الجمعة , 5 مارس 2021

مدخـل إلى علــم الإدارة (*)

إعداد : د. عمار بوحوش (**)

 

       كل مجتمع في يومنا هذا يزخر بالمنظمات التي تسعى لتنظيم أعمالها وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجل تحقيقها. ونجاحها أو فشلها في تحقيق ما تصبو إليه يتوقف على نوعية الأداء الإداري وفعاليته، ومقدرة قادتها على تحديد الأهداف التي تلبي رغبات المجتمع، وخلق أنظمة عمل جيدة تمكنها من تجنيد الموارد البشرية والمادية وتوجيهها بمهارة فائقة حتى تستطيع أن تصل إلى أهدافها المنشودة.

لكن أدوار المنظمات والمؤسسات العامة أو الخاصة بكل بلد والتفاعل بين مختلف الأجهزة الإدارية ونوع التعاون الذي يقام بين مختلف المنظمات الحكومية والخاصة، يختلف من وقت إلى آخر من نظام رأسمالي إلى نظام إسلامي أو اشتراكي. ففي الأنظمة الغربية نجد التفاعل بين المنظمات الإجتماعية يتأثر بفلسفة المنافسة والحرية المطلقة في العمل وعدم تدخل الحكومة في الصراع القائم بين هذه المنظمات إلا إذا خرجت عن الإطار القانوني المرسوم لنشاطاتها وتجاوزته. أما في الأنظمة الإشتراكية فإن التفاعل بين المنظمات يتحدد ويرتبط بمفهوم مركزية المنظمات ونظام المؤسسات العامة التي تدار مركزيا من الداخل ورقابيا من قبل الحكومات لتأكيد الولاء من جانب التنفيذيين للسلطة السياسية العليا(1).

ولهذا، فإن لكل مجتمع فلسفته الخاصة به وتوجد به منظمات ومؤسسات تمارس نشاطاتها وفقا لأسلوب الإدارة والفلسفة التنظيمية التي أقرتها القيادة السياسية بالبلد. كما أن وجود الطاقات البشرية المؤهلة مهنيا ووجود الإمكانيات المادية بكثرة، يؤثران في عمليات التنمية الإدارية ويساهمان في تقوية أو إضعاف الهياكل الإدارية التي تنشأ بقصد تقديم الخدمات للمواطنين ومساعدة كل إنسان في الحصول على الحاجات التي يصعب عليه أن يوفرها لنفسه بمفرده.

ففي داخل المجتمع العربي، مثلا، نجد أن دول الخليج العربي تمتلك الثروة المالية التي تساعد الإدارة العربية بهذه الدول على تلبية حاجات مواطنيها بسرعة مادامت العائدات النفطية متوفرة بكثرة، لكن المشكل أنه ينقص هذه الإدارات، الإطارات الوطنية الكافية لمتطلبات التنمية المحلية بدول الخليج العربي. أما في بعض الدول العربية الأخرى كسوريا والأردن ومصر والجزائر وتونس والمغرب فإنها تمتلك العناصر البشرية المؤهلة والقادرة على إحداث نهضة إدارية شاملة في وقت قصير، إلا أن الإمكانيات المادية المطلوبة غير متوفرة بالشكل المرغوب فيه.

إن هذه الإختلافات في فلسفة وفي طرق التحكم في الأجهزة الإدارية وأساليب توظيف القوى العاملة وتخطيط التنظيم، هي العوامل الرئيسية التي تتحكم في العمليات الإدارية وتنعكس بصفة عامة على الدور الرئيسي الذي تقوم به الإدارة في أي مجتمع. ثم إن القيادة التي تهدف إلى تحقيق سياسة عامة دقيقة، هي بدورها تؤثر بصفة ملموسة في نوعية التنظيم الذي ينبغي أن يؤخذ بعين الإعتبار. فالإدارات، بصفة عامة، ملزمة بالإستجابة لرغبات القادة السياسيين والعمل وفق التعليمات والأوامر والإستراتيجيات التي تأتي من الإدارة العليا.

وكما سنرى في الجزء المتعلق بمفاهيم علم الإدارة، فإن فلسفة الإدارة مستمدة من البيئة والأوضاع الإجتماعية السائدة في كل بلد، والغاية المرجوة من الأهداف المطلوب تحقيقها. فهناك الدولة التي يهمها الفعالية في العمل بينما نجد دولة أخرى يهمها توظيف الأفراد وإعطائهم فرصا لكسب ما يرتزقون به. وهناك الدولة التي تسعى لخلق النوعية في العمل وفي الخدمات بينما هناك دولة أخرى تهتم بالكمية وليس بالنوعية. كما نجد أن بعض الحكومات تتبع سياسة التوازن بين المنظمات وإفساح المجال لها لكي تعمل بحرية ومنافسة شريفة، في حين نجد دولا أخرى تفضل أسلوب التخطيط المركزي الذي يضمن استخدام جميع الموارد الوطنية المادية والطبيعية والبشرية بطريقة علمية وعملية وإنسانية حتى يمكن تحقيق الخير لجميع أفراد الشعب وتعبئة الإقتصاد لإقامة مجتمع أكثر عدالة ومساواة.

مفاهيم رئيسية لعلــم الإدارة

 

  1. الإدارة عبارة عن مؤسسة تقوم بتنفيذ السياسة العامة: تعتبر الإدارة في مفهوم العديد من المفكرين بمثابة تنظيم يسعى إلى حل مشاكل الناس عن طريق خلق تعاون جماعي بين الأفراد بحيث تقدم جميع الخدمات للمواطنين وفق قواعد عامة وقوانين محددة، روعي عند وضعها مصلحة أبناء الشعب والمصلحة العامة. وحسب هذا المفهوم فإن الإدارة العامة هي عبارة عن مؤسسة تتكون من عناصر بشرية وأدوات مادية جاءت بها الدولة ووضعتها في خدمة المواطنين بقصد تطبيق القوانين التي سنتها القيادة السياسية والسلطة التشريعية وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين. فعن طريق هذه المؤسسات الحكومية تقوم الدولة في أي مجتمع بدورها الحيوي المتمثل في المحافظة على الأمن وتحقيق العدالة الإجتماعية والإشراف على التعليم وتوفير الخدمات الصحية والإجتماعية لجميع المواطنين.

وعليه، فإن الإدارة تعتبر هي إحدى الأجهزة الرئيسية للدولة المكلفة بتنفيذ المهام المسندة إليها من القيادة السياسية. وحسب هذا المنطق فإن دور الإدارة لا يتجاوز هذا الخط الفاصل بينها وبين المنظمات الإجتماعية التي تسعى لتحليل الأوضاع وتخطيط سياستها العامة وفق مصالحها الخاصة بها.

وإذا تمعنا قليلا في هذا المفهوم للإدارة فإننا سنجده ناقصا ولا يفي بالغرض. فمن الناحية المنهجية، نلاحظ بسرعة أن علم الإدارة يقوم أساسا على دراسة الأوضاع الإدارية والتعرف على ظروف العمل والواقع المعاش أثناء القيام بالعمل، وليس على مبدأ تنفيذ تعليمات الحكومة المركزية فقط. إن تحليل الوظائف واستخلاص النتائج واختيار أحسن البدائل قد أصبحت بمثابة أساليب أساسية للعمل في المجال الإداري. كما نلاحظ أيضا من الناحية الإيديولوجية أنه من الغلط اعتبار مصالح جميع الفئات الإجتماعية متساوية وأن الدولة قادرة دوما على تحقيق المساواة بين الأقوياء والضعفاء من مواطنيها. فالتغيرات الإجتماعية تفرض على الإدارات العامة أن تقوم بدراسة موازين القوى وسلوك القادة الإداريين والتعرف على الجهات التي ينتمون إليها(1).

 

  1. الإدارة هي عملية تنظيم : بالنسبة للعديد من الأفراد، فإن الإدارة العامة عبارة عن علم يهتم بتنظيم الإنسان وتوجيه طاقاته وجهوده بحيث يتمكن من تحسين مستوى الإنتاج وارتفاع مستوى كفاءته في العمل. وتأتي هذه النظرية كتكملة لنظرية الإدارة كمؤسسة. فالتنظيم قد جاء ليوحد الأهداف المشتركة للناس ويربط بين المصالح المشتركة ككل إلى درجة أن المؤسسات تصبح أداة للتوازن الإجتماعي بعد أن كانت أداة في يد أصحاب المال والنفوذ السياسي والطبقات الأرستقراطية. ويلاحظ هنا أن مفهوم الإدارة العامة لا ينحصر في الإدارة الحكومية وإنما يتعداه إلى أبعد من ذلك، إذ أن الإدارة تعني هنا أية مؤسسة يتم فيها التعاقد بين العمال والإدارة العامة للمؤسسة للقيام بمهام معينة مقابل الحصول على أجر معين، سواء كان يوميا أو شهريا.

واعتمدت نظرية الإدارة المرتبطة بالتنظيم على فلسفة العقلانية والرشادة في العمل. وقد كان أحد قادتها البارزين فريدريك تايلور الذي بلور فكرة الإدارة العلمية والتي كانت تهدف في الأساس إلى زيادة الإنتاج عن طريق تدريب العمال ومنحهم مكافآت مادية لتشجيعهم على مضاعفة جهودهم، والإعتماد على خبراء متخصصين في ميادين الإشراف والمتابعة والمراقبة. وبفضل الأساليب الجديدة في الإدارة، حسب وجهة نظر تايلور، يستطيع العمال أن يحصلوا على مكافآت مالية تمكنهم من التغلب على المشاكل المالية، وصرف طاقاتهم في الأعمال المفيدة والإبتعاد عن الصراعات الطبقية بين العمال والإدارة وخلق جو جديد تسوده الثقة المتبادلة بين العمال والإدارة.

إلا أن هذا المفهوم للإدارة قد تغير بمرور الزمن وأصبح لا يتماشى وروح العصر. فتسخير العامل لأغراض المؤسسات الصناعية واعتباره بمثابة آلة في يد أصحاب المال والنفوذ، بالإضافة إلى بروز تكنولوجيا متطورة أصبحت تهدد العمال بالبطالة واحلال الآلة محلهم، قد أديا إلى تغيير مجرى الأمور. كما أن المنظمات والنقابات أصبحت تتصارع فيما بينها لتدعيم نفوذ قادتها وتقليدهم مناصب سياسية ووظائف عليا بالدولة قد أثرت عكسيا في نظرية التنظيم الإداري.

 

  1. الإدارة هي تحليل الوظائف والهياكل ووضع الإستراتيجيات: هناك مفهوم آخر للإدارة قريب من المفهوم السابق الذي أشرنا إليه آنفا والمتمثل في التنظيم واستعمال العقلانية وتجنيد العمال أو تحفيزهم لخدمة مؤسستهم. وحسب هذا المفهوم الجديد فإن كلمة الإدارة تعني تحليل الوظائف ودراسة المهام وإنشاء الهياكل الملائمة لكل تنظيم(1). وقد أتى بهذه النظرية المفكر الفرنسي هنري فيول في عام 1916. فالوحدات الإدارية في أية مؤسسة تقوم بواجباتها المناطة بها لكي تحقق الأهداف العامة للمؤسسة، وهذا يتطلب وضع استراتيجية متكاملة لجميع الوحدات، وتقسيم العمل بين العمال ووحدات الإنتاج، ووضع الخرائط التنظيمية والهياكل الضرورية التي يتعين على المؤسسة الإعتماد عليها سواء أثناء التوظيف أو إنجاز الأعمال.

وتمتاز هذه النظرية بتركيزها على الجوانب الإستراتيجية والعملية في أية مؤسسة، حيث أنه يتعين على المسؤولين أن يدرسوا ويحللوا وضعية كل قطاع أو وحدة إدارية ووضع المخطط التنظيمي لها حتى تتمكن المؤسسة، في النهاية، من خلق وحدات إنتاجية قادرة على تلبية الحاجات الإجتماعية والتغلب على الصعاب التي تبرز من حين لآخر.

وبيد أن هذه النظرية القريبة من نظرية ماكس ويبر الذي يعتبر البيروقراطية بمثابة جهاز متخصص في الإدارة وقادر على توجيه الأمور حسب أهوائه، تعاني من بعض النقائص التي تطغى عليها. فالقيادات السياسية والإدارية عندما تخطط وتوجه، تسن القوانين التي تسمح لها بسط نفوذها والتحكم في الآخرين. كما أن الجماعات المنظمة والتي تؤثر في القرارات السياسية هي التي تسيطر على كل شيء ومصالحها الخاصة تؤخذ بعين الإعتبار عند اتخاذ القرارات أكثر من المصلحة العامة. ثم إن فكرة العقلانية في التخطيط ووضع الإستراتيجيات وحسن التوجيه، هي محدودة وكل شيء يتوقف على أخلاق وقيم وذكاء الأفراد الذين يشرفون على التسيير وبيدهم السلطة واتخاذ القرارات النهائية(1).

 

  1. الإدارة هي فن التوجيه والمعرفة الصحية لإحتياجات المجتمع: بعد أن حصل تقدم في التكنولوجيا وإلمام كبير بفنيات التخطيط وحسن استغلال المعلومات، أصبح السؤال المطروح بالنسبة لرجال الإدارة هو : كيف يمكن خلق الجو المناسب للعمل ووضوح الأهداف المنشودة بالنسبة للقادة الذين يضعون الإستراتيجيات والعمال الذين تسند إليهم مهمة التنفيذ. وفي رأي هيربرت سايمون الذي يعطي أهمية كبيرة لإتخاذ القرارات الصحيحة في الإدارة، أن القيادة هي التي تعطي معنى للإدارة لأن القادة هم الذين يستعملون ذكاءهم ويجيدون فن توجيه الآخرين والتأثير فيهم ويعرفون أنواع التكنولوجيا المراد استعمالها لتحقيق الأهداف المنشودة، وهم الذين يمكن أن يعول عليهم الإنسان لحل مشاكله بمهارة ومقدرة فائقة. ويستخلص من هذا الرأي أن علم الإدارة هو فن المعرفة الصحيحة لما ينبغي أن يوضع كهدف، ثم إقناع العمال والتأثير فيهم بحيث يحققون الأهداف المرسومة بأحسن الطرق العلمية المتوفرة في وقت الإنجـــاز(2).

إن هذا المفهوم للإدارة مرتبط بتصرفات الناس وبقيمهم الإجتماعية ورغبتهم في العمل لتحقيق المصلحة العامة وترجيحها على المصلحة الخاصة. فمن الناحية النظرية، يبدو أن ما قاله هذا المفكر جيد للغاية ويعبر عن الحلول الجذرية للمشاكل العويصة التي تواجهها الإدارة المعاصرة والمتمثلة في عدم وضوح الرؤيا بالنسبة للأهداف، والتهاون في التخطيط، واتخاذ القرارات الإرتجالية. لكن المشكل هنا هو كيف يمكن التحكم في عمليات اختيار الرجال الذين يعرفون كيف يعملون بذكاء، وبأنهم يحملون قيما أخلاقية عالية، وعندهم إلمام واسع بفنيات التكنولوجيا وفن إقناع العمال بتنفيذ خططهم المرسومة. إن المشكلة الرئيسية التي تواجه المجتمع الحديث، بصفة عامة، هي وضع الرجال الأوفياء وأصحاب الطاعة العمياء في المناصب العليا، وليس أصحاب المعرفة أو من يحملون أخلاقا عليا ويتمتعون بكفاءات معترف بها محليا ودوليـــا.

 

  1. الإدارة هي التحفيز والتعاون بين العاملين ومؤسساتهم: بعد انتشار التعليم وتوسع نفوذ الدولة في ميادين التشريع وسن القوانين التي تحمي العمال من الإجراءات التعسفية والإعتراف بحقوقهم الكاملة في المساواة والعدالة الإجتماعية والديموقراطية في التنظيم، أصبح مفهوم الإدارة هو أيجاد الوسائل التي تساعد على خلق نوع من التفاهم والإنسجام بين القادة الإداريين وقادة العمال وذلك عن طريق الحوار وتحسين ظروف العمل وتنظيم المؤسسات حسبما تقتضي مصلحة الإدارة ومصلحة العمال. وبكلمة أكثر وضوحا، فإن هدف الإدارة هو تحفيز العمال وتشجيعهم على الإنتاج وخلق ثقة متبادلة بين المؤسسات والعاملين فيها. فالمنظمات العمالية والمؤسسات الإدارية قد قبلت بفكرة التعايش ومهادنة بعضها البعض، وإعطاء أهمية كبيرة للعاملين الذين يطمعون لتحسين مستواهم المادي والحصول على مناصب عليا إذا أظهروا كفاءة في العمل، وإعطائهم فرص التكوين وتحسين مستواهم المهني حتى يفيدوا ويستفيدوا أثناء مزاولتهم للعمل.

إن هذه الأفكار والمفاهيم للإدارة قد برزت بشكل خاص في كتابات العديد من المفكرين أمثال كريس أرجيراس Chris Argyris والكاتبة المرموقة ميري باركر فولت Mary Parker Follett وعالم النفس المشهور أبراهم ماسلوا Abraham Maslow والمفكر المشهور دوغلاس ماك كريجور Douglas Mc Gregor، الذين اعتبروا التسلط الإداري والمركزية في إتخاذ القرارات والتنافس على الزعامات وعلى المال، من أسوأ العوامل التي تضر بمصالح العمال والمؤسسات الوطنية في أي بلد. فالقادة الإداريون في رأيهم، مطالبون بالبحث عن أساليب أكثر جوهرية للتعامل مع العمال الذين هم رأس مال أية مؤسسة حتى يمكنهم إجتياز العقبات التي تواجههم في العمل بثقة وأمان. كما أن المنظمات في رأي هؤلاء الكتاب مطالبة بإعادة النظر في هياكلها وتطويرها حسبما تقتضي ظروف العمل والبيئة والتخلي عن فكرة جمع الأرباح بأية صفة
كانـت (1).

إن نظرية التحفيز والتعاون بين العاملين ومؤسساتهم قد حففت من الضغوط التي تمارسها المؤسسات على العمال، وخاصة القيود التي تجبرهم على الانصياع إلى أوامر رؤسائهم وحرمانهم من لقمة العيش إن هم أقدموا على تحدي المسؤلين الإداريين. لكن المشكل الذي ترتب عن هذا الأسلوب الجديد في الإدارة هو أن العمال يحرصون على المطالبة بحقوقهم ومكافآتهم وترقياتهم إلى مناصب عليا ولا يحرصون بالمقابل على زيادة الإنتاج وتقديم الخدمات بطرق فعالـة. إن الضمانات المعطاة لهم من نواحي المنصب والترسيم في الوظيفة ومزايا الضمان الإجتماعي قد دفعت بالعمال إلى بدل مجهود أقل والتباطؤ في أداء المهام والتراخي في القيام بالمسؤولية المسندة إليهم، مادام الراتب مضمون في نهاية الشهـر!!

 

  1. الإدارة هي المشاركة في تحديد الأهداف واتخاذ القـرارات: من الظواهر الإجتماعية الهامة في النصف الثاني من القرن العشرين محاولات إشراك العمال والطلاب والفلاحين في الإجتماعات الإدارية والمساهمة في تحديد الأهداف والإختيارات التي تسعى أية إدارة لتحقيقها في المدى البعيد والمدى القصير. وهكذا أصبح مفهوم الإدارة هو خلق التعاون الفعال بين القادة الإداريين والمنفذين الذين تنطبق عليهم القرارات المتخذة، لأن الأهداف لا تتحقق إلا إذا كان هناك إجماع على قبولها وتفهم واضح لأبعادها ووعي كامل بمراميها. لقد اقتنع العديد من المسيرين في الإدارات الحكومية والشركات الوطنية بأن نجاح المؤسسة يتوقف على تحديد الأهداف بطريقة جماعية والإتفاق على استراتيجية عامة مقبولة من طرف المخططين والمنفذين. وفي حالة ما إذا كان هناك نقاش شامل للأهداف العامة والتزم كل طرف بتنفيذ الخطة المدروسة، فإن مهمة المدير الإداري تكون سهلة للغاية، وبالتالي يمكن تحقيق الأهداف المنشودة والمتفق عليها مقدمـا(2).

إن هذا المفهوم للإدارة قد انتشر وأصبحت المؤسسات تعقد الاجتماعات المشتركة بين المخططين والمنفذين وتحثهم على تقديم اقتراحات والتوصل إلى اتفاق شامل بشأن العمل في المستقبل. وبهذه الطريقة يتحول دور المدير الإداري إلى دور المتابعة والإشراف والتوجيه بدلا من القيام بدور الشرطي في المؤسسة. ويلاحظ هنا أن بعض المؤسسات تكافئ عمالها بتقاسم الأرباح ودفع العلاوات وتحسين مستوى الخدمات في حالة نجاح الخطة العامة المرسومـة.

ولعل المشكل الكبير الذي تواجهه الإدارة في هذا الميدان هو قلة الوعي وعدم توفر الرغبة الصادقة للتعاون بين المسيرين وبين العمال وتخوف كل طرف من الطرف الآخر. وإذا كان هذا النوع من الإدارة يتسم بالديمقراطية والعمل الجماعي ووضوح الأهداف، وهذه مزايا كبيرة، فإن العقبات الرئيسية التي تواجه الإدارة بالمشاركة في وضع الأهداف واتخاذ القرارات تتمثل في صعوبة الإتفاق على استراتيجيـة موحدة، وكثرة التعديلات الكبيـرة التي يتم إدخالها على أي مشروع يسبب الجدل الطويل، والتباطؤ الكبير في اتخاذ القرارات، وتشتت السلطـة.

 

  1. الإدارة هي بلوغ الأهدف وتحقيق النتائج: من المفاهيم الحديثة في ميدان الإدارة أن القائد أو المسؤول الإداري الكبير هو الذي يلتزم بخلق الظروف الملائمة للعمل وتقييم خطط العمل وإدخال التحسينات الضروريـة على استراتيجية العمل، وبلوغ الأهداف المنشودة وتحقيق النتائج المطلوبة. وحسـب هذا المفهوم، فإن الإدارة تعني إثراء الخطة وتحفيز العمال وإظهار الإستعداد لتغيير الهياكل غير الملائمة وإعطا مسؤولية كاملة للعامل بحيث يتصرف حسبما تقتضي الظروف، والشيء المهم هو أن نتيجة العمل تكون في المستوى المطلوب وأن كل طرف يقوم بواجباته بدون تدخل من الطرف الآخـر(1).

فالعبرة بالإدارة في الثمانينات هي الفعالية في العمل، والتركيز على ما سيحصل في المستقبل، وإعطاء أهمية أكثر للعمال الذين يحققون النتائج الإيجابية، وتشجيع الإبداع بدلا من الإكتفاء بالروتين، وتدعيم العمل الجماعي (1). وحسب هذا المفهوم للإدارة فإن أهمية الإدارة تكمن في حتمية تغيير الأهداف عندما تقتضي الضرورة وبالتالي تغيير الوظائف بسرعة، وإعطاء فرص للعمال لكي يثبتوا ذاتهم وتحسين مستواهم، بالإضافة إلى الرغبة في الحصول على نتائج منشودة وليس مراقبة نشاطات العمال والتحكم فيهم.

 

تعاريف الإدارة

 

لقد أتيت على ذكر المفاهيم الرئيسية لعلم الإدارة لأوضح أن المنهجية تختلف باختلاف الظروف البيئية والأيديولوجية السائدة في كل مجتمع وحقول المعرفة أو الإختصاص. ونستخلص من هذا أن نظرة المفكرين إلى علم الإدارة تختلف باختلاف التصور الذي يحملونه في أذهانهم عن دور الإدارة في المجتمع الذي عاشوا فيـه.

 

التعريف الأول : الإدارة هي الجهاز التنفيذي المكلف بتطبيق قوانين الدولة وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين وذلك في إطار القوانين المرسومة والأهداف التي وضعتها القيادة السياسية في خططها السياسية والإقتصادية والإجتماعية (2). وعليه، فإن علم الإدارة يهتم بصفة خاصة برؤساء الحكومات وبالبرلمانيين الذين يتم انتخابهم من طرف الشعوب لكي يناقشوا السياسة العامة للدولة ويحددوا أهدافها الدقيقة ويعطوها صفة المشروعية ثم يحيلوها إلى الجهاز التنفيذي لتحويلها من نظريات إلى أعمال ملموسـة.

 

التعريف الثانـي : الإدارة هي عملية تنظيم وتحليل وإدارة القوى البشرية والمادية لتحقيق الأهداف والمشاريع التي أعدتها الحكومة. ويلاحظ هنا أن هذا التعريف يختلف عن التعريف الأول اختلافا جوهريا، إذ أن الإدارة ليست أداة تنفيذ فقط وإنما هي وسيلة فعالة في تخطيط وتجنيد الأفراد العاملين لخدمة الجمهور ومراقبته وجعله يتماشى وسياسة الدولـة.

 

التعريف الثالـث: الإدارة هي تحليل وتعديل الوظائف ووضع الإستراتيجيات التي تساهم بها الدولة في رفع مستوى الدخل وخلق الظروف الملائمة التي تجعل أبناء الشعب يتمتعون بحياة سعيدة (1). ونستنتج من هذا التعريف أن دور الحكومة اقتصادي وسياسي واجتماعي ولا يقتصر على تقديم الخدمات وإنما يمتد إلى جميع القطاعات الحيوية للمجتمع ككل. فعن طريق السياسات التي تقررها القيادة، يستطيع الإداريون أن يؤثروا في المجتمع ومستقبله سواء على مستوى العائلة أو المدرسة أو الجامعة
أو المؤسسة الإداريـة.

 

التعريف الرابـع : الإدارة هي فن التوجيه من طرف القيادة والمعرفة الصحيحة لما يريد القائد من مساعديه أن يقوموا بعمله لكي تتحقق الأهداف المنشودة بأحسن طريقة ممكنة. ومن الواضح أن هذا التعريف يمتاز بالتركيز على الدور الإيجابي للقائد في إقناع العمل بالتجاوب مع خططه، والإعتماد على أحسن الأساليب لتحقيق النتائج المطلوبة. كما يستمد هذا التعريف قوته من الجمع بين القيم الإجتماعية وفنيات العمل فـي الإدارة(2).

 

التعريف الخامـس : الإدارة هي الإرادة والمقدرة على تنظيم وتحفيز العاملين بحيث أن مجهوداتهم وطاقاتهم تصرف في تحقيق الأهداف المشتركة. والفكرة الأساسية التي يمكن الخروج بها من هذا التعريف هي أن الإدارة تهدف في الأصل إلى تحديد الأهداف المشتركة ثم تجنيد الأفراد للعمل وحثهم على التعاون فيما بينهم وبين الإدارة حتى يساهم الجميع في خدمة القضايا المشتركة التي يمكننا أن نسميها بالمصلحة العامة. ولعل المشكل الذي يطرح هنا : كيف يمكن فصل مصالح الأفراد عن مصالح المؤسسات ومصالح الجمهور ؟ فلكل مصلحته الخاصة به وأهدافه البعيدة المدى، ومن الصعب الاتفاق على أية خطة لا تلبي الإحتياجات الأساسية لأي طـرف.

 

التعريف السـادس : الإدارة هي مشاركة العمال في إتخاذ القرارات والإستفادة من خبرتهم ومعرفتهم بأساليب العمل حتى تكون الأهداف واضحة للإدارة والعمال واستراتيجية العمل مستمدة من الواقع المعاشي وليس فقط من النظريات التجريدية. إنه لمن الواضح أن هذا التعريف يتميز عن غيره من التعاريف السابقة بالروح الديمقراطية وتقييم خطط العمل قبل الشروع في تنفيذها وتقاسم أعباء العمل والمسؤولية بين العمال والإدارة. إلا أن العقبة الكبيرة التي تعترض منهجية المشاركة في اتخاذ القرارات هي أن أغلب الأفراد يفضلون القيام بالواجبات المسندة إليهم ولا يرغبون في إرهاق أنفسهم بأعمال أخرى إضافية. وتبرز أهمية المشاركة عندما يشعر الأفراد بالمسؤولية ويمارسون أعمالهم المطلوبة منهم على مستوى التنفيذ ومستوى إثراء الخطة والتخلص من الأخطاء قبل الشروع في تنفيذخطة العمـل.

 

التعريف السابـع : الإدارة هي أن يتمكن الأفراد من رؤساء ومرؤسين من القيام بجهود مشتركة ويتحدد دور كل فئة بحيث تستطيع المؤسسة أن تحقق النتائج المطلوبة بالأسلوب المتفق عليه بين الرؤسا والمرؤوسيـن(1).

وتكمن قوة هذا التعريف في الحرص على خلق الفعالية في التنظيم وتحسين مستوى الأفراد العاملين. فالشيء المطلوب بالدرجة الأولى هو قدرة التنظيم على تحديد الأهداف مسبقا والتزام الرئيس والمرؤوس بأداء الواجبات المسندة إليهما بأحسن الطرق وأنجحها، ومحاسبته على النتيجة في نهاية المطاف. وبهذا الأسلوب تستطيع الإدارة أن تتخلص من الروتين وتخفيف الأعباء على نفسها وحصولها على النتائج المحددة في الخطة المتفق عليـها.

ونستخلص من هذه المفاهيم والتعاريف أن علم الإدارة يتمثل في تخطيط السياسة العامة للدولة والبحث عن الأساليب الفعالة لوضع تلك الخطط حيز التنفيذ وتحويلها من نظريات على الورق إلى نتائج ملموسة يقطف ثمارها كل مواطن. وخلافا لما يتصور الكثير من الناس، فإن دور الإدارة لا يقتصر على تقديم الخدمات للمواطنين وحل مشاكل أبناء الشعب حسبما تنص عليه القوانين الجاري العمل بها فحسب، بل يمتد دورها إلى حماية جميع الأفراد من الظلم، وتوفير الأمن، وفرض الضرائب وحرمان الأفراد من القيام بأي عمل لا يروق لرجال الإدارة أن يقوم به أي مواطن. كما أن قوة الإدارة مستمدة من قوة السلطة المركزية، وبالتالي فإن علم الإدارة يهتم بصفة خاصة بتحديد الحقوق والواجبات للمواطنين، وتوزيع الثروات والأموال على المؤسسات لتمكينها من إنجاز المهام المسندة إليها، وتوجيه الأفراد وتقديم المساعدة إليهم لإعانتهم على تنفيذ السياسة العامة للدولة بأحسن الأساليب العلمية التي يعرفها العقل البشـري.

 

المراجع العربيـة :

  • النظم والعمليات الإدارية والتنظيمية / فريد راغب – الكويت : وكالة المطبوعات، 1977.
  • دراسات في الإدارة العامة / عبد الغفور يونس، الإسكندرية : المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، 1967.
  • الإدار بالأهداف في المؤسسات العامة (دراسة غير منشورة) عمار بوحوش – عمان : المنظمة العربية للعلوم الإداريـة، 1986

 

المراجع الأجنبيـة :

  • Michel Crazier « Sentiments, organisation et systems ». Revue française de sociologie, N° M et 12, Number Special, 1970, 71.
  • Nain et M. Lowy, Goldman, Paris : Seghens, 1973.
  • John Pfippner and Robert Prethus, Public Administration. New York: The Ronald Press Company, 1965.

(*) دراسة منشورة بمجلة الإداري، سلطنة عمان، العدد 18، سبتمبر، 1984، ص 71-82.

(**) أستاذ بالجامعة الأردنية.

(1)  فريد راغب النجار، التنظيم والعمليات الإدارية، الكويت وكالة المطبوعات، 1977، ص 130-131.

(1)  Michel Crazier, « Sentiments, Organisation et systèmes », Revue Française de sociologie,
pp . 141-154.

(1) ولهذا نلاحظ أن بعض الكتاب يركزون في دراسات الإدارة العامة على العلاقة بين الأجهزة التنفيذية والقوى في المجتمع. ومعنى ذلك أن الإدارة الحكومية تهتم بصفة خاصة بالمسائل المتعلقة بالبرامج، ومستويات الحكومة والمسائل الأيديولوجية، وأنواع الجماعات داخل التنظيم، والقواعد التنفيذية التي يتم نطبيقها في المجال الإداري. أنظر : عبد الغفور يونس في كتابه : دراسات في الإدارة العامة، ص 14.

(1)  S.Nair et M.Lowy, Goldman, Paris : Seghers, 1973,  p. 27.

(2)  Hodgkinson, Op-cit, p. 10.

(1)  Ibid, pp 10-11.

(2)  Roger Talbarrt « Looking into the Future : Management in the Twentieth Century » Management Review, Vol. 70, N° 3 (March) 1981, p. 25.

(1) عمار بوحوش، الإدارة بالأهداف في المؤسسات العامة، ص 5-9.

(1) نفس المرجع، ص 20.

(2)  Marshall E, Dimock and Gladyys O. Dimock, Public Administration,  New York: Holt Rinehart, 1969, p. 5.

(1)  John Pfiffner and Robert Prethus, Public Administration, New York : The Ronald Press Company, 1956, p. 8.

(2)  Ibid, p 8.

(1) وهناك تعاريف أخرى كثيرة للتوسع، يمكن مراجعة :

أ/- محمد ابراهيم عنبر، الضوابط العلمية والقانونية للإدارة العامة، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973.

ب/- محمود عساف، أصول الإدارة، القاهرة : مكتب لطفي للآلات الكاتبة، 1979.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *