخل الذي كان يتواجد بداخل الوطن”.
إنه لمن الواضح أن أكبر شيء يستفز بومدين هو خلق البلبلة في وسط الجيش والانزلاق نحو المساس بوحدة الجيش. فقد أشرف على توحيد الجيش منذ البداية وهذه إحدى إنجازاته، واستعان بكبار الضباط الفارين من الجيش الفرنسي بقصد هيكلته وتوحيد صفوفه. وبفضل وحدة الجيش تمكن بومدين من مناطحة السلطة الشرعية (الحكومة المؤقتة) والتغلب على منافسيه الذين كانوا أبطالاً للثورة ودعموه في البداية لكي يصل إلى كرسي القيادة. وعليه، فإن العقيد شعباني الذي تجرأ على الدعوة في المؤتمر الرابع لجبهة التحرير في سنة 1964 على المطالبة بتطهير الجيش من “الغرباء” قدم اقتراحات بتسيير قيادة الأركان بطريقة جماعية معينة بحيث تظل دورية على أن يختار القائد من بين الأعلى رتبة بغية النأي بالجيش عن الصراعات الداخلية والانقلابات التي كانت سائدة في بعض الدول.
إن هذا الموقف العدائي ضد بومدين، الذي هو قائد الجيش، قد نتج عنه طرد شعباني من الجيش وإلقاء القبض عليه وعلى أنصاره، وتقديمهم للمحاكمة. وإنهاء مهام العقيد شعباني، كما قام بومدين بتغيير هياكل الجيش ونقل مقر الولاية السادسة إلى ورقلة، وتعيين الرائد عمار ملاح قائداً لها. وفي يوم 2 سبتمبر 1964 تمت محاكمة العقيد شعباني والحكم عليه بالإعدام، تم تنفيذه بسرعة فائقة، وتكفل بذلك العقيد بن الشريف قائد الدرك الوطني آنذاك. ويبدو أنّ الغاية من تنفيذ حكم الإعدام بسرعة يوم 3 سبتمبر 1964 هي أن لا تكون هناك فرصة لأي تدخل للعفو من طرف الرئيس أحمد بن بلة الذي سافر إلى القاهرة ولم يتدخل للعفو عن البطل الذي حارب فرنسا وتم إعدامه على يد رفاقه في السلاح.
المجاهد عبد الرحمن مقاتلي يتقابل مع بومدين ومحمد الصديق بن يحيى
تنفيذاً لقرار جبهة التحرير بعودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة، قرر العقيد بوقرة قائد الولاية الرابعة إرسال المجاهد عبد الرحمن مقاتلي إلى المغرب بهدف تكوين إطارات الغد الذين سيبنون الجزائر الجديدة المستقلة. وعند وصوله إلى المغرب سنة 1958، استقبله عمر أو عمران المسؤول عن التربية والتعليم. كما استقبله هواري بومدين وأعطاه جواز سفر مغربي وأطلعه بأن تسريحه من الجيش برتبة رائد لا يعني تجريده من صفته العسكرية، وإنما يعني تكوينه لكي يخدم الجزائر في المستقبل وسيبقى دائماً جندياً. ووجهه لكي يذهب إلى القاهرة ويتقابل مع المسؤولين هناك لكي يقرروا نوعية التكوين الذي يتطابق وميوله. وفي العاصمة المصرية قابل عبد الرحمن مقاتلي مبروك بلحسين مدير مكتب السيد كريم بلقاسم، ونصحه أن يختار بين التكوين المهني والتكوين العسكري. وعند اتصاله ببلعيد عبد السلام المكلف بشؤون الطلبة، اقترح عليه أن يحصل على منحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأن اتحاد الطلبة الأمريكيين (U.S.N.S.A) وافق على إعطاء 3 منح لجبهة التحرير (منحة للسيد محمد سحنون وأخرى للسيد شريف خالدي والثالثة يستفيد منها عبد الرحمن مقاتلي ). وانتهز بلعيد عبد السلام هذه الفرصة لكي يطلع عبد الرحمن مقاتلي بأن استراتيجية جبهة التحرير هي أن ترسل طلبتها إلى هذا البلد الكبير بقصد توعية أبناء الشعب الأمريكي بالثورة الجزائرية والحصول على تأييد الأمريكيين للقضية الجزائرية هناك. وهكذا قبل عبد الرحمن مقاتلي العرض الذي قدمه له المسؤول الأول عن الطلبة الجزائريين وبدأ يجهز نفسه للسفر واستئناف دراسته في بلاد العم سام. وكما هو معروف، فإن اتحاد الطلبة الأمريكيين ونقابات العمال كانتا تساندان الثورة الجزائرية، إلا أن الحكومة الفدرالية كانت تؤيد فرنسا. والمطلوب من الطلبة الجزائريين أن يساهموا في توعية الشعب الأمريكي بالقضية الجزائرية المعروضة على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن يعملوا على تقوية اللوبي الجزائري في القارة الأمريكية بحيث تمارس ضغوطا على الشعب الأمريكي لكي يحتج على سياسة حكومته الفيديرالية المناهضة لتصفية الاستعمار في القارة الإفريقية.
محمد الصديق بن يحي يتدخل من أجل الحصول على التأشيرة
في الحقيقة أن محمد الصديق بن يحي لم يكن دبلوماسيا بسيطا في قيادة الحكومة المؤقتة، لقد كانت تربطه علاقات وطيدة بالسفير الأمريكي بالقاهرة السيد ويليام بورتر Williams Porter الذي كان بانتظارهما واستقبلهما بفرح وسرور. والعجيب في الأمر، كما كتب عبد الرحمن مقاتلي، أن محمد الصديق مدير مكتب رئيس الحكومة المؤقتة قدم المجاهد عبد الرحمن مقاتلي إلى السفير الأمريكي بأنه ضابط كبير في جيش التحرير، فزاد إعجاب السفير به. وبدون أي بروتوكول أو مناقشة، وافق السفير على منح التأشيرة لهذا الضابط في جيش التحرير، ثم دخل السفير الأمريكي في حديث شيق وممتع مع سي بن يحيى حول استراتيجية حول استراتيجيات الثورة الجزائرية، والتعرف على آخر الأخبار التي كانت في حوزة مدير مكتب رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
وباختصار شديد، فقد سافر عبد الرحمن مقاتلي إلى نيويورك وسجل في جامعة كولومبيا لتعلم اللغة الإنجليزية، ثم التحق بجامعة جنوب كاليفورنيا (University of Southern California) في لوس أنجلوس وسجل في هندسة البترول. إلا أن المشكل الذي واجهه أنه لم يحمل معه شهادة الباكالوريا التي حصل عليها من ثانوية بيجو بالجزائر العاصمة. وهنا اضطر إلى طلب نسخة من الشهادة، فرفضت الثانوية تسليمها إلى أي شخص، وقامت بإرسالها إلى القنصلية الفرنسية في سان فرانسيسكو التي اتصلت بالطالب على عنوانه وطلبت منه الحضور لاقتنائها. وانتابه الخوف من الدخول إلى القنصلية بمفرده، فاستعان بمسؤول في اتحاد الطلبة الأمريكيين لكي يرافقه ويتجنب إمكانية إلقاء القبض عليه. وبالفعل، دخل وقابل القنصل وحصل على الوثيقة بدون أي استجواب أو مساءلة عن ماضيه الثوري!!
المهم أن الطالب مقاتلي ساهم في تدعيم فرع الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في مؤتمره الأول، وتم انتخابه أميناً للمال في اللجنة التنفيذية. وعند انعقاد المؤتمر الثاني لـ (U.G.E.M.A) في مدينة ريدج فيلد بولاية كونيكتيكت (Ridgefield, Connecticut) في جانفي 1961، رشحني لكي أتولى منصب أمين المال في اللجنة التنفيذية لاتحاد الطلبة الذي كان يرأسه السيد رشيد بن عمر ومحمد أبركان، نائباً له. وابتداء من ذلك المؤتمر توطدت العلاقات بيننا.
بعد أن نال شهادة الليسانس والماجستير في هندسة البترول، عاد في عام 1964 إلى الجزائر للمشاركة في بناء شركة سوناطراك، وتمكن من تشكيل أول فوج من المهندسين المختصين في البحث عن البترول وإنتاجه. ثم عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية وساهم في التنسيق بين سوناطراك وشركات أمريكية متخصصة في النفط ومشتقاته. ومن جديد، سجل في جامعة تكساس في أوستن ونال منها شهادة (Ph.D) أو دكتوره الدولة في المالية والاستثمارات البترولية سنة 1978، وقد عرض عليه المرحوم عبد العزيز بوتفليقة منصب وزير، إلا أنه اعتذر له ولم يتسلم أي منصب وزاري. ونظرا لخبرته الطويلة في مجال البترول والاستثمار في هذا المجال، فقد استعان به البنك الدولي لمدة طويلة..

كلمة ختامية عن الرائد عبد الرحمن مقاتلي
لقد راجعت هذا الكتاب الجيد، باختصار شديد، ومن يقرأه سيعرف الحقائق المذهلة عن جهاد الرائد عبد الرحمن مقاتلي وتفانيه في خدمة الجزائر، لأن المجال لا يتسع لنشر كل ما قاله في كتابه الشيق. وللتاريخ، ارتأيت أن أعرّف به وبدوره في تغيير الرأي العام الأمريكي خلال مزاولته للدراسة بجامعة جنوب كاليفورنيا.
إنه يكاد يكون مبعوثاً للثورة الجزائرية حيث كان على اتصال وثيق بالسيد محمد سحنون الذي سبقه إلى الولايات المتحدة وأصبح نائباً لبعثة جبهة التحرير التي كان يرأسها السيد عبد القادر الشندرلي. ونظراً لسمعته وخبرته في العمل الثوري، فقد تم تعيينه أميناً للمال في المؤتمر الأول للاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين في الولايات المتحدة، وإليه يرجع الفضل في اقتراحه لتعييني في منصب أمين المال بـ U.G.E.M.A ، خلفا له في اللجنة التنفيذية للاتحاد.
وحسب ما عرفت عنه، فإنه كان من الشخصيات التي ساهمت في تأسيس اللوبي الجزائري (The Algerian Lobby) في الولايات المتحدة حيث كان على اتصال وثيق بالسيد شريف قلال الذي كانت تربطه علاقات وثيقة بجون كينيدي الذي نجح في الانتخابات الرئاسية يوم 8 نوفمبر 1960 وتغلب على خصمه ريتشارد نيكسون، وهذا يعد انتصاراً للقضية الجزائرية في الأمم المتحدة وفي عاصمة الحكومة الأمريكية واشنطن د.س إن محبتي له تنبع من غيرته على الوطن وكفاءته العالية في جمع الشمل وتوحيد الجزائريين لخدمة الثورة. ومنذ أن تعرّفت عليه في المؤتمر الثاني لـ U.G.E.M.A، وخلفته في منصب الأمين العام للمالية، وهو يزودني بمعلومات قيمة عن كيفية التجنيد بإقناع الشعب الأمريكي بعدالة القضية الجزائرية، ومنه تعلمت كيف أستدعي الشخصيات العلمية لإلقاء محاضرات عن القضية الجزائرية في الجامعات الأمريكية. وفي سنة 2016 وافته المنية بولاية فلوريدا. رحمه الله وطيب مثواه، لقد كان نعم الرجل الذي خدم الجزائر من بداية حياته إلى غاية وفاته.
[1] (1) Abderrahmane Megateli, De La Wilaya VI aux Etats Unis, Paris: L’Harmattan, 2020, 270 pages.
