الجمعة , 26 فبراير 2021

مراجعة كتاب  المصير العربي من عام 1990 إلى عام 2020 عرض واقعي ونظرة مستقبليــة(*)

 

تأليف المحامي خليل الجهماني(**)

عرض: الدكتور عمار بوحوش (***)

 

المصير العربي عنوان مثير ولافت للإنتباه وخاصة في هذه الفترة الصعبة التي تجتازها أمتنا العربية، والنظام الدولي قد طرأت عليه تغيرات جذرية. ولعل الشيء الذي يضفي على الكتاب نوعا من الإثارة والتشوق لمعرفة محتوى الكتاب هو أن مؤلفه يتمتع بخبرة كبيرة في التخطيط والإحصاء، واشتغل مدة طويلة في منظمات دولية وإقليمية ذات تأثير دولي مرموق على المستوى العالمي مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة. وعليه، فإن خلاصة تجربته ومهارته في تحليل الاحصائيات المتوفرة لدى هذه الهيئات الدولية تعتبر أساسية لفهم واقعنا العربي والتمعن في مستقبلنا ضمن هذه الكتل الدولية التي أصبحت تهيمن على العالم الذي نعيش فيـه.

وبكل بساطة، فإن الكتاب يشتمل على خمسة فصول خصصها المؤلف إلى (1) الوضع الراهن للاقتصاد العالمي و(2) لمراكز القوة الحالية والمرتقبة في النظام العالمي، و(3) للوضع الإقتصادي الراهن في الوطن العربي، و(4) لعناصر القوة في الاقتصاد العربي، و(5) لقراءة في المستقبل الاقتصادي العربي.

وفي مقدمة الكتاب تعرض الكاتب إلى بعض الظواهر المخيفة والمؤلمة التي تعطي انطباعا بأن الأمة العربية تواجه أخطارا كبيرة وهي مجردة من كل سلاح ضروري وفعال. فالقيادة الفوقية تعيش في جو مضطرب وغير قادرة على التحكم في زمام الأمور، ومعظم المؤسسات العربية تبدو عقيمة في أدائها، والجماهير العربية تشعر بالإحباط والقنوط، لأن حركاتها التاريخية العريقة والجيوش العصرية لحكوماتها تبدو غير قادرة على مواجهة الصعاب والمشاكل التي يتخبط فيها أبناء الأقطار العربية، وهذا بالرغم من وجود إمكانات وطاقات وثروات تزخر بها معظم الأقطار العربية. وأكد الباحث أن هناك شعور وإحساس عام بوجود خديعة ودسائس تدبر في الخفاء لإبقاء الدول العربية مشتتة وغير قادرة على التخلص من خضوعها لهيمنة النظام العالمي الجديد. وخلص المؤلف إلى القول بأن قبضة الإحتكارات العالمية تبدو محكمة إلى درجة أنه لا يمكن للدول العربية أن تفلت من يدها، وأنه لامفر من إستياء النظام الإحتكاري العالمي عل السوق الدولية ومناطق الثروات الأساسية في الدول النامية، وأشار الباحث إلى أن الأزمة الحالية هي أزمة عالمية وغير مقتصرة على الأمة العربية، ولا يمكن أن تزول الوظائف السلبية لهذا النظام العالمي إلا بزواله ولا تتغير إلا بتغييره. وفي جميع الحالات، لن تسمح إدارات النظام العالمي بقيام أية كتلة جهوية أو دولية منافسة للنظام الإحتكاري الموجود لأن الكف عن سعيه لإبقاء دول العالم الثالث خاضعة لهيمنته معناه الكف عن استمرار بقائه على قيد الحياة.

وبعد هذه المقدمة الهادفة لشرح أبعاد مشكلة الصراع القائم حول إحتكار النفوذ والثروة في العام من طرف القوى الكبرى في وقتنا الراهن، انتقل الكاتب في الفصل الأول إلى تحليل الوضع الراهن للإقتصاد العالمي، وأشار إلى أن حقبة الثمانينات من هذا القرن قد جلبت معها تصعيدات حادة في أزمة الإقتصاد العالمي حيث تراخى معدل نمو الإقتصاد العالمي عام 1990 أكثر مما كان عليه في الأعوام السابقة، إذ هبط نمو الناتج العالمي إلى 2,1% في سنة 1990 مقابل 3,3% في سنة 1989و 4,5% في سنة 1988. كما أوضح المؤلف أن معدل النمو الإقتصادي قد انخفض في البلدان الصناعية من 3,3% سنة 1987 إلى 2,6% في سنة 1990. وتأثرت الدول الصناعية كذلك بالنمو في الأداء الإقتصادي لدول أوروبا الشرقية. وبعد أن خسرت دول الكتلة الشرقية مواقعها المتقدمة في الأسواق العالمية، ظهرت في قلب المجموعة الصناعية الرأسمالية حالات متباينة في معدلات النمو الاقتصادي، والتضخم، والبطالة، وصراع على مناطق النفوذ، والسعي لاحتلال مواقع متقدمة في الاقتصاد العالمي والسيطرة على موارد الجنوب. وعلى عكس الولايات المتحدة تماما، نجد أن معدل نمو الناتج القومي الياباني بلغ 5,6% في عام 1990 في حين لم يكن يتجاوز نسبة 2,6% في عام 1986. وارتفعت نسبة الصادرات اليابانية إلى دول الجنوب من 62,9% في عام 1984 إلى 77% عام 1990. كما تصاعدت حصة السوق اليابانية من الصادرات الآسيوية إلى العالم من 47% عام 1984 إلى نحو 60% عام 1990 (ص 29). وبالنسبة لدول الاتحاد الأوروبين فإنها تسعى جميعا إلى معالجة همومها الاقتصادية الآنية والمستقبلية ضمن إطار المجموعة الأوروبية وذلك في محاولة للخروج من الدائرة الأمريكية. واختتم المؤلف هذا الفصل الأول بتحليله الشيق للديون المتراكمة على الدول النامية حيث وصلت في نهاية 1990 إلى ما يزيد عن 1320 مليار دولار. فقد ارتفعت نسبة المديونية الخارجية في سنة 1990 إلى 288% بعدما كانت لا تتجاوز 50% في بداية عقد الثمانينات. وهذا يعني في الحقيقة زيادة تبعية اقتصاديات الجنوب للدول والمؤسسات الأجنبية الدائنة، وضعف القدرة على تسديد القروض. وخلاصة القول حول هذا الموضوع، أن الدول الكبرى قد أحكمت السيطرة على اقتصاديات الغالبية العظمى من دول الجنوب عن طريق تشجيعها على زيادة حجم المسحوبات من أصل اقتراضات جديدة وإغراقها في الأعباء إلى درجة تزايد مخيف للإلتزامات تجاه العالم الخارجي، مما استوجب تصاعد الزيادات الصافية في تدفق رؤوس الأموال من الدول النامية إلى الدول الصناعية الرأسمالية، وبالتالي استخدام ثروات دول الجنوب وتوظيفها لصالح بيوت المال الأجنبية بدلا من استثمار ثروات الدول النامية في مشاريع محلية وتوفير الغذاء والشغل للمواطنين المحرومين في كل بلد نامـي.

وفي المرحلة الثانية أو الفصل الثاني من كتابه يتعرض المحامي خليل الجهماني إلى مراكز القوة الحالية والمرتقبة في النظام الدولي العالمي حيث عرفت الدول الرأسمالية كيف تحصن نفسها في العالم ضد الشيوعية وضد الاختراق والتوسع السوفياتي، وتأزيم الصراع الصيني-السوفياتي في عام 1965 إلى درجة أحداث شلل تام في قلب المعسكر الاشتراكي. واعتبر الكاتب تغييب الديمقراطية في المؤسسات وترسيخ الولاءات الشخصية وتوسيع دائرة الإمتيازات والمحسوبيات واستخدام الأساليب القسرية لتصفية سائر أشكال النقد والمعارضة، من أهم العوامل السلبية التي أدت إلى انهيار المعسكر الاشتراكي في بداية التسعينات. كما أشار إلى أن سيطرة الروتين والروح البيروقراطية على المؤسسات الحكومية والانتاجية والادارية، بالإضافة إلى غياب المنافسة المبدعة وانعدام الحوافز المادية، قد حال دون نجاح العلماء السوفيات في تطوير التكنولوجيا والاستجابة للحاجات المتجددة لعملية الانتاج والارتقاء بقطاع الصناعة إلى مستوى مثيله في الدول الرأسمالية. ونتيجة لهذه العراقيل اتسعت الفجوة التكنولوجية وازداد اعتماد المنظومة الاشتراكية على استيراد التكنولوجيا من الغرب وخضعت دول الكتلة الاشتراكية لقانون التبادل غير المتكافئ. وحسب توقعات مؤلف هذا الكتاب، فإن الدول الرأسمالية هي التي ستبقى مسيطرة على الاقتصاد العالمي إلى نهاية القرن القادم. وإذا كان هناك صراع وتنافس بين هذه القوى الرأسمالية، فإنه لا يستهدف تغيير الوظيفة الرأسمالية وطبيعتها الاستغلالية وإنما يستهدف إعادة ترتيب الأولويات، والتبديل في موازين القوى، والتسابق على احتلال مواقع القيادة في النظام الرأسمالي العالمي (ص 55).

وبالنسبة للوضع الاقتصادي الراهن في الوطن العربي، فقد خصص له المؤلف الفصل الثالث وأعطاه ما يستحق من التحليل والتوضيح. ومنذ البداية أشار الكاتب إلى مسألة التلاعب بأسعار البترول من طرف الدول الصناعية واضطراب سوق النقد الدولية والتقلبات الشديدة في أسعار العملات الصعبة. ونتيجة لهذه الآثار السلبية تراجعت الإيرادات النفطية للدول العربية من 212 مليار دولار في عام 1980 إلى 69 مليار في سنة 1989. وانعكس انخفاض الإيرادات على تخفيض حجم الانفاق الاستثماري على البرامج التنموية في كل الدول العربية، وتقلصت الاعانات الممنوحة من طرف الدول النفطية إلى الدول العربية غير المنتجة للنفط، وبالتالي، التجأت الدول العربية الفقيرة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على فئات المجتمع المحدودة الدخل لتعويض النقص المالي الموجود في خزينة كل دولة. وكلما تقلص الانفاق على المشاريع الاستثمارية انخفض مستوى الدخل، ارتفعت أسعار السلع ونسبة التضخم وخاصة في مجال المواد الاستهلاكية التي يكثر عليها الطلب. وأبدى المؤلف تخوفه من سوء توزيع الثروة في البلدان العربية بحيث يصير الفقر هو عنوان المستقبل. فقد لاحظ أن حصة الفرد من الناتج في الدول النفطية تراجع من 7860 دولار أمريكي في سنة 1980 إلى 3730 دولار في سنة 1991. وإذا كان معدل نصيب الفرد العربي من الناتج المحلي يصل في بعض الدول النفطية إلى 16000 دولار أمريكي (مثل ما هو موجود في الامارات العربية المتحدة) وينخفض إلى 2200 دولار في الجزائر، فإن الدول العربية غير النفطية تعاني من الفقر حيث يبلغ معدل دخل الفرد السنوي حوالي 1550 دولار أمريكي في الأردن، وفي سوريا حوالي 1426 دولار، وفي تونس 1285 دولار، وفي المغرب 918 دولار، وينخفض متوسط حصة الفرد من الناتج إلى أقل من 500 دولار في جيبوتي والسودان والصومال ومصر وموريتانيا واليمن
(ص 68). وأبدى الكاتب امتعاضه من التخلف التكنولوجي في المجال الاقتصادي حيث فشلت الصناعات العربية في إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد العربي لأنها انحصرت في الأطر القطرية الضيقة، والكثير من منتجات المصانع العربية تجد لها زبائن في السوق العربية ذاتها. وإذا كانت بعض البلدان العربية غير النفطية مثل مصر وسورية ولبنان والمغرب وتونس قد نجحت نسبيا في إنشاء صناعات محلية بديلة للمستوردات وذلك بقصد اشباع الإستهلاك المحلي، فإن هذه الصناعات غير متجانسة وغير قابلة للتبادل التجاري داخل الأسواق العربية بسبب تدني الانتاجية ورداءة الصنعة وارتفاع التكلفة، ولهذه الأسباب لا تستطيع مزاحمة السلع الأجنبية التي تدخل إلى الأسواق العربية تحت شعار تحرير التجارة. أما في الدول المنتجة للنفط فلم يكن هناك توجه لإنشاء صناعات بديلة للمستوردات وذلك بسبب توفر العملة الصعبة. وانتقد المؤلف بشدة موقف الدول العربية السلبي من عدم التوجه نحو تحقيق تنمية متوازنة في الإطار العربي، وأعاب عليها الاعتماد على النفط اعتمادا يكاد يكون كليا في عقود الإستشراف، وهي العقود الأربعة القادمة، والعمر المقدر لتراجع الإنتاج ونضوب الإحتياطات النفطية. وتساءل الكاتب، فمن هو الذي سيمول الاستهلاك والاستثمار في البلدان العربية في حالة ما إذا نضب البترول الذي يمثل 90% من الإيرادات المحلية  للموازنات العامة لمعظم العربيـة؟

ولعل الشيء المثير في هذا الكتاب هو التحليل الجيد للمساهمة الضعيفة للقطاع الزراعي في الناتج العربي حيث لا تتجاوز النسبة 15%. فقد لاحظ الكاتب مدى تدهور الغلة ولا سيما في المحاصيل الاستراتيجية وارتفاع كلفة الانتاج وانخفاض انتاجية المساحات المزروعة، وبالتالي، تدني نسبة الاكتفاء الذاتي في معظم السلع الزراعية واتساع الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج. وحسب الاحصائيات التي اعتمد عليها المؤلف، فإن نسبة الاكتفاء الذاتي العربي من السلع الزراعية قد انخفضت من 60% سنة 1980 إلى 49% سنة 1989 (ص 80). وفي عام 1980 استوردت الدول العربية من الخارج ما قيمته 21 مليار، وهذا يدل على الزيادة الهائلة في السكان وانخفاض مستوى الانتاج ونمو الطلب على السلع الزراعية.

وفي مجال التجارة الخارجية تحدث الكاتب بإسهاب عن الاختلالات المالية في موازين المدفوعات. فانخفضت الصادرات السلعية من حوالي 12 مليار دولار في سنة 1983 إلى 10 مليارات من الدولارات في سنة 1986. وتفاقمت المديونية في الدول العربية من 136 مليار دولار في سنة 1988 إلى 163 مليار في سنة 1990. وارتفعت كذلك خدمة الديون العربية من 12 مليار دولار في سنة 1988 إلى 14 مليار دولار في عام 1990. وأبدى الكاتب استغرابه من عدم إقدام الدول العربية على مواجهة معضلة المديونية بالتعاون مع غيرها من الدول النامية في الديون وذلك بقصد كسر طوق التكتل الاقتصادي الرأسمالي ومواجهته بتكتلات اقتصادية وسياسية فعالة لأنه يتعين على بلدان الفائض الاقتصادي أن تدرك خطورة الاستمرار في نزف الموارد وهدر الامكانات والطاقات العربيـة.

وفي الفصل الرابع من الكتاب تعرض الكاتب بإيجاز إلى عناصر القوة في الاقتصاد العربي، فأشار إلى أن مستقبل العالم الإقتصادي مرتبط بالنفط العربي حيث أن 60% من الإحتياطي العالمي من النفط وخمس الإحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي موجود في منطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي. وحسب المعلومات التي إرتكز عليها الكاتب في بحثه، فإن الدول الأروبية تدرك حقيقة تداخل المصالح
الأروبية – العربية وتدعو إلى تبادل وتكافؤ المصالح مع العرب باعتبارهم قوى سياسية فاعلة وأساسية في خلق قوة عالمية تكون أساسا في قوى التوازن، في حين نجد أن الولايات المتحدة تسعى إلى المحافظة على مصالحها الذاتية فقط وذلك من خلال إخضاع المنطقة العربية لهيمنتها وإخضاع أوروبا لسيطرتها. وحسب رأي الكاتب فإن الولايات المتحدة تدرك أن استمرار تقدمها وتفوقها العسكري يعتمدان على النفط العربي واستمرار تدفقـه.

ومن خلال قراءة متأنية في المستقبل الإقتصادي العربي يبدي الكاتب تفاؤله بشأن المستقبل. ففي إستطاعة الإنسان العربي، في رأيه، تشكيل التاريخ القادم لأن المستقبل العربي، قبل كل شيء من صناعة البشر، والعرب قادرون على صناعة مستقبلهم. وفي تصوره، يمكن للعالم العربي أن يحرز تقدما ملموسا في الفترة الممتدة من 1990 إلى 2030م. ففي العقد الأول (1990– 2000) يمكن للقادة العرب أن يستخلصوا الدروس من تجارب الماضي، ويقوموا بتحديد استراتيجيات جديدة للعمل تقوم على أساس وضع إطار جديد لتحالفات مستقبلية، والإلتزام بتحمل مسؤولياتهم الوطنية في إطار عمل جماعي، وخلق جو جديد للعمل الفعال الذي يجمع الناس ولا يشتتهم. وبعبارة أخرى، يتعين على القادة العرب والحركات الوطنية إعادة مراجعة الذات، والتخلي عن النفوذ المحلي المؤقت. وإذا تحسن مناخ العمل، فإنه يمكن لأصحاب الأموال والعقول أن يجدوا الفرصة السانحة لأموالهم وعقولهم في أرض الوطن، وبذلك تساهم هذه الأموال والعقول في نهوض وتقدم الأمـة.

وفي المرحلة الإنتقالية الحالية (1990 – 2000م) يرى الكاتب أنه من الأفضل لو وقعت تكتلات إقتصادية إقليمية يوجد فيها تجانس وتقارب مصالح وذلك تمهيدا للإندماج الكلي في المستقبل، والإقليم الأول هو ” بلاد الشام والرافدين ” ويضم سوريا ولبنان والأردن والعراق وفلسطين. وفي إمكان دول هذا الإقليم الذي سيبلغ تعداد سكانة في سنة 2000 حوالي 60 مليون نسمة (أي 19% من سكان العالم العربي ) أن تستفيد  من الأسمدة البوتاسية الموجودة بهذه المنطقة، والطاقة النفطية الموجودة بالعراق وسوريا. وتتطلب هذه المنطقة إستثمارا ماليا بحدود 350 مليار دولار خلال الفترة الممتدة إلى نهاية العقد الحالي (ص 114). أما الإقليم الثاني فهو ” الجزيرة العربية ”   التي يسكنها حوالي 33 مليون نسمة أو ما يعادل 14,9% من سكان العالم العربي. وتزخر منطقة الجزيرة العربية بما لا يقل عن 62% من إنتاج النفط العربي. كما تنتج  هذه المنطقة 110 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي أي ما يعادل 50% من إنتاج الغاز العربي. وبالإضافة إلى ذلك هناك مورد مالي آخر للسعودية يتمثل في موسم الحج الذي يجلب للمنطقة ثروة سنوية ثمينة. ثم تعرض الباحث إلى الإقليم الثالث الذي أطلق عليه اسم ” حوض النيل والقرن الإفريقي ” الذي يضم مصر والسودان وجيبوتي والصومال وأريتيريا. ويعتبر هذا الإقليم منطقة آهلة بالسكان حيث يبلغ عددهم 85 مليون نسمة في هذا الوقت ومن المنتظر أن يصل عددهم إلى 112 مليون نسمة في نهاية هذا القرن، وبذلك سيشكلون 37% من سكان العالم العربي . ويتميز  هذا الإقليم بثروته المتمثلة في الكفاءات العلمية المرموقة، والمياه الصالحة للزراعة والمعادن الثمينة، وبذلك يكون مؤهلا للعب دور رائد في مواجهة متطلبات الأمن الغذائي العربي. أما الإقليم الرابع والأخير فهو ” المغرب العربي ” الذي يضم ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا، ويبلغ تعداد سكانه حاليا 65 مليون نسمة أو
85 مليون نسمة في سنة 2000م، أي 28% من سكان العالم العربي . ويزخر  هذا الإقليم بالنفط والغاز الذي يشكل 6% من الإنتاج العالمي. ومن المنتظر أن يقوم الغاز  الجزائري بدور متميز في تحقيق نهضة صناعية في إقليم المغرب العربي بالإضافة إلى توفير الموارد من العملات الأجنبية الضرورية لتمويل المشروعات الهيكلية. لقد قدرت الدراسات الحديثة أن الفائض عن الحاجة من الغاز في إقليم المغرب العربي كاف لوحده لمواجهة استهلاك أوروبا الغربية برمتها مدة لا تقل عن نصف قرن قادم. إن هذه الميزة، بالإضافة إلى المزايا الأخرى للإقليم، تشكل عناصر فاعلة في إعادة التوازن في العلاقات الإقتصادية العربية وباقي القوى الإقتصادية في العالـم.

وإذا نجحت هذه التكتلات الإقتصادية ومهدت الطريق لتحقيق الأهداف الكلية لعملية النهوض الإقتصادي العربي، فإنه بإمكان الدول العربية أن تخطو خطوات أخرى في طريق بناء اقتصاد عربي متين. وآنذاك، أي بعد سنة 2000م وإلى غاية 2030م، يمكن وضع أهداف إستراتيجية للنهوض الإقتصادي تقوم على أسـاس :

 

(1) مراعاة مبدأ التكامل الإقتصادي بين الأقاليم العربية وإعطاء الأولوية للمشروعات الإنتاجية، (2) إعادة بناء الهياكل الإنتاجية العربية بصورة تلقائية، (3) إمتلاك ناصية الصناعة الثانية إمتلاكا كاملا، والبدء في توظيف العلماء والكفاءات العربية، وموارد البلاد الثمينة في محاكاة تكنولوجيا الثروة الصناعية الثالثة، (4) تعزيز علاقات التبادل مع الدول النامية المقهورة وترك الأبواب مفتوحة لتبادل التجارب والمنافع والمساعدة في نهوض هذه الأمم على قاعدة من المساواة والتكافؤ والعدالة والانسانية (ص 130).

والسؤال المطروح هنا: ماذا نستخلص من هذا الكتاب وهل ما ورد فيه يمثل محاولة جادة للتغلب على المشاكل التي تتخبط فيها معظم الدول العربية وبناء مستقبل أفضل ؟ إنه لمن الواضح أن الكاتب يعتبر مناضلا وثوريا في نظرته إلى قضايا الأمة العربية ومخلصا في دعوته إلى تغيير أساليب الماضي العقيمة بأساليب عصرية وحديثة. ولكن المشكل يكمن في نقص الوعي وتلهف الناس على المادة والسلطة والنفوذ والتودد إلى كل من يملك مثقال ذرة من النفوذ لكي يخدمهم ويشبع رغباتهم بكل ما لذا وطاب. كما أن المعضلة لا تكمن أساسا في توفر النفط العربي ووجود أراض خصبة وإنما تكمن في وجود عقلية تطغى عليها الأنانية وعدم الرغبة للإستعانة بآراء الخبراء المختصين في كل حقل من حقول المعرفة. إنه لمن الواضح أن الخلل موجود في عدم قدرة أصحاب القرار على بناء وتشييد مراكز الأبحاث والدراسات التي تساهم بشكل فعال في تحديد أهداف المؤسسات ورسم الاستراتيجيات وتقديم الخدمات العملية والملموسة للمواطن العربي. ولعله من المفيد أيضا أن نشير إلى أن غياب المؤسسات المرموقة في مجال الأبحاث والدراسات وعدم توظيفها بفعالية لخدمة المجتمع العربي لا تعتبر هي الثغرة الوحيدة في مسيرة التنمية العربية، وإنما توجد ثغرة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى وهي أن التزايد السكاني المذهل قد خلق ارتباكا اجتماعيا لا مثيل له. فالعبرة ليست بالعدد وإنما بالنوعية والقدرة على العناية بالأفراد وتربيتهم وتكوينهم وإعدادهم لتحمل مسؤولياتهم في المستقبل. ويمكن أن يضاف إلى هذا المشكل، قضية أخرى في غاية الأهمية وتتمثل بصفة خاصة في وجود قوانين بالية في أجهزة مؤسسات الدول العربية. لقد كان من المفروض أن تكون القوانين بمثابة إجراءات عمل فعالة لتحديد الحقوق والواجبات وحماية الناس وملكيتهم من التعسف والظلم وإقرار العدالة الإجتماعية بينهم، لكن الذي حصل في وقتنا الحالي أن البيروقراطيين يحرصون على احترام القوانين وتقديسها وعدم الخروج عن فحوى نصوصها، أكثر مما يحرصون على تقديم الخدمات الراقية للمواطنين والتفاني في تحقيق الغايات المنشودة والمتمثلة في أداء الواجبات بفعالية وبإرادة قوية. ونحن لا نريد هنا أن ندخل في جدال إذا كان مشكل القوانين البالية يرجع في الأساس إلى أصحاب القرارات الفوقية الذين تعود إليهم الكلمة الأخيرة في سن القوانين وإصدار التعليمات إلى البيروقراطيين المنفذين، أو يعود المشكل في الأصل إلى العاملين في الأجهزة الإدارية الذين يفتقرون إلى روح المبادرة والشجاعة الكافية لإبلاغ رؤسائهم في العمل بالصعوبات التي تواجههم أثناء تأدية واجباتهم وضرورة إدخال تعديلات على القوانين وإجراءات العمل، وبالتالي، تقديم خدمات راقية للمواطن العربي. وما نريد أن نصل إليه في تحليلنا هذا هو أن التنمية في بلداننا العربية لا يمكن أن تنجح وتزدهر لأننا نملك ثروات البترول والأرض الخصبة والشاسعة والكثافة السكانية الهائلة، مثلما تصور مؤلف هذا الكتاب الذي قمنا بمراجعته وتلخيص فحواه، وإنما تتحقق التنمية ويعم الرخاء والإزدهار يوم يتحرر كل فرد عربي من الإتكالية على الدولة والاعتقاد أنها موجودة لكي تضع في فمه أرزا مطبوخا وهو منبطح على الأرض، ويفيق البيروقراطيون من سباتهم العميق ويدركون أن خدمة مواطنيهم بكفاءة وفعالية هي الغاية المنشودة وسبب رئيسي لوجودهم في مؤسسات دولتهم، وليس الهدف من توظيفهم هو تطبيق النصوص القانونية حتى ولو كانت غير ملائمة وغير مجدية. كما يتعين عليهم أن ينسقوا مع رؤسائهم في العمل ويطلعوهم على أية نقطة تعرقل عملهم ويتخلصوا من الهفوات التي قد تحصل على أي مستوى كان. وتمنيت لو أن الكاتب قد أدرك وأشار في كتابه إى أن ثرواتنا وإمكاناتنا ليست كافية لخلق تقدم ملموس في بلداننا العربية التي تحتل مكانا استراتيجيا في هذا العالم، وما ينقصنا هو توظيف هذه الثروات بكفاءة عالية والاستفادة من الطاقات البشرية والمادية واستعمال مراكز البحوث والدراسات المتخصصة للخروج بقرارات علمية مدروسة وهادفـة.

 

 

(*)دراسة منشورة في مجلة الندوة التي تصدرها جمعية الشؤون الدولية الأردنية، المجلد السابع، العدد الرابع (ديسمبر) 1996، ص 76-81.

(**)خبير في ميدان الإحصاء والتخطيط في الجمهورية العربية السورية، تفرغ لمهنة المحاماة في دمشق.

(***) أستاذ في الإدارة العامة- الجزائر.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *