الجمعة , 26 فبراير 2021

مراجعة كتاب* لا يمكن تغيير المجتمع بمراسيم (*)

 

 

مراجعة د. عمار بوحوش (**)

 

من المشاكل التي يعانيها كل مجتمع، تبرز بوجه خاص مشكلة إعداد المشاريع وإتخاذ القرارات بقصد تنفيذها وحل الأزمات التي يواجهها المجتمع. لكن الواقع هو أن المشاكل الإجتماعية لا يمكن أن تحل عن طريق إصدار المراسيم وإعطاء إنطباع للجمهور بأن التفاوت الموجود في الرواتب والنفوذ والمؤهلات العلمية قد تم حله في إطار السياسة الرامية لإنصاف الناس وإراحتهم من الرشاوى وتقديم الخدمات على أساس المساواة والعدالة الإجتماعية.

إن هذا التضارب الموجود بين النوايا والمراسيم التي تصدر عن التنظيم السياسي وبين الواقع الإجتماعي الذي تطغى عليه الصراعات الشخصية والمنافسات التقليدية للحصول على مزيد من النفوذ والثروة والإمتيازات التي لا يضبطها أي قانون، قد تجسم في كتاب بعنوان ” لا يمكن تغيير المجتمع بمراسيم ” للكاتب الفرنسي المشهور ” ميشيل كروزيي “. ومع أن المؤلف قد حاول معالجة الأزمات التي يعاني منها المجتمع الفرنسي في مطلع 1980، فإن الشيء المثير في الكاتب أنه يتضمن دراسات متناسقة ومعبرة عن حالات معظم الدول الصناعية والدول النامية بصفة عامة. فأين هو المجتمع الذي لا توجد به جماعات ضاغطة ولا تجري به مفاوضات سرية بين العناصر والجماعات المتخاصمة وتكون نتيجتها التخلي عن المقاييس الموضوعة بقصد خدمة المصلحة العامة والقبول بأنصاف الحلول ؟.

لقد استطاع ” كروزيي ” أن يقوم بتشريح الأمراض التي تعاني منها المجتمعات الحديثة عندما تعرض بإسهاب إلى أسباب التدهور الذي تتعرض له المؤسسات الإجتماعية في كل بلد. فقد أشار إلى أن التقدم التكنولوجي وديمقراطية الإدارة والحرص على إنتخاب الشخصية التي تمثل مختلف الجماعات المهنية والنقابية، لم يساعد على تجسيم المصلحة العامة وتحقيق العدالة الإجتماعية التي ترتكز على العمل الجماعي الذي يمكن إعتباره حجر الزاوية لأي تغيير إجتماعي حقيقي. وفي رأي الكاتب، لا يمكن إنتظام مسيرة أية نهضة إجتماعية تتحكم فيها عناصر تخل بها
وذلك مثل :

 

  1. المساوات : لأن محاولات التوفيق بين الرغبات تخلق الغموض والتعميم في العمل بحيث يصعب أيجاد حل عملي لأية قضية إجتماعية معروضة على بساط البحث.

 

  1. إنفراد المؤسسات بتسطير قوانين العمل وتوجيه الأفراد حسبما يطيب لأي إنسان يتبوأ منصبا مرموقا، وكأن أبناء المجتمع لا دخل لهم فيما ينبغي القيام به من تغيير، وخاصة أنه لا توجد أية وسيلة للتأثير في المؤسسات التي تعمل بصفة مستقلة عن المجتمع.

 

  1. تحديد الإختيارات المتوفرة للأفراد من طرف المنظمات والعناصر القوية في المجتمع بحيث أن الجوانب الإنسانية أصبحت لا معنى لها في اتخاذ القرارات، والأهمية الكبيرة تعطى للجوانب المادية والتنظيمية وليس لمصير الأفراد.

 

  1. إستفحال المشاكل وتزايد الأزمات التي تتطلب حلولا عاجلة، أصبح يقتضي التدخل بسرعة واتخاذ القرارات العاجلة بدون مراجعة الهيئات المختصة أو الحصول على موافقة الإرادة الجماعية.

كل هذه العوامل المتعددة، دفعت بالأفراد أن يتمردوا على المؤسسات العامة وأن يخلقوا منظمات جديدة وأحزابا قوية بقصد التخلص من ضغوط المؤسسات التقليدية التي تعمل بمعزل عن الجماعة. ولعل النقطة الهامة في هذا الموضوع أن عملية الإتصالات قد تطورت في العصر الحديث وصار من السهل تغيير أماكن الإقامة والعثور على الزملاء الذين يمكن التضامن معهم، ووجود المنظمات البديلة التي لا تمانع في قبول الأنصار الجدد. ونتيجة لهذه التطورات، أصبح في إمكان الجماعات الصغيرة أن تساهم في تحريك الناس بسرعة وإختيار السياسة التي تعجبهم وتناسبهم. وهكذا أصبح في الإمكان أن نقول بأن المؤسسات التقليدية غير القادرة على تلبية حاجات الإنسان، قد بدأت تفقد قيمتها ويضمحل نفوذها وتقل فعاليتها، لأن الأفراد
لا يعطون أية قيمة للمؤسسة التي لا تخدمهم وفي إمكانهم الإستغناء عنها.

لكن المشكل هو أن التخلص من المؤسسات البالية لا يعني أن المشاكل الإجتماعية قد حلت وأن الإنسان قد أصبح يتمتع بسعادة تامة بعد أن أظهر امتعاضه ونفوره من المؤسسات التي تتحكم فيه أكثر مما تخدمه. بل على العكس من ذلك فإن الإنسان في حاجة ماسة إلى التعاون مع أبناء وطنه لإقامة مؤسسات قوية ومتينة تحميه من ظلم الآخرين وتعينه على تذليل الصعاب التي تعترض طريقه يوميا. وهذا يعني أن الإنسان لا ينفر من المؤسسات ذاتها بقدر ما ينفر من الخلل الموجود في العديد من المؤسسات والمتمثل في القوانين الغامضة وعدم مسايرة روح العصر واستيعاب التغيرات الجديدة التي تطرأ على الحياة الإجتماعية، وانعدام روح المبادرة والإجراءات الحاسمة لمواجهة التعقيدات الإدارية والتنظيمية، وغياب روح المبادرة والإجراءات الحاسمة لمواجهة التعقيدات الإدارية والتنظيمية، وغياب روح التشاور والعمل الجماعي. وفي هذا الإطار، أتى الكاتب الفرنسي على ذكر تجربة رائدة في ميدان التقدم الإجتماعي الذي يأتي نتيجة لإنهيار المؤسسات التقليدية وتعويضها بمؤسسات حديثة وقائمة على أسس عصرية. فمن بين الدول التي أخذت مركز الصدارة في التقدم والرفاهية في عصرنا الحالي، توجد ألمانيا الغربية واليابان، وهما من الدول التي انهزمت في الحرب العالمية الثانية، وسمح لهما إنهزامهما بإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة وانتهاج طرق جديدة في العمل (ص 20).

وعند تعرضه للوضعية الإجتماعية المتردية الموجودة في بلده، فرنسا، أوضح المؤلف أن التغيرات الإقتصادية والإجتماعية التي طرأت على فرنسا منذ عشرات السنين لم تماثلها تغيرات في الهياكل وتجديد في القوانين وأساليب حديثة في إتخاذ القرارات والتسيير في القطاع العام. ولهذا أصبح الشعب الفرنسي يعيش في واد، ومؤسساته تعيش في واد آخر. وعلى سبيل المثال، أشار الكاتب إلى أن كثرة المطالب الإجتماعية قد تراكمت وطغت على القادة الإداريين والأجهزة التنفيذية وسلطات إتخاذ القرارات. فبالنسبة للقادة الإداريين لاحظ المؤلف أن العلاقات الشخصية أصبحت تتحكم في التعيين وإختيار الأفراد المقربين الذين تتوفر فيهم الثقة وليس الكفاءة والمقدرة الإدارية. ثم إن الأجهزة التنفيذية وخاصة الهياكل، أصبحت جامدة وغير قادرة على إستيعاب المطالب الإجتماعية التي اتسع حجمها وتغير نوع وجوهر إحتياجاتها. وقد ظهر ضعف وعجز العنصر البشري ورداءة الهياكل الإدارية في قضية إتخاذ القرارات. فالمفروض أن تعطى أهمية كبيرة للقرارات التي تخص ملايين المواطنين الذين تتأثر ظروف معيشتهم بالإجراات التي تتخذها السلطات الرسمية. لكن الواقع هو أن القرارات تتخذ بصفة فردية من طرف المؤسسات، وليس بصفة جماعية، وأن المهم هو السيطرة على الموقف والتحكم في عباد الله بحيث لا يفلتون من قبضة أصحاب النفوذ والسلطة في الأجهزة المركزية للدولة.

لهذا فإن ” ميشيل كروزيي ” يطرح السؤال التالي : كيف يمكن خلق الظروف والوسائل الضرورية والكفيلة بتمكين المؤسسات الإجتماعية من تسيير المجتمع بطريقة حسنة وبأسلوب جماعي ؟ وإجابة عن هذا السؤال، يعتقد المؤلف أن السبب الرئيسي لهذا النقص يرجع إلى إنشغال الجهاز البيروقراطي بالمسائل التي تهمه ولا تهم الجمهور وذلك مثل الترقيات وتدعيم الأصحاب وتقديم الخدمات عن طريق الوساطات والسعي للحصول على مكافآت. أما المسائل التي تهم المجتمع ككل وذلك مثل البحث عن الوسائل المجدية لتحقيق الأهداف المنشودة والسماح للأفراد أن يعرضوا مشاكلهم على المسؤولين المعنيين بحلها وتذليل الصعاب التي تعترض طريقهم، فهذه قضايا
لا تؤخذ بعين الإعتبار ما دامت لا تخدم مصالح الجهاز البيروقراطي.

وفي الفصل الثاني من الكتاب تطرق الكاتب إلى جوهر الموضوع وهو أن الحواجز التي تفصل بين المجتمع والسلطة السياسية بفرنسا، هي في الحقيقة، مصطنعة وناتجة عن سوء العلاقات التي لا تضبطها أية قوانين محددة. فالمشكل لا يكمن في رداءة السلطة أو سوء نية القادة، وإنما يكمن في سوء العلاقات الإجتماعية وانعدام الوسائل التي تسمح بالتغلب على الصعاب التي تبرز باستمرار. فمن الأغلاط التي
لا تغتفر، مثلا، أن أفراد المجتمع يحرمون من الحصول على المعلومات التي تعطيهم فكرة عن أي موضوع يشغل بالهم. إن العمل في سرية تامة، وفرض رقابة شديدة على المعلومات التي قد تتسرب إلى الخارج ويعرف الجمهور حقيقة الأمور، والتستر على العناصر البيروقراطية التي تهمل واجباتها ولا تعير أي إهتمام لمطالب الجمهور، هي العوامل الرئيسية التي أدت إلى تفاقم المشاكل الإجتماعية وإزدياد حدة التوتر وتشاؤم الناس من الأعمال الحكومية.

ثم تساءل الكاتب : لما يتشبث الناس والجهاز الحكومي بالشرعية وحق الدولة في التحكم وتوجيه الأمور وفقا للقوانين المكتوبة، وفي نفس الوقت ينسى هؤلاء أن الشيء المهم هو مصير الأفراد وليس القرارات المكتوبة والتعليمات المرسلة من القمة إلى القاعدة ؟ وفي رأي الكاتب، هناك شبه إتفاق عام بأن احتكار السلطة الحكومية، واستغلال صفة الشرعية في العمل، هي عبارة عن وسائل مهيأة بقصد فرض الهيمنة الحكومية والتحكم في أفراد المجتمع.

ولكي تتضح الأمور، لابد أن نشير إلى أن نفوذ الدولة واحتكارها للسلطة، هو في الحقيقة نفوذ الجماعات المهنية والنقابية والثقافية التي تهيمن على قطاعات معينة. فالخبير البيروقراطي يفرض نفسه في ميدان اختصاصه، والصحافي يحتكر ميدان اختصاصه لنفسه ويؤثر في الأمور حسب أهوائه، والنقابي يعتبر نفسه هو الوحيد الذي يعرف مطالب الحركة العمالية. وفي النهاية، نجد أن كل فئة تحاول تشويه الحقيقة وتقديم الآراء الضيقة التي تخدم فئة معينة من فئات المجتمع، وهمها الوحيد هو أن تجعل من نفسها المجموعة الوحيدة التي تستفيد من العملية. والغريب في الأمر، أن مختلف العناصر التي تنصب نفسها وكيلة عن العاملين في قطاعاتها المختلفة، تحظى بتقدير الدولة، والآراء المتحيزة التي تقدم كوثيقة عمل هي التي تعتمد في النهاية وتكون المعلومات المقدمة من هذه الجهات هي المرجع عند اتخاذ القرارات الرسمية. وفي العديد من المرات يترتب عن المواقف المتحيزة لجماعات معينة، أن تجد الحكومة نفسها في موقف حرج لأن جماعات الضغط تستغل الدعم الحكومي لتحقيق مآربها على حساب المصلحة العامة أو مصلحة المجتمع ككل. وبإختصار، فإن التنظيم الحالي والقوانين البالية والعقليات الجامدة هي التي تزيد في تعقيد المشاكل وليس حلها.

وإذا حاول الإنسان أن يتعرف على الأسلوب السليم للعمل والإستراتيجية التي تتناسب وظروف المجتمع المعاصر، فإن رأي ” ميشيل كروزيي ” في هذا الموضوع يتمثل في تحديد الهدف المشترك الذي يجسم مصلحة المجتمع ككل وليس مصالح فئات قوية. فبدون وجود هدف مشترك لا يمكن أن تكون هناك عقلانية أو فعالية في العمل. كما أن إتباع إستراتيجية جديدة يتطلب تغيير قوانين العمل والتخطيط وضبط الأمور بأسلوب جديد بحيث تكون الإجراءات بسيطة وسهلة وواضحة للرأي العام. والهدف من كل هذا هو التوصل إلى أي شيء أساسي، خلاصته أن استراتيجية تقديم وخلق نهضة إجتماعية لا تتوقف على استراتيجية شبه عسكرية هدفها الرئيسي هو القضاء على الخصم وقهر العدو أو تدميره، وإنما تتركز على تجنيد الآخرين للعمل وخلق المؤسسات التي تستوعب العمل الجماعي وتسمح بتحويل الأفكار المجردة إلى حقائق ملموسة ومعبرة عن الصالح العام.

وطبعا، فإن الإستراتيجيات الجيدة لا تكفي وحدها لخلق المعجزات لأن نجاح تطبيق الخطة يتوقف على وجود الإطارات التي تتمتع بكفاءة عالية ومقدرة فائقة في كل إختصاص. ولهذا، فإن أول خطوة ينبغي أن تعتمد عليها الدولة العصرية في سياستها الرامية لإصلاح أجهزتها الإدارية وتصحيح الأوضاع الفاسدة، هي العمل على الإستثمار في الميادين الآتية :

 

  1. ميدان المعرفة، لأن تعميم المعرفة يعني خلق القدرة الجماعية على العمل البناء، والتخلص من مسألة إحتكار العلم والتكنولوجيا من فئات صغيرة دأبت على إستغلال مهاراتها في خدمة أغراضها الخاصة.

 

  1. الإستثمار في الإنسان وتكوينه تكوينا سليما حتى يكون في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه. فلو قام كل فرد أو مواطن بواجباته اليومية بكل نزاهة والتزام معنوي، لكان في الإمكان تذليل جميع الصعوبات التي تعترض أبناء المجتمع. ولعل الغلط الفادح الذي ترتكبه السلطات الحكومية أنها تعتمد على المراسيم الشرعية لتغيير المجتمع، لكن الواقع أن التغير الحقيقي لا يأتي إلا بتوفر الرجال الأكفاء الذين تشبعوا بالإيمان وعندهم الرغبة الصادقة لخدمة مجتمعهم الذي يدفع رواتبهم ويحملهم مسؤولية السهر على مصالحه.

 

  1. الإستثمار في ميدان التجارب والخبرات العلمية حيث أن أي تغيير تترتب عنه عواقب كثيرة، وأي خطأ يتحمل مسؤوليته الإنسان الذي ليس له إلمام بعمله الذي
    يقوم به.

وبإختصار، فإن مشكل التقدم الإجتماعي يكمن أساسا في إنغلاق المؤسسات على نفسها، وجمود في قوانين العمل وأساليب معالجة القضايا، وعدم وجود هياكل متطورة وقادرة على إستيعاب رغبات المواطنين والجمهور بصفة عامة. وإذا أردنا أن نضع النقاط على الحروف، فإن أسباب عرقلة المجتمع وإضعاف قدراته على تذليل الصعاب التي تواجهه، ترجع في الأساس إلى :

 

1) نظام التعليم الذي يعاني من طغيان النقابات المهنية وإنغلاق المدارس على نفسها. فهذه المؤسسات التي تقوم بإعداد إطارات المستقبل غير قادرة على تلبية المطالب الإجتماعية وما تقوم به لا يتماشى وروح العصر. فلو أنها استطاعت أن تغرس في نفوس الشباب القيم السليمة وروح العمل الجماعي والتعاون بين الناس، لكان في الإمكان خلق مجتمع عصري يعمل لأبعاد مستقبلية في إطار المؤسسات التي
يشتغل بها.

 

2) نظام الإدارة العامة الذي تهيمن عليه المركزية والطبقية والعناصر المتحفظة التي لا تفهم من الإدارة سوى أنها أداة للتحكم وإخضاع الناس لرغبات أصحاب النفوذ وأصحاب المعالي.

 

3) نظام توظيف رجال النخبة، وهذا يرجع أساسا إلى تاريخ فرنسا القديم حيث أن الطبقات الدينية والنبلاء والبورجوازية هي التي احتكرت العلم وبالتالي الإنفراد بسلطة إتخاذ القرارات وتسيير الإدارة حسب أهواء اليمين المتطرف والأرستقراطية المتعالية على المجتمع. ولعله لا يخفى على أي أحد أن اليسار يسيطر على التعليم في فرنسا. لكن اليمين يسير على الإدارة الحكومية وكل طرف يسعى لتدعيم نفوذه والمحافظة على امتيازاته ومصالحه.

 

4) نظام التسلسل الإداري الذي أصبح أداة لحماية الأقوياء والتلاعب بالموظفين الصغار. فإذا كان الأمر يقتضي إصلاح الهياكل الإدارية فإن أي تغيير، يعتبر ويفسر بأنع عبارة عن مؤامرة للتخلص من شخص معين وتعويضه بشخص آخر. وهكذا صارت فكرة الإصلاح عبارة عن محاولة لخلق صراعات جديدة ومواجهات بين الشخصيات التي تحبذ التغيير إذا كان في صالحها وترفضه إذا كان يمس بمصالحها.

وخلاصة القول حول هذا الكتاب الجيد، أن المؤلف حاول أن يثبت في كتابه حقيقة أساسية وهي أنه من الغلط أن تعتمد الحكومات على القرارات والمراسيم للتغلب على الفوارق الإجتماعية في الرواتب والنفوذ والثروة لأن هذه الإجراءات مؤقتة وتصبح لا معنى لها بمضي الوقت وتغير الأوضاع الإجتماعية. كما أن الأفراد يتحايلون على القوانين ويستغلون منها ما يخدم مصالحهم ويتجاهلون كل الإجراات التي لا تخدم مصالحهم. وبقدر ما تحاول الحكومات فرض قوانينها على المواطنين وتضيق الخناق على الأفراد المتلاعبين بثروات الشعوب، بقدر ما تنشط السوق السوداء والمزايدات بشأن الحصول على الأشياء المحظورة. ولهذا فإن الحل الأساسي يكمن في نشر المعرفة وتعميمها، وتكوين الأفراد الذين يعملون بروح جماعية وبأسلوب بسيط بحيث يمكن الإستغناء عن المستهترين الذين يحتكرون العلم والمعرفة ويتحكمون في مصير الشعوب بإسم الشرعية والتخصص والدفاع عن النقابات المهنية. إن المجتمع العصري في حاجة ماسة إلى من يقوده، لكن بحكمة وإخلاص في تقديم الخدمات، وفي حاجة إلى من يسيره، لكن بقوانين واضحة وغير معرقلة لمطالبه الشرعية وإحتياجاته الأساسية، وفي حاجة أيضا إلى حكومة قوية، لكن قوتها موجهة لضرب المتلاعبين بمصالح الشعب، وليست ضد المواطنين الذين يجسمون الإرادة العامة للأمة، ويسعون بالدرجة الأولى للحصول على الأشياء الضرورية مثل الشغل والأمن الجماعي والرخاء الإقتصــادي.

 

* Michel Crozier, On ne Change pas La Societé par Decret, Grasset, Paris, 1979, pages 300.

(*) دراسة منشورة بمجلة العلوم الإجتماعية، جامعة الكويت، العدد الرابع، (ديسمبر) 1981، ص 190-196.

(**) خبير بالمنظمة العربية للعلوم الإدارية للعام الجامعي 1980-1981، أستاذ بجامعة الجزائر.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *