مذكرات المجاهد مصطفى بوغابة
بقلم الأستاذ المميز عمار بوحوش
الأستاذ مصطفى بوغابة شخصية وطنية مرموقة سواء على مستوى النضال والتوعية بمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، أو على مستوى الجهاد والمشاركة في الثورة الجزائرية وتحرير الوطن من الهيمنة الاستعمارية.
إنه أستاذي بمعهد عبد الحميد بن باديس، وجاري بعوينة الفول بقسنطينة في الفترة الممتدة من 1953 إلى غاية 1956، ولذلك فأنا مطّلع على بعض أفكاره في التربية والتعليم ودوره في إعداد الأجيال لمعركة التحرير من الاحتلال الفرنسي للجزائر.
كما أنني كنت أشاهده عندما كان يأتي إلى محل عمي أحمد دودو، رحمه الله، ويأخذ منه الأموال لتمويل الثورة الجزائرية في الفترة الممتدة من 1955 إلى غاية 1956 وهي السنة الأخيرة التي تم فيها غلق معهد عبد الحميد بن باديس والتحاقنا جميعا بالثورة والمساهمة في تحرير الوطن. الشيء المؤلم أن عمي أحمد دودو قد اختطفته اليد الحوراء التابعة لجيش الاحتلال واغتالته سنة 1958 بعد أن ثبت أن حانوته الموجود بـ : 9 نهج نوفمبر 1945 بعوينة الغول قد كان مخبأ للفدائيين بقسنطينة.
مصطفى بوغابة نائب رئيس خلية المجاهدين بقسنطينة
بالمختصر المفيد، فقد أسس طلبة معهد عبد الحميد بن باديس في سنة 1955 خلية تابعة لجبهة التحرير الوطني بدار الطلبة بقسنطينة، وكان يرأسها الشهيد علي بوداود (من ولاية تلمسان)، وتتشكل هذه الخلية من السادة: على بوداود، بوساعة عبد الرحمن، الهاشمي هجريس، عمار بن جامع، الطاهر بن معوش وتركت عبد الحميد. وفي الحقيقة أنه لم يكن عندنا علم بانخراط أساتذتنا في جبهة التحرير الوطني، لكنه في أحد الأيام أخبرني سي بوداود أن تاجرًا يهوديًا متواجد محله أمام البازارغلوب (من الناحية السفلى) سيتم تصفيتة بعد يومين. وبالفعل، فقد قام أحد الفدائيين باغتياله في محله. وآنذاك تأكد بأن خلية الطلبة التي يرأسها علي بوداود تنشط في إطار خلية الأساتذة المجاهدين بالمعهد ويرأسها المجاهد إبراهيم مزهودي، ونائبه في الخلية مصطفى بوغابة. وحسب مذكرات الاستاذ مصطفى بوغابة فقد كانت الخلية تتشكل من الاستاذ محمد الميلي، والاستاذ الطاهر حراث، وأحمد حماني وغيرهم من أساتذة المعهد الذين بقيت أسماؤهم مخفية. وفي يوم 10 مارس 1956 صعد إبراهيم مزهودي إلى الجبل والتحق بجيش التحرير في المنطقة الثانية لان الجيش الفرنسي أصبح يبحث عنه ليلاً ونهارًا. وللتاريخ، ينبغي أن نشير إلى أن رئيس خلية المعهد الاستاذ إبراهيم مزهودي قد تمكن من انشاء خلايا لجبهة التحرير في ولايات أخرى، مثل ولاية برج بوعريريج التي كان يرأسها العربي سعدوني، وولاية سطيف التي كان يرأسها الطيب خرشي، وخلية شلغوم العيد التي كان أسسها سليمان بشنون، وخلية عنابة التي كان يرأسها الحملاوي بوالزرد، وخلية سكيكدة التي كان يرأسها محمد الصغير قارة.
أزمات ثورة التحرير تتوالي في سنة 1956
من يقرأ مذكرات المجاهد مصطفى بوغابة سيندهش عندما يطلع على حقائق مذهلة تخص المأزق التي آلت إليه ثورة التحرير في سنة 1956. باختصار شديد، فإن العلاقات الجزائرية التونسية تأثرت بالصراع بين بن صالح بن يوسف والحبيب بورقيبة حيث أصبحت القيادة التونسية تضايق الثوار الجزائريين وتفرض قيودًا على تحركاتهم بسبب التقارب بين الثورة الجزائرية والثورة التونسية بقيادة، ثم اغتيال مصطفى بن بولعيد والبحت عن خليفة له في قيادة المنطقة الأولى حيث أصبحت هي الشغل الشاغل لقيادة جبهة التحرير كما أن استشهاد ديدوش مراد قد ترك فراغا في المنطقة الثانية ولا أحد كان يعرف من يخلفه. وزيادة على كل هذا، فإن الاتصال بين قيادة جبهة التحرير في الداخل والخارج تكاد تكون منعدمة. ويلاحظ هنا أن مسألة عقد مؤتمر وطني للثورة الجزائرية هيمنت على بال قادة الثورة في الخارج وازدادت الأمور تعقيدًا بسبب الخلافات حول أهداف المؤتمر والدعوات لعقده، وخطة العمل في المستقبل.
مساعي قادة خلية المعهد في السعي لإيجاد الحلول لأزمات الثورة
يرى المجاهد مصطفى بوغابة أن المشكل الأساسي الذي واجهته الثورة في الفترة الممتدة من 1954 إلى غاية 1956 يكمن في صعوبة الاتصالات والتشاور للتغلب على الصعاب التي تمثلت في استشهاد عدد كبير من كبار الشخصيات في ثورة التحرير. وفي رأيه، أن المجاهدين بخلية المعهد قد شعروا بالخطر، فسارعوا منذ البداية، إلى تدعيم الثورة ماديًا ومعنويًا. ومن أبرز المهام التي قاموا بها: تجديد و إحياء لقنوات الاتصال بين قيادة الثورة في الجزائر العاصمة، وبين قادة المنطقة الأولى (الأوراس والنمامشة). كما تم تكثيف الاتصالات بين قيادة (الشمال القسنطيني) وبين قيادة الثورة في الخارج، وخاصة إيصال الرسائل إلى القادة المتواجدين بتونس أو بالمغرب.
أزمة الأوراس النمامشة
في عام 1956 تعرضت منطقة الأوراس النمامشة إلى ضغط عسكري فرنسي رهيب غير مسبوق وذلك بقصد اخماد الثورة هناك. وحسب كاتب المذكرات فإن الخوف من فشل الثورة كان الهاجس الكبير لقادة الثورة بحيث شعر الجمع بأن مصير الثورة في خطر. والمشكل الكبير أن قيادة الثورة واجهت صعوبات جمة في التواصل بينها وبين قادة الاوراس النمامشة المتنازعين على السلطة حيث اختلف عباس لغرور، وعجول و عمر بن بولعيد ولم يتفقوا على تعيين قائد جديد للمنطقة الأولى.
وللإشارة فإن قيادة جبهة التحرير قررت ارسال العقيد عميروش إلى منطقة الاوراس النمامشة بقصد المصالحة بين القيادات المتنازعة، لكن هذا المرسول لم يحقق أية نتيجة إيجابية وانتهى الأمر بهروب عاجل عجول إلى ثكنة فرنسية خوفًا على حياته، واغتيال عباس لغرور في ظروف غامضة بتونس. وما يهمنا في هذا الموضوع، أن خلية المجاهدين بمعهد عبد الحميد بن باديس قامت بمحاولات ناجحة نسبيا لحل الأزمة. فقد قامت بإرسال شخصيات بارزة من المجاهدين إلى الأوراس والجزائر العاصمة و تونس حيث توجد قيادة جبهة التحرير في الخارج، وتمكنت هذه الشخصيات من إطفاء نار الفتنة. واعتمدت خلية جبهة التحرير على قوات اتصالاتها بكل منطقة، فاوفدت إبراهيم مزهودي والمجاهد أحمد السرحاني والمجاهد محمود الواعي إلى كل الجهات المعنية بالخلاف بين القادة الأوراسيين وفي نهاية المطاف نجحوا في انتقاء قيادة جديدة للمنطقة متمثلة في محمود الشريف الذي تم تعيينه قائدًا للولاية الأولى.
قضية التداول على السلطة في الشمال القسنطيني
إن استشهاد قائد منطقة الشمال القسنطيني يوم 13/07/1955 قد ترك فراغًا في تلك المنطقة، وبسهولة تامة تم تعيين نائبه زيغود يوسف في مكانه. غير ان استشهاد زيغود يوسف بدوره يوم 23/09/1956، وخاصة أن عمره لا يتجاوز 35 سنة وهو كذلك كان أول ضابط في جيش التحرير يتحصل على رتبة عقيد بعد مؤتمر الصومام، قد اثار شكوكا حول من يخلفه في قيادة الولاية الثانية. ان زيغود يوسف كان عنده شخصية كاريزماتية ومن الصعب الحصول على قائد عسكري مثله. وكما هو متعارف عليه في التاريخ، فإنه كان قائد الهجوم في الشمال القسنطيني الذي خطط له ونفذه يوم 20 أوت 1955.
وحسب شهادة المجاهد مصطفى بوغابة، فإن قادة الولاية الثانية بعد مؤتمر الصومام لم تكن هناك خصومات أو أزمات بين قادة هذه الولاية. فبسهولة تامة، جرت الاتصالات بين القادة العسكريين والمدنيين وتم تعيين لخضر بن طوبال قائدًا للولاية. وقد زودنا مصطفى بوغابة بمعلومات دقيقة عن زيارة الشهيد عمارة رشيد الى الولاية الثانية. كما تحدث عن زيارة رائعة للمجاهد سعد دحلب وتم تكليف المجاهد السعيد حمروش بمرافقة دحلب وتنظيم لقاءات بينه وبين قادة الولاية الأولى.
التواصل مع قادة الثورة في الخارج
إن المجاهد مصطفى بوغابة يملك معلومات دقيقة عن التواصل مع قيادة الجبهة في الداخل والخارج. وحسب المعلومات الواردة في مذكراته، فان قادة الشمال القسنطيني هم الذين أرسلوا المجاهد عبد الحميد براهيمي في ربيع 1956 إلى تونس للقيام بالترتيبات لعقد مؤتمر وطني. لكن هذه المجهودات لم تكلل بالنجاح ولم يحضر أعضاء الوفد الخارجي او قادة الاوراس. وتكلم بوغابة بإسهاب عن الدور القيادي في ثورة التحرير الذي قام به الشيخ أحمد حماني، نائب مدير معهد بن باديس وعضو خلية المجاهدين بنفس المعهد حيث ألقي عليه القبض من طرف الجيش الفرنسي بالجزائر العاصمة يوم 11 أوت 1957 وهو يحمل رسائل سرية من قادة الولاية الثانية إلى قادة ومنسقي أعمال الثورة بالجزائر العاصمة.
ونتج عن هذه الفاجعة بعد تعذيبه أن تعرفت فرنسا على أعضاء خلية المجاهدين بالمعهد، وألقي القبض على رئيس الخلية آنذاك الأستاذ الصادق مخلوف وزميله حمادي الهاشمي، بينما فر إلى الجبل والالتحاق بالمجاهدين صالح كحلوش.
ما هو مصير أعضاء من خلية معهد عبد الحميد بن باديس؟
باختصار شديد، وضح المجاهد مصطفى بوغابة أن ثوار معهد عبد الحميد بن باديس قد قدموا تضحيات كبيرة من أجل الوطن، وأن التاريخ سيسجل لهم بأنهم لم يقصروا في حق وطنهم وأنهم ساهموا في تحرير الجزاء من الاستعمار والعبودية.
إن القائمة الآتية بأسماء هؤلاء المجاهدين لخير دليل على مشاركتهم في ثورة التحرير وأن فرنسا قد قامت بشن حرب شعواء ضدهم ونكلت بهم، وقتلت العديد منهم. إنهم شهداء ويستحقون التكريم والاعتزاز بمواقفهم البطولية. والسؤال المطروح: ماذا كان مصير أعضاء خلية الثورة بمعهد عبد الحميد بن باديس؟
- إلقاء القبض على الشيخ عبد اللطيف سلطاني، أمين المال للجمعية، وعلى صالح نور، وعبد السلام برجاه.
- إلقاء القبض على المجاهد عباس التركي الذي كان يملك محلا بنهج “شارتر” وهو في الحقيقة كان مركز اتصالات بين قيادات ومنسقي أعمال الثورة بالجزائر العاصمة.
- إلقاء القبض على المجاهد لحسن فضلاء مدير مدرسة العين الباردة والتي كانت محطة هامة من محطات البريد الوارد من بعض الولايات.
- إلقاء القبض على مدير مدرسة الحراش التي كان يديرها الشهيد الربيع بوشامة الذي قامت السلطات الفرنسية بإعدامه.
- قيام قادة مجاهدين من خلية جمعية العلماء بمساعى لمعالجة أسباب الفتنة التي آثارها البعض بالدعوة إلى مقاطعة إخواننا الميزابيين باسم الثورة وعدم التعامل معهم اقتصاديا. وبفضل تدخل قادة من الشمال القسنطيني تم نزع فتيلة الفتنة وإطفاء هذه النار في الوقت المناسب.
قائمة قصيرة بأسماء شهداء ومجاهدين
بمعهد عبد الحميد بن باديس
- الشهيد أحمد رضا حوحو الكاتب العام للمعهد، تم اختطافه واغتياله بعد قتل عميد الشرطة سان مرسيلي بقسنطينة يوم 30 مارس، 1956.
- الشهيد العربي التبسي نائب رئيس جمعية العلماء، الذي تعرض للاختطاف والاغتيال يوم 4 أفريل 1957، ولا يعرف له قبر حتى الآن.
- الشهيد محمد الزاهي الميلي الذي التحق بجيش التحرير سنة 1957 واستشهد في معركة ضد الجيش الفرنسي دامت يومين، وخسر فيها الجيش الفرنسي 40 جنديا. وقعت المعركة في دوار أولاد يحي (بني خطاب) بمنطقة الميلية واستشهد فيها الاستاذ محمد الزاهي مع كوكبة من شهداء الثورة الجزائرية: (1) كحول حسين (2) بوزمرموع محمد (3) بوقزية علاوة (4) بورويس محمد، (5) الشوير محمد، (6) حوت العيد (7) الأخ عبد الرحمن.
- المجاهد الشيخ محمد العدوي الذي ألقى عليه القبض بقسنطينة وتم نقله إلى مركز التعذيب والاستنطاق بحامة بوزيان ومات تحت التعذيب في أواخر شهر أوت 1957.
- الشهيد أحمد بوشمال أمين مالية المعهد الذي ألقى عليه القبض وتم تعذيبه بـ “Cité Ameziane” حتى لفظ أنفاسه الأخيرة هناك في شهر سبتمبر 1958.
- الشهيد بوشاشية بلقاسم، مراقب عام بالمعهد، التحق بجيش التحرير في الولاية الثانية، وحارب إلى أن جرح في احدى المعارك البطولية التي خاضها جيش التحرير ضد جيوش الاستعمارية، وتوفي في إحدى المستشفيات بتونس إثر عملية جراحية. في صيف 1961.
- المجاهد الشيخ محمد خير الدين نائب مدير المعهد والنائب الثاني لرئيس جمعية العلماء، عين ممثلا لجبهة التحرير الوطني بالمغرب وذلك نظرا للمكانة الممتازة التي كانت تحتلها الجمعية في قلوب المغاربة.
- المجاهد الشيخ النعيمي النعيمي استاذ بالمعهد، التحق بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1956 بالولاية الأولى ثم أرسل إلى تونس للقيام بمهام محددة من طرف قيادة الثورة.
- المجاهد الشيخ العباس بن الشيخ الحسين، أستاذ بالمعهد، والمسؤول عن بعثات طلبة جمعية العلماء بالمشرق، ممثل جبهة التحرير الوطني في السعودية إلى أن تحقق الاستقلال.
- المجاهد محمد ابراهيمي الميلي، استاذ بالمعهد، التحق بالثورة مبكرا وكان هو المسؤول عن وسائل الاعلام بثورة التحرير بتونس، وكان معه الاستاذ الدكتور عبدالله شريط.
- المجاهد علي مرحوم، المفتش العام لمدارس جمعية العلماء، التحق بالثورة واشتغل مع الشيخ خير الدين بالمغرب بالوفد الخارجي للثورة.
- المجاهد الحفناوي هالي، استاذ بالمعهد، التحق بصفوف الجيش التحرير الوطني في الولاية الأولى سنة 1956، وتقلد عدة مسؤوليات بصفته ضابط سامي في الجيش الوطني الشعبي.
- المجاهد عبد الرحمن شيبان، استاذ بالمعهد، التحق بالثورة وساهم في القيام بمهمات كلفته بها جبهة التحرير الوطني بتونس.
- المجاهد عبد الرحمن بلغمراني، استاذ بالمعهد، انضم الى صفوف جيش التحرير، وكان هو الكاتب العام والأمين العام لمصلحة “التسليح والتموين والتخزين” للثورة.
- المجاهد أحمد حسين، استاذ بالمعهد، انضم الى صفوف منظمة جبهة التحرير الوطني بتونس وأشرف على تعليم ابناء المهاجرين الجزائريين بتونس.
- المجاهد محمد كحلوش، مراقب عام بالمعهد، التحق بصفوف جيش التحرير الوطني بالولاية الثانية، وتم ارساله إلى تونس وتكليفه بمهمة في الهلال الأحمر الجزائري بتونس الذي كان يرأسه السيد بن باحمد والذي كان الطالب عمار بوجوش يرسل له المعونات المالية من الولايات المتحدة عن طريق “مرغان تروست كومباني” في نيويورك.
- المجاهد الطاهر سعدي، استاذ بالمعهد، وعضو خلية جمعية العلماء بالمعهد، التحق بجيش التحرير وشغل عدة مناصب منها تنظيم الجالية الجزائريــة بتونس.
- المجاهد مصطفى بوغابة، استاذ بالمعهد، ونائب رئيس خلية جمعية العلماء لغاية نوفمبر 1956 حيث التحق بجيش التحرير الوطني في الولاية الثانية وتم تكليفه بمهمه في تونس من طرف قائد الولاية الثانية لخضر بن طوبال وعمار بن عودة وإبراهيم مزهودي.
- المجاهد ابراهيم مزهودي، مفتش عام لمدارس جمعية العلماء على مستوى الشرق الجزائري، المؤسس الأول لخلية المجاهدين بالمعهد، وعضو مجلس الثورة. حضر مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956.
- المجاهد عبد المجيد حيرش، استاذ بالمعهد، التحق بجيش التحرير الوطني، انتقل الى تونس واسندت له مهمة الاشراف على شؤون الطلبة الجزائريين بتونس وذلك تحت اشراف الرائد رابح نوار.
وهنا أتوقف لحظة وأتساءل: لماذا لم يتكلم الاستاذ مصطفى بوغابة في مذكراته عن أساتذة مرموقين ومجاهدين بجمعية العلماء أمثال الشيخ عبد القادر الياجوري، والشيخ محمد الصالح بن عتيق مدير مدرسة خطاب بالميلية، والشيخ احمد بو رزق (بوروح)، والأستاذ زوزو، ومحمود حمروش؟ اننا نستغرب عن عدم ذكرهم في هذه الوثيقة الهامة، لأنهم تعرضوا للتعذيب والاضطهاد من طرف الجيش الفرنسي، إنه لغز لأننا لا نعرف أي شيء عن مصيرهم حتى الآن.
ويلاحظ هنا أن مصطفى بوغابة لم يقصر في حق المجاهدات المعروفات عنده ومنهم، على سبيل المثال الشهيدات: (1) عيموز رقية (2)، مهدي جميلة (3)، لوصيف مباركة (4)، دباح لويزة (5)، محرم حليمة، وكذلك تعرض إلى ذكر بعض المجاهدات أمثال: (6) بايت مسعودة، (7) بن الشيخ الحسين نعيمة (8) قيصرلي زبيدة (9) احكيرف رقية، (10) عقيلة بن دغة و (11) أنيسة غمري.
الخلاصة:
إن مذكرات المجاهد مصطفى بوغابة التي كتبها ونشرها في وسائل الاعلام المكتوبة يوم 22 سبتمبر 1977 بقسنطينة تعتبر وثيقة ذات مصداقية كبيرة لأنه تم تحريرها من طرف شاهد عيان، وفي نظر المؤرخين أنه المصدر الأول لمعلومات موثقة. لقد كان نائب رئيس خلية المجاهدين والشهداء بمعهد عبد الحميد بن باديس، فقد عايش الأحداث واطلع على خبايا الثورة وأسرارها في الشمال القسنطيني. إنني اعترف هنا بأنني شاهدت المجاهد مصطفى بوغابة في 1955 و1956 عند ما كان يأتي إلى محل عمي أحمد دودو بعوينة الفول بقسنطينة ويأخذ الاشتراكات للثورة وكان يوزع تلك الأوراق المالية في الجاكيت التي كان يلبسها ثم يقوم بتخييط أطراف تلك الجاكيت حتى لا تجد الشرطة أموالا في جيبه في حالة إلقاء القبض عليه. كما لا يفوتنا هنا أن أثني عليه، لأنه كان معلّما بارعا، وعلّمنا كيف نحقد ونتعاون لطرد المستعمرين الأوروبيين من وطننا ونتخلص منهم بالسلاح، مادام الجيش الفرنسي قد احتل وطننا بالسلاح. كان يقول لنا إن النضال السياسي والمشاركة في المؤسسات الجزائرية التابعة للجالية الأوروبية بالجزائر، لا يجدي نفعاً، وأن القيام بثورة عامة وشاملة هي الأسلوب الفعال لتحقيق الاستقلال. وبدون شك، فإن مذكرات مصطفى بوغابة ذكرتني بما كان يقوله لنا أساتذة كبار معهد عبد الحميد بن باديس، أن جيل نوفمبر هو «جيل الثورة».
وبالفعل فقد تربينا، وتتلمذنا على أساتذتنا بالمعهد الذين هيؤونا للمشاركة في ثورة التحرير الوطنية. إننا سنبقى على مرّ السنين نعتز بالخدمات التي تلقيناها من أساتذة عظماء من أمثال الاستاذ عبد الرحمان شیبان والأستاذ أحمد حمانی والطاهر حراث، والأستاذ عبد القادر الياجوري. فلولا هؤلاء ما كنا نحن الآن أساتذة ونساهم في تكوين الاجيال الصاعدة في وطننا. إننا لن ننسى جميلهم علينا. طيّب الله مثواهم وأنعم عليهم بالسعادة والهناء في دار الخلد.
