الجمعة , 5 مارس 2021

مسألة توظيف العلم لخدمة الإنسان العربي*

بقلـــم

الدكتور عمار بوحوش

أستاذ بمعهد العلوم السياسية، جامعة الجزائر

 

تعتبر مكانة العلم والعلماء، مكانة مرموقة في جميع دول العالم، و كل دولة تفتخر وتعتز بتوفير فرص التعليم لجميع أبنائها وذلك لتمكين الشباب من يتسلح بقوة العلم    والمساهمة في عمليات البناء و التشييد التي تشهدها كل دولة.و كبرهان على إعطاء أهمية كبيرة للعلم والتعليم، تحرص كل دولة على إنشاء وزارات خاصة بالتعليم العالي، ومجالس عليا للإشراف على البحوث العلمية، وتخصص مبالغ مالية ضخمة لبناء المعاهد والجامعات العلمية التي تكون مركز إشعاع علمي وفكري. وليس هناك جدال بأن الحكومات أصبحت تهتم بالقضايا العلمية لأنها أصبحت تدرك أن التقدم الاجتماعي مرتبط بالتقدم العلمي في ميادين الزراعة والصناعة والثقافة، وأن “الإنفاق على تشجيع العلم ومساندته تعليما وإنماءا، وبحثا، إنما هو تثمين سليم للمال يجاري تثمين الأموال في الأعمال الصناعية و الزراعية و التجارية”(1). ونظرا للتكاليف الباهظة التي تتطلبها عملية القيام بأبحاث علمية و فكرية و إجراء التجارب الميدانية، فقد تعين على كل دولة عصرية أن تقيم علاقات تعاون و تبادل علمي مع دول صديقة. وكما لا يخفى على كل إنسان، فإن أمورا كثيرة من المسائل العلمية الحديثة متداخلة و مرتبطة و من الصعب على دولة بمفردها أن تحشد جيشا من الخبراء الموهوبين و تضع تحت تصرفهم الأموال الطائلة .

وعندما يتكلم الإنسان على مزايا العلم الإيجابية و قدراته الفائقة على تقديم الخدمات الأساسية لكل مجتمع ، يتعين عليه منذ البداية ، أن يشير إلى أن التقدم العلمي يبقى كلاما أجوف وفارغا من محتواه الحقيقي إذا لم نربط بينه و بين رجال الحكم الذين يتبوؤون مراكز القيادة في كل مجتمع. فالتقدم العلمي، في الواقع، مرتبط بطريقة مباشرة، بإدراك وشعور و قناعة رجال الدولة بأن المشكلات الرئيسية التي تواجهها كل دولة لا يمكن أن تحل إلا على أساس من البحث العلمي في علوم الطبيعة  والحياة والاجتماع . إن المعرفة الصحيحة والبيانات الدقيقة والمعلومات الواضحة هي التي ترفع إلى كبار المسؤولين في الدولة وقادة المجتمع وتساعدهم على اتخاذ القرارات الصائبة، وسن القوانين التي تخدم المصلحة العامة ويمكن تطبيقها بكل سهولة. ثم إن المشكلات المعقدة التي يواجهها أي شعب، سواء كانت أزمة حقيقية أو أزمة مفتعلة، قد نجد لها مثيلا في تجارب شعوب أخرى وفي إمكان العلماء أن يفيدوا دولتهم بتلك التجارب وأن ينتفعوا بثمارها إذا كانت ملائمة وأن يتعظوا منها إن كانت سيئة. وعليه، فإن القيادة السياسية في كل بلد هي التي تقوم ببلورة فكرة البحث العلمي، وتزود الباحثين بجميع الوسائل التي تمكنهم من البحث ، وهي التي تبدي رغبتها واستعدادها للانتفاع والاستفادة من النتائج العلمية التي تفرزها أبحاثهم العلمية(1) .

 

ما معنى العلم ؟

 

إن العلم ليس مجرد الحصول على المعرفة في تخصص محدد، ثم توظيف تلك المعرفة في إطار ذلك التخصص. كما أنه ليس مجرد مجموعة من المعارف و القوانين المستخلصة من تجارب الأفراد والمستمدة من تأثيرات البيئة في المجتمعات. فالعلم هو سبيلنا إلى اكتشاف القوانين التي تحكم العالم الطبيعي والاجتماعي بهدف التحكم في هذه القوانين و تسخيرها لخدمة الإنسان.(2) وبعبارة أخرى، إنه يجسم المجهود الفكري المنظم الذي يبذله الإنسان لفهم نفسه و بيئته و السيطرة عليها .

لقد أتيت على تعريف العلم لأن هناك إشكالا في فهم حقيقة وكنه العلم بالدول النامية حيث يعتقد معظم الناس أن العلم هو عبارة عن اختراعات وابتكارات جديدة ….وكفى‼ بينما هو في الواقع ليس إبتكارا واختراعا فقط، وإنما هو تفكير منطقي مرتبط بالبيئة والسلوك وأسلوب العمل والتفكير ووعي ينعكس على صحة الفرد وغذائه ومسكنه. وبعبارة أخرى، إن العلم قبل أن يكون قدرة على الاختراع، هو قدرة على التفكير المنظم السليم(1). فالثورة العلمية تؤثر على الإنسان في علاقته مع بيئته، وتأتي بتحولات بسيكولوجية عميقة في وعي الإنسان وقيمه الأخلاقية. ومشكلتنا في الواقع هي أننا خلال زيارتنا واحتكاكنا بالمسؤولين في الدول الأوروبية المتقدمة، ننظر فقط إلى الأشياء المادية من سيارة وطائرة وأجهزة إلكترونية رائعة، وننسى أو نتناسى ذلك الإنسان الذي يرجع إليه الفضل في تلك المنجزات العلمية، والبيئة المحفزة للعمل، وظروف العمل الدقيقة، والتفكير العلمي، والقيم الراقية والقانون الذي يسري مفعوله على الجميع. وبكلمة وجيزة، إن التقدم الإنساني أو التقدم التقني وازدهار الصناعة في أي بلد مرتبط بأخلاق كل مجموعة إنسانية وأساليب تفكيرها وطرق حياتها(2) . ولهذا، فإن هناك فهما خاطئا لوظيفة العلم في بلدان العالم الثالث، مقارنة بالفهم الحقيقي في دول العالم المصنع. ففي الوقت الذي نكتفي نحن بالحديث والكلام الممتع عن العلم، نجد رجال الغرب قد فكروا ودرسوا وفهموا وعلموا ثم عملوا واستغلوا علمهم وعملهم، ونحن في الواقع نشترك معهم في شيء واحد فقط هو استغلال الغلة أو الحصيلة العلمية. وعليه، فإن كثرة الكلام عن العلم ودعوتنا إلى الاستفادة منه بحرارة تفوق حرارة الصحاري، لن يغير شيئا من مجرى الأمور، لأننا لم نخطط ولم نفعل شيئا لنجعل من تلك الدعوات واقعا ملموسا، وعنصرا من عناصر الوجدان العربي، أو لم ننشئ مراكز حقيقية للبحوث والدراسات العلمية الجادة، وحتى إذا انشأناها فإنها تتحول إلى مكاتب للاجتماعات وقتل الوقت، أو أنها تصبح عديمة الجدوى نظرا لعدم وجود صلات وظيفية وتعاونية تربطها بأجهزة التنفيذ التي من المفروض أن تستفيد من أبحاثها (3) وبإيجاز، فإن العلم في الدول النامية يفتقر إلى إقتران الأقوال بالأعمال. ومشكلتنا في العالم العربي أننا نفتقر بالدرجة الأولى إلى العلماء المنظرين الذين يتحملون مسؤولية الرؤية العلمية وتوضيح مناهج العلم وطرق التفكير التي تقود الإنسان إلى الآفاق الجديدة التي يطمح لبلوغها، لأن العلم العملي وليد النظريات التي تثمر و تنتج الاختراعات و تحسين مستوى معيشة الإنسان .

 

دور العلم في التنمية و خدمة الإنسان

 

إن ظاهرة العلم الحديث في وقتنا الحالي تجسم الأيمان بقوة الإنسان الخلاقة              ومحاولاته الرامية للاستفادة من العقل الذي أنعم به الله عليه لكي ينتفع بالقدرة الكامنة فيه. والعلم الذي ساهم ولازال يساهم باستمرار في بروز دراسات جديدة ومناهج مبتكرة لمعالجة المسائل التي يواجهها أي مجتمع ، تتأثر حصيلته أو مكتسباته بطبيعة كل مجتمع والقوى المتفاعلة فيه. وعليه، فإن الوظيفة الرئيسية للعلم في يومنا هذا تتمثل في القيام ببحوث نظرية و تطبيقية لتوسيع نطاق الفهم و تعميق معرفة الإنسان بنفسه وبالبيئة التي يعيش فيها، والعمل على تحويل النظريات العلمية إلى منفعة عملية تؤثر في مناهج الحياة كل يوم. وبفضل الإثراء المتواصل للنظريات والأفكار السابقة التي تجمعت لدينا، ومقدرة الإنسان على إضافة حقائق جديدة مستمدة من بيئته وتقلبات عصره، يستطيع رجال العلم أن يضعوا أمام كبار المسؤولين في الدولة وقادة المجتمع، الحقائق التي تمكنهم من فهم جوهر القضايا الاجتماعية واتخاذ القرارات الدقيقة أو سن القوانين التي تخدم المصلحة العليا لكل دولة. وبهذا المعنى، فإن العلم والعلماء يساهمون في توضيح رؤية الإنسان للمشاكل التي يواجهها أي مجتمع. لكن مسألة تحويل الأفكار العلمية فور تكوينها إلى حقائق ملموسة، يتوقف على رغبة وإرادة رجال الحكم الذين ترجع إليهم الكلمة الأخيرة في مسألة الاستعانة والاستفادة بالآراء العلمية والموضوعية. وانطلاقا من هذه الحقيقة، نستطيع أن نقول أن دور العلم ينصب على دراسة العوامل الحيوية للقرار الاستراتيجي حتى يتيسر بذلك الكشف عن مختلف الاختيارات المتاحة أمام صانع القرار(1).

 

 

المساهمة الثانية للعلم في خدمة الإنسان تتمثل في فسح المجال أمام رجال العلم لكي يقوموا بتصوير الرؤيا العلمية من جهة، ووضع المناهج والأساليب التي تساعد المثقف على اكتساب معرفة علمية شاملة تمكنه من استخلاص النتائج وتعزيز قدرته على الانتفاع بعقله وعلمه، من جهة أخرى. وقصدي من هذا أن المعرفة العلمية تعتبر عنصرا إنتاجيا عندما يتوسع نطاق استخدامها وتحويلها من معرفة نظرية إلى معرفة مطبقة في الميدان العملي. وانطلاقا من هذا المفهوم، فإن المؤسسات التعليمية ومراكز البحوث وبرامج التكوين هي التي تساهم بطريقة مباشرة في تنمية مهارات المتعلمين وتخلق ثروة علمية في أذهانهم بحيث تساعدهم على اكتشاف المعرفة الجديدة وتعميق الخبرة الإنسانية. واتساع نطاق الثقافة العلمية يخدم المجتمع بصفة مباشرة لأن غزارة وكثافة المعرفة العلمية المنتشرة تزيد في عدد الأفراد الذين يحيطون بخصائص الحقائق العلمية، وبالتالي، يصير رأس المال المعرفي في المجتمع يساوي مجموع الحقائق العلمية المعروفة مضروبا في عدد الناس الذين يعرفونها. وهكذا يساهم العلم في إخراج المعرفة من الاستعمال الضيق إلى الاستعمال الواسع على مستوى جميع الفئات الاجتماعية. كما أن تعميم المعرفة الفنية يدعم فكرة التلاحم الموجود بين النظرية والتطبيق والترابط القوي بين الأهداف الاجتماعية ومؤسسات التكوين والبحث العلمي(1). إلا أن المشكل الذي يواجه العلم هنا هو أن انتشار الثقافة العلمية على نطاق واسع لا يعني بالضرورة الانتفاع بفوائدها حالا. فإذا كان الرأي العام لا يمتاز بالفاعلية ولا يبلغ إلى مراتب التأثير على من يمارس السياسة ويتخذ القرارات، والذي وحده هو صاحب رأي يذكر، فإن ذلك يؤثر سلبا على عملية  استثمار العلم و توظيفه لصالح المجتمع.

أما المساهمة الثالثة للعلم فتكمن في تحديد وتقييم المصادر الطبيعية للثروة               والتعرف على مدى إمكانية استغلال هذه الموارد والاستفادة منها بطريقة ملموسة. ويلاحظ هنا أن الدول الرأسمالية قد ركزت على هذا الجانب منذ 1945، وبررت موقفها من مسألة التنمية الاقتصادية في دول العالم الثالث بقولها أن تخلف الدول النامية مرده ضعف قدراتها على تكوين رأس المال وتوظيفه، وهي قدرات متوفرة، بطبيعة الحال، في الدول الصناعية الغنية. وأكدت هذه الدول المتقدمة في شهامة نادرة استعدادها لتزويد الدول النامية بالمال والخبراء. وكانت النتيجة تكدس الديون على الدول الفقيرة حيث بلغت 951 مليار دولار سنة 1985 (1). وبعد أن تفطنت دول منتجة للبترول لحيلة الدول الرأسمالية و كسرت احتكار الدول الصناعية لرؤوس الأموال، طرحت الدول الرأسمالية فكرة جديدة وهي أن قصور الدول الفقيرة عن التمتع بمستويات المعيشة التي بلغتها الدول  النامية، هو التخلف التكنولوجي الذي تعاني منه الدول الفقيرة. وكعادتها أبدت استعدادها لتزويد الدول الفقيرة بالتكنولوجيا المتطورة حتى يتم القضاء على ما يسمى بالفجوة التكنولوجية فيها. وتحقيقا لهذا الهدف، كلفت الدول الرأسمالية شركاتها المتعددة الجنسيات أن تقوم بنقل التكنولوجيا إليها. وطبعا، فإنه من السذاجة أن يعتقد أي إنسان بأن الشركات الرأسمالية ستمكن الدول النامية من الحصول على أسرار التكنولوجيا التي في حوزتها لأن ذلك يعني الاستغناء عنها في مرحلة لاحقة. ولهذا، فالغاية هي تقديم نتاج التكنولوجيا وليس أسرارها، أي تزويد الدول النامية بالسيارات والطائرات والمعدات الالكترونية وليس الكشف عن المعارف التي ترتكز إليها. وبكلمة أخرى، أن تكتفي الدول النامية بتجميع بعض الصناعات لإنتاج سلع استهلاكية لكن بدون أن تتمكن من امتلاك التكنولوجيا وتطويرها لصالح الشعوب النامية (2) .

المساهمة الرابعة للعلم في خدمة الإنسان تتمثل بصفة خاصة في أن العلم، بشقيه النظري والتطبيقي، مرتبط بالحياة الواقعية للأفراد والجماعات. والعلم، بصفة إجمالية، يبحث عن تحسين الأحوال المادية للإنسان، وتخليص الناس من أزمات الجوع والألم، ومقاومة الأمراض، ومحاربة الجهل والاستغلال. وإذا كان العلم النظري أو الأكاديمي يتجه إلى تفسير الواقع، فإن العلم التطبيقي يتجه إلى العمل ضمن الواقع، ثم إن العلم النظري يبحث فيما ينبغي أن يكون، أما العلم التطبيقي فتحكمه اعتبارات المردودية والفائدة المباشرة التي تجنى منه بصفة ملموسة. وباختصار، إن العلم النظري هو عبارة عن بحث في فلسفة الطبيعة و فهمها، بينما العلم التطبيقي هو عبارة عن شكل عقلاني من التقنية.(1)

المساهمة الخامسة للمعرفة العلمية في خدمة التنمية الاجتماعية وخاصة في ميدان نقل التكنولوجيا و تكييفها، تتجسم في عملية تطوير التكنولوجيات التقليدية، وتقديم المشورة فيما يتعلق باختبار التكنولوجيات الجديدة والقيام بأبحاث تجريبية بغية تكييف التكنولوجيا المختارة مع الاحتياجات المحلية.

ومن الفوائد الملموسة للعلم والمؤثرة في حياتنا اليومية، أننا نعتمد عليه في ميدان الزراعة لزيادة الإنتاجية وتوفير غذاء أفضل للمواطنين. كما تساهم المعرفة العلمية في تدعيم الجهد الإنساني لاستخدام الطرق الحديثة للكشف عن الموارد الطبيعية. وفي مجال الصحة العامة، يساعدنا العلم على اكتشاف الطرق الجديدة للعلاج والتغلب على الأمراض المعدية والبحث عن مصادر جديدة للأدوية المستخرجة من النباتات الموجودة محليا (2).

 

مراحل تطور العلوم و محاولة العرب لتنميتها

 

إن الحضارة الإنسانية الحالية هي تتويجا للعقل البشري الذي ساهم على مر العصور في خلق المستقبل الذي يدور في ذهن الإنسان وذلك عن طريق جمع المعرفة والاستفادة منها ثم إثراء تجربته وزيادة الإبداع الاجتماعي. وعليه، فإن الثورات الإنسانية في المعرفة لم تولد في بلد معين أو وقت محدد، وإنما هي نشأت في فترات متقطعة في بلدان الفرس والصين ومصر واليونان ثم في البلدان العربية والأوروبية. وما قدرة هذه الشعوب على المحافظة على كيانها وتراثها وتقاليدها الوطنية إلا دليل قاطع على وجود مقومات علمية وثقافة أصيلة واجهت التحديات الجسام وتمكنت في نهاية المطاف من المحافظة على الذات و صيانة تراث الأجداد.

وقبل أن نتطرق إلى محاولات العرب لتنمية العلوم والاستعانة بها لخدمة مصالحهم، يجدر بي أن أشير إلى أن هناك ثلاث أنواع من المعرفة التي ساهمت في إثراء الفكر الإنساني. الأولى هي المعرفة الشعبية التي يحصل عليها الإنسان من خلال الاتصال والاحتكاك بأفراد بيئته، وهذه المعرفة التقليدية لا يمكن اعتبارها أنها عديمة الأثر كليا في كسب معرفة صحيحة لأن هذه المعرفة البسيطة هي التي مكنت الإنسان البدائي من البقاء والاستمرار في الحياة. والمشكل في هذا النوع من المعرفة أنها تزول بزوال الأشخاص الذين يحفظون هذه المعرفة في رؤوسهم ما دامت هذه المعرفة لم تحفظ تجمع . أما النوع الثاني فهو المعرفة الموثقة أو المدونة التي ساعدت الإنسان على تسجيل المعرفة والاحتفاظ بها ونقلها من جيل إلى آخر للاستفادة منها وذلك يوم أصبح الإنسان يجيد الكتابة ويستفيد من قوة الكلمة المكتوبة التي فتحت المجال أمام التخصص في المعرفة وتسجيلها وحفظها في أماكن لائقة بها. وقد ابتدأت هذه الفترة حوالي 3000 سنة قبل الميلاد. أما النوع الثالث لأنواع المعرفة فهي  المعرفة العلمية التي تميزت بها القرون الثلاثة الماضية والتي كان من خاصيتها السرعة الهائلة في تطوير المعرفة التطبيقية وخاصة عندما برزت في أوروبا الثورة الصناعية في القرن السابع عشر وربطت بين ثورة العلم وتراكم الثروات والأرباح الهائلة التي بدأت تجمعها الرأسمالية التجارية من الداخل ومن خارج أوروبا. وقد اعتمدت البورجوازية الأوروبية على العلم والتكنولوجيا لتحسين الآلة وشجعت العلماء وجمعياتهم ماديا وحفزتهم للقيام بأبحاث واختراعات تكون مرتبطة بالحاجة الملحة التي تواجه المجتمع. وقد تميز القرن التاسع عشر بازدهار الثقافة العلمية وانطلاق عملية الاكتشاف والاختراع في إطار مؤسسات علمية متخصصة تجمع بين التمويل المطلوب والعلماء والفنيين وخطط البحث النظري الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تطوير السلع والأساليب الإنتاجية والإدارية المعروفة، واستحداث ما هو غير معروف(1) .

وما نستخلصه من هذه اللمحة الصغيرة لتطور المعرفة الإنسانية والمراحل التي مرت بها هو أن المقدرة والكفاءة العلمية المحلية للمعرفة الأساسية بدأت تظهر وتبرز على ضفاف الأنهار الأسيوية والإفريقية الكبرى، في بلاد ما بين النهرين ومصر والهند حيث دفع إرتفاع السكان إلى تحسين حقل الزراعة وتوفير العيش للإنسان. وقد استفاد اليونانيون من احتكاكهم بالحضارة الشرقية، وعملوا على تطعيمها وتحسينها بإدخال علم المنطق والتطبيق العملي الملموس. وتميز علماء الإغريق عن غيرهم بالتفكير العلمي المنظم، وتفرغهم للبحث ومعرفة كنه الفضيلة والحب والجمال والكمال والدقة التي تعبر عن صفاء الفكر و تقرب الإنسان من الحكمة الإلهية. ولم يهتم علماء الإغريق، كثيرا بالعلم التطبيقي لأنهم كانوا يحتقرون العلم اليدوي والنشاطات المهنية التي هي متروكة للعبيد والأجانب. وبصفتهم طبقة أحرار ينتمون إلى الطبقة الأرستقراطية كانوا يتنافسون في ميدان البحث عن الحقيقة ويتميزون بالعناد والكبرياء التي تجسم روح النشاط الإبداعي(1).

و نرجع الآن إلى جوهر موضوعنا وهو أن العرب بدورهم ساهموا في نقل العلوم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية وذلك عن طريق الترجمة و تبليغ محتواها إلى الأجيال التي كانت متعطشة للعلم والمعرفة. وإذا كان غيرنا من الأمم المتقدمة في الوقت الحاضر قد تفوقت علينا بفضل ظهور نخبة من العلماء العباقرة الذين أخذوا على عاتقهم دور الريادة في الاكتشافات العلمية والاختراعات، وقاموا باستغلال الخامات المتوفرة في الطبيعة وتحويلها إلى مواد جديدة أو أسلوب حديث يزيد من فعالية الإنسان والمجتمع فإن ذلك لا يعني أن العلماء العرب لم يتركوا بصماتهم على هذه المسيرة العلمية عبر العصور، بل إنهم ساهموا في ابتكار نظريات علمية وتطبيقات عملية مفيدة للإنسان. ولعل أكبر دليل يستند عليه الإنسان لتأكيد هذه الحقيقة هو أن هناك في الوقت الحاضر ما يزيد عن 250000 مخطوط باللغة العربية نسبة كبيرة منهم في مجال العلوم، موجودة بمختلف المكتبات في أوروبا وأمريكا وبعض مكتبات الدول العربية والإسلامية (2).

ومن الناحية العلمية الملموسة، فإن العلماء العرب هم الذين ابتكروا فكرة الأرقام العربية التي تستعمل في جميع دول العالم اليوم. والعرب في الأندلس هم أول من استعمل القذائف النارية في أوروبا لأهداف عسكرية فأصبحوا بذلك أساتذة الأوروبيين(1).

ومن العلماء البارزين في علم الفلك الطبيب والفيلسوف المشهور ابن سيناء          والغزالي وابن حبيب الغزابري الذي اخترع جهازا للفلك وتنبأ بمواقيت كسوف الشمس وخسوف القمر، وأبو الطيب سند علي الذي اكتشف في عهد المأمون طول محيط الأرض، والخوارزمي الذي استعان به المأمون وكلفه بجمع الجداول الفلكية. وفي ميدان الرياضيات و العلوم، نجد الكندي الذي يرجع إليه الفضل في تطوير الرياضيات  وإثبات حقيقة علمية و هي أن سطح الأرض كروي الشكل. ونجد البتاني الذي اكتشف أن طول السنة الشمسية 365 يوم و5 ساعات و 46 دقيقة ( أي أخطأ بدقيقتين فقط ).

ومن الممكن أن نضيف إلى قائمة العلماء الذين ساهموا في إثراء العلوم التطبيقية جابر بن حيان في مجال الكيمياء وابن الهيثم في ميدان علم البصريات والذي استطاع أن يحدد المواقع الدقيقة للأجسام السماوية، وكذلك البيروني الذي اكتشف أن الأرض تدور حول محورها ( أي قبل جاليلو بعدة قرون).

لقد ساهم هؤلاء العلماء من الأقطار العربية والإسلامية في مسيرة التقدم الإنساني بمنهجية علمية لا تختلف في شيء عن المنهجية التي أتبعها علماء أوروبا في القرون الوسطى وعصر النهضة. كما ساهموا في تطوير طرق الري وفي استخدام الطاحونة المائية وطاحونة الريح ( الطاحونة الهوائية ) والتي تبنتها أوروبا في مرحلة لاحقة. كما أبدع العرب في تكنولوجيا صناعة الخزف والزجاج الملون واكتشاف طريقة لتكرير السكر.

وفي العلوم الاجتماعية، ولو في مرحلة لاحقة، نلاحظ هذا السبق العربي في ميدان التحليل العلمي للمعرفة الإنسانية حيث نجد أن ابن خلدون عالج نفس المادة التي اتخذها فيما بعد علماء الاجتماع الأوروبيين المحدثون موضوعا لبحوثهم الاجتماعية. فهو قد استخلص معطيات علمية من وضع المجتمعات التي اطلع على حاضرها وماضيها، واكب ظاهراتها العامة ، واصفا ، محلل و معلل ، فجاءت دراسته أقرب إلى العلم الوضعي منها إلى النظريات التجريدية الشائعة في العالم القديم و الوسيط (1).

وباختصار شديد فإن الخدمات العلمية التي وفرتها لنا الاختراعات العلمية               والاكتشافات الحديثة في الوقت الحاضر، هي امتداد لعدة مساهمات فكرية عالمية، فالصين، مثلا، كانت السباقة في اختراع البارود. إلا أنها اكتفت باستخدامه في مجال الألعاب النارية، في حين أنه بعد أن أوصله العرب إلى أيدي الأوروبيين تحول إلى مادة للتفجير و الدمار.(2)

وهكذا نستخلص بأن الاكتشافات العربية في الماضي لم يحسن استخدامها لأن تطورهم الاقتصادي والاجتماعي والقيم السائدة آنذاك لم تساعد على ذلك. وبتوقف الاستخدام الأمثل للعلوم عند العرب بدأ وضعهم يتدهور، في فترات متقطعة، وانتقل مشعل الحضارة من يدهم إلى أيدي الأوروبيين وخاصة يوم تزايدت التفككات الداخلية  وانتشرت الحروب الأهلية، وتوالت هجومات التتار والمغول  والصليبيين والأتراك ثم الأوروبيين الذين لعبوا دورا أساسيا في تجميد الوضع الاجتماعي والفكري والسياسي وعزل العالم العربي عن التطورات الجارية في أوروبا (3) .

 

لماذا تجمد الإبداع العربي

 

إن الجواب البديهي على هذا التساؤل يكمن في الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من التحليل السابق لهذا الموضوع وهو أن الحضارات الإغريقية والصينية والفارسية والهندية والعربية شكلت رصيدا علميا هائلا حولته أوروبا إلى ثورة صناعية دائمة، في حين عجزت الحضارة الآنفة الذكر، على خلق الشروط الضرورية لاستمرار تطور حضاري وسياسي متواصل. وعليه، فإن العرب توقفوا عن الإبداع بسبب غياب تطور حضاري وفكر سياسي منذ القرن الحادي عشر ميلادي. فمنذ ذلك التاريخ توقفت حركة التقدم الاقتصادي والتكنولوجي وغرقوا في حالة تخلف، ومن تم تبعية متزايدة زائدة في قرون لاحقة استمرت إلى يومنا هذا (1). وهناك جماعة من المفكرين في عصرنا الحالي،عندهم قناعة أن مسألة التقصير في القيام بالواجب وانتشار الجهل والفقر والضعف في الدول العربية،ترجع في الأساس إلى “أننا أدخلنا أنفسنا في سبات ثقافي حضاري عميق حتى غابت عنا فكرة العصر، فغاب عنا الوعي بالحياة وحقائقها”(2). وبكلمة أخرى، فإن أبناء الدول المتقدمة استعانوا بالعلم واعتمدوا على الإنسان الذي وظف معرفته وذكاءه وخبرته لتحقيق منافعه.فالعلم الذي زاد في قدرة الإنسان على الإبداع وأعطاه قوة التصرف في المجال الذي هو حر فيه،مكنه من نقل المهارات من جيل إلى جيل.أما نحن العرب فإن ثقافتنا لازالت- كما كانت في مجملها – كلام في كلام،والكلام في ذاته لا عيب فيه، ولكن العبرة أن هناك فرقا جوهريا بين الإنسان الذي اكتسب ثقافة علمية وعمل بها لتطوير حياته،ويغير وجه الأرض بعلمه ومعرفته، وبين الإنسان الذي يبقى جامدا في مكانه يردد كلاما ويبدي إعجابا بما أنتجه أناس مبدعون، فإن ذلك لا يغير شيئا من مجرى الأمور. وعليه، فإن تخلف أبناء الأمة العربية ومعاناتهم من أمراض العصر كالقلق والاغتراب والتمزق والتخلف يرجع بصفة أساسية إلى “كون العرب لم يمارسوا حياة العلم والصناعة بعد على نحو ما يمارسها أهل الغرب الذين عندهم شغف بالعمل الإبداعي. أما نحن فنأخذ الناتج استعارة أو شراء، فنعيش ذلك العلم وتلك الصناعة من السطح، لا من الجذور التي تمس الأفئدة فتهزها من الأعماق “. وما دمنا لا نغير ثقافتنا ولا نكسب ونستعمل العلم الذي يمكننا من تسخير الظواهر الكونية لصالحنا،كما يفعل أهل الغرب،فإننا سنبقى بحاجة إليهم،مثل احتياج الطفل لولي أمره،لأننا في حاجة إلى كثير مما صنعه الغربيون بعلومهم و مهاراتهم(3).

وقد يرجع تجمد الإبداع العربي إلى اضمحلال الرعاية التي كان يوليها الحكام   والأثرياء للعلم و العلماء.وإذا كانت الحضارة قد ازدهرت بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر ميلادي،فإن السبب في ذلك هو تشجيع الخلفاء لعلماء وتكليفهم لهم بأن يقوموا باختباراتهم العلمية وتسجيل ملاحظاتهم.كما أن هذه الرعاية التي وفرتها القيادة السياسية قد حمتهم من معارضة المتعصبين الدينيين القوية الذين كانوا يشكون بأن النشاطات العلمية تمس معتقدات المؤمن. وباختفاء دعم القيادة السياسية ماديا ومعنويا، وبروز جهاز بيروقراطي مركزي متصلب وعاجز عن الاستجابة السريعة للتحديات، بالإضافة إلى بروز التزمت والغزوات المتلاحقة من طرف القوات الأجنبية على البلدان العربية، اضمحل أثر المعرفة العلمية وقل مفعولها ولم تعد للعلماء والعلوم علاقة باحتياجات الشعب العربي، وساد الاعتقاد في ذلك الوقت بأن العلماء والمثقفين لا نفع منهم.وتبعا لذلك تحول العلماء إلى رجال علم متجولين يبحثون عن حظوظهم عند حاكم محلي كريم(1). ونتيجة لهذا الانغلاق الفكري، تجمد الإبداع العربي واتجهت طاقات العقل العربي والإسلامي إلى اجترار ما كتبه الأجداد(2).

وهناك من يرى أن أزمة الإبداع العلمي عند العرب مستمدة في الأساس من عدم وجود حضارة علمية تكنولوجية.والحضارة العلمية التكنولوجية تختلف بطبيعة الحال عن الحضارة الأوروبية النابعة من بيئة معينة والمتميزة بمناخ فكري خاص والتي هي حضارة مثل باقي الحضارات الأخرى، تتأثر بغيرها وتؤثر في غيرها، وتتبع دورة حضرية معروفة: تنشأ وتنمو وتزدهر ثم تأخذ بالاضمحلال. أما الحضارة العلمية التكنولوجية فإنها تختلف جذريا عن الحضارة الليبرالية الغربية، مع أنها نشأت منها ومن جوها ومناخها. فهي تأخذ صفة عالمية وغير مرتبطة ببيئة معينة أو بوطن أو بأمة. كما أن الحضارة العلمية التكنولوجية تعتبر الثورة جارفة ولا يمكن الهرب من تأثيرها. ولو حاول مجتمع ما التقوقع والعزلة لوجد نفسه في مواجهة آثارها ونتاجاتها دون أن يكون بوسعه منع هذه الآثار أو دفعها، وفي ذلك تهديد كبير لحياته. وعليه، فإن مشكلة أبناء الأمة العربية أنهم اقتبسوا ونقلوا التراث الأدبي والثقافي في الحضارة الأوروبية وأهملوا الحضارة العلمية التكنولوجية التي لا تتنافى مع الحضارة الخاصة بكل دولة. ولعله من الواجب أن أشير هنا أن الأخذ بالحضارة العلمية التكنولوجية لا يعني بالضرورة إلغاء حضارة المجتمع التي أخذ بها. وباختصار، فالتعايش ممكن بين الحضارة العلمية التي هي ذات طابع عالمي، والحضارة الثقافية الخاصة بكل شعب والتي هي ذات طابع محلي، بشرط أن تتقبل الثقافة المحلية إنجازات الحضارة العلمية وما يترتب على ذلك من متغيرات في بنيات المجتمع وأساليب الحياة وهو أمر لا يمكن منعه. ولعل أحسن مثل يمكن أن يستشهد به الإنسان على صحة هذه النظرية هو العالم التكنولوجي الياباني الذي يقضي نهاره متغمسا في العلم والبحث الإبداعي وأسلوب التفكير العلمي،حتى إذا عاد في المساء إلى بيته،انقلب إلى أساليب العيش في القرن الثامن عشر، وسط جو ديني أو مناخ حضاري وثقافي ياباني بحت(1).

ويوجد كذلك من عنده تصور بأن الإبداع العلمي عند العرب تقهقر في الماضي بسبب دور الحكام آنذاك في خنق حرية التفكير وانتهاج سياسة “الحكم الاستبدادي في استعمال العنف مع الفقهاء وأهل الفكر، وقد أصاب الأذى ثلاثة من الأئمة الأربعة وضرب مالك وأبو حنيفة وابن حنبل، فأصيب الفكر الإسلامي بالرعب وهو آفة الفكر الكبرى في كل زمان ومكان،وحرص رجال الفكر بعد ذلك على الابتعاد عن الكلام في سياسة الأمة ومتاعب هذا الكلام”.(2) وبناء على هذه النظرية، فإن عملية الإبداع العلمي تتطلب وجود مناخ علمي في المجتمع، ورغبة حكومية صادقة لتقبل النتائج العلمية، والاعتراف بمكانة العلم المرموقة في المجتمع.

 

كيف يمكن توظيف العلم لخدمة الإنسان العربي

 

ليس هناك جدال أن الصراع الحضاري اليوم هو عبارة عن صراع علمي.ويستفاد من تقرير أعدته نخبة من علماء هذا العصر بناء على دعوة من الأمم المتحدة بقصد دراسة كيفية تسخير العلم والتكنولوجيا لخدمة الدول النامية بأن الدول في أي مجتمع تعتبر متخلفة إذا كان عدد العلماء فيها أقل من 40 في كل 1000 نسمة من السكان. وهذا يدل على أن عملية النضال من أجل الخروج من مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم تتوقف بصفة أكيدة على جعل العلم قوة إنتاجية حقا.ومشكلتنا في الدول النامية، بصفة عامة، أن هناك مجهودات حكومية تبدل لنشر الثقافة وتعميم التعليم في الثانويات والجامعات لكن هذا التعليم يغلب عليه الطابع النظري وينقصه الجانب التطبيقي. والعلم الذي لا يتحول إلى منفعة عملية تؤثر في مناهج الحياة كل يوم، لا يتغلغل في بنيان المجتمع ولا يؤثر في القوى المتفاعلة فيه.

ولكي يكون للعلم وظيفة عملية في المجتمع العربي، وليس كلاما للتباهي به، يتعين على قادة الدول العربية أن يدركوا نفعه ويقبلون عليه تعليما وتطبيقا.كما يتعين على جميع المسؤولين في الجامعات والإدارات والمؤسسات الإنتاجية أن يظهروا استعدادا نفسيا وفعليا لتقبل نتائج البحوث العلمية وتأثيراتها الإيجابية في المجتمع. وإذا توفرت هذه الإرادة والمناخ العلمي الملائم، فبإمكان الدول العربية أن تنتفع بثمار المعرفة العلمية إن هي أخذت بعين الاعتبار بعض العوامل الآتية:

  1. أن يقترن التعليم الجامعي بالمعرفة العلمية النظرية (أي معرفة لماذا؟
    (Know Why وبالمعرفة التطبيقية (أي معرفة كيف؟ Know How ) التي هي عبارة عن أساليب عملية والتي نطلق عليها اسم”التكنولوجيا”.صحيح أن العلم النظري أو الأكاديمي يساهم في تعميق المعرفة في مختلف الاختصاصات،وقد يثمر هذا العلم ويأتي ببحوث ابتكارية.لكن التطبيقات العملية وربط النظريات بالواقع المعاش يوميا هي التي تبين مدى فعالية العقل ومقدرته على تلبية الحاجات الاجتماعية. وفي اعتقادي الشخصي أن التركيز على المعرفة النظرية البحتة ينتج عنه عزل الجامعات عن الأهداف الاجتماعية. وعليه، فالجامعات مطالبة بتطعيم برامجها التعليمية بخطط عملية للتدريب في الاختصاص حتى يتخرج الطلبة وهم قادرون على ممارسة عمل معين مدعوم بخبرة مكتسبة من ميدان العمل.

2.إذا كانت الجامعات هي مراكز الإشعاع العلمي،وكل وسيلة علمية هي الوسيلة الرئيسية المستعملة لتمكين الإنسان من استعمال فكره وقدراته للانتفاع بعقله ومهارته،فمن الحكمة أن يقوم رجال الحكم بإحالة مشكلات الأمة إلى العلماء لكي يبدوا رأيهم فيها بموضوعية ويتقدموا بالاقتراحات والحلول البديلة لهذه القضايا التي تشغل بال كبار المسؤولين في الدولة .وهذا الاعتماد على العلماء يتطلب،بطبيعة الحال،تزويد رجال العلم بالوسائل المادية التي تمكنهم من إجراء البحوث والخروج بنتائج وتحاليل منطقية وعملية. والخطأ الفادح الذي يرتكب في حق العلم ببلداننا العربية هو أن الجميع يعتبرون أن هذه الهمة تنفرد بها الدولة، ويتكل عليها الجميع في حين أنه كان من المفروض أن يبادر المسؤولون عن قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة إلى تغذية البحث العلمي، كل واحد في إطار اختصاصه، وتشجيع العلماء على الابتكار، وتحديد مقاييس الجودة وأساليب التنظيم الفعالة لزيادة الإنتاج وخفض التكاليف وتحقيق الأهداف المسطرة في برامجهم بطريقة مجدية. إن المؤسسات الصناعية والزراعية والتعليمية هي المستفيدة من المعارف العلمية الجديدة والقابلة للتطبيق، وعليها أن تكون سندا للبحث العلمي وتستثمر فيه حتى يخدمها ويحقق لها نفعا وفائدة ملموسة.

3.إن مسؤولية خلق ثقافة علمية مبسطة لمجتمعاتنا العربية التي توجد بها نسبة كبيرة من المواطنين غير المتعلمين أو الذين عندهم ثقافة علمية بسيطة، تعتبر، من أهم الوظائف والواجبات التي يتعين على رجال العلم أن يقوموا بها، وبذلك يتم التغلب على مشكل وجود معلومات في أذهانهم ولكن علمهم ومعرفتهم تبقى مخزونة ولا تصل إلى أبناء وطنهم. وعليه، فإن غرس الأفكار العلمية الأساسية والمفيدة لعامة الناس، ممكن أن يتم عن طريق الكتاب لمن يستطيع القراءة، وينقل عن طريق الشاشة لمن يرغب أن يتعلم ويستفيد عن طريق الصورة المرئية في الشاشة، وعن طريق الإذاعة لمن يفضل أن ينصت إلى المذياع ويتسلى ببرامجه المثيرة. وطبعا فإن المساهمة العلمية في إفادة الماس بما ينفعهم وفي خلق جيل عربي مثقف ثقافة علمية يتطلب إدراك رجال المؤسسات الإعلامية وقناعتهم بضرورة التنسيق بين أجهزتهم ورجال العلم.

4.إننا نعيش الآن في مرحلة الإعجاب والتقدير بجدوى الأسلوب العلمي في الدول الغربية والمتمثل في تطبيق المعرفة العلمية في المؤسسات الرسمية للدولة بحيث توجد  علاقات وثيقة بين العلماء المختصين وكل وزارة معينة بذلك الإختصاص.

فالمفروض أن تقتدي مؤسساتنا بالمؤسسات الأوروبية وتستفيد من هذه التجربة الناجحة، لأن انعدام هذه الصلة بين العلم من ناحية والدولة ومؤسساتها الرسمية من ناحية أخرى، هي التي تحول دون التأثر بالعلم ودون مساهمته في تحسين عيش المواطنين. وعليه، فإن مؤسسات الدولة في حاجة ماسة إلى خلق جسور بينها وبين المراكز العلمية والمعاهد المتخصصة حتى تستفيد تلك المؤسسات الحكومية من التقييم العلمي الموضوعي لبرامجها، والآراء المحايدة في مدى صلاحية خططها، والمتابعة المستمرة لعملية الإنجاز، حتى يتم تدارك أي خطأ يمكن أن يبرز خلال عملية التطبيق الفعلي لكل خطة.

5.إن وسائل تبادل المعلومات والحقائق ونتائج الأبحاث والآراء بين العلماء أنفسهم في كل اختصاص تكاد تكون منعدمة، وبالتالي، فإن التقدم العلمي يتأثر سلبيا بهذا النقص الملحوظ في ميادين الترقية العلمية ورفع المستوى وتحسينه. ولهذا فإن تقدم العلوم بالبلدان العربية مرتبط بتوفر الإمكانيات المادية والوسائل التي تستعمل لخلق نهضة حقيقية شاملة. وتتمثل هذه الوسائل في الجمعيات العلمية التي تجمع بين الخبراء، والمجلات العلمية المتخصصة التي تكون منبرا للمناقشات وتبادل منافع المعرفة وإثراء التجارب الإنسانية، والندوات العلمية التي يتم فيها تبادل الآراء واستعراض الأفكار والنظريات المستجدة في كل اختصاص، وكذلك التبادل العلمي بين الجامعات والمعاهد العلمية. إن استعمال هذه الوسائل بطريقة عقلانية هو الذي ينمي قدرات العلماء ويساعدهم على تنمية البحث العلمي وكشف أسرار الكون.

6.المعرفة العلمية تتحسن بالاستخدام التدريجي لها، ومشكلتنا في العالم العربي أن المؤسساته الإنتاجية وإدارة الخدمات الإجتماعية تبدو متلهفة لتحقيق نتائج إيجابية في أسرع وقت ممكن، وهذا التلهف هو الذي يدفعها للتعاقد مع شركات أجنبية لتنفيذ مشاريعها وذلك ظنا منها أن تلك هي الحلول السهلة لعملية التنمية، وهذا التفكير الغير منطقي هو الذي يخلق الانفصال بين الإنتاج واستخدام المعارف العلمية الملائمة للبيئة المحلية. ونستخلص من هذا، أن عملية جلب نماذج غربية، مستوردة من الخارج إلى المجتمعات النامية التي تختلف احتياجاتها وتقاليدها عن تلك الإنماط الموجودة بالدول المتقدمة(1). تخلق انعكاسات سلبية على واقعنا العربي. والمفروض في مثل هذه الحالات أن تعتمد المؤسسات الإنتاجية على البحوث العلمية المحلية، وأن تدرك بأن النتائج قد لا تكون بالضرورة سريعة ومريحة لأن العثور على الحلول والبدائل الجيدة لكل مشكلة هي عملية تتوقف على الموارد والإمكانيات المتوفرة لكل باحث. لكن الشيء المهم هو العثور على الأسلوب الملائم لتلبية الاحتياجات الاجتماعية، وخلق بنية علمية أصيلة داخل المجتمع الوطني.

  1. تتسم الحضارة الإنسانية في يومنا هذا بالديناميكية في ميدان التحولات السريعة بفضل التكنولوجية الحديثة والبحوث العلمية المنيرة لقد شيدنا الثانويات والجامعات ولكننا لم نتمكن حتى الآن من القيام بمجهودات مماثلة في ترجمة أمهات الكتب العلمية ونقل ثمار العقول التي تغمر العالم إلى لغتنا العربية وتمكين الأجيال الحالية والأجيال القادمة من الحصول على معرفة غزيرة نافعة لهما في الحاضر والمستقبل. وفي اعتقادي أنه من الصعب علينا أن نواكب ركب التقدم الحضاري أو نلحق بمن سبقنا من الدول المتقدمة، إن نحن بقينا بمعزل عن التيارات العلمية في ميدان المعرفة. لقد كانت الترجمة على مر العصور من أهم وسائل نقل المعرفة وأكثرها تأثيرا في تقدم الشعوب.
  2. إن قوة الدول الحديثة مستمدة، في الواقع، من قوة مؤسسات الأبحاث والدراسات السياسية والاستراتيجية. وبناء على هذه الحقيقة، فالدول المدركة لواجباتها ولما يتطلبه مستقبل أبنائها، ترصد من أجل العلم أموالا طائلة لأن قادتها يشعرون أن قوة العلم والمفكرين وابتكاراتهم هي ضرورة من ضرورات الحياة ولازمة لمصالح دائمة تتعدى شواغل الساعة وتتخطاها. وانطلاقا من هذا التحليل، تتسابق الدول العملاقة إلى تجنيد أقدر العناصر في الجامعات وأذكى العقول لكل تتخصص أو تتفرغ للتحضير والتخطيط على المستوى الاستراتيجي في كل المجالات. ومن هنا تنبع قوة الدول العصرية لأن هناك تفاعل بين قوة مؤسسات التفكير السياسي والاستراتيجي وبين قوة القيادة السياسية التي تحاول أن تخدم المصلحة العامة من خلال الاستعانة بالآراء الثاقبة لعلمائها(1). والشيء الملفت للانتباه في هذا الموضوع أنه تم استبدال المؤسسات العلمية في الدول النامية بالأجهزة البيروقراطية وهي بيروقراطية بطيئة في أعمالها وعاجزة عن الاستجابة السريعة للتحديات المعقدة والتي تتطلب مهارات فكرية ومقاييس علمية دقيقة. وعلينا الآن أن نفصل في هذا الموضوع ونقرر من يكون له التأثير الإيجابي على مستقبلنا: البيروقراطيون المكلفون بالتنفيذ أم أصحاب العقول والأفكار الذين في إمكانهم تطوير أساليب جديدة ومتقدمة في مجال كسب المعرفة واختبارها.
  3. لقد تكلمت حتى الآن على الجوانب الإيجابية في العلم، وأشرت إلى ضرورة الاستفادة من الاكتشافات العلمية التي تخدم الإنسان وتخلق واقعا جديدا، وطريقة جديدة في التفكير في هذا الواقع ورؤية الإنسان له. وكلامي هذا لن يكون كاملا إلا إذا اقترن واشتمل على تنبيه خلاصته أن الاكشافات العلمية والتطورات التقنية لا تقودان بالضرورة إلى تطور إجتماعي حميد. فالعلم سلاح ذو حدين، قد يسخر لحل مشاكل العالم المتفاقمة مثل نقص الغداء ومحاربة التلوث والأمراض الفتاكة، وقد يسخر لخدمة أغراض شريرة كالإبادة بالأسلحة النووية والتجسس بالأقمار الصناعية وأدوات التصنت وخلق الفراغ واللهو والإنغماس في ملذات وتطوير وسائل الهيمنة الفكرية عن طريق أجهزة الإعلام. وبناء على ذلك ينبغي أن ننتبه إلى حقيقة جوهرية وهي أنه ليس من السهل نقل المعرفة أو التكنولوجية من مجتمع إلى آخر بدون نقل قيم وأساليب الحياة في ذلك المجتمع الذي توجد به التكنولوجيا. وعليه، فإن التوظيف الجيد للمعرفة هو ذلك النوع الذي يكون نابعا ومستمدا من القيم الاجتماعية المحلية ومعارف وخبرات معبرة عن خيارات وطنية.

هذه هي، باختصار، بعض الثغرات الموجودة في أنظمتنا الإجتماعية بالبلدان النامية. وإذا نحن تداركنا الأمر قبل فوات الأوان وعملنا على تحصين أنفسنا وقمنا بتوظيف العلم لخدمة أهدافنا وفهمنا حقيقة أنفسنا وحقيقة غيرنا وحقائق العصر الذي نعيش فيه، فإنه بإمكاننا أن نتغلب على كل الصعاب التي تواجهنا ونجتاز مرحلة التحول الحضاري الذي تصاحبه رؤية جديدة وموجة جديدة من الجهد الفكري للتعرف على المستقبل. صحيح أن الاعتماد على النفس في التنمية العلمية طريق شاق وصعب، وغير مأمون العواقب وغير مجرب، لكن بالإرادة ووضوح الهدف والقيادة الحكيمة التي تكون قدوة للأفراد، لأن الناس لا تحركهم الخطط أو الوعود البراقة، وإنما تحركهم القدوة وجو الجدية والصدق الذي يجب أن يأتي من القمة (القدوة)(1). يمكن تغيير مجرى الأمور لصالح أمتنا بتطبيق الأبحاث ومناهج العلمية لخير الإنسانية جمعاء.

 

 

*  دراسة منشورة بالمجلة العربية للعلوم السياسية ، العدد 2 ، 1988 ، ص 82-97. .

(1)   فؤاد صروف ، العلم الحديث في المجتمع الحديث ، بيروت : مكتبة لبنان ، 1966 ، ص 66 .

(1)  نفس المرجع الآنف الذكر ، ص 192 .

(2)  مصطفى طيبة، الثورة العلمية والتكنولوجيا والعالم العربي. القاهرة: دار المستقبل العربي، 198 ، ص 8 .

(1)  صالح الحاجة أي حضارة نريد ؟. تونس ، سراس للنشر 1985 ، ص 78 .

(2)  نفس المرجع ، ص 76 .

(3)  نفس المرجع ، ص 73- 74 .

(1)   هيرمان كان، العالم بعد مائتي عام ( ترجمة شوقي جلال ) . الكويت : سلسلة عالم المعرفة ، 1982 ، ص 7 .

(1)   سمير عبده، تحديث الوطن العربي. بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1981 ، ص 22-43 .

(1)   جريدة هرالد تريبيون الدولية ( باللغة الانجليزية ) العدد الصادر بتاريخ 15/9/1986 .

(2)   محمد هشام عوض ، ” ماذا وراء الدعوة لنقل التكنولوجيا إلى الدول النامية ” في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 24/8/1981 ، ص 9 .

(1)  فلاديمير كورغانوف، مناهج البحث العلمي ( ترجمة على مقلد ) بيروت : دار الحداثة ( بدون تاريخ النشر ) ص 42-43 .

(2)   أنطوان زحلان، العلم و السياسة العلمية في الوطن العربي. بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1984 ، ص 233 .

(1)  انطونيوس كرم، العرب أمام تحديات التكنولوجيا. الكويت: سلسلة علم المعرفة ( نوفمبر 1982 ) ص 49 .

(1)  نفس المرجع الآنف الذكر ، ص 22-53 .

(2)  طيبة، مرجع سابق، ص 176.

(1)  زيغريد هونكة : شمس العرب تسطع على الغرب ( ترجمة فاروق بيضون ، كمال دسوقي ) .بيروت : دار الآفاق الجديدة ، 1982،    ص 51 .

(1)  أفرام البستاني ، دائرة المعارف . المجلد السابع ، 1956 ، ص 433 .

(2)  كرم، مرجع سابق، ص 43-44.

(3)  طيبة ، مرجع سابق ، ص 173 .

(1)  كرم،مرجع سابق،ص 184.

(2)  زكي نجيب محمود،في صحيفة الأهرام،بتاريخ 2/12/1986 ص 14.

(3) نفس المرجع الآنف الذكر و نفس الصفحة.

(1)  كرم، مرجع سابق ص 194.

(2)  طيبة، مرجع سابق،ص 172.

(1) زهير الكرم،”التخلف العلمي وأبعاده الحضارية .” في أزمة التطور الحضاري العربي.الكويت:مطبعة دار السياسة،1975 ص566-574.

(2) حسين مؤنس.”الدين والتطور الحضاري العربي” في أزمة التطور الحضاري العربي.الكويت:مطبعة دار السياسة،1975،ص 364.

(1)  زحلان مرجع سابق، ص 202.

(1)  محمد سني هيكل، آفاق الثمانينات. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1983، ص 92-96.

(1)  أحمد بهاء الدين، في مجلة المستقبل. الأسبوعية، العدد رقم 252، الصادر بتاريخ 19/12/1981، ص 8-9.

شاهد أيضاً

عرض وتحليل  كتاب : التاريخ السياسي للجزائر للأستاذ الدكتور عمار بوحوش وليد عبد الحي

وليد عبد الحي   من بين أكثر الموضوعات ارباكا في نطاق العلوم السياسية هو كتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *